الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صنيعه، لكونه فتح له الباب، ونهج له الطريق، فكذلك من كانت طريقته النوح على الميت، يكون قد نهج تلك الطريق، فيؤاخذ على فعله الأول وحاصل ما بحثه المصنف في هذه الترجمة أن الشخص لا يعذَّب بفعل غيره إلا إذا كان له فيه تسبب، فمن أثبت تعذيب شخص بفعل غيره فمراده هذا، ومن نفاه فمراده ما إذا لم يكن له فيه تسبب أصلًا.
وقد اعترض بعضهم على استدلال البخاريّ بهذا الحديث، لأن ظاهره أن الوِزر يختص بالبادىء دون من أتى بعده، فعلى هذا يختص التعذيب بأول من سن النوح على الموتى، والجواب أنه ليس في الحديث ما ينفي الإِثم عن غير البادىء، فيستدل على ذلك بدليل آخر، وإنما أراد المصنف بهذا الحديث الرد على من يقول إن الإِنسان لا يعذب إلا بذنب باشره بقوله أو فعله، فأراد أن يبين أنه قد يعذب بفعل غيره، إذا كان له فيه تسبب.
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَائْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِىءُ السَّلَامَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.
قوله: عن أبي عثمان، في رواية شعبة في أواخر الطب عن عاصم "سمعت أبا عثمان". وقوله: أرسلتْ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي زينب كما في رواية أبي معاوية عن عاصم المذكور في مصنف ابن أبي شيبة. وقوله: إن ابنًا لي، هو عليّ بن أبي العاص، على أنها زينب، وقيل: مُحسن بن عليّ على أنها فاطمة البَتول، كما في مسند البزّار، ويأتي في السند تعريف عليّ ومُحسن.
قال في "الفتح": والصواب أن المرسِلة زينب، وأن الولد صبية، كما ثبت في مسند أحمد بلفظ "أُتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بأمامةَ بنت زينب" زاد ابن سعد "ونفسها تَقَعْقَعُ كأنها في شَنٍّ" ولا يرد على هذا ما ثبت بالاتفاق أن أمامة عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، وعاشت عنده حتى قتل عنها، لأنه يجاب عنه بأن المراد بقوله في حديث الباب: إن ابنًا لي قُبض، أي: قارب أن يُقْبَض، ويدل على ذلك أن في رواية حماد "أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت".
وفي رواية شعبة "إن ابنتي قد حُضِرت" وهو عند أبي داود من طريقه "إنَّ ابني أو ابنتي" والصواب، كما مرَّ، قول من قال ابنتي، لا ابني، فقد روى الطبرانيّ في "الكبير" عن عبد الرحمن بن عوف قال: استُعِزَّ بأُمامةَ بنت أبي العاص، فبعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فذكر الحديث. وفيه مراجعة سعد في البكاء وغير ذلك.
وقوله في هذه الرواية "استُعِز" بضم المثناة وكسر المهملة وتشديد الزاي، أي: اشتد بها المرض، وأشرفت على الموت، والذي يظهر أن الله تعالى أكرم نبيه عليه الصلاة والسلام، لمّا سلم لأمر ربه، وصبر ابنته ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة، بأنْ عافى الله ابن ابنته في ذلك الوقت، فخلصت من تلك الشدة، وعاشت تلك المدة، وهذا ينبغي أن يُذكر في دلائل النبوءة.
وقوله: يُقرىء السلام، بضم أوله، وقوله: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، قدم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع، لما يقتضيه المقام، والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجَزَع، لأن مستودَع الأمانة لا ينبغي له أن يجزعَ إذا استعيدت منه.
ويحتمل أن يكون المراد بالإِعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعم من ذلك، "وما" في الموضعين مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، والعائد محذوف، فعلى الأول التقديرُ: لله الأخذ والإعطاء، وعلى الثاني: لله الذي أخذه من الأولاد، وله ما أعطى منهم، أو ما هو أعم من ذلك كما مرَّ.
وقوله: وكلٌّ عنده بأجل، أي: كل من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفس أو ما هو أعم من ذلك، وهي جملة ابتدائية معطوفة على الجملة المؤكدة، ويجوز في كلٍّ النصبُ عطفًا على اسم "إنّ"، فينسحب التأكيد أيضًا عليه، ومعنى العِندية العلم، فهو من مجاز الملازمة. والأجل يطلق على الحد الأخير، وعلى مجموع العمر.
وقوله: مُسَمّى، أي: معلوم مقدر، أو نحو ذلك. وقوله: ولتَحْتَسب، أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليحسب لها ذلك من عملها الصالح. وقوله: فأرسلت إليه تقسم، في حديث عبد الرحمن بن عوف "أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة"، وكأنها أَلَحَّتْ عليه في ذلك دفعًا لما يظنه بعض أهل الجهل ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها الله تعالى أنَّ حضور نبيه عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم، ببركة دعائه وحضوره، فحقق الله ظنها. والظاهر أنه امتنع أولًا، مبالغةً في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن مَن دُعِي لمثل ذلك لم تجب عليه الإِجابة، بخلاف الوليمة.
وقوله: فقام ومعه، في رواية حماد: فقام وقام معه رجال، وقد سُمّي منهم غير من ذكر في هذه الرواية عبادةُ بن الصامت، وهو في رواية عبد الواحد في أوائل التوحيد، وفي رواية شُعبة أن أسامة راوي الحديث كان معهم. وفي رواية عبد الرحمن بن عوف أنه كان معهم. وفي رواية شُعبة في الإِيمان والنُّذور "وأبي أو أبي" كذا فيه بالشك، هل بفتح الهمزة وكسر الموحدة وتخفيف الياء، أو بضم الهمزة وفتح الموحدة والتشديد، فعلى الأول يكون معهم زيد بن حارثة أيضًا. لكن الثاني أرجح، لأنه ثبت في رواية هذا الباب بلفظ "وأُبيّ بن كعب" والظاهر أن الشك فيه من شُعبة، لأن ذلك لم يقع في رواية غيره.
وقوله "فرفع" أي: بالراء، وفي رواية حماد "فدفع" بالدال، وبيّن في رواية شُعبة أنه وضع في حجره صلى الله عليه وسلم، وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها، فاستأذنوا، فأُذن لهم، فدخلوا، فرفع. ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد، ولفظه "فلما دخلنا، ناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبيّ".
وقوله: ونفسه تتقعقع، قال: حسبت أنه قال: كأنها سِنّ، كذا في هذه الرواية، وجزم بذلك في رواية حماد ولفظه "ونفسه تقعقع كأنَّها في شَنٍّ، والقعقعة حكاية صوت الشيء اليابس إذا حرك، والشَّنُّ، بفتح المعجمة وتشديد النون، القربةُ الخَلِقَةُ اليابسة. وعلى الرواية الثانية شبه البدن بالجلد اليابس الخلق، وحركة الروح فيه. بما يطرح في الجلد من حصاة ونحوها، وأما الرواية الأولى فكأنه شبه النَّفْس بنَفْس الجلد، وهو أبلغ في الإِشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه.
وقوله: ففاضت عيناه، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح به في رواية شُعبة. وقوله: فقال سعد، أي: ابن عُبادة المذكور. وصرح به في رواية عبد الواحد. وفي ابن ماجه عن عبد الواحد "فقال عُبادة بن الصامت" والصواب ما في الصحيح.
وقوله: ما هذا، في رواية عبد الواحد "فقال سعد بن عُبادة، أتبكي؟ " زاد أبو نعيم في "المستخرج" وتنهى عن البكاء. وقوله: فقال هذه رحمة، أي: الدمعة أثر رحمة، أي: أنّ الذي يَفيض من الدمع من حُزن القلب بغير تَعمد من صاحبه، ولا استدعاء، لا مؤاخذةَ عليه فيه، إنما المنهيُّ عنه الجزع وعدم الصبر.
وقوله: وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، في رواية شُعبة في أواخر الطب "ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء" ومن، في قوله "من عباده" بيانيةٌ، وهي حال من المفعول قدمه، فيكون أوقع، والرحماء جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة الله تختص بمن اتصف بالرحمة،