الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1321 -
فما بلغت كف امرئٍ متناولٍ
…
بها المجد إلا حيثمان نلت أطول
أي أطول منه. قال أبو بكرٍ: العوام يمضون الراء من "أكبر" يعني أن الصواب فتح الراء، ووجهه بأن الأذان كلماته مبنية على السكون لتقطيع كلماتها وترتيلها. فلما كانت الراء ساكنة نقل إليها حركة همزة الجلالة وهي فتحة ففتحت الراء، وقد اعترض عليه بأن همزة الجلالة همزة وصلٍ وهي ساقطة درجًا فكيف ننقل فتحها؟ وهو اعتراض ساقط لأنه قال: إن الكلمات على تقدير السكون والقطع من بعضها، فكأن الهمزة مبتدأ بها غير مندرجةٍ. ومثل ذلك قراءة {ألم الله} [آل عمران: 1 - 2] ففتح الميم؛ قيل: الفتحة لإلتقاء الساكنين، وقيل: حركة نقلٍ، واعترض بما تقدم وأجيب بما ذكرته. وسمع من كلامهم: ثلاثة أربعة بفتح هاء ثالثة وصلاً، وقد قررنا ذلك في غير هذا.
وفي الحديث: "لا تكابروا الصلاة بمثلها في التسبيح بعد التسليم في مقامٍ واحدٍ" قيل: معناه لا تغالبوا الصلاة بأن تجعلوا تسبيحها أكبر منها بعد أن تسلموا منها، بل ينبغي أن تكون زائدة عليه.
فصل الكاف والتاء
ك ت ب:
قوله تعالى: {ألم ذلك الكتاب} [البقرة: 1 - 2] الكتاب -في الأصل- مصدر كتب أي جمع. قال تعالى: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] أي: كتب ذلك عليكم كتابًا كقوله: {صنع الله} [النمل: 88] ثم يطلق على المكتوب كقولهم: خلق الله، وضرب الأمير، وأنشد:[من الطويل]
1322 -
نشرت عيالي إذ رأيت صحيفة
إليك من الحجاج يبلى كتابها
أي مكتوبها، والكتاب المذكور في الآية الكريمة هو القرآن العزيز، سمي بذلك لما جمع فيه من الأخبار والقصص والأحكام والمواعظ والأمثال والأوامر والنواهي والزواجر والإنذار والإعذار والتحذير والبشارة إلى غير ذلك.
وكل ما جمعته فقد كتبته، ومنه قيل لخرز القربة كتب جمع كتبةٍ وأنشد لذي الرمة:[من البسيط]
1323 -
مشلشل ضيعته بينها الكتب
ومنه: كتبية الجيش، لاجتماع الفرسان، وأنشد:[من الكامل]
1324 -
وكتبيةٍ آنستها بكتيبةٍ
…
حتى إذا اجتمعت نقصت لها يدي
ومنه: كتبت البغلة والقلوص أي جمعت بين شفريها بحلقةٍ ونحوها، وأنشد [من البسيط]
1325 -
لا تأمنن فزاريًا خلوت به
…
على قلوصك واكتبها بأسيار
وسميت الكتابة كتابة لضم الحروف فيها بعضها إلى بعضٍ، والأصل في الكتابة النظم بالخط، وفي المقال النظم باللفظ. ثم قد يستعمل كل منهما للآخر، قال الراغب: ولذلك سمي كلام الله -وإن لم يكتب- كتابًا لقوله: {ألم ذلك الكتاب} . قلت: نصب كتابًا على أنه مفعول اسمي لا أنه خبر ليكن. ويعني بذلك أن القرآن كلام الله مسمى بالكتاب قبل أن يكتب بالخط. وأقرب من ذلك أن يقال: سمي كتابًا لما يؤول إليه من الكتابة في علم الله تعالى، ثم قد يعبر بالكتابة عن الإيجاب
الإثبات والتقدير والفرض. قال بعضهم: وجه ذلك أن الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب؛ فالإرادة مبدأ الكتابة منتهى. ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى، كقوله:{كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 21] أي حكم وقضى بذلك وأثبته في اللوح المحفوظ.
قوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله} [الأنفال: 75] أي في حكمه.
قوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] أي فرضنا وأوجبنا. قوله: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} [الحشر: 3] أي لولا أن أوجب عليهم الجلاء من ديارهم قوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} [المجادلة: 22] إشارة إلى أنه بخلاف صفة من قال في حقهم: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} [الكهف: 28] قيل: لأن معنى "أغفلنا" من قولهم: أغفلت الكتاب: إذا جعلته خاليًا من الكتابة والإعجام.
وقد يعبر بالكتابة عن القضاء الممضى وما يصير في حكمه، وعليه حمل قوله تعالى:{وبلى ورسلنا لديهم يكتبون} [الزخرف: 80] قيل: ذلك مثل قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] قوله: {فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون} [الأنبياء: 94] أي مثبتون غير مضيعين لعمله، كقوله:{أني لا أضيع عمل عاملٍ منكم} [آل عمران: 195] وقوله: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} [الكهف: 30]. قوله: {ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83] أي أثبتنا معهم وأدخلنا في زمرتهم، وكأنه إشارة إلى قوله في موضعٍ آخر:{فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} [النساء: 69]. قوله: {ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها} [الكهف: 49] إشارة إلى ما أثبت فيه أعمال بني آدم. وهي صحيفة كل إنسان، وما كتب له من خيرٍ أو شر، جليلٍ أو حقيرٍ، وقيل: الإشارة إلى صغائر الذنوب وكبائرها.
قوله: {ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] هذا مرادٌ به اللوح المحفوظ. قوله تعالى: {لولا كتابٌ من الله سبق} [الأنفال: 68] يعني ما قدره من الحكم، وذلك إشارةٌ إلى قوله تعالى:{كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54].
قوله: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: 51] أي ما قضاه وقدره وأبرمه. وفي قوله لنا دون علينا معنىً لطيفٌ ذكره العلماء، وهو أن فيه تنبيهًا أن ما يصيبنا نعده نعمةً لنا ولا نعده نقمةً علينا.
قوله: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] قيل: معناه وهبها لكم ثم حرمها عليكم بامتناعكم من قبولها ودخولها. وقال آخرون: كتبها لكم بشرط أن تدخلوها وأتى باللام دون «على» لما تقدم، يعني أن دخولهم إياها يعود عليهم بنفعٍ في الآجل والعاجل فيكون ذلك لهم لا عليهم، وذلك كقولك لمن يرى تأذيًا بشيءٍ لا يعرف نفع مآله: هذا لك لا عليك.
قوله: {لقد لبثتم في كتاب الله} [الروم: 56] أي في حكمه وعلمه وإيجابه، وقيل: معناه أنزل الله في كتابه أنكم لابثون إلى يوم القيامة.
قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله} [التوبة: 36] أي في حكمه وشرعه. قوله: {ولا هدى ولا كتاب منيرٍ} [لقمان: 20] أي ولا حجةٍ ظاهرةٍ، فإن الكتاب يعبر به عن الحجة الثابتة.
قوله: {أم عندهم الغيب فهم يكتبون} [الطور: 21] إشارةٌ إلى العلم والتحقق والاعتقاد، وقال القتيبي: المعنى يحكمون؛ يقولون: نفعل بك كذا وكذا ونطردك ونقتلك، وتكون العاقبة لنا عليك. قلت: وقد عكس الله عليهم آمالهم كلها فطردوا وقتلوا. وكان له العاقبة عليهم، {والعاقبة للمتقين} [القصص: 83].
قوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] فيه إشارةٌ لطيفةٌ إلى تحري النكاح وذلك أن الله تعالى خلق للخلق النكاح ليتحروا بها طلب النسل، الذي يكون سببًا لبقاء نوع الإنسان إلى غاية قدرها ونهاية حصرها، فيجب للإنسان أن يتحرى بالنكاح ما جعل الله له على حسب مقتضى العقل والديانة. ومن تحرى النكاح حفظ النسل وحصن النفس على الوجه المشروع فقد ابتغى ما كتب الله له، وإلى هذا أشار من
قال: أراد بما كتب الله لكم الولد.
وقد يعبر بالكتب عن الإيجاد، فيقابل بالمحو والإزالة، كقوله:{يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] بعد قوله تعالى: {لكل أجلٍ كتابٌ} ، فنبه أن لكل وقت إيجادًا فهو يوجد ما تقضي الحكمة إيجاده ويزيل ما تقتضي الحكمة إزالته، وقد دل قوله تعالى:{لكل أجل كتابٌ} على نحوٍ ما دل عليه قوله تعالى: {كل يومٍ هو في شأن} [الرحمن: 29].
قوله: {وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب} [آل عمران: 78] فالكتاب الأول: ما كتبوه بأيديهم المذكورة بقوله: {فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} [البقرة: 79]. والثاني: التوراة. والثالث: جنس كتب الله تعالى كلها أي ما هو من شيءٍ من كتب الله تعالى وكلامه.
قوله: {فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} ، فيه تنبيهٌ أنهم يختلقونه ويفتعلونه؛ فكما نسب الكتاب المختلق إلى أيديهم نسب الكلام المختلق إلى أفواههم فقال تعالى:{ذلك قولهم بأفواههم} [التوبة: 30].
قوله: {وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان} [البقرة: 53] يجوز أن يكون الكتاب والفرقان عبارة عن التوراة وسماها كتابًا باعتبار ما أثبت فيها من الأحكام، وفرقانًا باعتبار ما وقع فيها من الفرق بين الحق والباطل.
قوله: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا} [آل عمران: 145] أشار بالكتاب إلى الحكم والقضاء المبرم، ولذلك وصفه بكونه مؤجلًا أي مذكورًا أجله ووقته.
قوله تعالى: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها} [الفرقان: 5] أي سأل كتابها. وكنوا بذلك عن الاختلاق؛ قال بعضهم: الاكتتاب متعارفٌ في الاختلاق، وقيل: اكتتبها: كتبها من ذاته لنفسه، وقيل: كتابتها له. ومنه حديث ابن عمر: «من اكتتب ضمنًا بعثه الله تعالى» قلت: الضمن.
وحيثما ذكر الله أهل الكتاب فالمراد بالكتاب التوراة والإنجيل أو هما جميعًا. قوله: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب} [يونس: 37]. أراد بالكتاب كتب الله غير القرآن لأنه جعل القرآن مصدقًا له. قوله: {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا} [الأنعام: 114] قيل: أراد به القرآن، وقيل: أراد القرآن وغيره من الحجج والعقل والعلم.
قوله: {وقال الذي عنده علمٌ من الكتاب} [النمل: 40] أراد به سليمان، وبالكتاب علمًا من العلوم التي آتاها الله تعالى سليمان في كتابه المخصوص به، وبه سخر له كل شيءٍ.
قوله: {وتؤمنون بالكتاب كله} [آل عمران: 119] قيل: أراد بالكتاب جمع جنس الكتب فوضع الواحد موضع الجمع كقولك: كثر الدرهم في أيدي الناس، ويؤيده قوله:{كل آمن بالله وملائكته وكتبه} [البقرة: 285] قرئ: {وكتبه} و {كتابه} . وقيل: وحد لأنه في الأصل مصدرٌ فتوحد، نحوٌ رجلٍ عدلٍ. وقيل: عنى بذلك كتابًا واحدًا ونبه أنهم ليسوا كمن قيل فيهم {نؤمن ببعض ونكفر ببعض} [النساء: 150].
قوله تعالى: {فكاتبوهم} [النور: 33] كتابة العبد، يجوز أن تكون من الكتب بمعنى الإيجاب أو بمعنى النظم أي نظم الحروف، لأن العادة جاريةٌ بكتب ذلك في صك والإشهاد فيه حفظًا لحق العبد فإنها جائزةٌ من جهته لازمةٌ من جهة سيده.
قوله: {سنكتب ما قالوا} [آل عمران: 181] أي سنحفظ قولهم، وقيل: سنكتبه في صحف الحفظة بأن تكتبه الحفظة، كقوله:{كرامًا كاتبين يعلمون ما تفعلون} [الانفطار: 11 - 12] وهو المشار إليه بقوله: {ونخرج له يوم القيامة كتابًا
يلقاه منشورًا} [الإسراء: 13] والله تعالى عالمٌ بالأشياء لا يحتاج إلى كتبٍ، وإنما أراد إقامة الحجة عليهم. وفي الحديث:«لأقضين بينكما بكتاب الله» أي بحكمه وقضائه.
ك ت م:
قوله تعالى: {ولا يكتمون الله حديثًا} [النساء: 42] جاء في الحديث عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «إن المشركين إذا رأوا أهل القيامة لا يدخل الجنة إلا من لم يكن مشركًا، قالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] فتشهد عليهم جوارحهم فحينئذ يودون ألا يكتموا الله حديثًا» . وعن الحسن: «الآخرة مواقف ففي بعضها يكتمون وفي بعضها لا يكتمون» . وقال غيره: «لا يكتمون الله حديثًا» تنطق جوارحهم. قلت: هذان القولان كالجواب عن سؤالٍ مقدرٍ يذكره الناس، وهو أنه تعالى قال في موضعٍ آخر:{هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 35 - 36]. ونظير ذلك قوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين} [الحجر: 92] مع قوله: {فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جانٌ} [الرحمن: 39].
وحقيقة الكتم ستر الشيء وتغطيته، وغلب في الحديث؛ يقال: كتمته كتمانًا وكتمًا. وقال بعضهم: الكتم والختم أخوان، أي متقاربان أو بمعنىً واحد. وفي الحديث:«وكان يدهن بالمكتومة» . في «المكتومة» تفسيران أحدهما: أنه دهنٌ من أدهان العرب يجعل فيها الزعفران. والثاني: أنها ما جعل فيها الكتم المعروف. وفي الحديث: «بالحناء والكتم» . والكتم يقال له الوسمة، والوسمة بسكون السين وكسرها.