الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِن أَرَادَ التنظير بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعِير فقد قَالَه الْأَصْحَاب واستشكلوا النَّص على أَن الْبَعِير لَا يتَنَاوَل النَّاقة وصححوا أَنه يتَنَاوَلهُ وَإِن أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجمل أَيْضا كَمَا هُوَ ظَاهر إِطْلَاقه فَغَرِيب فالمعروف عِنْد الْأَصْحَاب مَا هُوَ الْمَنْصُوص من أَن الْجمل لَا يتَنَاوَل النَّاقة وَبِالْعَكْسِ
وَقَالَ فى هَذَا الْبَاب أَيْضا وَإِن أوصى بِثُلثِهِ للغازى فى سَبِيل الله أَو للْمَسَاكِين فهم الَّذين من الْبَلَد الَّذِي فِيهِ مَاله انْتهى
وَهَذَا وَجه وَالصَّحِيح جَوَاز النَّقْل وَالصرْف إِلَى من فى بلد أُخْرَى وَقد نبهنا قَوْله الْبَلَد الذى فِيهِ مَاله على أَنه لَو كَانَ فى بلد وَمَاله فى آخر كَانَت الْعبْرَة عِنْد من لَا يرى النَّقْل بِبَلَد مَاله لَا بَلَده وهى مَسْأَلَة
111 - مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الفاشانى
من قَرْيَة فاشان إِحْدَى قرى مرو بفاء مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ شين مُعْجمَة ثمَّ ألف ثمَّ نون
هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْجَلِيل شيخ الْإِسْلَام أَبُو زيد المروزى الْمُنْقَطع القرين فَلَيْسَ من يساجله والمنقطع القرين يتْركهُ مصفرا أنامله والمنقطع إِلَى رب الْعَالمين فَلَا يعامر سواهُ وَلَا يعامله فَرد الْأمة فى عصره وَوَاحِد الزَّمَان بِاتِّفَاق أهل مصره وَغير مصره أَبُو زيد فى الْعلم وَعَمْرو وَبكر وخَالِد وَشَيخ كل صادر من المريدين ووارد أحد الْأَفْرَاد علما وورعا وَوَاحِد الْآحَاد إفرادا وجمعا
مولده سنة إِحْدَى وثلاثمائة
حدث عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الفربرى وَعمر بن علك المروزى وَمُحَمّد بن عبد الله السعدى وأبى الْعَبَّاس الدغولى وَأحمد بن مُحَمَّد المنكدرى وَغَيرهم
روى عَنهُ الْهَيْثَم بن أَحْمد الصّباغ وَعبد الْوَاحِد بن مشماس وَعبد الْوَهَّاب الميدانى وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى وَغَيرهم من النيسابوريين
وَأَبُو الْحسن الدارقطنى كَذَا قَالَ الذهبى مَعَ تقدمه وَلم يتَقَدَّم لَا مولدا وَلَا وَفَاة نعم هُوَ أَكثر الروَاة عَنهُ وَأَبُو بكر البرقانى وَمُحَمّد بن أَحْمد المحاملى وَغَيرهم من البغداديين
والفقيه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن إِبْرَاهِيم الْأصيلِيّ وَآخَرُونَ
وَكَانَ مِمَّن أجمع النَّاس على زهده وورعه وَكَثْرَة علمه وجلالته فى الْعلم وَالدّين قَالَ الْحَاكِم كَانَ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين وَمن أحفظ النَّاس لمَذْهَب الشافعى وَأَحْسَنهمْ نظرا وأزهدهم فى الدُّنْيَا سَمِعت أَبَا بكر الْبَزَّار يَقُول عادلت الْفَقِيه أَبَا زيد من نيسابور إِلَى مَكَّة فَمَا أعلم أَن الْمَلَائِكَة كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة
وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين حَافِظًا لمَذْهَب الشافعى حسن النّظر مَشْهُورا بالزهد والورع
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب حسن النّظر مَشْهُورا بالزهد وَحدث بالجامع الصَّحِيح للبخارى
قَالَ الْحَاكِم وهى من أجل الرِّوَايَات لجلالة أَبى زيد
وَقَالَ الْخَطِيب أَبُو زيد أجل من روى ذَلِك الْكتاب
قلت وَعَجِبت من إغفال الْحَاكِم سَماع صَحِيح البخارى مِنْهُ إِن كَانَ أغفله ثمَّ عجبت من إغفال النَّاس أَخذه عَن الْحَاكِم إِن كَانَ لم يغفله
وَقد جاور أَبُو زيد بِمَكَّة على علو السن مُدَّة حَتَّى كَاد يعرفهُ ركن الْحطيم ويألفه مقَام إِبْرَاهِيم ويشكر سَعْيه الصَّفَا وَيذكر محامده إخْوَان الصَّفَا ينشر الْعلم ويشيعه
ويطوى اللَّيْل وَلَا يضيعه حَتَّى تضوع مِنْهُ مسكا بطن نعْمَان وترفع بحلوله قدرا مَا هُنَالك من الْأَركان
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَقِيه يَقُول سَمِعت أَبَا زيد المروزى يَقُول لما عزمت على الرُّجُوع إِلَى خُرَاسَان من مَكَّة تقسم قلبى بذلك وَكنت أَقُول مَتى يمكننى هَذَا والمسافة بعيدَة وَالْمَشَقَّة لَا أحتملها وَقد طعنت فى السن فَرَأَيْت فى الْمَنَام كَأَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَاعد فى صحن الْمَسْجِد الْحَرَام وَعَن يَمِينه شَاب فَقلت يَا رَسُول الله قد عزمت على الرُّجُوع إِلَى خُرَاسَان والمسافة بعيدَة فَالْتَفت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الشَّاب وَقَالَ (يَا روح الله آصحبه إِلَى وَطنه)
وَقَالَ أَبُو زيد فَأريت أَنه جِبْرِيل عليه السلام فَانْصَرَفت إِلَى مرو وَلم أحس بشئ من مشقة السّفر هَذَا أَو نَحوه فإنى لم أراجع الْمَكْتُوب عندى من لفظ أَبى الْحسن انْتهى كَلَام الْحَاكِم
وَفِيه كَمَا أرى أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد وَحَكَاهُ كَذَلِك عَن الْحَاكِم الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فى كتاب تَبْيِين كذب المفترى وَابْن الصّلاح فى الطَّبَقَات وَأَبُو الْحسن تقدم فى الأحمدين وَتَقَدَّمت عَنهُ هَذِه الْحِكَايَة وَتقدم قَول الْحَاكِم أخبرنى الثِّقَة أَنه أَحْمد بن مُحَمَّد فَلَا تتوهمن أَنه اثْنَان وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِد فى اسْمه اخْتِلَاف وَذكر الْحَاكِم تَرْجَمته فى موضِعين فليضبط ذَلِك
وَمِمَّا يذكر من ورع الشَّيْخ أَبى زيد قَالَ القاضى الْحُسَيْن فى التعليقة قَالَ الشَّيْخ الْقفال سَأَلت الشَّيْخ أَبَا زيد لم جوز الشافعى صَلَاة النَّفْل فى السّفر رَاكِبًا وماشيا غير مُسْتَقْبل
فَقَالَ إِن للنَّاس أورادا كَثِيرَة وَرُبمَا يحْتَاج الْمَرْء إِلَى الْخُرُوج إِلَى السّفر فى معاشه ومكاسبه فَلَو قُلْنَا إِنَّه لَا تجوز لَهُ النَّافِلَة فى السّفر لَأَدَّى ذَلِك إِلَى أَن يشْتَغل بالأوراد وَيَنْقَطِع عَن معايشه
وَقَالَ أَيْضا سَأَلت أَبَا عبد الله الخضرى عَن هَذَا فَقَالَ رُبمَا كَانَ للْإنْسَان أوراد كَثِيرَة وَخرج إِلَى السّفر فى بعض حَوَائِجه لأمر معاشه فَلَو قُلْنَا لَا تجوز لَهُ النَّافِلَة فى السّفر لَأَدَّى ذَلِك إِلَى تَركه الأوراد واشتغاله بمعاشه
قَالَ الْقفال انْظُرُوا إِلَى فضل مَا بَينهمَا فَإِن أَبَا زيد كَانَ رجلا زاهدا فَقدم أَمر الدّين على الدُّنْيَا فى الْجَواب وَكَانَ الخضرى مَشْغُولًا بالدنيا وَصلَاته كَصَلَاة الْفُقَهَاء فَقدم أَمر الدُّنْيَا
قلت ثمَّ مَا كَانَ ورع الشَّيْخ أَبى زيد بِحَيْثُ يُخرجهُ إِلَى الْحَد الذى ينتهى إِلَيْهِ أهل الوسوسة من عوام المتورعين الَّذين إِذا أعْطوا يَسِيرا من الدّيانَة مَعَ الْجَهْل تنطعوا فى الجزئيات يدل على ذَلِك أَن أَصْحَابنَا يَقُولُونَ فِيمَا إِذا تنجس الْخُف بخرزه بِشعر الْخِنْزِير ثمَّ غسل سبعا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ أَنه يطهر ظَاهره دون بَاطِنه وَهُوَ مَوضِع الدروز
وَقَالَ الرافعى فى أَوَاخِر بَاب الْأَطْعِمَة وَيُقَال إِن الشَّيْخ أَبَا زيد كَانَ يصلى مَعَ الْخُف النَّوَافِل دون الْفَرَائِض فَرَاجعه الْقفال فِيهِ فَقَالَ إِن الْأَمر إِذا ضَاقَ اتَّسع
قَالَ الرافعى أَشَارَ بِهِ إِلَى كَثْرَة النَّوَافِل
قَالَ النووى بل الظَّاهِر أَنه أَشَارَ إِلَى أَن هَذَا الْقدر مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى ويتعذر أَو يشق الِاحْتِرَاز مِنْهُ فعفى عَنهُ مُطلقًا وَإِنَّمَا كَانَ لَا يصلى فِيهِ الْفَرِيضَة احْتِيَاطًا لَهَا وَإِلَّا فَمُقْتَضى قَوْله الْعَفو فيهمَا وَلَا فرق بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فى اجْتِنَاب النَّجَاسَة وَيدل على صِحَة مَا تأولته أَن الْقفال قَالَ سَأَلت أَبَا زيد عَن جَوَاز الصَّلَاة فى الْخُف يخرز بِشعر الْخِنْزِير فَقَالَ الْأَمر إِذا ضَاقَ اتَّسع
قَالَ الْقفال مُرَاده أَن بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى الخرز بِهِ فللضرورة جَوَّزنَا ذَلِك
قلت لم يَتَّضِح لى مُخَالفَة كَلَام النووى للرافعى بل قَول الرافعى إِن أَبَا زيد أَشَارَ بِهِ إِلَى كَثْرَة النَّوَافِل مَعْنَاهُ مَا ذكره النووى من أَن كثرتها اقْتَضَت أَلا يحْتَاط لَهَا كَمَا يحْتَاط للفريضة من أجل الْمَشَقَّة
وَذكر ابْن الرّفْعَة فى بَاب مسح الْخُف أَن أَبَا زيد فى كَلَامه هَذَا مُتبع للشافعى
قَالَ فَإِن الخطابى حَكَاهُ عَنهُ عِنْد الْكَلَام فى الذُّبَاب يَقع فى المَاء الْقَلِيل أَن مبْنى الشَّرِيعَة على أَن الْأَمر إِذا ضَاقَ اتَّسع
قَالَ ابْن الرّفْعَة على أَنه يُمكن أَن يُعلل ذَلِك بِأَن الدَّاخِل من مَوَاضِع الخرز قد انسد بالخيط فَصَارَ فى حكم الْبُطُون والنجاسة فى الْبَاطِن لَا تمنع الصِّحَّة بِدَلِيل أَن ظَاهر نَص الشافعى صِحَة الصَّلَاة فى جلد الْميتَة المدبوغ وَإِن قُلْنَا الدّباغ لَا يطهر بَاطِنه وَنَصه على أَنه لَو سقى سَيْفه شَيْئا نجسا طهر بإفاضة المَاء على ظَاهره ولأجله وَالله أعلم قَالَ بعض أَصْحَابنَا إِذا حمل قَارُورَة فِيهَا نَجَاسَة بعد تصميم رَأسهَا فى صلَاته تصح انْتهى
قلت وَحَاصِله محاولة أَنه مَعْفُو عَنهُ وَأَنه صَار بَاطِنا لَا يعْطى حكم النَّجَاسَة
وَقد يُقَال لَو كَانَ كَذَلِك لصلى فِيهِ الْفَرْض وَالنَّفْل جَمِيعًا
وَيُجَاب بِأَن القَوْل بِأَنَّهُ لَا تمْتَنع الصِّحَّة لَيْسَ قَطْعِيا بل هُوَ مظنون فاحتيط فِيهِ للْفَرض مَا لم يحتط للنفل