المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل الكاف والفاء - عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ - جـ ٣

[السمين الحلبي]

فهرس الكتاب

- ‌باب الظاء

- ‌فصل الظاء والعين

- ‌فصل الظاء والفاء

- ‌فصل الظاء واللام

- ‌فصل الظاء والميم

- ‌فصل الظاء والنون

- ‌فصل الظاء والهاء

- ‌باب العين

- ‌فصل العين والباء

- ‌فصل العين والتاء

- ‌فصل العين والثاء

- ‌فصل العين والجيم

- ‌فصل العين والدال

- ‌فصل العين والذال

- ‌فصل العين والراء

- ‌فصل العين والزاي

- ‌فصل العين والسين

- ‌فصل العين والشين

- ‌فصل العين والصاد

- ‌فصل العين والضاد

- ‌فصل العين والطاء

- ‌فصل العين والظاء

- ‌فصل العين والفاء

- ‌فصل العين والقاف

- ‌فصل العين والكاف

- ‌فصل العين واللام

- ‌فصل العين والميم

- ‌فصل العين والنون

- ‌فصل العين والهاء

- ‌فصل العين والواو

- ‌فصل العين والياء

- ‌باب الغين

- ‌فصل الغين والباء

- ‌فصل الغين والثاء

- ‌فصل الغين والدال

- ‌فصل الغين والراء

- ‌فصل الغين والزاي

- ‌فصل الغين والسين

- ‌فصل الغين والشين

- ‌فصل الغين والصاد

- ‌فصل الغين والضاد

- ‌فصل الغين والطاء

- ‌فصل الغين والفاء

- ‌فصل الغين واللام

- ‌فصل الغين والميم

- ‌فصل الغين والنون

- ‌فصل الغين والواو

- ‌فصل الغين والياء

- ‌باب الفاء

- ‌فصل الفاء والألف

- ‌فصل الفاء والتاء

- ‌فصل الفاء والجيم

- ‌فصل الفاء والحاء

- ‌فصل الفاء والخاء

- ‌فصل الفاء والدال

- ‌فصل الفاء والراء

- ‌فصل الفاء والزاي

- ‌فصل الفاء والسين

- ‌فصل الفاء والشين

- ‌فصل الفاء والصاد

- ‌فصل الفاء والضاد

- ‌فصل الفاء والطاء

- ‌فصل الفاء والظاء

- ‌فصل الفاء والعين

- ‌فصل الفاء والقاف

- ‌فصل الفاء والكاف

- ‌فصل الفاء واللام

- ‌فصل الفاء والنون

- ‌فصل الفاء والهاء

- ‌فصل الفاء والواو

- ‌فصل الفاء والياء

- ‌باب القاف

- ‌فصل القاف والباء

- ‌فصل القاف والتاء

- ‌فصل القاف والثاء

- ‌فصل القاف والحاء

- ‌فصل القاف والدال

- ‌فصل القاف والذال

- ‌فصل القاف والراء

- ‌فصل القاف والسين

- ‌فصل القاف والشين

- ‌فصل القاف والصاد

- ‌فصل القاف والضاد

- ‌فصل القاف والطاء

- ‌فصل القاف والعين

- ‌فصل القاف والفاء

- ‌فصل القاف واللام

- ‌فصل القاف والميم

- ‌فصل القاف والنون

- ‌فصل القاف والهاء

- ‌فصل القاف والواو

- ‌فصل القاف والياء

- ‌باب الكاف

- ‌فصل الكاف مع الهمزة

- ‌فصل الكاف والباء

- ‌فصل الكاف والتاء

- ‌فصل الكاف والثاء

- ‌فصل الكاف والدال

- ‌فصل الكاف والذال

- ‌فصل الكاف والراء

- ‌فصل الكاف والشين

- ‌فصل الكاف والظاء

- ‌فصل الكاف والعين

- ‌فصل الكاف والفاء

- ‌فصل الكاف واللام

- ‌فصل الكاف والميم

- ‌فصل الكاف والنون

- ‌فصل الكاف والهاء

- ‌فصل الكاف والواو

- ‌فصل الكاف والياء

الفصل: ‌فصل الكاف والفاء

وفي الحديث: «وجعل كعبك عاليًا» أي شرفك؛ عبر بذلك عن ثبات العز والشرف ودوامهما، ومثله: ثبت الله قدمك، عكسه: أزال الله قدمه وأزلقها.

‌فصل الكاف والفاء

ك فء:

قوله تعالى: {ولم يكن له كفوًا أحدٌ} [الإخلاص: 4] أي مكافئًا ومساويًا ونظيرًا. يقال: فلانٌ يكافئ فلانًا، أي يساويه. ومنه الحديث:«تتكافأ دماؤهم» أي تتساوى فيقاد العالم بالجاهل والشريف بالدنيء. وهو كفؤك وكفيؤك وكفاؤك، أي مساويك. وفي صفته عليه الصلاة والسلام:«إذا مشى تكفى تكفيًا» قد فسره شمرٌ بما لا يليق فقال: أي تمايل كما تتكفأ السفينة يمينًا وشمالًا. قال الأزهري: وهذا خطأ. ومعنى التكفؤ: الميل إلى سنن ممشاه، وهذا كقوله:«كأنما ينحط من صبب» . قال: والتمايل يمينًا وشمالًا إنما هو الخيلاء. قلت: لا يريد شمرٌ تفسير مشيه بتكفؤ السفينة يمينًا وشمالًا إنما يريد تفسير مطلق الميل وقوله: يمينًا وشمالًا، تفسيرٌ لتمايل السفينة لا لتمايله عليه الصلاة والسلام فوقع التشبيه في أصل الميل. وإنما قلت ذلك لأنه لا يظن بشمر مثل ذلك والعياذ بالله، متى اعتقده كفر.

قال: والسفينة تتكفأ أي تتمايل على سمتها التي تقصد، وفي حديث علي كرم الله وجهه:«يتكفأ كأنما يمشي في صببٍ» وهذا يفسر ما ذكرته. وفي الحديث: «كان عليه الصلاة والسلام لا يقبل الثناء إلا من مكافئٍ» . قال القتيبي: معناه أنه إذا أنعم على

ص: 403

رجلٍ فكافأه بالثناء عليه قبل ثناءه، وإذا أثنى عليه قبل أن ينعم عليه لم يقبله. وهذا التفسير قد رده ابن الأنباري وقال: إنه غلطٌ بين، ولقد صدق عليه الصلاة والسلام -لا ينفك أحد عن إنعامه إذ كان الله قد بعثه للناس كافة ورحم به وأنقذ؛ فنعمه سابقةٌ إليهم لا يخرج مها مكافئٌ ولا غير مكافئٍ. هذا والثناء عليه فرضٌ لا يتم الإسلام إلا به. وإنما المعنى أنه لا يقبل الثناء إلا من رجلٍ يعرف حقيقة إسلامه، ولا يدخل عنده في جملة المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. فإذا كان المثني عليه بهذه الصفة قبل ثناءه وكان مكافئًا ما سلف من نعمه عليه السلام عنده وإحسانه إليه. قال الأزهري: وفيه قولٌ ثالثٌ: إلا من مكافئٍ: إلا من مقاربٍ مدحه غير مجاوز به حد مثله ولا مقصرٍ عما وفقه الله إليه؛ ألا تراه يقول: «لا تطروني كما أطرى النصارى عيسى ولكن قولوا عبد الله ورسوله» . فإذا وصف بكونه نبي الله ورسوله فقد وصف بما لا يوصف به أحدٌ من أمته، فهو مدحٌ ومكافئٌ له. وفي الحديث:«لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في إنائها» يكتفئ، أي يقلب ويكب، تفتعل، من كفأت القدر: إذا كببتها لتفرغ ما فيها. وهو تمثيلٌ لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها. وقال الكسائي: كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته، ومن الحديث:«إذا مشى تكفأ» . تكفأ: أي تمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها. والأصل فيه الهمز فترك. وفي حديث علي: «أنه تكفأ لونه عام الرمادة» أي تغير، وحقيقته انقلب لونه من حالٍ إلى حالٍ. والإكفاء: قلب الشيء كأنه إزالة المساواة، ومنه الإكفاء في الشعر.

ك ف ت:

قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتًا أحياءً وأمواتًا} [المرسلات: 25 - 26] أي

ص: 404

جامعةً. والكفت: الضم والجمع، وكل شيءٍ كفته فقد جمعته، وفي الحديث:«اكتفوا صبيانكم بالليل» أي ضموهم، وفي رواية «كفوا» وهو بمعنى الأول وتفسيرٌ له. والكفات قيل: هو اسم ما يكفت فيه نحو الجراب، وأنشد لصمصامة بن الطرماح:[من الوافر]

1350 -

وأنت اليوم فوق الأرض حيًا

وأنت غدًا نضمك في كفات

وحينئذ لابد من ناصب لأحياء، وهو مقدرٌ: يكفت أحياء. وقيل: بل هو مصدرٌ كالقيام، فأحياءً منصوبٌ به، ولكن لابد من تجوزٍ في وقوع المصدر عليها، وفيه التآويل المشهورة، أي ذات كفاتٍ أو نفس الكفات مبالغةً أو كافاته. ومعنى كونها كفاتًا لهم أنها تضم الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها. وقيل: معناه تضم الأحياء التي هي الإنسان والحيوان والنبات، والأموات التي هي الجمادات من الأرض والماء وغير ذلك. قلت: وعلى هذا فأحياءً وأمواتًا بذلٌ من كفاتًا بيانًا له. وقيل: أحياءً مفعولٌ به ثانٍ على حذف مضافٍ؛ أي ذات أحياء وأمواتٍ، وكفاتًا حالٌ أيضًا، وقد تكلمنا عليه بأوسع من هذا في «الدر» .

والكفات -أيضًا -: الطيران السريع، وحقيقته قبض الجناح للطيران كقوله:{أولم يروا إلى الطير فوقهم صافاتٍ ويقبضن} [الملك: 19] فالقبض هنا كالكفات هناك.

والكفت: السوق الشديد؛ قال الراغب: واستعمال الكفت في سوق الإبل كاستعمال القبض فيه، كقولهم: قبض الراعي الإبل. وكفت الله فلانًا إلى نفسه كقولهم قبضه إليه، وفي الحديث:«رزقت الكفيت» . قيل: ما أكفت به من معيشتي، وقيل: القوة على الجماع، وقيل: أنزلت إليه قدرٌ أكل منها فقوي على الجماع، ويؤيده في حديث آخر:«فأتاني جبريل بقدرٍ يقال لها الكفيت» قال بعضهم: الكفيت القدر، ولم

ص: 405

يقيدها. والكفت: القدر الصغير. قلت: هذا من قبيل ما زيادة اللفظ فيه تدل على زيادة المعنى. وقد حققناه في «الرحمن الرحيم» . ومن أمثالهم: «كفتٌ إلى وئيةٍ» الكفت: القدر الصغير كما تقدم. والوئية: القدر الكبير، يضرب مثلًا لمن يحمل غيره مكروهًا ثم يزيده. قلت: وإنما سميت القدر بالكفيت والكفت لأنها تضم وتجمع ما يكفي فيها.

ك ف ر:

قوله تعالى: {إن الذين كفروا} [آل عمران: 4]. الكفر أصله التغطية والستر. وسمي الكافر الشرعي كافرًا لأنه ستر الحق وغطى عليه. وسمي الليل كافرًا لستره الأشياء بظلامه. وأنشد لثعلبة: [من الكامل]

1351 -

فتذكرا ثقلًا رثيدًا بعدما

ألقت ذكاء يمينها في كافر

ذكاء هي الشمس والكافر الليل، وهذا من أحسن الاستعارات حيث استعار للشمس يمينًا، وأخبرنا عنها بأنها ألقتها في الليل يعني بذلك غيبوبتها. ومنه: كفر الغمام النجم، أي ستره، وأنشد:[من الكامل]

1352 -

في ليلةٍ كفر النجوم غمامها

وسمي الزراع كافرًا لستره البذر بالتراب. ومنه في أحد القولين قوله تعالى: {أعجب الكفار نباته} [الحديد: 20] أي الزراع. والثاني أنهم الكفار شرعًا. ومنه -أيضًا - الكافور وهو اسم أكمام الثمرة التي تكفرها، وأنشد:[من الرجز]

1353 -

كالكرم إذا نادى من الكافور

وكفر النعمة: سترها بعدم أداء شكرها لأنه إذا شكرها نوه بذكرها فأظهرها، وإذا كتمها ولم يشكرها فقد سترها وغطاها. وغلب الكفر في تغطية الحق والدين، والكفران

ص: 406

في تغطية النعمة وجحودها.

والكفور مصدرٌ للكفر مستعملٌ في جحود الوحدانية وجحود النعمة معًا. والكفور المبالغ في الكفر قال تعالى: {إن الإنسان لظلومٌ كفارٌ} [إبراهيم: 34]. واستشعر الراغب سؤالًا فقال: إن قيل كيف وصف الإنسان ههنا بالكفور ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إن واللام وكل ذلك تأكيدٌ؟ وقال في موضع آخر: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7] قيل: {إن الإنسان لكفورٌ} [الحج: 66] تنبيهٌ على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النعمة وقلة ما يقوم بأداء الشكر، وعلى هذا:{قتل الإنسان ما أكفره} [عبس: 17] وقوله: {وقليلٌ من عبادي الكشور} [سبأ: 13].

وجعل الراغب الكفار أبلغ من الكفور لقوله: {كل كفارٍ عنيدٍ} [ق: 24]. وقد أجري الكفار مجرى الكفور في قوله: {إن الإنسان لظلومٌ كفارٌ} . وفي ما قاله نظرٌ لأن فعالًا وفعولًا من جملة أمثلة المبالغة من غير تفاضل بين شيء منها. وصيغ المبالغة خمسٌ وزاد بعضهم سادسًا وهي: فعال وفعول ومفعال وفَعيل وفِعِّيل نحو: شريب العسل، ولكنه يوهم الأبلغية من وصفه بعنيدٍ وتوهم المساواة بينهما من انضمام ظلومٍ إلى كفارٍ. فلما جاور فعولٌ فعالًا كان بمعناه. ولقائلٍ أن يقول: ليس ما ادعاه بأولى من عكسه بأن يجعل فعول بمعنى فعال لمجاورته له.

والكفار في جمع الكافر المضاد للمؤمن أكثر استعمالًا، كقوله تعالى:{أشداء على الكفار} [الفتح: 29]. والكفرة جمع كافر النعمة أكثر استعمالًا كقوله تعالى: {أولئك هم الكفرة الفجرة} [عبس: 42] قال الراغب: ألا ترى أنه قد وصف الكفرة بالفجرة؟ والفجرة قد يقال للفساق من المسلمين وفي نظرٌ، إنما كان ينهض دليله لو كان الفجور مختصًا بغير الكفرة. ثم إن هؤلاء المذكورين كفارٌ يضادون المؤمنين ليس إلا لقوله قبل:{وجوهٌ يومئذٍ مسفرةٌ} [عبس: 38] وعنى بهم المسلمين، ثم قابلهم بأولئك الذين وجوههم {عليها غبرةٌ ترهقها قترةٌ} [عبس: 40 - 41].

ص: 407

قوله: {إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا} [الإنسان: 3] تنبيهٌ على أنه عرفه الطريقين، كما قال تعالى:{وهديناه النجدين} [البلد: 10]؛ فمن سالكٍ سبيل الشكر ومن سالكٍ سبيل الكفر.

قوله: {وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين} [الشعراء: 19] أي تحريت كفران نعمتي. ولما كان الكفر نقيض جحود النعمة صار يستعمل في الجحود، ومنه:{ولا تكونوا أول كافر به} [البقرة: 41] أي جاحدٍ له وساترٍ لحقه. نهاهم أن يكونوا مقتدين بهم في ذلك. وهذا جوابٌ عما يفترض به الجهاد، فيقولون: مفهومه أنهم غير منتهين عن كونهم ثاني كافرٍ أو ثالثٍ، وهذا ساقطٌ جدًا لما ذكرته.

والكافر على الإطلاق من جحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة، وترك ما لزمه من ترك النعمة، كافرٌ لقوله تعالى:{من كفر فعليه كفره} [الروم: 44] قال الراغب: ويدل على ذلك مقابلته بقوله: {ومن عمل صالحًا فلأنفسهم يمهدون} [الروم: 44] وفيه نظر إذ الظاهر حمله على الكفر المتعارف.

قوله: {ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} [النور: 55] عنى بالكافر الساتر للحق فلذلك جعله فاسقًا، ومعلومٌ أن الكفر المطلق هو أعظم من الفسق، ومعناه من يجحد حق أبيه فقد فسق عن الذرية بظلمه. ولما جعل كل فعلٍ محمودٍ من الإيمان جعل كل فعلٍ مذمومٍ من الكفر. وقال في السحر:{وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102]. وقال تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ثم قال: {ومن كفر} أي: ومن تركه جاحدًا له. وقيل: هو تغليظٌ كقوله عليه الصلاة والسلام: «من قدر على الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا» .

قوله: {جزاءً لمن كان كفر} [القمر: 14] يعني به نوحًا ومن جرى مجراه من الأنبياء عليهم السلام، وفي معناهم من هذا الحيثية من أمر بمعروفٍ ونهى عن منكر

ص: 408

مخلصًا فيه لربه.

قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا} [النساء: 137]: قيل: عني بهم آمنوا بموسى ثم كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا به إذ لم يؤمنوا بغيره. وقيل: إشارةٌ إلى المذكورين في قوله: {وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} [آل عمران: 72] لم يرد أنهم آمنوا مرتين [وكفروا مرتين] بل إشارةٌ إلى أحوالٍ كثيرةٍ. قيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل ثلاث درجاتٍ ينعكس في الرذائل ثلاث درجات.

وقد يعبر بالكفر عن التكذيب ولذلك تعدى تعديته لقوله تعالى: {ومن يكفر بالله} [بالنساء: 136].

ويقال: كفر إذا اعتقد الكفر أو أظهره ولم يعتقده، ولذلك قال تعالى:{من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106]. وقد يعبر بالكفر عن التبري؛ قال تعالى: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعضٍ} [العنكبوت: 25].

وكفر فلانٌ بكذا، أي بسببه، نحو:{فمن يكفر بالطاغوت} [البقرة: 256]. وكفر فلانٌ بالشيطان: إذا خالفه وآمن به.

قوله تعالى: {فكفارته} [المائدة: 89] أي فالذي يمحوه. والكفارة: ما يستر الذنب؛ سميت بذلك بصفةٍ من أمثلة المبالغة نحو ضاربة وعلامة، نحو: كفارة القتل والظهار واليمين. والتكفير: ستر ذلك. وقيل: سميت كفارة لإزالتها الإثم، وفيهما نظرٌ من حيث إن الكفارة تجب فيما لا إثم فيه وهو القتل خطأ، وقال بعضهم: أو يصح أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، كما أن التمريض إزالة المرض، والتقذية إزالة القذى.

قوله تعالى: {لكفرنا عنهم سيئاتهم} [المائدة: 65] أي محوناها كأن لم توجد ونحوه قوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114].

ص: 409

قوله تعالى: {كان مزاجها كافورًا} [الإنسان: 5] سمي الكافور لستره الأشياء بطيبه ورائحته، كما سمي الكمام كافورًا لستره الثمرة.

وفي الحديث: «لا ترجعوا بعدي كفارًا» قال أبو منصور: فيه قولان: أحدهما من كفر إذا لبس سلاحه لأنه ستر نفسه، ومنه قول الشاعر:[من الكامل]

1354 -

قد كفرت آباؤهم أبناءها

والثاني أن يقول أحدهم للآخر: «يا كافر» لأن من كفر غيره فقد كفر.

وفي الحديث: «لتخرجنكم الروم من أرضكم كفرًا كفرًا» الكفر: القرية من قرى الريف. ومن كلام معاوية: «أهل الكفور أهل القبور» يعني أنهم لبعدهم عن الأمصار، وأهل العلم والأدب بمنزلة الموتى سمي كفرًا لستره أهله، وفيه أيضًا:«المؤمن مكفرٌ» أي تكفر عنه خطاياه بالرزايا التي تصيبه في ماله وفي نفسه. وفي القنوت: «واجعل قلوبهم كقلوب نساءٍ كوافر» يعني في الاختلاف، وخص النساء لأنهن أضعف قلوبًا من الرجال، وخص الكوافر لأنهم أضعف من المسلمات.

ك ف ف:

قوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم} [الفتح: 24] الكف: المنع، ومنه قيل لكف الإنسان كف لأنه يمنع ما فيه؛ سمي باسم المصدر. يقال: كففته أكفه كفًا.

ص: 410

قوله: {ادخلوا في السلم كافةٌ} [البقرة: 208] أي جميعًا. وأصله من كفة الثوب -بالضم -وهي حاشيته اعتبر فيها معنى الإحاطة. وكل مستطيلٍ من ذلك كفةٌ نحو كفة الرمل. وكل مستدير كفة -بالكسر -نحو كفة الميزان وكفة الحابل، وغير الكسر في ذلك خطأ. ولا تثنى كافة ولا تجمع ولا تكون إلا حالًا، ولذلك لحن من يقول: على كافة المسلمين. وقيل: الهاء في «كافة» للمبالغة كعلامة؛ فمعنى قوله: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28] وقوله: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] أي كافين لهم وكافين لكم. وقيل: معناه جماعةً، وذلك أن الجماعة تكف من يقصدهم بسوءٍ أو يكف بعضها بعضًا.

وكففته: أصبته بالكف ودفعته به أو أصبت كفه نحو كبدته. وتعورف الكف بالدفع مطلقًا سواءٌ أكان ذلك بكفٍّ أم بغيرها.

وتكفف الرجل: مد كفه سائلًا، وفي الحديث:«يتكففون الناس» ، واستكف: إذا مد كفه سائلًا أو معطيًا. ورجلٌ مكفوفٌ: غلب في الأعمى، وهو من أصيب كفه أيضًا.

قوله: {ادخلوا في السلم كافةً} [البقرة: 208] أي ابلغوا في الإسلام إلى حيث تنتهي شرائطه فيكفوا أن يعتدوا فيه. وقيل أراد بالكافة الإحاطة بجميع حدود الإسلام. قلت: وهذان إنما يتمشيان على جعل «كافةً» حالًا من السلم، إلا أن المشهور عند المعربين جعلها حالًا من المخاطبين بمعنى جميعًا، وهو الظاهر.

واستكف الشمس إذ كف ضوءها عن عينيه بكفيه، يشير بذلك لرؤية ما يريد.

والكفاف من القوت: ما ليس بالواسع بل المساوي للحاجة، وفي الحديث:«اللهم اجعل قوت آل محمد كفافًا» ؛ فكفكف تكرير كف نحو كبكب بكرير كب. وتقدم كلام الناس فيه، قال النابغة:[من الطويل]

ص: 411

1355 -

فكفكفت مني دمعةً فرددتها

على النحر منها مستهلٌ ودامع

و «كفوا صبيانكم» أي امنعوهم خوفًا عليهم من الجن أو من بعض الهوام.

ك ف ل:

قوله تعالى: {يكن له كفلٌ منها} [النساء: 85] الكفل: الحظ والنصيب الذي فيه الكفالة كأنه تكفل بأمره، واشتقاقه من الكفالة هي الضمان من قولهم: كفلت فلانًا وتكفلت به لأنه نصيبٌ مضمونٌ. وقال أبو منصورٍ: اشتقاقه من الكفل الذي هو الكساء الحاوي للراكب، وذلك أن الرديف يحوي كساءً على سنام البعير لئلا يسقط عند ركوبه. فكأن ذلك النصيب حافظًا لصاحبه كما يحفظ الكساء الراكب، وقد آل الأمر أن المادة تدل على الحفظ فإن الكفالة بمعنى الضمان تقتضي ذلك كما يقتضيه الكساء المذكور.

قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] أي نصيبين يحفظانكم من المعاصي الموقعة في الهلكة. وقيل: نصيبين من نعمته في الدنيا والآخرة وهما المرغوب إلى الله تعالى فيهما بقوله تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً} [البقرة: 201]. وقيل: لم يرد هنا بالتثنية مما يشفع الواحد فقط، بل أراد النعم المتوالية المتكفلة بكفالته تعالى. ويكون فيه تنبيهٌ على ما ذكر في قوله تعالى:{ثم ارجع البصر كرتين} [الملك: 4]. وقولهم: لبيك وسعديك، المعنى: كرة بعد أخرى، وتلبيةً بعد تلبيةٍ، وإسعادًا بعد إسعادٍ. وإنما قال تعالى في جانب الحسنة يكن له نصيبٌ منها، وفي جانب السيئة يكن له كفلٌ منها، لمعنىً حسنٍ ذكره بعض أهل العلم، فقال: الكفل ها هنا ليس هو بمعنى الأول بل هو مستعارٌ من الكفل، وهو الشيء الرديء. واشتقاقه من الكفل، ذلك أن الكفل لما كان مركبًا ينبو براكبه، صار متعارفًا في كل شدةٍ

ص: 412

كالسيساء وهو العظم الناتئ في ظهر الحمار، فيقال: لأحملنك على الكفل وعلى السيساء. وأنشد: [من الخفيف]

1356 -

وحملناهم على صعبة زو

راء يعلوناه بغير وطاء

قال: «فمعنى الآية: من ينضم إلى غيره معينًا له في فعلةٍ حسنةٍ يكن له منها نصيبٌ، ومن ينضم إلى غيره معينًا له في فعلةٍ سيئةٍ يناله منها شدةً» وفي هذا الكلام وإن كان حسنًا نظرٌ من وجهٍ آخر وهو أنه جاء الكفل في جانب السيئة. ألا ترى إلى قوله تعالى: {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28]. وقيل: الكفل هنا الكفيل، ونبه بذلك على أن من تحرى شرًا فله من فعله كفيلٌ يسلمه كما يسلم الكفيل المكفول ببدنه. وقد صرحوا بذلك في قولهم: من ظلم فقد أقام كفيلًا بظلمه، منبهةً منهم على أنه لا يمكن التخلص من تبعة ظلمه وعقوبته عليه، فخوطبوا بذلك. فلله در فصاحة القرآن حيث جرى معهم في كل أسلوب من أساليب كلامهم، فتظهر فصاحته وبلاغته في ذلك الأسلوب على كل فصيحٍ بليغٍ. فأين هذا الكلام وهو قولهم: من ظلم فقد أقام كفيلًا بظلمه، من قوله تعالى:{يكن له كفلٌ منها} . وهذا كما في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياةٌ} [البقر: 179] وقولهم: القتل أنفى للقتل.

قوله تعالى: {وكفلها زكريا} [آل عمران: 37] قرئ بالتخفيف على معنى أن زكريا كفلها وحفظها من كل ما يسوؤها وتكفل بأمرها. قوله: {فقال أكفلنيها} [ص: 23] أي اجعلني كافلًا لها.

قوله: {وذا الكفل} [ص: 48] قيل: هو رجلٌ من الصالحين تكفل بنبي من الأنبياء بأمرٍ فوفى به، وقيل: نبي تكفل الله بأمورٍ فلم يخل منها بشيءٍ كما هو ديدن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. فالكفل ههنا بمعنى الكفالة، وفي حديث إبراهيم:«أنه كره الشرب من ثلمة القدح وقال: إنها كفل الشيطان» . قال أبو عبيدة: الكفل

ص: 413