الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي الحديث "استعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ عن عائشة" أي عتب عليها وقال لأبيها: كن عذيري منها. واستعذر صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن أبي فقال: "من يعذرني من عبد الله؟ " أي من يقوم بعذري إن جازيته بصنيعه؟ وفي المثل: "عذيرك من فلانٍ" أي أحضر من يقبل عذرك؛ فعيل بمعنى فاعلٍ. ومنه قول علي رضي الله عنه وقد نظر إلى الخبيث عبد الرحمن بن ملجمٍ المرادي: [من الوافر]
1003 -
عذيرك من خليلك من مراد
وفي شعرٍ أنشد في الاستسقاء: [من الطويل]
1004 -
أتيناك والعذراء يدمى لبانها
العذراء: البكر من النساء، وباعتبار صيقها قيل للجامعة من الأغلال عذراء. وقد يجوز أن تكون الجامعة هي الأصل، ومن ذلك قولهم: تعذر: إذا ضاق وعسرت معرفة وجهه.
فصل العين والراء
ع ر ب:
قوله تعالى:} ومن الأعراب {[التوبة: 98] الأعراب: سكان البوادي، والعرب: سكان القرى والبوادي. ومن ثم غلط سيبويه من جعل أعرابًا جمعًا لعربٍ لاستحالة كون المفرد أعم من الجمع. وهذا نظير: عالمون في كونه ليس جمعًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد تكلمنا على ذلك في "إيضاح السبيل" وغيره. وقال الراغب:
والأعراب جمعه في الأصل، وصار ذلك اسمًا لسكان البادية. وهذا لا ينافي قول سيبويه فإنه كان كذا ثم غلب الاستعمال على ما ذكره. والأعراب يجمع على أعاريب. وأنشد:[من الوافر]
1005 -
أعاريب ذوو فخرٍ بإفكٍ
والأعرابي منسوب إلى الأعراب سكان البادية. والعربي هو المفصح؛ قيل: والعرب من كان من ولد إسماعيل. ويقال: لكونهم منسوبين إلى يعرب. والعربي أيضًا هو الكلام المبين الفصيح.
والإعراب يطلق بإزاء معانٍ منها البيان. ومنه الحديث: "والأيم تعرب عن نفسها" ومنها التغيير؛ ومنه: أعربها الله، أي غيرها. ومنها التحسين؛ ومنه:} عربًا أترابًا {[الواقعة: 37] أي حسانٍ متحبباتٍ إلى أزواجهن. ومنها الفساد؛ ومنه عربت معدة البعير أي فسدت. فالهمزة في الإعراب حينئذٍ للسلب. فقولهم: أعرب كلامه، أي بينه أو غيره أو حسنه أو أزال فساده. وللنحاة عبارات بيناها في غير هذا. قوله:} إنا جعلناه قرآنًا عربيًا {[الزخرف: 3] أي بينًا فلا يلزم أن يكون كله بلغة العرب. بل يجوز أن يكون غير عربي إذا كان متفاهمًا معروفًا بين المخاطب به كاليم قيل: البحر بلغة الحبشة، والقسطاس: الميزان بلغة الروم، والمشكاة: الكوة بلغة الهند، إلى غير ذلك. ومن الناس من أباه وتحاشى ذلك لقوله:} أأعجمي وعربي {[فصلت: 44] وقد بينا القولين ودلائلهما في غير هذا الموضوع من "القول الوجيز" و"البحر الزاخر" وغيرهما.
قوله:} وكذلك أنزلناه حكمًا عربيًا {[الرعد: 37] قيل: معناه شريفًا كريمًا، كقوله:} عربًا أترابًا {ووصفه بذلك كوصفه بكريمٍ. وقيل: معناه مفصحًا يحق الحق ويبطل الباطل، وقيل: معربًا من قوله عليه الصلاة والسلام: "عربوا على الإمام"؛ يقال:
عربت عليه: إذا رددت عليه من حيث الإعراب، قاله الراغب، ومعناه على هذا أنه ناسخ لغيره من الأحكام. وقيل: لكونه منسوبًا إلى النبي العربي من حيث إنه منزل على قلبه وبلسانه. قوله:} عربًا {أي متحبباتٍ لبعولتهن حسان في أعينهن. وقيل: لأنها لا تعرب بحالها عن عفتها ومحبة زوجها؛ الواحدة عروب. والمعرب: المتحري في كلامه الصواب، والمبين عما في نفسه، وصاحب الفرس العربي كالمجرب لصاحب الجرب.
ويعرب: يقال إنه أول من نقل السريانية إلى العربية. ومن قيل أنه سمي باسم فعله. قوله:} وهذا لسان عربي مبين {[النحل: 103] اللسان هنا: اللغة، ووصفه بالإبانة بعد نسبته إلى العرب تنبيه على أن صاحبه يتكلم بالعربية. يقال: عرب اللسان يعرب عروبًا وعروبية. وفي الحديث: "الأيم يعرب عنها لسانها" أي يبين، إلا أن أبا عبيدٍ قال: الصواب يعرب؛ بالتشديد. قال الفراء: يقال: عربت عن القوم: إذا تكلمت عنهم، ومنه الحديث الآخر:"فإنما كان يعرب عما في قلبه ولسانه". وقد رد ابن قتيبة على أبي عبيد وقال: الصواب التخفيف لأنه يقال: اللسان يعرب عما في الضمير. قال أبو بكرٍ: لا حجة لابن قتيبة علي أبي عبيدٍ لأنه حكاه عن الفراء عن العرب. والذي قاله ابن قتيبة إنما عمله برأيه عملاً، واللغة تروى ولا تعمل ولا سمعنا أحدًا يقول: التعريب باطل كما قال، لأنه لا اختلاف بين اللغويين في أنه يقال: أعربت الحرف وعربت الحرف. فالفراء يذهب إلى أن عربت أجود من أعربت مع عن، فإذا لم تكن عن فأعربت وعربت لغتان متساويتان لا تقدم إحداهما على الأخرى.
قلت: وهذا هو المشهور، وهو أن اللغة سماع لا قياس، وإنما حكيت هذا الكلام برمته لإفادته لاسيما عن فحول الصناعة. وقال ابن الأعرابي: أعرب الصبي والعجمي: إذا فهم كلامهما بالعربية. وعربا: إذا لم يلحنا. وقال عمر رضي الله عنه: "ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس ألا تعربونه؟ " أي تمنعونه. وقيل: فقبحوا فعله عليه. وفي
الحديث: "لا تحل العرابة للمحرم" قيل: هي الفحش. وفي الحديث: "نهى عن بيع العربان" هو أن يدفع المستام شيئًا فإذا مضى البيع حسب من الثمن، وإن لم يمضه كان للبائع.
ويقال: عربون وعربون وأربون - بالعين والهمز - ومنه الحديث: "فأعربوا فيها [أربع] مئة درهمٍ" أي أسلفوا وهو من العربان. وعن عطاءٍ: "نهى عن الإعراب في البيع" هو أيضًا من العربون.
قوله تعالى:} ثم يعرج إليه في يومٍ {[السجدة: 5] أي يسعد إليه في المعراج وهو السلم؛ تقول: عرج في السلم يعرج عروجًا والجمع معاريج. قوله:} ذي المعارج {[المعارج: 3]؛ قيل: معارج الملائكة. وقيل: أراد بها الفواصل العالية؛ الواحد معرج وهو الدرجة. وشبه الصاعد عليها بالأعرج. فمن ثم سميت معرجًا والصاعد فيها عارجًا. وقيل: العروج: ذهاب في صعودٍ. وعرج يعرج عروجًا وعرجانًا: مشى مشي العارج كما قالوا: درج أي مشى مشي الصاعد في درجه. وعرج: صار ذلك خلقًة له. وقيل: يقال عرج بالفتح: أصابه شيء غمز منه. وعرج - بالكسر - إذا صار أعرج؛ فعرج - بالضم والكسر - يتقاربان معنًى. ومن ثم قيل للضبع: عرجاء لكونها في خلقتها ذات عرجٍ. وتعارج تفاعل ذلك. والأعرج: من أصيبت إحدى رجليه فاختل مشيه؛ قال تعالى:} ولا على الأعرج حرج {[النور: 61].
قوله تعالى:} كالعرجون القديم {[يس: 39]. العرجون: فعلون من الانعراج لا الانعطاف. وأصله من العروج والعرج. والعرجون: عود الكباسة التي عليها الشماريخ
للعذق، فإذا قدم تقوس واصفر، فمن ثم شبه بالهلال في آخر الشهر وأوله ويقال له الأهاق أيضًا. وقال الراغب: العرجون الطاقة من أغصانه. وهذا تفسير يحتاج إلى تفسيرٍ.
ع ر ر:
قوله:} وأطعموا القانع والمعتر {[الحج: 36]. المعتر: المتعرض للسؤال. يقال: عر واعتر أي تعرض. وعررت لك حاجتي. والعر والعر: الجرب الذي يعر البدن، أي يعترضه. ومنه قيل للمضرة: معرة، تشبيهًا بالعر الذي هو الجرب. وقيل: المعتر: الذي يتعرض ولا يسأل. يقال: اعتره يعتره، واعتراه يعتريه، والقانع: من برز وجهه للمسألة. ومنه قيل: اعتررته، أي أتيته أطلب منه معروفه.
قوله تعالى:} فتصيبكم منهم معرة {[الفتح: 25] أي مسبة ومذمة، وذلك أنهم لو قاتلوا أهل مكة وفيهم من المؤمنين والمؤمنات من لم يتميز عند قتال الكفرة لأصابوا أولئك المؤمنين من غير علمٍ بهم، فيقال فيهم إنهم قد قتلوا المسلمين من أهل ملتهم فيلزمهم من ذلك مذمة من القوم وديات المقتولين. وأصل المعرة من العر وهو الجرب، فقيل لكل مضرةٍ معرة تشبيهًا بالعر الذي هو الجرب. قال النابغة:[من الطويل]
1006 -
كذي العر يكوى غيره وهو راتع
أي كصاحب الداء الذي يستحق الكي، وهو مثل للبريء يعاقب ويترك الجاني. وفي الحديث:"كان إذا تعار من الليل" قال أبو عمر: واختلف الناس في تعار؛ قيل: انتبه، وقيل: علم، وقيل: تمطى، وإنه مأخوذ من عرار الظليم: وهو صياحه، والظليم ذكر النعام. والعرار: حكاية صوته وصوت حفيف الريح. والعرعر: شجر، لما يسمع من حفيف أغصانها. وعرعار: لعبة لهم حكايًة لصوتها. وفي الحديث: "أتيتك بهذا المال لما يعررك" ويروى "يعروك" أي ينوبك. والعرار: شجر طيب أيضًا وقال الشاعر:
[من الوافر]
1007 -
تمتع من شميم عرار نجدٍ
…
فما بعد العشية من عرار
والعرارة بالتاء: الشدة. وفي الحديث: "كان يدمل إرضه بالعرة" وهي العذرة. ومنه حديث جعفرٍ: "كل سبع تمراتٍ من خلةٍ غير معرورةٍ" أي غير مسمدةٍ بعذرةٍ. وسأل بعض الأعراب آخر عن منزله فقال: "بين حيين من العربن فقال: نزلت بين المجرة والمعرة" المجرة: مجرة السماء، والمعرة: ما وراءها من ناحية القطب الشمالي؛ سميت بذلك لكثرة نجومها تشبيهًا بمن أصابه العر وهو الجرب لكثرته في البدن. والعرب تسمي السماء: الجرباء، لنجومها؛ كأنه قال له: هم في الكثرة كالنجوم.
والمعرة: المسبة كما تقدم. والمعرة: بلد معروف. والمعرة أيضًا: موضع العر وهو الجرب أو العرة وهو العذرة، كأنه لطخهم بها.
ع ر ش:
قوله تعالى:} الرحمن على العرش استوى {[طه: 5] أصل العرش: شيء مسقف ومنه: عرشت الكرم أعرضه: إذا جعلت له كهيئة سقفٍ. ويقال له عريش أيضًا. واعترض العنب: ركب عرشه. والعرش أيضًا: شبه الهودج، تشبيهًا له بعرش الكرم في هيئته. وعرشت البئر، أي جعلت له عريشًا. وسمي مجلس السلطان عرشًا اعتبارًا بعلوه. ثم عبر به عن العز والمنعة والقوة، لأنه محل صدور ذلك وقراره وهو المراد بعرش الباري تعالى. ويجوز أن يكون عرشًا جسمانيًا ولكنه في الهيئة والخلقة لا يعلم كنه ذلك إلا خالقه. واستواؤه عليه هو استيلاؤه - وقد مضى تفسير ذلك - لا الاستواء المعلوم. قال الراغب:
وعرش الله مما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم. قال: وليس كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له تعالى عن ذلك لا محمولاً، والله تعالى يقول:} إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحدٍ من بعده {[فاطر: 41] وليس كما قال قوم إنه الفلك الأعلى، والكرسي فلك الكواكب. قال: واستدلوا على ذلك بما روي عنه عليه الصلاة والسلام: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في جنب الكرسي إلا كحلقةٍ ملقاةٍ في أرض فلاةٍ" والكرسي عند العرش كذلك.
قلت: لا يلزم من قال: إن العرش جسم وفلك أن يكون حاملاً لله تعالى بل العرش وحملته وما سوى ذلك محمولون بقدرته تعالى. والقرآن قد ورد بأن للباري تعالى عرشًا موجودًا جسمانيًا محمولاً وهو قوله تعالى:} ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية {[الحاقة: 17].} وكان عرشه على الماء {[هود: 7] فأي محذورٍ في أن يكون له عرش كما أن له سماواتٍ وأرضًا، ولا نقول إن شيئًا من ذلك يحويه ولا هو مقوله تبارك وتعالى عن ذلك. وقيل: العرش سرير الملك فعبر به عن ملكوت ربنا لأنه ملك الملوك.
قوله:} وكان عرشه على الماء {تنبيه أن عرشه تعالى لم يزل مستعليًا مذ وجد على الماء. وقوله تعالى:} ذو العرش المجيد {[البروج: 15]،} رفيع الدرجات ذو العرش {[غافر: 15] ونحو ذلك. قيل: هو على حقيقته من وجود عرشٍ كالسماوات. وقيل: هو إشارة إلى مملكته وسلطانه لا إلى مقر له، تعالى عن ذلك. ومن ذلك قولهم: ثل عرش فلانٍ: إذا ذهب عنه. وروي أن عمر رضي الله عنه " [رئي] في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: لولا أن يتداركني برحمته لئل عرشي" قوله:} ولها عرش عظيم {[النمل: 23] إشارة إلى قوة ملكها وعز سلطانها وكبر سريرها وعظمته، واستعظام الهدهد لذلك غير بدعٍ منه؛ فهو حكاية عنه لا أنه تعالى استعظمه، وحيث ورد عنه تعالى استعظام شيء فغنما ذلك بالنسبة إلى استعظام خلقه كقوله {عذاب عظيم} [المائدة: 41].
قوله: {وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] أي لكرومهم. وقيل: يثبتون. يقال: عرش يعرش ويعرش، وقد قرئ بهما أي عرش العروش من أي نوعٍ كان ومن أي زرعٍ كان. وقيل: يبنون العريش. قوله:} خاوية على عروشها {[البقرة: 259] أي ساقطة على سقوفها، سقطت السقوف ثم وقعت عليها الحيطان، يشير إلى خرابها علوًا وسفلاً. ولا ترى أوجز لفظًا ولا أرمز على المعنى بأحسن من لفظ القرآن. وفي الحديث: "لما مات سعد اهتز له عرش الحرمن" قيل: هو الجنازة، واهتزازه فرحه به، وإضافته إلى الرحمن من باب التكريم والبشارة. وقيل: كناية عن قبول أهل العرش - وهم الملائكة - ولا مانع من أن يحمل على حقيقته تكرمًة كما قيل في قوله تعالى:} فما بكت عليهم السماء والأرض {[الدخان: 29] وإن الله يجعل فيها قوة البكاء كل هذا لا محال فيه عقلاً ولا شرعًا. وعن بعضهم: "تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفلان كافر بالعرش" يعني وهو بعرش مكة بعد لم يهاجر، والباء بمعنى في، والعرش جمع عرشٍ كسقفٍ وسقفٍ. وقيل: هو جمع عريشٍ نحو قلبٍ وقليبٍ. وفي مقتل أبي جهلٍ: "خذ سيفي فاحتز به رأسي من عرشي" قال المبرد: العرش: عرق في أصل العنق.
ع ر ض:
قوله تعالى:} وجنةٍ عرضها السماوات والأرض {[آل عمران: 133] العرض مقابل الطول، وإذا كان عرضها كذلك فما ظنك بطولها؟ وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. ومثله في المعنى:} بطائنها من استبرقٍ {[الرحمن: 54] فما ظنك بالظهارة؟ فإن العادة قاضية بأن الظهارة أنفس من البطانة. وأنشد للأعشى: [من الطويل]
1008 -
كأن بلاد الله وهي عريضة
…
على الخائف المذعور كفة حابل
وقيل: هو كناية عن السعة من غر نظرٍ إلى طولٍ ولا عرضٍ. وأصل العرض والطول أن يستعملا في الأجسام، وقد يتجوز بهما في غيرهما. ومنه قوله تعالى:} فذو دعاءٍ عريضٍ {[فصلت: 51] والعرض مخصوص بالجانب. وعرض الشيء: بدا عرضه. ومنه قولهم: عرضت العود على الإناء. واعترض الشيء في حلقه: وقف فيه بالعرض. واعترض الفرس في مشيه. وفيه عرضه أي اعتراض في مشيه من الصعوبة. ومنه قوله تعالى:} ولا تجعلوا الله عرضًة لأيمانكم {[البقرة: 224] قيل: معناه: ولا تجعلوه معرضًا لها ومعدًا لأن ذلك يشعر بقلة المبالاة، من قولك: هذا بعير عرضة للسفر. وأنشد لعبد الله بن الزبعري: [من الطويل]
1009 -
فهذي لأيام الحروب وهذه
…
للهوي وهذي عرضة لا رتحاليا
وقال المبرد: العرضة: الاعتراض في الخير والشر. يقول: لا تعترضوا باليمين في كل ساعةٍ أن لا تبروا ولا تتقوا. وقيل: لا تجعلوه معترضًا بينكم وبين فعل البر، وذلك أن الرجل يحلف ألا يفعل الخير ولا يبر فلانًا فيجعل الإيمان معترضًة بين فعله الخير وبينه وقيل: هي المنع، أي: لا تجعلوه مانعًا لكم من البر والتقوى. ويدل عليه الحديث: "من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" وقد أتقنا هذه المسألة وأوسعنا فيها العبارة إحكامًا وإعرابًا وتفسيرًا في "القول الوجيز" و"الدر النظيم" وغيرهما ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى في موضعٍ:} عرضها السماوات والأرض {[آل عمران: 233] وفي موضعٍ آخر:} كعرض {[الحديد: 21]. فصرح بحرف التشبيه لما بيناه في غير هذا. قال بعضهم: أراد بالعرض في الموضعين الذي هو خلاف الطول. قال: وتصور ذلك على أحد وجوهٍ: إما أن يريد به أن يكون عرضها في السماء الأخيرة كعرض السماوات والأرض في النشأة الأولى، وذلك أنه قد قال:} يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات {[إبراهيم: 48] قال: فلا يمتنع أن تكون السماوات والأرض في النشأة الأخيرة أكبر مما هي الآن وروي أن يهوديًا سأل عمر رضي الله تعالى عنه عن هذه الآية وقال: فأين النار؟ فقال عمر: فإذا جاء الليل فأين النهار؟ وقد
قيل: يعني بعرضها سعتها لا من حيث المساحة لكن من حيث المسرة، كما يقال في ضده: الدنيا على فلانٍ حلقة خاتمٍ وكفة حابلٍ. وسعة هذه الدار كسعة الدنيا. وقيل: العرض ها هنا من العرض على البيع كقولهم: بيع كذا بعرضٍ: إذا بيع بسلعةٍ فمعناه عرضها أي بدلها وعوضها كقولك: عرض هذا الثوب كذا وكذا. والعرض - بالتحريك - ضد الجوهر، وهو ما لا يكون له ثبات ولا استقرار. ومنه استعار أهل الكلام العرض لما لا يقوم بنفسه بل بجوهرٍ كاللون. وقولهم: الدنيا عرض حاضر، أي لا ثبات لها ومنه قوله تعالى:} تريدون عرض الدنيا {[الأنفال: 67] وقوله:} لو كان عرضًا قريبًا {[التوبة: 43] أي مطلبًا سهلاً.
والتعريض: ما احتمل من الكلام وجهين فصاعدًا وهو الذي تسميه الأدباء الكلام الموجه. وفي الحديث: "إن في المعاريض مندوحًة عن الكذب" والتعريض: ضد التصريح. ومنه قوله تعالى:} فيما عرضتم به من خطبة النساء {[النساء: 235] هو أن يقول: أنت جميلة ورب راغبٍ فيك وإذا حللت فآذنيني، ونحو ذلك. والتصريح أن تقول: أريد أن أتزوجك، ونحو ذلك. قوله تعالى:} ثم عرضهم على الملائكة {[البقرة: 31] أي أتى بهم لهم وأعتدهم ووقفهم عليهم، من قولك: عرض الأمير الجند ليتعرفهم بخلاقهم وأسمائهم. والعارض: البادي عرضه؛ فتارًة تختص بالسحاب كقوله تعالى:} هذا عارض ممطر {[الأحقاف: 24] أي سحاب قد عرض في الأفق. قال الشاعر: [من المنسرح]
1010 -
يا من رأى عارضًا أكفكفه
…
بين ذراعي وجبهة الأسد
وقوله تعالى:} وعرضنا جهنم {[الكهف: 10] أي أبرزناها وجهلناها بحيث يرونها. ومثله:} ويوم يعرض الذين كفروا على النار {[الأحقاف: 20] من ذلك وقيل: هو مقلوب، والأصل: تعرض النار عليهم. ومنه قولهم: عرضت الناقة على الحوض. قوله:} وأنتم معرضون [[البقرة: 83] أي مولون، وأصله: من ولى في عرضه أي ناحيته
فأعرض عني من كذا. وقيل: أعرض: أظهر عرضه، أي ناحيته. فإذا قيل: أعرض لي كذا، أي بكذا عرضه فأمكن تناوله. وإذا قيل: أعرض عني فمعناه ولى مبديًا عرضه. وعرض كذا: إذا بدا من أي ناحيةٍ كانت. وقولهم: هو من عرض الناس، أي من نواحيهم غير مخصوصٍ ولا معلومٍ.
قوله:} وهم عن آياتها معرضون {[الأنبياء: 32] أي مولون على الاستدلال بها على الله وعلى وحداهيته. وأعرض الشيء: إذا بدا. ويقال فيما يعرض من السقم: عارض وفيما يظهر من شعر الخدين: عارض، ومنه: العارضان: وهما الشعر النابت على اللحيين. وعلى ما يبدو من الأسنان وهي المجاورة للثنايا، وللإنسان أربع عوارض؛ قال عنترة:[من الكامل]
1011 -
سبقت عوارضها إليك من الفم
وقال كعب: [من البسيط]
1012 -
تجلو عوارض ذي ظلمٍ إذا اوتسمت
…
كأنه منهل بالراح! معلول
وفلان شديد المعارضة: كناية عن جودة بيانه. قوله:} يأخذون عرض هذا الأدنى {[الأعراف: 169] أي الرشا في الأحكام. قوله:} سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم {[التوبة: 95] أي لتعفوا وتصفحوا، أي لأن في العفو إعراضًا عن الجاني. وقيل: اللام متعلقة بالحلف على معنى أنهم حلفوا لأجل إعراضكم عنهم؛ فعلوا ذلك لما رأوكم أعرضتم. وعبر الهروي عن هذا المعنى حكايًة عن أبي العباس قال: قال أبو العباس: أي لإعراضكم عنهم، وليست لام كي لكنهم حلفوا لإعراض المسلمين عنهم. قلت: وهذه لام كي على التقديرين المذكورين، وهي متعلقة بالفعل على التقديرين أيضًا، فكيف يقال: وليست لام كي؟.
وفي الحديث: "كل المسلم على المسلم حرام؛ ماله وعرضه ودمه" قال
المبرد: العرض من الإنسان موضع المدح والذم، وذلك أن يذكر أمورًا يرتفع بها الإنسان أو يسقط وقيل: عرضه هم أسلافه الذين يشرف بهم أو موضع منه. وقيل: العرض: نفس الرجل، واستدل بحديثه عليه الصلاة والسلام في صفة أهل الجنة:"لا يبولون ولا يتغوطون إنما هو عرق يخرج من أعراضهم" أي من ذواتهم. قلت وقول حسان رضي الله عنه: [من الوافر]
1013 -
فإن أبي ووالده وعرضي
…
لعرض محمدٍ منكم وقاء
يحتمل الأمرين إلا أن الظاهر منه العرض المتعارف. واستدل أيضًا بحديث أبي ضمضمٍ: "اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك" ووجه الدليل أنه لو كان العرض الأسلاف لما جاز أن يحلهم لغيره لأن ذلك إليهم لا إليه. والذاهب إلى ذلك والمستدل عليه هو ابن قتيبة. قال أبو بكر: وما ذهب إليه واضح الخطأ ألا ترى قول مسكينٍ الدارمي: [من الرمل]
1014 -
رب مهزولٍ سمين عرضه
…
وسمين الجسم مهزول الحسب
قال: فلو كان العرض البدن والجسم على ما أدعى لم يكن مسكينًا ليقول: "رب مهزول سمين عرضه" إذ كان مستحيلاً للقائل أن يقول: "رب مهزولٍ سمين جسمه" لمناقضة ذلك. وإنما أراد: "رب مهزولٍ جسمه كريمة أفعاله" وتأول الحديث بأن الأعراض: المغابن التي يخرج منها العرق، وهذا عندي قريب من قول ابن قتيبة فكيف يكون ردًا عليه؟ واستدل أبو بكرٍ بقوله: دم المسلم وماله وعرضه. قال: لو كان العرض البدن لكان قوله دمه كافيًا لأن الدم يعبر به عن النفس. ويدل عليه قول عمر للخطيئة: "اندفعت تغني بأعراض المسلمين" معناه بأفعالهم وأفعال أسلافهم. قال الشاعر وهو
طرفة: [من الطويل]
وقال: الحكم بن عبدلٍ الأسدي: [من الطويل]
1015 -
وأدرك مسيور الغني ومعي عرضي
أي أفعالي الجميلة التي تقتضي مدحي وعدم مذمتي. وقوله عليه الصلاة والسلام: "لي الواجد يحل عقوبته وعرضه" أي يجوز لرب الدين أن يصفه بسوء القضاء بالنسبة إلى نفسه لا إلى أسلافه. وفي كتابه عليه الصلاة والسلام لأقيال شنوءة: "وما كان لهم من ملك وعرمان ومزاهر وعرضانٍ" قيل: العرضان: جمع عريضٍ وهو ابن سنةٍ من المعز. وقيل: جمع عرضٍ وهو الوادي الكثير النخل والشجر. ومنه: أعراض المدينة لقراها في الوادي خاصة فيها النخيل. وفي الحديث: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" أي احتاط لنفسه. فهذا ظاهر في النفس كما قال ابن قتيبة. وفي حديث ابن عمر: "وأضرب العروض" العروض من الإبل ما أخذ يمينًا وشمالاً ولا يلزم محجًة واحدًة. والعروض: العلم المعروف استنبطه الخليل بن أحمد. وقال ذو البجادين يخاطب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من الرجز]
1016 -
تعرضي مدارجًا وسومي
…
تعرض الجوزاء للنجوم
أي خذي يمنًة ويسرًة وتنكبي الثنايا الغلاظ. يقال: تعرض في الجبل: إذا أخذ في عروضٍ منه أي ناحيةٍ، فاحتاج أن يأخذ يمينًا وشمالاً. وإنما قال:"تعرض الجوزاء" لأنها
تسير على جنب وليست بمستقيمةٍ، بل تعارض النجوم معارضًة. وفي حديث عدي "إني أرمي بالمعراض" هو سهم بلا نصلٍ ولا ريشٍ ويصيب بعرض عوده. وفي الحديث: "ولكم العارض هي التي أصابها كسر؛ عرضت الناقة والشاة: أصابها ذلك. وأنشد [من الطويل].
1017 -
إذا عرضت منها كهاة سمينة
…
فلا تهدمنها واتشق وتجبجب
وبنو فلانٍ يأكلون العوارض، أي التي أصابها مرض وكسر؛ يصفونهم بالبخل. وقال عليه الصلاة والسلام لعدي لما تأول قول الله عز وجل:} الخيط الأبيض من الخيط الأسود {[البقرة: 187] بخيطين جعلهما في رجله: "إنك لعريض الوساد" أي كثير النوم، كنى عن كثرة نومه بعرض وساده. وكبر: كثر نومه. والظاهر أنه أراد عدم الفطنة، وذلك أنه ورد في رواية أخرى:"عريض القفا" وهذا كناية عن السمن المفرط؛ فإنه غالبا يزيل الفطنة وقيل: معناه: من أكل في صومه مع الصبح أصبح عريض القفا أي سمينًا، لأن الصوم لا ينهكه ولا يؤثر فيه. وأنشدت لبعض البدويات في بليدٍ:[من الطويل]
1018 -
عريض القفا ميزانه في شماله
…
قد انحص من بعض المقاريظ شاربه
وفي الحديث: "أن تجارًا عرضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وابا بكرٍ ثيابًا بيضًا" أي أهدوا لهما ذلك. والعراضة: الهدية أيضا. وفيه أيضًا: "خمروا آنيتكم ولو بعودٍ تعرضونه عليه" أي تضعونه بالعرض. يقال: عرضه يعرضه، بالضم في المستقبل. وفي حديث عمر رضي الله عنه:"فادان معرضا" المعرض، قال شمر: هو هنا بمعنى المعترض،
يعني: اعترض لكل من يقرضه؛ يقال عرض لي الشيء فأعرض، وتعرض واعترض بمعنى واحدٍ قال: ومن فسره بمعنى الممكن على ما فسر أبو عبيدٍ فهو بعيد لأن معرضًا منصوب على الحال، فإذا فسر أنه يمكنه فالمعرض هو الذي تعرض لأنه هو الممكن. وقال ابن شميلٍ:"فادان معرضًا" أي تعرض، إذا قيل له: لا تستدن فلا يقبل. وروى أبو حاتمٍ عن الأصمعي أنه قال فيه: أي أخذ الدين، ولم يبال ألا يؤديه. وقال القتيبي: أي استدان معرضًا عن الأداء، وهو قول أبي حاتمٍ. وعندي أن كلام أبي عبيدٍ صحيح لأن هذا المستدين قد يكون أدان وهو مليء ممكن، وهو مما يلام عليه الإنسان، والمستدين رجل عير عمر رضي الله عنه. وفي حديث محمد بن علي:"كل الجبن عرضًا" قال أبو عبيدٍ: أي اعترضه واشتره ممن وجدته ولا تسأل عمن عمله؛ أعمل مسلمٍ أم غيره؟ وهذا قصد به رضي الله عنه: الأخذ بالظاهر، وأن السؤال قد يؤدي إلى محاذير لابد من تعاطيها، مأخوذ من عرض الشيء وهو ناحيته كما تقدم. وفي حديثٍ:"فاستعرضهم الخوارج" أي قتلوهم من أي وجهٍ أمكنوهم.
ع ر ف:
قوله تعالى:} الجنة عرفها لهم [[محمد: 6] أي طيبها، من العرف وهو الطيب. وتقول العرب: طيب الله عرفك، أي رائحتك. وقيل عرفها لهم في الدنيا بوصفٍ وصفها لهم، فإذا دخلوها عرفوها بتلك الأوصاف الحسنة بمعنى: ألهم كل أحد أن يعرف منزله في الجنة كما يعرف منزله في الدنيا مع اتساع تلك المنازل وكثرتها. وإذا الهم الطيور أن تهتدي لأوكارها في الدنيا مع كثرة أوكارها وأشباهها وتقاصر فهمها، فهذا أولى. فقيل: إنه يبعث مع كل رجلٍ ملك يعرفه منزله. وقيل: عرفها: زينها. وقيل: شوقهم إليها بوصفه لها وتعريفه إياها. قوله تعالى:} ولتعرفنهم في لحن القول {[محمد: 30] أي ليظهرن لك المنافق من غيره من فحوى خطابه. والمعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكرٍ وتدبرٍ لأثره فهو أخص من العلم ويضاده الإنكار. ويقال: فلان يعرف
الله، ولا يقال: يعلم الله، متعديًا إلى واحدٍ، لما كان معرفة البشر الله هي تدبر آثاره دون إدراك ذاته. ويقال: الله يعلم كذا ولا يقال: يعرف، لما كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه بتفكرٍ؛ قاله الراغب.
قلت: وقد فرق قوم بين العلم والعرفان بغير ذلك؛ فقال بعضهم: المعرفة: إدراك الشيء دون ما هو عليه. ومن ثم تعدت لواحدٍ. والعلم معرفته وما هو عليه. ومن ثم تعدي لاثنين، فمن ثم يقال: علم الله، دون عرف. وقال آخرون: المعرفة تستدعي جهلاً بالشيء المعروف بخلاف العلم فإنه لا يستدعي ذلك، ولذلك علم الله دون عرف الله. وقد وقع في عبارة بعض العلماء عرف الله، ومنهم الزمخشري في كشافه. ثم إنهم يقولون: علم يتعدى لمفعول واحد إذا كانت بمعنى عرف، ويجعلون من ذلك} لا تعلمونهم الله يعلمهم {[الأنفال: 60] وحينئذٍ فكيف يصح ذلك؟ إذ المحذور أمر معنوي لا لفظي فإنه متى أريد بالعلم العرفان كانا بمعنى واحد امتناعًا وجوازًا. فيجب أن يقال:} الله يعلمهم {متعد لاثنين حذف ثانيهما وأما} لا تعلمونهم {فمتعد لواحد. قيل: وأصل عرفت: من أصبت عرفه. أي رائحته، أو من أصبت عرفه أي خده. وتقابل المعرفة بالإنكار والعلم بالجهل.
قوله:} وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا {[الحجرات 13] أي ليعرف بعضكم بعضًا بنسبه، فيقال: فلان بن فلانٍ من الحي الفلاني والقبيلة الفلانية والشعب الفلاني. وقد تقدم أن الشعوب في العجم والقبائل في العرب. والمعنى: لتعارفوا لا لتفاخروا، والأصل: لتتعارفوا فحذفت إحدى التاءين، وأثبتهما ابن كثيرٍ إلا أنه أدغم إحداهما في الأخرى، وهي أحرف معدودة بيناها في "العقد النضيد". وقيل:} عرف بعضه وأعرض عن بعضٍ {[التحريم: 3] أي عرف بعض أزواجه وهي حفصة. وقيل: "عرف" بالتخفيف، قيل، بمعنى جازاها عليه، وهو مستفيض عندهم في الوعيد،
يقولون: عرفت ما فعلت، أي سأجزيك وفي التفسير قصة} والمرسلات عرفًا {[المرسلات: 1] هم الملائكة ترسل بالمعروف. فعرفًا حال، أي ذات عرفٍ. وقيل: معنى عرفًا: متتابعًة من عرف الفرس والديك لتتابع شعره. ومنه: جاءت القطا عرفًا أي متابعًة. وقوله:} وقولوا لهم قولاً معروفًا {[النساء: 5] أي علموهم وعرفوهم طرق الرشاد وأسباب الخير، فهذا هو القول المعروف. وقيل: لا تواجهوهم بمنع الأموال بكلامٍ شينٍ بل برد جميلٍ بأن تقولوا: إذا رشدتم دفعنا إليكم الأموال. وقيل: ما يوجبه الدين والملة بتصريحٍ وبيانٍ.
وقوله:} وصاحبهما في الدنيا معروفًا {[لقمان: 15] قال ابن عرفة: المعروف ما عرف من طاعة الله والمنكر ما خرج عنها، وهذا يقرب من الإجمال. ومراد الآية أن يصحبًا وهما كافران بالإحسان إليهما من نفقةٍ عليهما، ومراعاة لجانبهما، مما يتعلق بالأمور الدنيوية كقوله تعالى:} وبالوالدين إحسانًا {[البقرة: 83]} فلا تقل لهما أفً {[الإسراء: 23] فهذا عام في المسلمين والكافرين إلا أن يأمروا بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة، وهم وغيرهم في ذلك سواء، وقد قال تعالى:} وإن جاهداك على أن تشرك {[لقمان: 15] قوله:} تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله {[آل عمران: 110] هذه الأشياء تفسير للخيرية المذكورة في قوله تعالى:} كنتم ير أمةٍ أخرجت للناس {[آل عمران: 110] والمعروف: اسم لكل فعلٍ يعرف بالعقل والشرع حسنه، والمنكر: ما ينكرهما ومن ثم قيل للاقتصاد في الجود معروف لما كان مستحسنًا شرعًا وعقلاً. وقوله:} وللمطلقات متاع بالمعروف {[البقرة: 241] أي بالاقتصاد من غير إسرافٍ فيضر بالزوج، ولا تقتير فيضر بالمرأة قوله:} قول معروف ومغفرة خير من صدقةٍ يتبعها أذى {[البقرة: 263] أي رد للفقير بقول جميلٍ نحو: فتح الله عليك، وسع الله عليك، أعفاك الله، خير من أن تعطي شيئًا فتمن به وتقرع وتوبخ كصدقة غالب أهل زماننا.
قوله تعالى:} خذ العفو وأمر بالعرف {[الأعراف: 199] أي بالمعروف وفي
الحديث في تفسيرها: "أنه عليه الصلاة والسلام سأل جبريل عنها [فقال:] لا أدري حتى أسأل. ثم رجع فقال: "يا محمد إنه ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" وعن جعفرٍ الصادق أنه قال: "أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع منها لمكارم الأخلاق".
في الحديث: "من أتى عرافًا أو كاهنًا" العراف: الحازي أو المنجم الذي يدعي الغيب. والعراف كالكاهن إلا أن العراف يخص بمن يخبر بالأحوال المستقبلة، والكاهن بمن يخبر بالأحوال الماضية. وسيأتي شيء من هذا في مادة (ك هـ ن) وفي حديث طاووس:"سألت ابن عباسٍ عن قول الناس: أهل القرآن عرفاء أهل الجنة" قلت: مصداق ما قاله ابن عباسٍ رضي الله عنه أن العريف من يسري المعروف إلى أهله وجيرانه وأهل قريته. قال علقمة بن عبدة: [من البسيط]
1019 -
بل كل قومٍ وإن عزوا وإن كثروا
…
عريفهم بأثافي الشرمرجوم
والعريف أيضًا من يتعرف أحوال الناس ومنه عريف الجيش وهو نقيبهم. قال الشاعر: [من الكامل]
1020 -
أو كلما حلت عكاظ قبيلة
…
بعثوا إلي عريفهم يتوسم؟
والاعتراف: الإقرار، وأصله إظهار معرفة الذنب، وذلك ضد الجحود. والعارف في عرف المتصوفة: هو المختص بمعرفة الله تعالى ومعرفة ملكوته وحسن معاملته. وفي الحديث: "أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة" قيل: معناه من بذل معروفه في الدنيا أوتي جزاء معروفه في الآخرة وقيل: من بذل جاهه لأصحاب الجرائم
التي لا تبلغ الحدود مستشفعًا فيهم شفعه الله في الآخرة في أهل التوحيد، وكان عنده وجيهًا كما كان عنده في الدنيا وجيهًا عند الناس. قال ابن العباس: سألت ابن الأعرابي عنه فقال: روى الشعبي أن ابن عباسٍ قال: يأتي أصحاب المعروف في الدنيا يوم القيامة فيغفر لهم بمعروفهم وتبقى حسناتهم جامًة فيعطونها لمن زادت سيئاته على حسناته فتزيد حسناته فيغفر له فيدخل الجنة.
وفي الحديث: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" أي أطعه واحفظه في أمره ونهيه يجازك بذلك، فسماه تعرفًا على المقابلة وهو كثير. ومن كلام عمر رضي الله عنه:"أطردنا المعترفين" قال القتيبي: أحسبه الذين يقرون على أنفسهم وشبهه، كأنه كره لهم ذلك وأحب الستر على أنفسهم ونعم ما أوجب رضي الله عنه فإن العلماء نصوا على أن الذنب المتعلق بينه وبين ربه أن يستره على نفسه ويتوب منه. وإن تعلق بغيره فيؤديه إليه ويستر على نفسه ما أمكنه. وإذا أحسن إلى غيره بالستر عليه فإحسانه إلى نفسه ما أمكنه. وإذا أحسن على غيره بالستر عليه فإحسانه إلى نفسه بذلك أولى. وفي الحديث:"إن الله يقول لعباده: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله سبحانه. فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه" قال الأزهري: معناه إذا تحقق.
ع ر م:
قوله تعالى:} فأرسلنا عليهم سيل العرم {[سبأ: 16] قيل: العرم: اسم الوادي. وقيل: اسم الخلد الذي نقب السد حتى فتح وسال ماؤه فغرق ديارهم وأهلك بساتينهم. وقيل: العرم: المسناة. قال ابن الأعرابي: العرم من أسماء الفأرة. ومنه قولهم في المثل: "لا يعرف الهر من البر" والهر: السنور والبر الفأرة. وقيل: العرم: المطر
الشديد. وخصه بعضهم بالفأر الذكر، وهو الجراد أيضًا.
وأصل العرامة: الشدة والشراسة وصعوبة الخلق. ومنه رجل عارم. يقال: عرم يعرم فهو عارم، وعرم فهو عريم: تخلق بذلك. وعرام، الجيش: معظمه. وفي الحديث: "من ملك وعرمان" العرمان: المزارع، الواحد عريم، وقيل: أعرم: وهو ما يرتفع حول الدائرة. والعرمة: الكدس؛ وهو حصيد الزرع.
ع ر و:
قوله تعالى:} فقد استمسك بالعروة الوثقى {[البقرة: 256] قال الأزهري: أصله من عروة الكلا وهو ماله أصل ثابت في الأرض مثل الشيخ والأرطى وغيرهما من جميع الشجر المستأصل في الأرض، فإذا كانت السنة قليلة المطر والبقول رعتها الماشية وعاشت بها. فلما كانت هذه الأشياء يستمسك بها ضربت مثلاً للعهد ولكل ما يعتصم به ويلجأ إليه. وقيل: العروة: ما يتعلق [به] من العرا - بالقصر - وهو الناحية. قيل: ومنه: عراه واعتراه أي قصد عراه أي ناحيته.
والعروة أيضًا: شجر تتعلق به الإبل، فاستعيرت العروة للعهد الوثيق. قوله:} إن نقول إلا اعتراك {[هود: 54] أي مسك وأصابك، يقال: عروته واعتريته وعررته واعتررته: إذا أتيته تطلب منه حاجة. وعرى: مسته العرواء وهي الحمى؛ قال الراغب: واحدة عرواء أي رعدة تعرض من العري. وليست العروة من العري لاختلاف المادتين.
ع ر ي:
قوله تعالى:} إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى {[طه: 118] أي لا يزول عنك لباسك بل يبقى عليك أبدًا؛ أخبره بعدم الشقاوتين الحاصلتين في الدنيا وهما الكد في اللباس والمطعم، فكفاه مؤنتهما. يقال: عري من ثوبه فهو عارٍ وعريان وحكى الراغب: فهو عرو من الذنب، أي عارٍ. وهذا يقتضي أن يكون في لامه لغتان: الواو والياء. ومعاري الإنسان: الأعضاء التي من شأنها ألا تكسى كاليدين والرجلين والوجه.