الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة: أحضر السلطان ولدَه الملك الأفضل من مصر، وأقطعه دمشق، ثم أحضر أخاه العادل من حلب، وجعل ولدَه العزيزَ عثمان نائباً عنه بمصر، واستدعى تقيَّ الدين من مصر، وزاده على حماة: منبج، والمعرَّة، وكفر طاب، وميَّا فارقين، وجبل جوز بجميع أعمالها، واستقر العزيز عثمان والعادل في مصر، ولما أخذ السلطان حلب من أخيه العادل، أقطعه عوضها حرانَ، والرها.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة:
*
ذكر غزوات السلطان الملك الناصر صلاح الدين وفتوحاته في هذه السنة:
جمع السلطان العساكر، وسار بفرقة من العسكر، وضايق الكرك؛ خوفاً على الحاجِّ من صاحب الكَرَك، وأرسل فرقة أخرى مع ولده الملكِ الأفضل، فأغاروا على بلد عكا وتلك النواحي، وغنموا شيئاً كثيراً، ثم سار السلطان، ونزل على طبريَّة، وحصر مدينتها، وفتحها عنوة بالسيف، وأخرب القلعة.
*
ذكر وقعة حطين:
وهي الوقعة العظيمة التي فتح الله بها الساحل، وذلك أنه لما فتح السلطان مدينة طبرية، اجتمع الفرنج في ملوكهم بفارسهم وراجلهم، وساروا إلى السلطان، فركب السلطان من عند طبرية وسار إليهم يوم السبت، لخمسٍ بقين من ربيع الآخر، والتقى الجمعان، واشتد بهم
القتال، ونصر الله المسلمين، وأحدقوا بالفرنج من كل ناحية، وأبادهم قتلاً وأسراً، وما أصيب الفرنج من حين خرجوا إلى الشام في سنة إحدى وتسعين وأربع مئة وإلى الآن بمصيبة مثل هذه الوقعة.
ثم عاد السلطان إلى طبرية، وفتح قلعتها بالأمان، ثم فتح عكا بالأمان، ثم أرسل أخاه الملك العادل، فنازل مجدل يابا (1)، وفتحها عنوة بالسيف، ثم فرق السلطان عسكره، ففتحوا الناصرة، وقيسارية، وحيفا، وصفورية، ومعلثا، والفُولة، وغيرها من البلاد، وغنموا وقتلوا وأسروا.
وأرسل فرقة إلى نابلس، فملكوا قلعتها بالأمان.
ثم أرسل الملك العادل إلى يافا، وفتحها عنوة بالسيف، ثم سار إلى صيدا، فأخلاها صاحبُها، وتسلمها السلطان ساعةَ وصوله، لتسع بقين من جمادى الأولى.
ثم سار إلى بيروت، فحصرها، وتسلَّمها في التاسع والعشرين (2) جمادى الأولى بالأمان، وتسلم جبيل، وأطلق صاحبَها، ولم تك عاقبةُ إطلاقه حميدة؛ فإنه كان من أعظم الفرنج، وأشدِّهم عداوة للمسلمين.
ثم سار السلطان إلى عسقلان، وحاصرها أربعة عشر يوماً، وتسلمها بالأمان سلخ جمادى الآخرة.
(1) في الأصل: "مجد اليابا".
(2)
في الأصل: "تاسع عشرين".
ثم بث السلطان عسكره، ففتحوا الرملة، والداروم، وغزة، وبيت لحم، وبيت جبريل، والبطرون، وغير ذلك.
ثم سار السلطان، ونازل القدس، وبه من النصارى عددٌ يفوت الحصر، وضايق السلطان السور بالنقَّابين، واشتد القتال، وعلَّقوا الستور، وطلب الفرنج الأمان، فلم يجبهم السلطان إلى ذلك، وقال: لا آخذها إلا بالسيف، مثل ما أخذها الفرنج من المسلمين، فعاودوه في الأمان، وعرَّفوه ما هم عليه من الكثرة، وأنهم إن أيسوا من الأمان، قاتلوا خلاف ذلك، فأجابهم السلطان إليه بشرط أن يؤدي كلُّ من بها عشرة دنانير عشرة دنانير من الرجال، وتؤدي النساء خمسة خمسة، ويؤدى عن الطفل دينارين، وأي من عَجَز عن الأداء كان أسيراً، فأجيب إلى ذلك، وسلِّمت إليه المدينة يوم الجمعة، في السابع والعشرين من رجب، سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، وكان يوماً مشهوداً، ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره، ورتب السلطان على أبواب البلد من يقبض منهم المال المذكور.
وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مُذَهَّب، وتسلق المسلمون وقلعوه، فسُمع لذلك ضجة لم يُعهد مثلُها من المسلمين للفرح والسرور.
وكان بيت المقدس في أيدي الفرنج من يوم الجمعة، لسبعٍ بقين من شعبان، سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة - كما تقدم في ترجمة المستعلي بأمر الله العلوي صاحب مصر - وكان الفرنج قد عملوا في غربي الجامع الأقصى هرباً ومستراحاً، فأمر السلطان بإزالة ذلك، وإعادة الجامع إلى ما كان عليه.