الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والقشيرى سيد وقته وخلائق يطول تعدادهم من عُلَمَاء الْأمة وَبِالْجُمْلَةِ كتبُوا استفتاء وأرسلوه إِلَى بَغْدَاد فَلم يبْق حنفى وَلَا شافعى إِلَّا وَبَالغ فى الْكتاب وعظمت عَلَيْهِ هَذِه الرزية وَقد قدمنَا ذكر بعض فتاويهم وَلَا نطيل بالباقى ففى الْقَلِيل غنية عَن الْكثير
ذكر كتاب البيهقى إِلَى عميد الْملك
قد سَاق ابْن عَسَاكِر جَمِيعه وَنحن نأتى على أَكْثَره
كَانَ البيهقى بِمَدِينَة بيهق فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الْخَبَر شقّ عَلَيْهِ وَكَانَ مُحدث زَمَانه وَشَيخ السّنة فى وقته فَكتب إِلَى عميد الْملك مَا أخبرتنا بِهِ أَسمَاء بنت صصرى فى كتابها عَن مكى بن عَلان أَن الْحَافِظ أَبَا الْقَاسِم أنبأه قَالَ أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن حبيب العامرى الْحَافِظ قَالَ أخبرنَا شيخ الْقُضَاة أَبُو على إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن الْحُسَيْن البيهقى أخبرنَا والدى الإِمَام أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن قَالَ
سَلام الله وَرَحمته وَبَرَكَاته على الشَّيْخ العميد وإنى أَحْمد إِلَيْهِ الله الذى لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ وأصلى على رَسُوله مُحَمَّد وعَلى آله أما بعد فَإِن الله جلّ ثَنَاؤُهُ بفضله وجوده يُؤْتى من يَشَاء من عباده ملك مَا يُرِيد من بِلَاده ثمَّ يهدى من يَشَاء مِنْهُم إِلَى صراطه ويوفقه للسعى فى مرضاته وَيجْعَل لَهُ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ وَزِير صدق يومى إِلَيْهِ بِالْخَيرِ ويحض عَلَيْهِ ومعين حق يُشِير إِلَيْهِ بِالْبرِّ ويعين عَلَيْهِ ليفوز الْأَمِير والوزير مَعًا بِفضل الله فوزا عَظِيما وينالا من نعْمَته حظا جسيما وَكَانَ الْأَمِير أدام الله دولته مِمَّن آتَاهُ الله الْملك وَالْحكمَة وَالشَّيْخ العميد أدام الله سيادته مِمَّن جعل الله لَهُ وَزِير صدق إِن نسى ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ كَمَا أخبر سيدنَا الْمُصْطَفى صلى الله عليه وسلم عَن كل أَمِير
أَرَادَ الله بِهِ خيرا فَعَادَت بجميل نظر الْأَمِير أدام الله أَيَّامه وَحسن رعايته وسياسته بِلَاد خُرَاسَان إِلَى الصّلاح بعد الْفساد وطرقها إِلَى الْأَمْن بعد الْخَوْف حَتَّى انْتَشَر ذكره بالجميل فى الْآفَاق وأشرقت الأَرْض بِنور عدله كل الْإِشْرَاق وَلذَلِك قَالَ سيدنَا الْمُصْطَفى صلى الله عليه وسلم فِيمَا روى عَنهُ (السُّلْطَان ظلّ الله وَرمحه فى الأَرْض) وَقَالَ عليه السلام فِيمَا روى عَنهُ (يَوْم من إِمَام عَادل أفضل من عبَادَة سِتِّينَ سنة) وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك
(لَوْلَا الْأَئِمَّة لم تأمن لنا سبل
…
وَكَانَ أضعفنا نهبا لأقوانا)
زَاده الله تأييدا وتسديدا وَزَاد من يؤازره فى الْخَيْر ويحثه عَلَيْهِ تَوْفِيقًا وتسديدا ثمَّ إِنَّه أعز الله نَصره صرف همته الْعَالِيَة إِلَى نصر دين الله وقمع أَعدَاء الله بعد مَا تقرر للكافة حسن اعْتِقَاده بتقرير خطباء أهل مَمْلَكَته على لعن من اسْتوْجبَ اللَّعْن من أهل الْبدع ببدعته وأيس أهل الزيغ عَن زيغه عَن الْحق وميله عَن الْقَصْد فَألْقوا فى سَمعه مَا فِيهِ مساءة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة كَافَّة ومصيبتهم عَامَّة من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة الَّذين لَا يذهبون فى التعطيل مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة وَلَا يسلكون فى التَّشْبِيه طرق المجسمة فى مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا ليتسلوا بالأسوة مَعَهم فى هَذِه المساءة عَمَّا يسوؤهم من اللَّعْن والقمع فى هَذِه الدولة المنصورة ثبتها الله وَنحن نرجو عثوره عَن قريب على مَا قصدُوا ووقوفه على مَا أَرَادوا فيستدرك بِتَوْفِيق الله مَا بدر مِنْهُ فِيمَا ألْقى إِلَيْهِ وَيَأْمُر بتعزيز من زور عَلَيْهِ وقبح صُورَة الْأَئِمَّة بَين يَدَيْهِ وَكَأَنَّهُ خفى عَلَيْهِ أدام الله عزه حَال شَيخنَا أَبى الْحسن الأشعرى رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضوانه وَمَا يرجع إِلَيْهِ
من شرف الأَصْل وَكبر الْمحل فى الْعلم وَالْفضل وَكَثْرَة الْأَصْحَاب من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة الَّذين رَغِبُوا فى علم الْأُصُول وأحبوا معرفَة دَلَائِل الْعُقُول وَالشَّيْخ العميد أدام الله توفيقه أولى أوليائه وأحراهم بتعريفه حَاله وإعلامه فَضله لما يرجع إِلَيْهِ من الْهِدَايَة والدراية والشهامة والكفاية مَعَ صِحَة العقيدة وَحسن الطَّرِيقَة
وفضائل الشَّيْخ أَبى الْحسن ومناقبه أَكثر من أَن يُمكن ذكرهَا فى هَذِه الرسَالَة لما فى الإطالة من خشيَة الملالة لكنى أذكر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى من شرفه بآبائه وأجداده وفضله بِعِلْمِهِ وَحسن اعْتِقَاده وَكبر مَحَله بِكَثْرَة أَصْحَابه مَا يحملهُ على الذب عَنهُ وَعَن أَتْبَاعه
ثمَّ أَخذ البيهقى فى ذكر تَرْجَمَة الشَّيْخ وَذكر نسبه ثمَّ قَالَ إِلَى أَن بلغت النّوبَة إِلَى شَيخنَا أَبى الْحسن الْأَشْعَرِيّ رحمه الله فَلم يحدث فى دين الله حَدثا وَلم يَأْتِ فِيهِ ببدعة بل أَخذ أقاويل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة فى أصُول الدّين فنصرها بِزِيَادَة شرح وتبيين وَأَن مَا قَالُوا وَجَاء بِهِ الشَّرْع فى الْأُصُول صَحِيح فى الْعُقُول بِخِلَاف مَا زعم أهل الْأَهْوَاء من أَن بعضه لَا يَسْتَقِيم فى الآراء فَكَانَ فى بَيَانه وثبوته مَا لم يدل عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ونصرة أقاويل من مضى من الْأَئِمَّة كأبى حنيفَة وسُفْيَان الثورى من أهل الْكُوفَة والأوزاعى وَغَيره من أهل الشَّام
وَمَالك والشافعى من أهل الْحَرَمَيْنِ وَمن نحا نَحْوهمَا من أهل الْحجاز وَغَيرهَا من سَائِر الْبِلَاد وكأحمد بن حَنْبَل وَغَيره من أهل الحَدِيث وَاللَّيْث بن سعد وَغَيره وأبى عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى وأبى الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النيسابورى إمامى أهل الْآثَار وحفاظ السّنَن الَّتِى عَلَيْهَا مدَار الشَّرْع إِلَى أَن قَالَ
وَصَارَ رَأْسا فى الْعلم من أهل السّنة فى قديم الدَّهْر وَحَدِيثه وَبِذَلِك وعد سيدنَا الْمُصْطَفى صلى الله عليه وسلم أمته فِيمَا روى عَنهُ أَبُو هُرَيْرَة أَنه قَالَ (يبْعَث الله لهَذِهِ الْأمة على رَأس كل مائَة سنة من يجدد لَهَا دينهَا) ثمَّ سَاق حَدِيث الْأَشْعَرِيين وَإِشَارَة النبى صلى الله عليه وسلم إِلَى أَبى مُوسَى وَقد قدمنَا ذَلِك إِلَى أَن قَالَ
وَحين كثرت المبتدعة فى هَذِه الْأمة وَتركُوا ظَاهر الْكتاب وَالسّنة وأنكروا مَا ورد أَنه من صِفَات الله تَعَالَى نَحْو الْحَيَاة وَالْقُدْرَة وَالْعلم والمشيئة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام والبقاء وجحدوا مادلا عَلَيْهِ من الْمِعْرَاج وَعَذَاب الْقَبْر وَالْمِيزَان وَأَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان وَأَن أهل الْإِيمَان يخرجُون من النيرَان وَمَا لنبينا صلى الله عليه وسلم من الْحَوْض والشفاعة وَمَا لأهل الحنة من الرُّؤْيَة وَأَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة كَانُوا محقين فِيمَا قَامُوا بِهِ من الْولَايَة وَزَعَمُوا أَن شَيْئا من ذَلِك لَا يَسْتَقِيم على الْعقل وَلَا يَصح على الرأى أخرج الله من نسل أَبى مُوسَى الأشعرى رضى الله عَنهُ إِمَامًا قَامَ بنصرة دين الله وجاهد بِلِسَانِهِ وَبَيَانه من صد عَن سَبِيل الله وَزَاد فى التَّبْيِين لأهل الْيَقِين أَن مَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سلف هَذِه الْأمة مُسْتَقِيم على الْعُقُول الصَّحِيحَة
إِلَى أَن قَالَ بعد ذكر حَدِيث عمرَان بن الْحصين الذى قدمْنَاهُ فَمن تَأمل هَذِه الْأَحَادِيث وَعرف مَذْهَب شَيخنَا أَبى الْحسن فى علم الْأُصُول وَعرف تبحره فِيهِ أبْصر صنع الله عزت قدرته فى تَقْدِيم هَذَا الأَصْل الشريف لما ذخر لِعِبَادِهِ من هَذَا الْفَرْع المنيف الذى أَحْيَا بِهِ السّنة وأمات بِهِ الْبِدْعَة وَجعله خلف حق لسلف صدق