الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصله المركب، أراد أن الثلمة مركب الشيطان.
ك ف ي:
قوله تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال} [الأحزاب: 25] الكفاية: سد الخلة وبلوغ المراد من الأمر. والكفية من الطعام: ما فيه كفايةٌ، وجمعها كفى.
قوله تعالى: {أليس الله بكافٍ عبده} [الزمر: 36] أي هو كافيه من أعدائه متول كفايته، وناهيك بمن يتولى الله كفايته.
وقوله: {كفى بالله شهيدًا} [الأحقاف: 8] قيل: معناه اكتف بالله، فهي اسم فعلٍ. وقيل: الباء مزيدةٌ في الفاعل، والأصل: كفى الله شهيدًا، وهذا هو الصحيح بدليل قول الشاعر:[من الطويل]
1357 -
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فأسقطها. ولنا فيه كلامٌ متقنٌ في غير هذا.
قال بعضهم: قد كفيتك، وقالوا: كافيك من رجلٍ أي حسبك به.
قوله: {ألن يكفيكم} [آل عمران: 124] أي قد سد خلتكم وقضى مرادكم بإمداده إياكم الملائكة.
فصل الكاف واللام
ك ل أ:
قوله: {قل من يكلؤكم} [الأنبياء: 42] أي يحرسكم ويحفظكم؛ يقال: كلأته أكلؤه كلاءةً -بالكسر -أي حفظته، وأنشد:[من المنسرح]
1358 -
إن سليمى والله يكلؤها
…
ضنت بشيء ما كان يرزؤها
أي: والله يحفظها. وقيل: كلأة الشيء: حفظه وتبعيته بالمراعاة، وهو راجعٌ لمعنى الأول. وفي الحديث:«بلغ الله بك أكلأ العمر» أي آخره وأبعده، وحقيقته حفظك الله وأبقاك لأنه إذا حفظ بلغ أجله.
واكتلأت بعيني أي حفظت بمراعاةٍ ونظرٍ.
والكلأ: النبات لأنه يحفظ بنية الحيوان، أو لأنه يحفظ للرعي؛ يقال: مكانٌ مكلأُ وكالئٌ أي كثير الكلأ.
وأكلأ: صار ذا كلأ، كأعشب وأبقل أي صار ذا عشبٍ وبقلٍ. وفي الحديث:«من مشى على الكلاء» الكلاء والمكلأ: شاطئ النهر ومرفأ السفن. ومعنى الحديث أنه مثلٌ لمن عرض بالقذف؛ شبهه في مقاربته التصريح بالماشي على النهر في كونه قارب أين يجد كما قارب ذاك أن يقع في الماء.
والكلاء: موضعٌ، ويقال سوقٌ بالبصرة كأنه كان مكلأ للسفن. وفي الحديث:«نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» يعني الدين بالدين، وقيل: النسيئة بالنسيئة، وهو قريبٌ من الأول، قال بعضهم في تفسيره: أن يشتري الرجل مؤجلًا، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به فيقول له: بعه مني إلي إلى أجل آخر بزيادة شيءٍ. فيبيعه منه غير مقبوضٍ منه.
ك ل ب:
قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكبلين} [المائدة: 4] أي معلمين، والمكلب: المسلط الكلاب على الصيد والمعلمها أيضًا. والكلاب: صاحب الكلاب والصائد بها أيضًا. قال النابغة: [من البسيط]
1359 -
فارتاع من صوت كلابٍ
قيل: واشتقاقه من لفظ الكلاب لأنها هي التي يصاد بها غالبًا، والمعنى: في حال تضريتكم هذه الجوارح على الصيد.
ويجمع الكلب على أكلبٍ وكلابٍ، وأكالبٌ جمع أكلبٍ فهو جمع الجمع. والكليب اسم جمعٍ نحو الغريق. قال علقمة:[من الطويل]
1360 -
تعفق بالأرطى لها وأورادها
…
رجالٌ فبذت نبلهم وكليب
والأنثى كلبة.
وكليبٌ: اسم علمٍ مشهورٍ، ومثله كلابٌ وكلبٌ أيضًا، واشتق منه للحريص فقيل: هو كلبٌ على الدنيا، لأنه أحرص الحيوان على ما عنده، وفي المثل:«أحرص من كلب» . وكلبٌ كلبٌ: مجنونٌ يكلب بلحوم الناس فيأخذه منه شبه الجنون. قيل: هو العقور المأمور بقتله في الحل والحرم، فهو أحد السبع الفواسق، ومن عقره كلب أي يأخذه داءٌ فيقال فيه: رجلٌ كلبٌ ورجالٌ كلبي. والداء الذي يأخذه يقال له الكلب، قال الشاعر:[من البسيط]
1361 -
أحلامكم لسقام الجهل شافيةٌ
…
كما دماؤكم تشفي من الكلب
وقال آخر: [من الوافر]
1362 -
دماؤكم من الكلب الشفاء
وقد يصيب الإبل ذلك فيقال: أكلب الرجل أي أصاب إبله ذلك.
والكلب أيضًا شدة البرد. وأرضٌ كلبةٌ لم تروق. والكلب أيضًا مسمارٌ في قائم السيف. والكلبة: سيرٌ يدخل تحت السير الذي في المزادة ليخرز به تشبيهًا بالكلب في الاصطياد، ومنه: كلبت الأديم، أي خرزته، قال الشاعر:[من الرجز]
1363 -
سير صناعٍ في خريزٍ تكلبه
والكلب أيضًا نجمٌ في السماء؛ سمى بذلك لأنه يتبع نجمًا يقال له الراعي. والكبتان: آلة الحداد المعروفة تشبيهًا بالكلب لصورة الاصطياد وثنيا لأنهما قطعتان.
والكلوب: ما يعلق به اللحم ونحوه، والجمع: كلاليب، ومنه استعير لمخالب البازي الكلاليب لإمساكها ما يعلق بها. وفي الحديث:«فأصاب كلاب سيف فاستله» قال شمرٌ: الكلب والكلاب: الحلقة التي فيها السير في قائم السيف.
ك ل ح:
قوله تعالى: {وهم فيها كالحون} [المؤمنون: 104] الكلوح: تكشر في عبوسٍ، والكالح: من تقلصت شفتاه عن أسنانه، قيل: إن شفاههم العليا تصل إلى رؤوسهم، والسفلى إلى صدورهم. وهذا مشاهدٌ، ألا ترى إلى رؤوس الغنم إذا شويت كيف تقلصت شفاهها عن الأسنان.
وتكلح الرجل كلوحًا وكلاحًا. وما أقبح كلحته. ودهرٌ كالحٌ، أي شديدٌ. والكلاح بالضم: السنة المجدبة وأنشد للبيدٍ: [من الرجز]
1364 -
كان غياث المرمل الممتاح
…
وعصمةً في الزمن الكلاح
ك ل ف:
قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلى وسعها} [البقرة: 268] أي لا يحملها من أمر دينها إلا ما هو في طوقها. وبه استدل من يرى تكليف ما لا يطاق. وقيل: لا يكلفها إلا ما قرره على لسان نبيه مما هو في قدرتها؛ فكل ما قرره الشارع فهو في وسعها وإن كان يشق عليها، ألا ترى إلى قوله:{وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين} [البقرة: 45]. وقيل: ما تعدونه من مشقة فهو سعةٌ في المال كقوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم} [البقرة: 216]{فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا} [النساء: 19]
وأصل التكليف من الكلف وهو الإيلاع بالشيء، ومنه كلف فلانٌ فاكلفته: جعلته كلفا به، ومنه الكلف في الوجه لتصور كلفةٍ به.
وتكلف الشيء: ما يفعله الإنسان مع إظهار كلفٍ به مع مشقة تناله في تعاطيه. وقيل: الكلف: المشقة، وتحقيقه ما قدمته، فصار التكليف في العرف العام حمل المكلف على ما فيه مشقةٌ، والتكلف اسمًا لما يفعل بمشقةٍ أو تصنع أو تتبع. ومن ثم انقسم التكلف إلى قسمين: الأول مذمومٌ، وهو ما يفعل المرء ويتحراه فاعله مرائيًا. وإياه عنى عليه الصلاة والسلام بقوله:«أنا وأمتى برآء من التكلف» وإليه أشار بقوله في حق نبيه: {وما أنا من المتكلفين} [ق: 86]. والثاني ممدوحٌ، وهو ما يتحراه فاعله ليصير فعله سهلًا عليه ويصير كلفًا به ومحبًا له. وبهذا النظر استعمل التكليف في تكلف العبادات.
ك ل م:
قوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلماتٍ فتاب عليه} [البقرة: 37] أي أن الله تعالى أوحاها إليه فتلقاها بالقبول. وفي التفسير أنها قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا} [الأعراف: 23] الآية. وقيل: هي الأمانة المشار إليها بقوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} [الأحزاب: 72] وقيل في الأمانة: هي كلمة
التوحيد والوفاء بها وبما يترتب عليها. وقيل: هي قول آدم: ألم تخلقني بيدك؟ ألم تسكني جنتك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ أرأيت إن تبت كنت تعيدني إلى الجنة؟ قال: نعم!
قوله تعالى: {وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} [البقرة: 124]. قيل: هي خصالٌ عشرةٌ من الطهارة؛ خمس في الرأس وخمسٌ في البدن: الفرق والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والاكتحال ونتف الإبط وقلم الأظفار وحلق العانة والختان وغسل البراجم. وقيل: هي ما امتحن به من ذبح ولده وختانه بعد ثمانين سنةً. ونحو ذلك قوله تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى} [الأعراف: 137] قوله تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} [القصص: 5]، {ونمكن لهم} .
قوله: {وكلمته} [النساء: 171] إنما سمي كلمة لأنه وجد بها من غير سببٍ آخر؛ يريد قوله «كن» بخلاف غيره من البشر فإنه وإن كان موجودًا بكلمة «كن» إلا أن له سببًا ظاهرًا وهو الوالد. وقيل: سمي كلمةً لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله تعالى. وقيل: لما خصه الله تعالى في صغره حيث قال في مهده: {إني عبد الله آتاني الكتاب} [مريم: 30]. وقيل: سمي كلمةً من حيث إنه صار نبيًا كما سمي النبي صلى الله عليه وسلم {ذكرًا رسولًا} [الطلاق: 10 - 11]
قوله: {وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته} [الأنعام: 115]. وقيل: الكلمة هنا القضية؛ قال الراغب: وكل قضية تسمى كلمة سواءٌ كان مقالًا أو فعالًا، ووصفها بالصدق لأنه يقال: قولٌ صدقٌ وفعلٌ صدقٌ.
قوله: {وتمت كلمة ربك الحسنى} إشارةٌ إلى نحو قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3]. ونبه بذلك على أنه لا نسخ للشريعة بعد هذا. وقيل: إشارةٌ إلى
ما قال صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق الله القلم فقال له: أجر بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة» . وقيل: الكلمة هي القرآن، وتسميته كلمةً كتسمية القصيدة كلمةً. قلت: ومن ذلك تسميتهم قصيدة الحويدرية كلمةً، فيقولون: قصيدة الحويدرة، وتسميتهم القصيدة قافيةً كقوله:[من الوافر]
1365 -
وكم علمته نظم القوافي
…
فلما قال قافيةً هجاني
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق كلمة قالها شاعرٌ كلمة لبيد: [من الطويل]
1366 -
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل
…
وكل نعيمٍ لا محالة زائل
فقوله: {تمت] تنبيهٌ على حفظها، يعني أن الله تعالى حافظ القرآن، قال الراغب: فذكر أنها تتم وتتلى بحفظ الله إياها، فعبر عن ذلك بلفظ الماضي تنبيهًا على أن ذلك في حكم الكائن. وإلى هذا المعنى من حفظ القرآن أشار بقوله: {فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89]. وقيل: عني بها ما وعد من الثواب والعقاب. وقيل: عني بالكلمات الآيات والمعجزات، نبه بذلك على أن ما أرسل من الآيات تام وفيه بلاغٌ.
وقوله: {لا مبدل لكلماته} [الأنعام: 115] رد لقوله: {ائت بقرآن غير هذا أو بدله} [يونس: 15]. وقيل: أراد بكلمة ربك أحكامه التي حكم بها وبين انه شرع لعباده ما فيه بلاغٌ.
قوله: {ولولا كلمةٌ سبقت من ربك لكان لزامًا وأجلٌ مسمى} [طه: 129] يعني وعدهم الساعة، قال تعالى:{بل الساعة موعدهم} [القمر: 46]. وقيل: إشارةٌ إلى حكمه الذي اقتضته حكمته وأنه لا تبديل لكلماته.
قوله: {ويحق الحق بكلماته} [الشورى: 24] أي: بحججه التي جعلها الله لكم سلطانًا مبينًا أي قوته.
قوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} [الفتح: 15] إشارةٌ إلى ما قال: {فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًا} [التوبة: 83]، وذلك أنه تعالى لما قال:{فقل لن تخرجوا} قال هؤلاء المنافقون: {ذرونا نتبعكم} . وقصدهم بذلك تبديل كلام الله، فنبه أن هؤلاء لا يفعلون، وكيف يفعلون وقد علم الله منهم أنهم لا يفعلون ذلك، وقد سبق بذلك حكمه وقرئ بذلك حكمه وقرئ:«كلام الله» و «كلم الله» ومعناهما متقارب.
قوله: {يحرفون الكلم عن مواضعه} [النساء: 46] قيل: إنهم كانوا يبدلون الألفاظ ويغيرونها، وذلك نحو وصفهم: آدم طوالٌ، فكان معتدلًا أبيض مشربًا بحمرةٍ، في صفته عليه الصلاة السلام. وقيل: إن تحريفهم كان من جهة المعنى، وهو حمله على غير ما قصد به واقتضاه. وقد رجح هذا جماعةٌ، منهم الراغب فقال: وهذا أمثل القولين. ولم يبين وجه ذلك، وبينه غيره فقال: كيف يعتقد أنه تغيير اللفظ والتوراة كثيرة النسخ منتشرةٌ في البلدان؟ فهب أن يهود المدنية حرفوا كتبهم فكيف وافقهم جميع الناس؟ وكيف اتفق التغيير أيضًا؟ وعندي جوابٌ نقلته عن شيخنا برهان الدين الجعبري المقرئ. وقد ذكرت هذا الاعتراض بحضرة جماعةٍ بالحرم، حرم الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فذكر لي أن بعض مشايخه أجاب به وهو أن اليهود كانوا منحصرين بالمدينة وما حواليها، والتوراة لم تعلم إلا عندهم، وذلك أنهم انتقلوا من الشام لانتظار النبي المبعوث كما هو في القصة المشهورة. فقولهم: إن اليهود كانوا في البلدان والتوراة منتشرةٌ معهم خلاف الواقع، وإن وجد اليهود بأرض فإنما ذلك على سبيل التردد لا الإقامة، وإن اتفق ذلك فنادرٌ. قوله:{لولا يكلمنا الله} [البقرة: 118] أي مواجهةً.
قوله: {وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51]. اعلم أن كلام الله البشر على ضربين: أحدهما في الدنيا وهو ما نبه عليه بقوله: {وما كان لبشرٍ} الآية، والثاني في الآخرة يكلمهم بما فيه غاية السعادة، وهو قوله كما أخبر عنه الصادق:«اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» . قال بعضهم: كلامه لهم في الآخرة ثوابه للمؤمنين وكرامةٌ لهم تخفى عليهم كيفيته. ونبه تعالى أنه يحرم ذلك على الكفار بقوله: {ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} [آل عمران: 77].
قوله: {لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} [الكهف: 109] أي علمه.
قوله: {تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ} [آل عمران: 64] هي مفسرةٌ بقوله: {ألا نعبد إلا الله} [آل عمران: 64] الآية. وكل ما دعا الله الناس إليه فهو كلمةٌ.
قوله: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} [التحريم: 12] قيل: عنى بها عيسى، وفيه نظرٌ من حيث الجمع. وفي الحديث:«أعوذ بكلمات الله التامات» ، عنى بها القرآن. وفيه:«واستحللتم فروجهن بكلمة الله» قيل: أراد قوله سبحانه: {فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ} [البقرة: 229].
وأصل اشتقاق الكلام من الكلم وهو التأثير، ومنه قيل للجرح كلمٌ لتأثيره في الجلد. وقد قرئ:{تَكْلمُهم} و {تُكلِّمُهم} [النمل: 82] أي تسمهم، أي تخيل منه التأثير المعنوي، فقيل: جرحه بلسانه: إذا كلمه بكلامٍ أثر فيه؛ قال امرؤ القيس: [من المتقارب]
1367 -
وجرح اللسان كجرح اليد
وقال الراغب: والكلم: التأثير بإحدى الحاستين: السمع والبصر، فالكلام مدركٌ بحاسة السمع والكلم مدركٌ بالبصر.
وكلمته: جرحته جراحةً بأن أثرها، ولاجتماعهما في ذلك قال:
1368 -
والكلم الأصيل كأرغب الكلم
وقال الآخر:
1369 -
وجرح اللسان كجرح اليد
قال: «والكلام يقع على الألفاظ المنظومة وعلى المعاني التي تحتها مجموعةً، وعند النحويين يقع على الجزء منه، اسمًا كان أو فعلًا أو أداة. وعند كثير من المتكلمين لا يقع إلا على الجملة المركبة المفيدة، وهو أخص من القول؛ فإن القول عندهم يقع على المفردات، والكلمة تقع على كل واحدٍ من الأنواع الثلاثة، وقد قيل بخلاف ذلك» قلت: ما ذكره من كون الكلام عند المتكلمين كذا وعند النحويين كذا ليس كما زعم بل ما قاله عن المتكلمين هو مذهب النحاة. وقد فرقنا بين الكلام والكلم والكلمة والقول. وذكرنا ما بينهما من العموم والخصوص وغير ذلك في غير هذا الموضع.
والكلام ليس مصدرًا بل اسم مصدرٍ وهو التكليم، ولكنه يعمل عمل المصدر، وأنشد:[من الطويل]
1370 -
فإن كلامها شفاءٌ لما بيا
ك ل ل:
قوله تعالى: {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95]. كل من ألفاظٍ
العموم، واستعماله مؤكدًا تابعًا له في إعرابه أكثر من استعماله مبنيًا على عاملٍ لفظيٍّ أو معنويٍّ، نحو: جاء كل القوم و {كل نفسٍ ذائقة الموت} [آل عمران: 185] وضربت كلًا ومررت بكلٍّ. وهي من الأسماء اللازمة للإضافة. وقد تقع لفظًا فتنون، وفيه خلاف؛ هل هو تنوين عوضٍ أم لا؟ وهي نقيضة بعضٍ، وإذا أضيفت إلى معرفةٍ جاز أن يراعى لفظها تارةً ومعناها أخرى، قال تعالى:{وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا} [مريم: 95]. وإن أضيفت إلى نكرةٍ فالمشهور اعتبار لفظها نحو: {كل نفسٍ ذائقة الموت} وكل رجلٍ قائم، فأما قول عنترة:[من الكامل]
1371 -
جادت عليه كل عينٍ ثرةٍ
…
فتركن كل حديقةٍ كالدرهم
فقد راعى معناها من حيث إنه قال: فتركن، فأتى بضمير الجمع، وليس بقياس. إذا قطعت عن الإضافة روعي معناها وهو الأكثر كقوله:{وكل أتوه داخرين} [النمل: 87] وللزومها الإضافة خطئ من أدخل عليها «ال» ونصبها حالًا. وأما قراءة: {إنا كلًا فيها} [غافر: 48] فكلًا تأكيد لاسم إنا، وفيها أبحاث كثيرة تركناها هنا إيثارًا للاختصار واستغناءً بما أودعناه غيره من الكتب اللائقة بذلك.
قال الراغب: لفظ كلٍّ هو لضم أجزاء الشيء، وذلك ضربان: أحدهما الضام لذات الشيء وأحواله المختصة به، ويفيد معنى التمام نحو قوله تعالى:{ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] أي بسطًا تامًا، وأنشد:[من مجزوء الرجز]
1372 -
ليس الفتى كل الفتى
…
إلا الفتى في أدبه
أي التام الفتوة. والثاني الضام للذوات، وقد تضاف تارةً إلى جمعٍ معرفٍ بالألف واللام نحو: كل القوم، قال: وقد تعرى عن الإضافة، وتقدير ذلك فيه نحو: {كل في
فلكٍ يسبحون} [الأنبياء: 33]. ولم يرد في شيءٍ من القرآن ولا في شيءٍ من كلام العرب الفصحاء «الكل» بالألف واللام، وإنما ذلك شيء يجري في كلام المتكلمين والفقهاء ومن نحا نحوهم.
قلت: وقد وجد ذلك في عبارة بعض النحاة لكنه اعتذر عنه، نحو: بدل الكل والبعض.
قوله تعالى: {قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176]. اختلف الناس في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ فقال ابن عباس: الكلالة اسم لمن عدا الولد، وقيل: لمن عدا الوالد والولد، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة فقال:«من مات وليس له ولد ولا والد» فجعله اسمًا للميت. قال الراغب: وكلا القولين صحيح؛ فإن الكلالة مصدر يجمع الوارث والموروث، وتسميتها بذلك إما لأن النسب كل عن اللحوق به، أو لأنه قد لحق به بالعرض من أحد طرفيه، وذلك أن الانتساب ضربان: أحدهما بالعمق كنسبة الأب والابن. والثاني بالعرض كنسبة الأخ والعم. وقال قطرب: الكلالة اسم لما عدا الأبوين والأخ. ورده الهروي، وقال آخرون: هو اسم لكل وارثٍ، وأنشد:[من مجزوء الكامل]
1373 -
والمرء يبخل بالحقو
…
ق وللكلالة ما يسيم
وقد رده الراغب فقال: ولم يقصد الشاعر بما ظنه هذا، وإنما خص الكلالة ليزهد الناس في جمع المال؛ لأن ترك المال لهم أشد من تركه للأولاد، وتنبيهًا أن من خلفت له المال فجارٍ مجرى الكلالة، وذلك كقولك: ما تجمعه فهو للعدو. وقال السدي:
الكلالة الذي لم يدع والدًا ولا ولدًا. وهذا ينبغي أن يكون أصحها لما تقدم في الحديث. قال أبو منصورٍ: أصلها من تكلله النسب إذا لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أبوه. فالكلالة ما عدا الوالد والولد فكأنه قال: وإن كان رجل يورث متكللًا لهم نسبًا.
والكلالة بكون الوارث وتكون الموروث، وهم الأخوة للأم دون الأب، فأما الكلالة في آخر هذه السورة فهي الأخت للأب، قاله الهروي، وقال ابن عرفة: فإذا مات الإنسان وليس له ولد ولا والد فذلك الكلالة، لأن ورثته متكلًا نسبهم. وقال القتيبي: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه فسمي ذهاب الطرفين كلالةً. وقال غيره: كل ما احتف بالشيء من جوانبه فهو إكليل له، وبه سميت الكلالة التكلل النسب، والعصبة- وإن بعدت- كلالة، وتقول العرب: لم يرث فلان كذا كلالةً، لمن تخصص بشيءٍ قد كان لأبيه، وأنشد:[من الطويل]
1374 -
ورثتم قناة الملك غير كلالةٍ
…
عن ابني منافٍ: عبد شمسٍ وهاشمٍ
والإكليل سمي لإطافته بالرأس، وفي حديث جابرٍ:«مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا رسول الله إني رجل ليس يرثني إلا كلالة» أي يرثني ورثة ليسوا بوالدٍ ولا ولدٍ، وإنما كان يرثه أخواته فهذا واقع على الوارث. وظاهر القرآن يدل على أنه اسم للميت، فإن كلالة من قوله:{يورث كلالةً} [النساء: 12] حال من الموروث، ومن جعله اسمًا للوارث قال: تقديره ذا كلالةٍ وقد حققنا ذلك في «الدار» وغيره. وعن أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما: «سلوني ما شئتم إلا الكلالة» .
قوله تعالى: {وهو كل على مولاه} [النحل: 76] أي ثقيل، يقال: كل فلا أي ثقل، وكل في مشيه كلالًا: ثقل عنه. وكل السيف: إذا نبا، واللسان: إذا تعب، كلولًا وكلةً وأكل [فلان]: كلت راحلته. والكلكل: الصدر، قال المرؤ القيس:[من الطويل]
1375 -
فقلت له لما تمطى بصلبه
…
وأردف أعجازًا وناء بكلكل
وقال: [من الوافر]
1376 -
ولما أن توافينا قليلًا
…
أنخنا للكلاكل فارتمينا
كأنه سمي بذلك لأنه محل الكلال، فإن البعير يبرك عليه.
قوله تعالى: {كلا إن كتاب الأبرار} [المطففين: 18]. اعلم أن كلًا حرف موضوع للردع والزجر، وقد جعلها بعضهم على أضرب:
أحدها: أنه رجع وزجر لقوله تعالى: {فيقول ربي أكرمن} [الفجر: 15]{ربي أهانن} [الفجر: 16] ثم قال: «كلا» أي ارتدعوا عن هذا الاعتقاد؛ فإن من رزقه الله مالًا لا يدل على كرامته عنده، ولا من حرمه مالًا لا يدل على إهانته عنده، فقد جعل الكفرة ملوكًا.
الثاني: حرف استفتاحٍ، كقوله:{كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} [النبأ: 4 - 5]
الثالث: بمعنى حقًا كقوله: {ثم ينجيه كلا} [المعارج: 14 - 15]. وهذه يوقف عليها ولا يبتدأ بها.
الرابع: أن بمعنى ليس كقوله: {فيقول ربي أهانن كلا} أي: ليس الأمر كذلك.
والتحقيق أنها ردع وزجر، وما ذكر من هذا الآي صالح له، وقد حققناه في غير هذا، وذلك بحسب المواد، ولذلك قال الراغب: كلا: ردع وزجر وإبطال لقول القائل، وذلك نقيض «إي» في بعض الإثبات، قال تعالى:{لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا} [المؤمنون: 100]. قلت: يعني نقيض «إي» بكسر الهمزة وسكون الياء، ويعني بها حرف الجواب الواقع قبل القسم، كقوله:{إي وربي إنه لحق} [يونس: 53]
ك ل و:
قوله تعالى: {أو كلاهما} [الإسراء: 23] كلا ألفها عن واوٍ بدليلٍ قولهم في مونثع كلتا، فأبدلوا الواو تاءً لأنه قد كثر إبدالها منها في ترة وتولجٍ وتخمة وأخواتٍ لها مذكورةٍ، ولفظهما مفرد، معناهما التثنية، ولذلك روعي هذا مرةً وهذا أخرى، وقد جمع بينهما من قال:[من البسيط]
1377 -
كلاهما حين جد الجري بينهما
…
قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
فراعى المعنى في قوله: بينهما وأقلعا، فثنى، واللفظ في قوله: رابي فأفرد، لكن الأكثر مراعاة اللفظ، ولذلك لم يجيء التنزيل إلا عليه كقوله:{كلتا الجنتين آتت أكلها} [الكهف: 33] ولم يقل: آتتا أكلهما. وزعم الكوفيون أنهما مثنيان لفظًا ومعنىً، وأنه يقال: كل وكلت، وأنشدوا:[من الرجز]
1378 -
في كلت رجليها سلامي واحده
…
كلتاهما قد قرنت بزائدة
وزعم البصريون أنه موضوع.