الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهكذا يصبح فعل الخير له مدلول عند الطفل، وامتناعه عن الشر يصبح أشبه بالقربان يقربه إلى الله لينال عفوه ورضاه ومحبته. وصلاة الطفل في هذا العمر لها أثر عميق في نفسه؛ لأنها منه تخرج خاشعة لا يدخل فيها رياء أو نفاق أو غفلة، ويكون ارتباطه فيها بربه أقوى مما كان عليه في أي وقت مضى؛ لأنه أدرك معنى التوسل إلى الله، واتضح له صوت الحق في عظمته وسلطانه، ودعاه خوفه منه إلى التوسل إليه أن يعينه على نوازع الشر في نفسه، وأن يهديه إلى طريق الخير والإيمان، ولهذا كان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع وأن نضربهم عليها لعشر "أي: إذا لم يصلوا حتى العاشرة". ومتابعة الأطفال في الصلاة وخاصة بالمدرسة أمر يجعل من التربية الإسلامية حقيقة واقعة؛ لأن الطفل حساس إذا وجد القول يخالف الفعل اهتزت لديه كثير من القيم. فإذا علمناه الصلاة وفضائلها، وتركنا نحن الصلاة، أو تركناه بلا دافع يدفعه إليها، فكأننا بذلك، نقول له تعلم النفاق والكذب. وكل تعاليم الإسلام كذلك. تحتاج منا إلى متابعة وتهيئة الجو الذي يشعر فيه التلاميذ بحقيقة هذه التعاليم وفضلها على غيرها.
الطفولة المتأخرة والروحانية:
يتحول الطفل في العاشرة من عمرة إلى طاقة روحانية مستعدة لتقبل الأوامر الإلهية والامتثال لها أكثر من أي فترة أخرى في حياته الماضية والمستقبلة. ويتجه بفكره إلى الله مدركا جوانب التنزيه والوحدانية والقدرة لديه. ومتقبلا لهذه الصفات تقبلا نفسيا يشعر معه بالراحة والرضا والاطمئنان. ويرجع ذلك إلى رقي فكره، وتنوع خبرته، واتساع مدركاته، واحتكاكه مع مظاهر
الطبيعة الدالة على خالقها ومبدعها. وقدرته في هذه المرحلة على التأمل والتخيل، مما يساعده على تصور عظمة الذات الإليهة وعدم القدرة على رؤيتها أو تشبيهها بشيء، وهو في تمثله لهذه الأشياء يتفق مع فطرته، ومع طبيعة المخلوقات التي هي مساقة دائما إلى الامتثال والخضوع للقوة العليا، المسيطرة على هذا الكون، والطفل في هذا العمر أرقى المخلوقات وأنقاها روحيا وجسديا، حيث هو بعيد عن الأدناس لم تدخله بعد عوامل الحقد والحسد والطمع.
ولم تسيطر عليه الشهوات والأهواء، لذلك نراه إذا ما وجه الوجهة السليمة نحو الإيمان والخير اندفع إليهما في تعلق وشوق. ودور التربية الدينية في هذه الفترة يقوم على تعليل الأشياء له تعليلا مقبولا، وربط الأمور الغيبية بالواقع المشاهد في حياته التعليمية والعملية.
وكلما كان معلم التربية الإسلامية واعيا لأهدافها، متمثلا لمواقف الحق والجمال فيها. كانت قدرته على تثبيت تلك الأهداف وتمثله لتلك المواقف في نفوس التلاميذ أدق وأنفع. فالمعلم الذي يبين أن الله شديد العقاب، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وينسى أن الله غفور رحيم، ويقبل التوبة من عباده، ويجب التائبين ويتقرب إليهم، هو معلم آلي. ما إن تخرج المعلومات منه حتى تصطدم بجدران الصف الذي يقف فيه، لا تتعداه إلى فكر التلاميذ وسلوكهم واتجاهاتهم. لذلك أدعو إلى أن يكون معلم الدين متخصصا ومختارا بطريقة دقيقة وواعية، وأن يجري تدريبه دائما على تحسين مواقفه والارتقاء بها في دروس الدين، والعمل على إيجاد المجالات له ليتصل بتلاميذه وبيئاتهم ومجتمعاتهم الأسرية.
وقد عرف المربون المسلمون قديما أن لدى الطفل ميلا طبيعيا لحب الثناء والظهور، فمدحوه على ما يبدو منه من قول حسن أو فعل جميل، وشجعوه
بكل الوسائل على الاستمرار في المحافظة على مكانته لديهم، وعلى الاجتهاد الدائم في إصلاح نفسه، ولم يكثروا من لومه وتوبيخه حين يظهر حبه لنفسه أو رغبته في شيء؛ لأن الإكثار من التأنيب يميت قلب الطفل، وكلمة صغيرة من المدح والثناء تصلحه وتهذبه، وتقوم خلقه؛ لأنه يميل لذلك بفطرته ويكوه اللوم والتجريح وإساءة الظن به. ومعلم التربية الإسلامية يجب أن يلاحظ ذلك. وأن يتخذ من دروس الدين وسيلة لتحقيق ما يريده من العادات الحسنة لدى الأطفال، وتهذيب أخلاقهم، وتعويدهم فعل الخير واجتناب الشر. وأن يعمل جاهدا على أن يكون المثل والقدوة.