الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أُدرج في أكفانه
أي: لُفَّ فيها، قال ابن رشيد: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الموتَ، لمّا كان سبب تغير محاسن الحي التي عُهد عليها، ولذلك أمر بتغميضه وتغطيته، كان ذلك مظنة للمنع من كشفه، حتى قال النخعيَّ: ينبغي أن لا يطَّلع عليه إلَّا، الغاسلُ له ومن يليه، فترجم البخاري على جواز ذلك.
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِى كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه خَرَجَ وَعُمَرُ رضي الله عنه يُكَلِّمُ النَّاسَ. فَقَالَ: اجْلِسْ. فَأَبَى. فَقَالَ اجْلِسْ. فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَاّ يَتْلُوهَا.
استشكلت دلالة هذا الحديث على الترجمة، بأن أبا بكر إنما دخل قبل الغَسل فضلًا عن التكفين، وعمر ينكر حينئذٍ أن يكون مات، ويجاب عنه بأن الذي وقع دخولُ أبي بكر على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو مسجى، أي: مغطى، فيؤخذ منه أن الدخول على الميت يمتنع إلا إن كان مُدْرَجًا في أكفانه، أو في حكم المدرج لئلا يطلعَ منه على ما يكره الاطلاع عليه. وقال الزَّين بن المُنير ما
محصله: كان أبو بكر عالمًا بأنه، صلى الله عليه وسلم، لا يزال مَصُونًا عن كل أذى، فساغ الدخول من غير تنقيب عن الحال، وليس ذلك لغيره.
وقوله: "بالسُّنْحُ"، بضم السين وسكون النون وبضمها والحاء المهملة، وهو منازل بني الحارث بن الخزرج، بينها وبين منزل النبيّ صلى الله عليه وسلم ميل. وقد كان أبو بكر متزوجًا فيهم. وقوله:"فتيمم" أي: قصد. وقوله: وهو مُسجّى، جملة إسمية وقعت حالًا، ومعنى مسجى، هنا، مغطى. وقوله: بِبُرْدِ حِبَرة، أيْ: بضم الموحدة وسكون الراء، وحِبَرَة على وزن عنبة، ثوب يمانيٌّ يكون من قطن أوَ كَتّان مخطط. وقال الداوديّ: هو ثوب أخضر. وحبرة تحتمل الإِضافة والوصف، أي: إضافة ثوب، والوصف بحبرة بالتنوين.
وقوله: ثم أكبَّ عليه، هذا اللفظ ثلاثيُّه كَبَّ متعدٍ، ورباعيه أَكَبَّ، لازم عكس ما هو المشهور في القواعد التصريفية. وقوله: فقبّله، أي: بين عينيه، وترجم عليه النَّسائيّ، وأخرج عن عائشة أن أبا بكر قبَّلَ بين عينيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ميت.
وقوله: "بأبي أنت" أي: أنت مُفَدَّى بأبي، فالباء متعلقة بمحذوف، فيكون مرفوعًا خبرًا ومبتدءًا، وقوله: لا يجمع الله عليك موتَتين: في هذا اللفظ إشكال، وأجيب عنه بأجوبة، فقيل: هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيى، فيقطع أيدي رجال؛ لأنه لو صح ذلك، للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله تعالى من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف، وكالذي مرَّ على قرية، وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها، وقيل: أراد لا يموت موتة أخرى في القبر، كغيره إذ يُحيا ليسئل ثم يموت، وهذا جواب الداوديّ. وقيل: لا يجمع الله موتَ نفسك وموتَ شريعتك، وقيل: كنى بالموت الثاني عن الكرب، أي: لا تلقى بعد كرب هذا الموت كربًا آخر.
وقوله: كتبت عليك، وفي رواية "التي كتب الله" أي: قدرها الله، وقوله: مُتَّها، بضم الميم وكسرها، من مات يموت، ومات يَمَات، والضمير راجع إلى الموتة، وقوله: وعمر يكلم الناس، أي: يقول لهم: ما مات محمد صلى الله عليه وسلم، وعند أحمد عن عائشة "فسجيته بثوب، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة، فاستأذنا فأذنت لهما، وجذبت الحجاب، فنظر عمر إليه، فقال: واغشيتاه، ثم قاما، فلما دَنَوا من الباب، قال المغيرة لعمر: مات يا عمر، قال: كذبت، بل أنت رجل تَحُوشك فِتنة، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يُفني الله المنافقين، ثم جاء أبو بكر، فرفعت الحجاب، فنظر إليه، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وروى ابن إسحاق وعبد الرزاق والطبرانيّ عن عكرمة "أن العباس قال لعمر: هل عند أحد منكم عهدٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم-في ذلك؟ قال: لا، قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، ولم يمت حتى
حارب وسالم، ونكح وطلّق، وترككم على محجة واضحة" وهذه من موافقات العباس للصديق، في حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة: أن أبا بكر مرَّ بعمر وهو يقول: "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يموت حتى يقتل المنافقين" وكانوا أظهروا الاستبشار، ورفعوا رؤوسهم، فقال: أيها الرجل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، ألم تسمع الله تعالى يقول:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} . وقال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} .
وقوله سابقًا: ثم أكَبَّ عليه، فقبله، في رواية أحمد عن عائشة "أتاه من قِبَل رأسه، فحدر فاه، فقبل جبهته، ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه، وقبل جبهته، ثم قال: واصَفِيَّاه، ثم رفع رأسه، وحدر فاه، وقيل: جبهته، ثم قال: واخليلاه". ولابن أبي شيبة عن ابن عمر "فوضع فاه على جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقبّله ويبكي، ويقول: بأبي وأُمي، طِبْتَ حيًا وميتًا" وللطبرانيّ عن جابر أن أبا بكر "قبّل جبهته"، وله عن سالم بن عَتِبك "أن أبا بكر دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم-فمسَّه، فقالوا: يا صاحب رسول الله، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم".
وقوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} . في رواية عائشة عند أحمد أن أبا بكر حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله يقول: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} حتى فرغ من الآية، ثم تلا {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} الآية، وقال فيه: قال عمر: أَوَ إنها في كتاب الله؟، ما شعرت أنها في كتاب الله، وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة نحوه، وزاد "ثم نزل واستبشر المسلمون، وأخذ المنافقين الكآبةُ، قال ابن عمر: فكأنما على وجوهنا أغطية فكشفت" وفي الرواية الآتية في الوفاة قال عمر: فما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فَعُقِرْتُ حتى ما تقِلُّنِي رِجلاي، وحتى أهْوَيت إلى الأرض.
وقوله: "فعقرتُ" بضم العين وكسر القاف، أي: هلكت، وفي رواية بفتح العين، أي دُهِسْت وتحيّرتُ، ويقال: سقطت. وروى بالفاء من العَفَر، وهو التراب. وفي رواية الكَشْميهنيّ "فقعرتُ" بتقديم القاف على العين، وهو خطأ. وقوله: ما تُقِلُّني، أي بضم أوله وكسر القاف وتشديد اللام، أي ما تحملني، وقوله: وحتى أهويت، في رواية الكشميهنيّ "حتى هَوَيت" بفتح أوله وثانيه، وعند عبد الرزاق عن الزهريّ "فعقرت وأنا قائم، حتى خررتُ إلى الأرض، فأيقنتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات".
وفي الحديث قوة جأش أبي بكر، وكثرة علمه، وقد وافقه على ذلك العباس والمغيرة كما ذكرنا، ووافقه ابن أمِّ مَكْتوم، لما في المغازي لأبي الأسود عن عُروة قال: إنه كان يتلو قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} والناس لا يلتفتون إليه، وكأن أكثر الصحابة على خلاف ذلك، فيؤخذ منه أن الأقل عددًا في الاجتهاد قد يصيب، ويُخطىء الأكثر، فلا يتعين الترجيح بالأكثرية، ولاسيما
إن ظهر أن بعضهم قلَّد بعضًا.
وفي الحديث أيضًا جواز تقبيل الميت تعظيمًا وتبركًا، وجواز التفدية بالآباء والأمهات؛ وقد يقال: هي لفظة اعتادت العرب أن تقولها، ولا تقصد معناها الحقيقي، إذ حقيقةُ التفديةِ بعد الموتِ لا تُتَصوَّر، وإنما كان تقبيل أبي بكر له، عليه الصلاة والسلام، اقتداءًا به في تقبيله صلى الله عليه وسلم عثمانَ بن مظعون، لما في التِّرمذيّ أنه دخل عليه وهو ميت، فأكبَّ عليه وقبله، ثم بكى حتى رُئيت الدموع تسيل على وجنته" وفي التمهيد "لما توفي عثمان بن مظعون كشف النبيّ صلى الله عليه وسلم الثوب عن وجهه، وبكى بكاء طويلًا، وقبّل بين عينيه، فلما رُفِع على السرير، قال: طُوبى لك يا عثمان، لم تَلْبَسك الدنيا، ولم تُلْبَسها".
وفيه البكاء على الميت من غير نَوْح، وسيأتي. وفيه أن الصِّدِّيق أعلمُ من عمر، وهذه إحدى المسائل التي ظهر فيها ثاقب علمه، وفضل معرفته، ورجاحة رأيه، وبارع فهمه، وحسن إسراعه بالقرآن، وثبات نفسه، كذلك مكانته عند الناس لا يساويه فيها أحد، ألا ترى أنه حين تشهد، وبدأ بالكلام، مال الناس إليه، وتركوا عمر، ولم يكن ذلك إلا لعظيم منزلته في النفوس على عمر، وسمو محله عندهم. وقد أقر عمر بذلك حين مات الصدّيق، فقال: والله ما أحب أن ألقى الله بمثل عمل أحد إلا بمثل عمل أبي بكر، ولَوددتُ أني شَعْرة في صدره. وفي الطبراني عن ابن عباس "قال: إني لا شيء مع عمر في خلافته، وييده الدرة، وهو يحدث نفسه، ويضرب قدمه بدرته، ما معه غيري أن قال: يا بن عباس، هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين مات النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا أدري، والله يا أمير المؤمنين. قال: فإنه ما حملني على ذلك إلا قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} إلى قوله: {شَهِيدًا} فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بأجزاء أعمالها.
وفيه اهتمام عائشة، رضي الله تعالى عنها، بأمر الشريعة، وأنها لم يشغلها عن حفظها ما كان من أمر الناس في ذلك اليوم. وفيه غيبة الصديق عن وفاته صلى الله عليه وسلم، لأنه كان في ذلك اليوم بالسُّنْح، وكان متزوجًا هناك. وفيه الدخول على الميت بغير استئذان، ويحتمل أن يكون عند عائشة غيرها، فصار كالمحفل لا يحتاج الداخل إلى إذن، وروي أنه استأذن، فلما دخل أذن للناس. وفيه قول أبي بكر لعمر: اجلس، فأبى، وإنما ذلك لِمَا دَخل عمرَ من الدهشة والحزن. وقد قالت أم سلمة: ما صدقتُ بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سمعت وقع الكِرَاز، أي: الفؤوس، وقيل: تريد وقع المَسَاعي تحثو التراب عليه صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن عمر رضي الله تعالى عنه ظن أن أجله، صلى الله عليه وسلم، لم يأت، وإنه تعالى مَنَّ على العباد بطول حياته. ويحتمل أن يكون أُنسيَ قوله تعالى:{إِنَّكَ مَيِّتٌ} الخ، وقوله تعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} الخ وكان يقول مع ذلك: ذهب محمد لميعاد ربه، كما