الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذي غير محضرنا غير الله لونه؟ فرماه الله بالبرص من وقته، فافترق الناس وما لهم ذكر إلا ما شاهدوه من كرامته وفضله.
وكان شجاعا مقداما، جاهد الصليحي وشيعته الإسماعيلية، وكان له معهم وقعات مشهورة، آخرها اجتماعهم بالمثوى ومع الشريف ألف وخمس مائة فارس وآلاف من الرّجل، ومع الصليحي أضعاف ذلك، فقتل الشريف حمزة في تلك الوقعة في سنة تسع وخمسين وأربع مائة، وفي ذلك يقول شاعر الصليحي:[من الكامل]
وصرعن بالمثوى منهم سيدا
…
ذا نجدة وبكرهنا أن يصرعا (1)
وكان الشريف يقاتل وهو يقول: [من الرجز]
أطعن طعنا ثائرا غباره
…
طعن غلام بعدت أنصاره
وانتزحت من يومه دياره
وصبر يومئذ عنده تسعون شيخا صرعوا حوله، منهم عشرة أنفس لكل واحد عشرة بنين وعشر بنات.
1945 - [علي بن محمد الصليحي]
(2)
أبو الحسن علي بن محمد القائم باليمن.
كان والده القاضي محمد بن علي الصليحي فقيها عالما، سنيا، حسن السيرة، مطاعا في أهله.
وكان الداعي عامر بن عبد الله الزواحي يركب إليه كثيرا لصلاحه ورئاسته وعلمه، فرأى يوما ولده عليا المذكور، فلاحت له فيه مخائل النجابة وهو إذ ذاك دون البلوغ، فجعل الزواحي كلما وصل إلى القاضي محمد بن علي الصليحي .. اجتمع بولده علي المذكور وحادثه، وإذا خلا به .. أطلعه على ما عنده حتى استماله وغرس في قلبه من علومه وأدبه
(1) كذا في «طراز أعلام الزمن» (1/ 383)، والبيت مكسور ولم يتبيّن لنا معناه.
(2)
«طبقات فقهاء اليمن» (ص 88)، و «الكامل» (8/ 212)، و «السلوك» (2/ 485)، و «وفيات الأعيان» (3/ 411)، و «بهجة الزمن» (ص 72)، و «تاريخ الإسلام» (32/ 91)، و «مرآة الجنان» (3/ 103)، و «طراز أعلام الزمن» (2/ 345)، و «العقد الثمين» (6/ 238)، و «تاريخ ثغر عدن» (2/ 159)، و «شذرات الذهب» (5/ 317)، وسيعيد المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة في وفيات سنة (473 هـ)، انظر (3/ 465).
ومحبة مذهبه، وقيل: كانت حلية الصليحي الداعي عند الزواحي في كتاب «الصور» ، وأوقفه منه على تنقل حاله وشرف مآله، كل ذلك سرا من أبيه القاضي محمد وأهله جميعا، فلما مات عامر الزواحي .. أوصى بجميع كتبه لعلي بن محمد الصليحي، وأعطاه مالا كان قد جمعه من أهل مذهبه، فعكف الصليحي على درس الكتب-وكان ذكيا-فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من علم معارفه التي بلغ بها وبالجد السعيد غاية الأمل البعيد، فكان فقيها في مذهب الإمامية، ثم صار يحج بالناس دليلا على طريق السراة نحوا من خمس عشرة سنة، فانتشر ذكره في البلاد على لسان الخاصة والعامة أنه سيملك اليمن بأسره، ويكون له شأن عظيم، فإذا بلغه ذلك .. كرهه وأنكر على قائله، فلما كان سنة ثمان وعشرين وأربع مائة ..
حالف بمكة ستين رجلا على الموت، أو الظفر بقيام الدعوة، وما منهم إلا من هو في عزّة وفي منعة من قومه.
وفي سنة تسع وعشرين ثار في رأس جبل مسار-وهو أعلى جبل في تلك الناحية-ومعه الستون الذين حالفهم، ولم يكن في رأس الجبل بناء، إنما كان قلعة عالية منيعة، فلم ينتصف ذلك النهار الذي ملكها في ليلته إلا وقد أحاط به عشرون ألف سياف، فحصروه وشتموه وقالوا له: إن نزلت وإلا .. قتلناك ومن معك، فقال: إني ما فعلت هذا إلا خوفا عليكم أن يملك هذا الجبل غيرنا، فإن تركتمونا نحرسه لكم وإلا .. نزلنا إليكم، فانصرفوا وتفرقوا عنه، فلم يمض عليه شهر إلا وقد بناه وحصنه وديره، وظهر شأنه، واستفحل أمره، ووصلته الشيعة من أنحاء اليمن، وجمعوا له أموالا جليلة، وأظهر الدعاء إلى المستنصر بالله معد بن الظاهر بالله العبيدي صاحب مصر، فلما ظهر بمسار وكان معه جمع كثير .. حصره جعفر بن الإمام قاسم بن علي في جمع كثير، وساعده جعفر بن العباس، كان على مغارب اليمن الأعلى في ثلاثين ألفا، فأوقع الصليحي بجعفر بن العباس في محطته في شعبان من السنة المذكورة فقتله، وقتل جمعا كثيرا من أصحابه، وتفرق الناس عنه، فاستفتح الصليحي جبل حضور، وأخذ حصن يفاع، فجمع له ابن أبي حاشد جمعا عظيما، فالتقوا بصوف-قرية بين حضور وبين بني شهاب-فقتل ابن أبي حاشد في ألف رجل من أصحابه، وسار الصليحي إلى صنعاء فملكها، وطوى اليمن طيا، سهله ووعره، وبره وبحره، وهذا شيء لم يعهد في جاهلية ولا إسلام، حتى قال يوما وهو يخطب على منبر الجند: في مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن، ولم يكن ملكها يومئذ، فقال بعض من حضر: سبوح قدوس مستهزئا، فأمر بالحوطة عليه، فلما كان الجمعة الثانية .. خطب
الصليحي على منبر عدن، فقال ذلك الرجل: سبوحان قدوسان، وتغالى في القول، ودخل في مذهبهم، وكان يلاطف نجاحا صاحب زبيد في الظاهر؛ خوفا منه، ويعمل الحيلة في الباطن على قتله حتى قتله بالسم في سنة اثنتين وخمسين على يد جارية جميلة أهداها إليه.
وفي سنة ثلاث وخمسين أرسل الصليحي بهدية جليلة فيها سبعون سيفا قوائهما من عقيق إلى المستنصر بمصر، واستأذنه في إظهار الدعوة، فأذن له المستنصر في ذلك، وعقد له الألوية، وكتب له الألقاب، فسار إلى التهائم وملكها، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد استولى على كافة قطر اليمن، من مكة إلى حضرموت، سهله وجبله، واستقر ملكه في صنعاء.
وحلف أنه لا يولي تهامة إلا من حمل له مائة ألف دينار، ثم ندم وأراد أن يوليها صهره أسعد بن شهاب أخا زوجته أسماء أم المكرم، وحملت أسماء عن أخيها مائة ألف، وطلبت له ولاية التهائم، فولاه إياها كما ذكرناه في ترجمته.
وحج الصليحي في سنة خمس وخمسين، وأظهر العدل والإحسان، وكسا البيت ثيابا بيضا، واستناب بمكة محمد بن أبي هاشم، ورجع إلى اليمن.
وتوجه إلى مكة المشرفة في سنة تسع وخمسين، واستصحب زوجته أسماء بنت شهاب معه، واستخلف على ملك اليمن ولده منها أحمد المكرم، وسار في خمسين ملكا من ملوك اليمن الذين ولي ملكهم، وفي مائة وخمسين أو مائة وسبعين من آل الصليحي؛ خوفا أن يغيروا بعده على ولده المكرم، حتى إذا كان بالمهجم، ونزل بظاهرها بقرية يقال لها: أم الدهيم وبئر أم معبد، وخيمت عساكره والملوك الذين معه من حوله؛ إذ قيل: قتل الصليحي، فانذعر الناس، وسقط في أيديهم، وذلك أن سعيد الأحول بن نجاح كان بدهلك من أرض الحبشة، فلما علم بمسير الصليحي .. خرج من البحر من ساحل المهجم معارضا له في خمسة آلاف حربة من الحبشة قد انتقاهم، فساروا حتى هجموا المحطة وقت انتصاف النهار ثاني عشر ذي القعدة والناس متفرقون في خيامهم، غير مستعدين لشر، ولا خائفين له، فقصد سعيد الأحول ومن معه من أصحابه خيمة الصليحي، فدخلوا عليه، فقتلوه وقتلوا أخاه، وافترقوا في المحطة يقتلون من قدروا عليه، واستولى سعيد الأحول على خزائن الصليحي وأمواله، وكان قد استصحب معه أموالا جليلة، وأسرت زوجته