الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
(54)}
.
[54]
{وَمَكَرُوا} أي: كفارُ بني إسرائيل الذين أحسَّ عيسى منهُمُ الكفرَ، والمكرُ: إخفاءُ الكيدِ، ومكرُهم بهِ: إرادةُ قتلِه.
{وَمَكَرَ اللَّهُ} بهم؛ أي (1): بأن ألقى شبهَهُ على من أرادَ اغتيالَه وقَتْلَه.
{وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} أقدرُهم وأقواهم.
ولمَّا أعلمَ الله المسيحَ أنه خارجٌ من الدنيا، جمعَ الحواريين تلكَ الليلةَ، وأوصاهم، ثم قال: ليكفرَنَّ بي أحدُكم قبلَ أن يصيحَ الديكُ، ويبيعُني بدراهمَ يسيرةٍ، وكان اليهودُ قد جَدُّوا في طلبه، فحضرَ بعضُ الحواريين إلى الحاكمِ على اليهود، واسمُه فيلاطوس، ولقبه هرودوس إلى جماعةٍ من اليهود، وقال: ما تجعلونَ لي إذا دَلَلْتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثينَ درهمًا، فأخذها، ودلَّهم عليه، فرفعَ اللهُ المسيحَ إليه، وألقى شبهَهُ على الذي دَلَّهم عليه، فإنَّ اليهودَ لما قصدوه أظلمت الدنيا حتى صارَتْ كالليل، وأظلمتِ الشمسُ، وظهرتِ النجوم (2) الكواكبُ، وانشقَّتِ الصخورُ، فلذلك لم يحققوا المشبهَ من شدةِ الظلمة، وحصولِ الإرجافِ، فقتلوه وصلبوه على الخشب، وهم يظنون أنه عيسى، وأنزل اللهُ المسيحَ منَ السماءِ إلى أمه مريمَ وهي تبكي عليه، فقال لها: إن الله رفَعني إليه، ولم يُصبني إلا الخيرُ، وأمرَها فجمعَتْ له الحواريين، فَبَثَّهُمْ في الأرض دُعاة،
(1)"أي" زيادة من "ن".
(2)
"النجوم" زيادة من "ن".
ثم رَفَعه إليه، وتلكَ الليلةُ التي تدخِّنُ فيها النصارى.
وتفرَّقَ الحواريون حيثُ أمرهم، وكسا اللهُ عيسى الريشَ، وألبسَهُ النورَ، وقطعَ عنه لذةَ المطعمِ والمشربِ، وطارَ مع الملائكة، فهو معهم حولَ العرش.
وكان رفعُ المسيحِ ليلةَ القدرِ من شهرِ رمضانَ بعدَ نبوته بثلاثِ سنينَ؛ فإنه (1) نُبِّيَ على رأس ثلاثينَ سنةً، ورفعهُ الله إليه وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، وكان رفعُه لمضيِّ ثلاثِ مئةٍ وستٍّ وثلاثينَ سنةً من غلبةِ الإسكندرِ اليونانيِّ على أرضِ بابلَ، وبينَ رفعِهِ ومولدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم خمسُ مئةٍ وخمسٌ وأربعون سنةً، فيكونُ بينَ رفعِه والهجرةِ الشريفةِ النبويةِ المحمديةِ خمسُ مئةٍ وثمانٍ وتسعون سنةً.
أما أمُّه مريمُ عليها السلام فإنها عاشَتْ نحو ثلاثٍ وخمسين سنةً؛ لأنها حملَتْ به لما صار لها من العمر ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، وولدته ببيتِ لحم من أرضِ بيتِ المقدسِ، وعاشتْ مجتمعةً معهُ ثلاثًا وثلاثين سنةً وكسرًا، وبقيت بعدَ رفعِه ستَّ سنينَ، وللمؤرخين في ذلك خلاف، والله أعلم.
وكان رفعهُ من طور زيتا جبلٍ شرقيَّ بيتِ المقدس.
وروي أنه دعا وقتَ رفعِه اللهَ بهذا الدعاءِ، وهو دعاء مُستجابٌ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ القَرِيبُ في عُلُوِّكَ، المتُعَالي في دُنُوِّكَ، الرَّفِيعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ أَنْتَ الَّذِي نَفَذَ بَصَرُكَ في خَلْقِكَ، وحُسِرَتِ الأَبْصارُ دُونَ النَّظَرِ إِلَيْكَ، وغُشِّيَتْ دُونَكَ، وسَبَّحَ لَكَ الفَلَقُ في النُّورِ (2)، أَنْتَ الَّذِي جَلَيْتَ الظُّلَمَ
(1) في "ت": "وأنه".
(2)
"في النور" سقطت من "ت".
بِنُورِكَ، فَتبَارَكْتَ اللَّهُمَّ أَنْتَ خَالِقُ الخَلْقِ بِقُدْرَتكَ، مُقَدِّرُ الأُمُورِ بِحِكْمَتِكَ، مُبْدِعُ الخَلْقِ بِعَظَمَتِكَ، القَاضِي في كُلِّ شَيْءٍ بِعِلْمِكَ، الَّذِي خَلَقْتَ سَبْعًا في الهَواءِ بِكَلِمَاتِكَ مُسْتَوِياتِ الطِّباقِ، مُذْعِنَاتٍ لِطَاعَتِكَ، سَمَا بِهِنَّ العُلُوُّ بِسُلْطَانِكَ، فَأَجَبْنَ وَهُنَّ دُخَانٌ مِنْ خَوْفِكَ، فَأَتَيْنَ طائِعينَ بأَمْرِكَ، فِيهِنَّ المَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَكَ ويُقَدِّسُونَكَ، وجَعَلْتَ فِيهِنَّ نُورًا يَجْلُو الظَّلَامَ، وضِيَاءً أَضْوَأَ مِنَ الشَّمْسِ، وَجَعَلْتَ فِيهِنَّ مَصابِيحَ نَهْتَدِي بِهَا في ظُلُمَاتِ البَرِّ والبَحْرِ ورُجُومًا للشَّياطِينِ، فَتبَارَكْتَ اللَّهُمَّ في مَفْطُورِ سَمَاواتِكَ، وفيما دَحَوْتَ مِنَ الأَرْضِ، ودَحَوْتَها عَلَى الماءِ، فَأَذْلَلْتَ لهَا الماءَ الطَّاهِرَ، فَذَلَّ لِطَاعَتِكَ، وأَذْعَنَ لِأمْرِكَ، وخَضَعَ لِقُوَّتِكَ أَمْوَاجُ البِحَارِ، فَفَجَّرْتَ فِيهَا بَعْدَ البِحارِ الأَنْهارَ وبعدَ الأَنْهارِ العُيُونَ الغِزَارَ واليَنِابيعَ، ثم أَخْرَجْتَ مِنْها الأشجارَ بالثِّمارِ، ثم جَعَلْتَ على ظَهْرِها الجبالَ أَوْتادًا، فَأَطاعَتْكَ أَطْوَادُهَا، فَتبَارَكَت اللَّهُمَّ صفاتُك، ومَنْ يَبْلُغُ صِفَةَ قُدْرتكَ، ومَنْ يَنْعَتُ نَعْتَكَ؟ تُنَزِّلُ الغَيْثَ، وتُنْشِئُ السَّحابَ، وتَفُكُّ الرِّقابَ، وتَقْضي الحَقَّ وأَنْتَ خَيْرُ الفاصِلِينَ، لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّما يَخْشَاكَ مِنْ عِبادِكَ العُلَماءُ، وأَشْهَدُ أَنَّكَ لَسْتَ بِإِلَهٍ اسْتَحْدَثناكَ، وَلا رَبَّ لَنا سِواكَ نَذْكُرُهُ، ولا كانَ لَكَ شُرَكاءُ يَقْضُونَ مَعَكَ نَدْعُوهُمْ وَنَدَعُكَ، ولا أَعَانَكَ أَحَدٌ عَلَى خَلْقِكَ فَنَشُكَّ فِيكَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَمْ يلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا، اجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا"، فلما تمَّ دعاؤه، رفعَهُ الله إليه (1).
(1) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(47/ 473 - 474)، عن وهب بن منبه.