الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، والثلاثة الأول من الرواة مروزيون، والباقيان بصريان، أخرجه البخاريّ أيضًا في الطب والنذور والتوحيد، ومسلم في الجنائز، وكذا أبو داود، والنَّسائي وابن ماجه.
الحديث السادس والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ فَقَالَ هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ فَانْزِلْ. قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا.
قوله: عن هلال، في رواية محمد بن سنان الآتية بعد أبواب "حدثنا هلال". وقوله: شهدنا بنتًا، هي أم كلثوم زوج عثمان، رواه الواقديّ، وأخرجه ابن سعد في الطبقات في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابيّ في الذرية الطاهرة، وكذلك رواه الطبريّ والطحاويّ من هذا الوجه، ورواه حمّاد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس، فسماها رُقية ماتت، والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر لم يشهدها، ووهم حماد في تسميتها، ويؤيد الأول ما رواه ابن سعد أيضًا في ترجمة أم كلثوم عن عَمرة بنت عبد الرحمن، قالت: نزل في حفرتها أبو طلحة، وأغرب الكرمانيّ فقال: هذه البنت كانت لبعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم، فنسبت إليه، وكأنه ظن أن الميتة في حديث أنس هي المحتضرة في حديث أسامة، وليس كذلك، لما بيناه.
وقوله: لم يقارف، أي بقاف وفاء، زاد ابن المبارك عن فُليح "أراه يعني الذنب" كما يأتي عند المصنف في باب "من يدخل القبر المرأة" تعليقًا، ووصله الإِسماعيليّ، وكذا شريح بن النعمان عن فليح، أخرجه أحمد عنه، وقيل: معناه لم يجامع تلك الليلة، وبه جزم ابن حزم، وقال: معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يذنب تلك الليلة، ويقويه أن في رواية ثابت المذكورة بلفظ "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة، فتنحّى عثمان".
وحكي عن الطحاويّ أنه قال: لم يقارف، تصحيف، والصواب لم يقاول، أي ينازع غيره الكلام، لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء. وتعقب بأنه تغليط للثقة بغير مستند، وكأنه استبعد أن يقع لعثمان ذلك، لحرصه على مراعاة الخاطر الشريف، ويجاب عنه باحتمال أن يكون
مرض المرأة طال، واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يظن عثمان أنها تموت تلك الليلة. وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها، بل ولا حين احتضارها.
وفي هذا الحديث جواز البكاء، كما ترجم له، وإدخال الرجال المرأة قبرها، لكونهم أقوى على ذلك من النساء، وإيثار البعيد العهد عن المَلَاذّ في مواراة الميت، ولو كان امرأة على الأب والزوج، وقيل، إنما آثره بذلك لكونها كانت صنعته، وفيه نظر، فإن ظاهر السياق أنه عليه الصلاة والسلام اختاره، لكونه لم يقع منه في تلك الليلة جماع، وعلل ذلك بعضهم بأنه حينئذ يأمن من أنْ يذكره الشيطان بما كان منه تلك الليلة.
وحكى عن ابن حبيب أن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان، أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه تلك الليلة، فتلطف صلى الله عليه وسلم في منعه من قبر زوجته من غير تصريح. وفي رواية حمّاد المذكورة "فلم يدخل عثمان القبر".
قلت: في هذا الحديث إشكال، ولم أر مَن نَبّه عليه من شروح المؤلف، وهو أن أبا طلحة أجنبيّ عن أم كلثوم، فكيف يسوغ له إدخالها في قبرها، وأبوها عليه الصلاة والسلام حاضر، وزوجها حاضر؟ وإذا كان جامع في تلك الليلة هل يكون جماعه مبيحًا مَسَّ الأجنبيّ للأجنبية؟ ولم أر له جوابًا اللهم إلا أنْ يقال إن لمس الأجنبية، من فوق الحائل الكثيف، جائز، ولم أر من نص عليه من الأئمة، إلا أنَّ في رواية عند أبي داود وعبد الرزاق وسعيد بن منصور، أنه عليه الصلاة والسلام، بايع النساء وعلى يده بُرد، وهذا يدل على الجواز من فوق ثوب، لكن الحمل أشد من اللمس، وأما التعليل بكونه صنعته، فليس فيه جواب، لإمكان تعليمه للمحارم من غير أن يباشر هو، والتعليل ببعده عن الملاذ، لئلا يذكّره الشيطان .. الخ، كأن الأَوْلى في التعليل عكسُه، لأن قريب العهد بقضاء شهوته آمنُ فتنةٌ من البعيد العهد عنها، كما هو مقرر، لا يمكن الخلف فيه. وقد تذاكرت قديمًا أنا وأحد أشياخي في إشكال هذا الحديث.
وفي الحديث جواز الجلوس على شفير القبر عند الدفن، واستدل به على جواز البكاء بعد الموت، وحكى ابن قُدامة في المغني عن الشافعي أنه يكره لحديث جَبْر بن عَتيك في الموطأ، فإن فيه "فإذا وجب فلا تَبْكِيَنَّ باكية" يعني إذا مات، وهو محمول على الأولوية، والمراد: لا ترفع صوتها بالبكاء.
ويمكن أن يفرق بين الرجال والنساء في ذلك، لأن النساء قد يفضي بهن البكاء إلى ما يحذر من النوح، لقلة صبرهن، واستدل به بعضهم على جواز الجلوس عليه مطلقًا، وسيأتي استيفاء الكلام عليه في باب "الجريدة على القبر" إن شاء الله تعالى. وفيه فضيلة لعثمان لإِيثاره الصدق،