الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وميمنته ميسرة، فأنكر العدو حالهم وقالوا: جاءهم مدد فرعبوا، وانكشفوا منهزمين. وعنده عن جابر قال: أصيب بمؤتة ناس من المشركين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين. وفي مغازي أبي الأسود عن عُروة: فحمل خالد على الروم فهزمهم، وهذا يدل على الأول، ويمكن الجمع بأن يكونوا هزموا جانبًا من المشركين، وخشي خالد أن يتكاثر العدو عليهم، فقد قيل: إنهم كانوا أكثر من مئة ألف، فانحاز بهم حتى رجع بهم إلى المدينة.
وهذا السند وإن كان ضعيفًا من جهة الانقطاع، والآخر من جهة ابن لهيعة الراوي عن أبي الأسود، وكذلك الواقديّ، فقد وقع في مغازي موسى بن عتبة، التي هي أصح المغازي، ما نصه: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقتل، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد، فهزم الله العدو وأظهر المسلمين. قال العماد بن كثير: يمكن الجمع بأن خالدًا لما حاز المسلمين، وبات ثم أصبح وقد غير هيئة العسكر كما مرَّ، وتوهم العدو أنهم قد جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ، فولوا فلم يتّبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين هو الغنيمة.
وفي مغازي ابن عائذ، بسند منقطع، أن خالدًا لما أخذ الراية قاتلهم قتالًا شديدًا، حتى انحاز الفريقان من غير هزيمة، وقفل المسلمون، فمروا في طريقهم على قرية بها حصن كانوا في ذهابهم قتلوا رجلًا من المسلمين، فحاصروهم حتى فتح الله عليهم عُنوة، وقتل خالد بن الوليد مقاتِلَهم، فسمي ذلك المكان نقيع الدم إلى الآن، قاله في "الفتح".
قلت: قد سألت رجلًا من أهل تلك الناحية عنه، فأخبرني أن بقرب بُصَيْرى موضع يقال له "نقع الدم"، وهذا تغيير قليل فلعله هو.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة وخالد بن الوليد. مرَّ من رجاله أبو معمر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ أيوب في التاسع من الإيمان، وأنس في السادس منه، ومرَّ عبد الله بن رواحة في السادس والثلاثين من التهجد.
والباقي من السند حميد بن هلال ابن هُبيرة، ويقال بن سُويد بن هُبيرة العدوي، أبو نصر البصري. قال القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه. قال أبو حاتم: لأنه دخل في عمل السلطان، وكان في الحديث ثقة، وقال ابن معين والنَّسائي: ثقة. وقال أبو هلال الراسبيّ: ما كان بالبصرة أعلم منه. وقال ابن عدي: له أحاديث كثيرة مستقيمة، وقد حدث عنه الأئمة، وأحاديثه مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات.
وقال ابن سيرين: كان أربعة يصدقون من حدثهم، ولا يبالون ممن يسمعون: الحَسَن وأبو العالية وحميد بن هلال، ولم يذكر الرابع. وفي بعض النسخ: وداود بن أبي هند. قاله الدارقطنيّ في أحاديث القهقهة من السنن. قلت: وهو وارد على تفسير أبي حاتم لقدح ابن سيرين فيه.
روى عن أنس وعبد الله بن مغفل، وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم. وروى عنه أيوب السَّخْتِيانيّ وعاصم الأحول وقَتَادة وشُعْبَة وغيرهم. مات في ولاية خالد على العراق.
والباقي من المذكورين في الحديث ثلاثة:
الأول زيد بن حارثة بن شَرَاحيل بن كعب بن عبد العُزّى إلى تم النسب الذي تقدم في نسب ولده أسامة، في أول الوضوء الكلبي، وأمه سُعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر من بني مَعْن بن طيىء. وأخرج ابن الكلبي قال: زارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جَسْر في الجاهلية على أبيات بني مَعْن، فاحتملوا زيدًا وهو غلام يفقه، فأتوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم ابن حِزام لعمته خديجة، بأربع مئة درهم، فلما تزوجها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهبته له، وقال أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده:
بَكيتُ على زيدٍ ولم أدرِ ما فَعلْ
…
أحيّ فَيُرجى أم أتى دونَه الأجلْ
فواللهِ لا أدري وإن كنتُ سائِلًا
…
أغالك سهلُ الأرضِ أم غَالك الجبلْ
فَياليتَ شِعري هل لكَ الدَّهر رَجعةً
…
فحَسبي من الدُّنيا رُجُوعك لي نَجلْ
تُذَكِّرْنيه الشَّمسُ عندَ طلُوعِها
…
ويعرضُ ذِكراه إذا قارب الصفل
وإن هبَّت الأرواحُ هَيجَّن ذِكْرهُ
…
فَيا طولَ حُزني عليه وَيا وَجَل
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدًا
…
ولا أسأم التَطوافُ أو تسأَمُ الإِبلْ
حياتي أو تأتي علي مُنيتي
…
وكُل امرىء فانٍ وإن غَرَّهُ الأَمَلْ
سأوصي به عُمرًا وقَيْسًا كِلَيْهِما .... وأوصي يَزيدًا ثم من بعْدِه جَبَلْ
يعني بعمرو وقيس أخويه، وبيزيد أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، وبجبل أخا زيد أكبر منه، قال: فحج ناسٌ من كلب فرأوا زيدًا، فعرفهم وعرفوه، فقال لهم أبلغوا أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي:
أحِنُّ إلى قومي وإن كنتُ نائِبًا
…
فإني فطينُ البيتِ عند المشاعِرِ
فَكفوا عن الوجدِ الذي قد شجاكم
…
ولا تُعْملوا في الأرض نَصَّ الأباعرِ
فإني بحمد الله في خيرِ أسرةٍ
…
كرامُ مَعَدٍّ كابرًا بعد كابرِ
فانطلقوا فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعه، فخرج حارثة وكعب أخوه بفدائه، فقدما مكة، فسألا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه، إنكم أهل حرم الله، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئنا في ولدنا عندك، فامنن وأحسن في فدائه. قال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، قال: أو غير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: ادعوه فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني، فوالله، ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء. قالا: قد زدتنا على النصف، وأحسنت. فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم هذا أبي، وهذا عمي، قال: فأنا مَنْ قد علمت، ورأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما، فقال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أهلك؟ قال: قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار أحدًا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم-ذلك، أخرجه إلى الحِجر، فقال: اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه، طابت أنفسهما، وانصرفا، فدعي زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإِسلام، قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} .
ولم يقع في القرآن تسمية أحد من الصحابة باسمه إلا هو باتفاق. قال العلماء: تعويضًا له من قطعه عن هذا النسب الشريف. قال الزهريّ: ما نعلم أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة، وكذا قال سليمان بن يَسار جازمًا بذلك. وأخرج ابن الكلبيّ عن ابن عباس قال: لما تبناه النبيّ صلى الله عليه وسلم زَوَّجَه مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، ثم زوجه زينب بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب. ولما طلق زينب زوَّجه أم كلثوم بنث عقبة، وأمها أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، فولد له زيد بن زيد، ورقية. ثم طلق أم كلثوم، وتزوج دُرَّة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، ثم طلقها وتزوج هند بنت العوام، أخت الزبير. ويقال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم سماه زيدًا لمحبة قريش في هذا الاسم.
شهد زيد بدرًا وما بعدها، وقتل في غزوة مؤتة وهو أمير، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره على المدينة. وأخرج أبو يَعلى عن البَراء بن عازب أن زيد بن حارثة قال: يا رسول الله، آخيت بيني وبين حمزة. وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة، بإسناد قويَّ عن عائشة قالت: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سَريّة إلَّا أمّره عليهم، ولو بقي لاستخلفه. وأخرج البخاريّ عن سَلَمة بن الأكوع قال: غزوت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمِّره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الواقديُّ: أول سرايا زيد إلى القِرَدة، ثم إلى الحَموم ثم إلى العِيص، ثم إلى المطرف، ثم إلى حُسْمى، ثم إلى قرفة، ثم تأمره على غزوة مؤتة، واستشهد فيها وهو ابن خمس وخمسين سنة. وأخرج البخاريّ عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وإيم الله إنْ كان لخليقًا للإمارة، وإنْ كان لمن أحب الناس إلي. كان يسمى حِبّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن سعد بإسناد حسن عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: "يا زيد أنت مولاي ومني وإليّ وأحب الناس إليّ" وأخرج التِّرمذيّ وغيره من حديث عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب فأتاه، وقام إليه حتى اعتنقه وقبّله.
وروى من طريق صحيح، عن ابن عمر: فرض عمر لأسامة أكثر مما فرض لي، فسألته فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك. وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أحب الناس إلي من أنعم الله عليه، وأنعمت عليه، يعني زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بالإسلام، أنعم النبيّ صلى الله عليه وسلم عليه بالعتق، ولما أتاه عليه الصلاة والسلام نعيُ زيد وجعفر بكى وقال:"أخواي، ومؤنساي، ومحدثاي". وأخرج ابن عبد البر بسنده عن الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلًا من الطائف، واشترط عليه الكرّاء أن ينزله حيث شاء، فمال به إلى خربة فقال: إنزل فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال فلما أراد أن يقتله، قال له: دعني أصلي ركعتين قال: صل، فقد صلى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا، قال: فلما صليت أتاني ليقتلني فقلت يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج يطلبه، فلم ير شيئًا فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، فعل ذلك ثلاثًا، فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة حديد، في رأسها شعلة من نار، فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتًا، قال: لما دعوت في المرة الأولى كنت في السماء السابعة، ولما دعوت في الثانية كنت في السماء الدنيا، ولما دعوت في الثالثة أتيتك.
له أربعة أحاديث، روى عنه أنس وابن عباس وابنه أسامة. له رواية في البخاري في قصة زينب بنت جحش.
الثاني جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي أبو عبد الله، ابن عم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأحد السابقين إلى الإِسلام، وشقيق علي. قال ابن إسحاق: أسلم بعد خمسة وعشرين رجلًا، وقيل بعد واحدٍ وثلاثين. وآخى النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي البخاريّ عنه قال: كان جعفر خير الناس للمساكين. وروى الترمذيّ، والنَّسائي، بإسناد صحيح عن أبي هُريرة قال: ما احتذى النِّعال، ولا ركب المطايا، ولا وطىء التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل من جعفر بن أبي طالب.
وروى البغويّ عن أبي هُريرة قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويخدمهم ويخدمونه، ويحدثهم ويحدثونه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنِّيه أبا المساكين. وفي البخاريّ ومسلم من حديث البراء "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: أشبهت خَلقي وخُلْقي" وفي المسند من حديث عليّ، رفعه
"أعطيت رفقاء نجباء، فذكره فيهم، هاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشيّ ومن تبعه على يديه، وأقام جعفر عنده ثم هاجر منها إلى المدينة، فقدم والنبيّ صلى الله عليه وسلم بخيبر.
وروى البغويّ وابن السّكْن عن عائشة قالت: لما قدم جعفر وأصحابه، استقبله النبيّ صلى الله عليه وسلم فقبل ما بين عينيه، وقال ما أدري بأيهما أشد فرحًا، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟ وروى ابن السَّكْن عن عبد الله بن جعفر قال: ما سألت عليًا، فامتنع فقلت له: بحق جعفر إلا أعطاني.
استشهد بمؤتة من أرض الشام مقبلًا غير مدبر، مجاهدًا للروم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، سنة ثمان في جمادى الأولى. وكان أسن من علي بعشر سنين، وعقيل أكبر منه هو بذلك، وطالب أكبر من عقيل بذلك، فاستوفى أربعين سنة أو زاد. وأخرج أبو داود أنه يوم مؤتة اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى قتل. وهو أول من عقر في الإِسلام، فقطعت يداه جميعًا، فقال عليه الصلاة والسلام:"أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء" فمنه قيل له ذو الجناحين.
وروى الطبرانيّ عن ابن عمر "كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفرًا، فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعًا وتسعين، من بين طعنة ورمية. ولما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم نعي جعفر، أتى امرأته أسماء بنت عُمَيس، فعزاها في زوجها، فدخلت فاطمة تبكي وتقول: واعماه. قال عليه الصلاة والسلام: "على مثل جعفر فلتبك البواكي" وروى الطبرانيّ عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت جعفرًا يطير في الجنة مع الملائكة". وروى أيضًا عن سالم بن أبي الجعد قال: "أري النبيّ صلى الله عليه وسلم جعفرًا ذا جناحين مضرجين بالدماء". وذلك لأنه قاتل حتى قطعت يداه.
وفي الصحيح أن ابن عمر كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر قال له: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) وروى الدارقطنيّ في "الغرائب" لمالك، بإسناد ضعيف عن ابن عمر، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه إلى السماء فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال الناس: يا رسول الله، ما كنت تصنع هذا، قال: مرَّ بي جعفر بن أبي طالب في ملأ من الملائكة فسلّم علي. وفي فوائد أبي سهل عن ابن عباس: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ قال: (يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب قد مرَّ مع جبريل وميكائيل، فردي عليه السلام. الحديث.
وفيه (فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء). وروى عبد الرزاق عن ابن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من، ورأى واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا وابن رواحة، وفي أعناقهما صدود ورأيت جعفرًا مستقيمًا، ليس فيه صدود قال:
فسألت أو قيل لي أنهما حين الموت أعرضا أو كأنهما صدّا بوجوههما وأما جعفر فإنه لم يفعل.
له أحاديث روى عنه ابنه عبد الله وابن مسعود وأم سلمة ورثى حسان بن ثابت أهل مؤتة بقصيدة منها:
رأيتُ خيارَ المؤمنين تواردوا
…
شَعوب وقد خلفت ممن يؤخرُ
فلا يُبْعدنّ الله قَتلى تتَابعوا
…
بمؤتةَ منهم ذو الجناحين جَعفرُ
وزيدٌ وعبد الله حينَ تَتابعوا
…
جميعًا وأسبابُ المنيةِ تَخْطُرُ
وكنا نرى في جعفر من محمد
…
وفاء وامرًا صارمًا حيث يؤمرُ
فلا زال في الإِسلام من آل هاشمٍ
…
دعائمُ عزٍ لا يزولُ ومَفْخرُ
الثالث: خالد بن الوليد بن المُغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، القرشيّ المخزوميّ، سيف الله أبو سليمان، أمُّه لُبابة الصغرى، بنت الحارث بن حرب، الهلالية. وهي أخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب. وهما أختا ميمونة بنت الحارث، زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكانت إليه أعنة الخيل في الجاهلية، والقبةَ القبةَ، فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش. شهد مع كفار قريش الحروب إلى عُمرة الحديبية، كما ثبت في الصحيح أنه كان على خيل قريش طليعة، ثم أسلم سنة سبع بعد خيبر، وقيل قبلها، ووهم من زعم أنه أسلم سنة خمس، فقد روى ابن إسحاق عن عمرو بن العاص قال: خرجت عامدًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين تريد يا أبا سليمان؟ قال: أذهبُ، والله، أُسلمُ، فحتى متى؟ قلت: وما جئت إلا لأسلم، فقدمنا جميعًا، فتقدم خالد فأسلم فبايع، ثم دنوت فبايعته ثم انصرفت.
وفي رواية أنه كان معهما عثمان بن طلحة، فلما رآهم النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، ولم يزل، منذ أسلم، يوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أعنة الخيل، فيكون في مقدمتها في محاربة الكفار. شهد غزوة مؤتة مع زيد بن حارثة، فلما مات الأمير الثالث: أخذ الراية، فانحاز بالناس. وخطب النبيّ صلى الله عليه وسلم فأعلم الناس بذلك، كما في الصحيحين، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة، فأبلى فيه، وشهد حنينًا، وكان على مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني سُلَيم، وجرح يومئذٍ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحله، بعدما هزمت هوازن، يعوده، فنفث في جرحه فانطلق.
وبعثه صلى الله عليه وسلم إلى جذيمة من بني عامر، فقتل منهم ناسًا لم يكن قتله لهم صوابًا، فودَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وبعثه عليه الصلاة والسلام إلى العُزّى، وكان بيتًا كبيرًا لقريش وكنانة ومضر، صنمًا عظيمًا بنخلة، فهدمها وجعل يقول:
(كفرانَكَ اليوم ولا سبحانَك
…
إني رأيت الله قد أهانك)
وأخرج الترمذيّ عن أبي هُريرة قال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلًا، فجعل الناس يمرون، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ فأقول: فلان، حتى مرَّ خالد فقال: من هذا؟ قلت: خالد بن الوليد، فقال: نعم عبد الله هذا سيف من سيوف الله. وأخرج أبو يعلى عن ابن أبي أوفى، رفعه "لا تؤذوا خالدًا، فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار والمنافقين".
وروى ابن عبد البر، بسنده، أن عبد الرحمن بن عوف اشتكى خالدَ بن الوليد للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:"يا خالد لم تُوذي رجلًا من أهل بدر، لو أنفقت مثل أُحُدٍ ذهبًا لم تدرك عمله؟. قال: يا رسول الله: إنهم يقعون بي فأرد عليهم، فقال: "لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف .. " الخ وروي أيضًا عن ابن عباس قال: وقع بين خالد بن الوليد وعمّار بن ياسر كلام، فقال عمار: لقد هممت أن لا أكلمك أبدًا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا خالد مالك ولعمار؟ رجل من أهل الجنة قد شهد بدرًا"، وقال لعمار: "يا عمار إن خالدًا سيف من سيوف الله على الكفار". قال خالد: فما زلت أحب عمارًا من يومئذ.
وأخرج أحمد عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة على الشام، وعزل خالد بن الوليد، فقال: خالد بعث إليكم أمين هذه الأمة، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خالد سيف من سيوف الله، نِعمَ فتى العشيرة. وروى ابن إسحاق أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بعث خالدًا إلى أكيدر دَوْمة، فأخذوه فأتوا به، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ورده إلى قومه. وفي الصحيحين، في قصة الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خالدًا احتبس أوراعه، واعتاده في سبيل الله.
وفي البخاري عن خالد قال: لقد اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما صبرت معي إلا صفيحة يمانية. وروى يونس بن أبي إسحاق أن خالد بن الوليد، لما قدم الحرة، أتى بسُم فوضعه في راحته، ثم سمى وشرب فلم يضره. رواه أبو يعلى وابن سعد، وروى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن خيثمة قال؛ أتى خالد بن الوليد رجلٌ معه زِقُّ خمرٍ فقال: اللهم اجعله عسلًا، فصار عسلًا. وفي رواية له، مرَّ بخالد بن الوليد رجل ومعه زق خمر، فقال: ما هذا؟ قال: خَل. قال: جعله الله خلًا. فنظروا فإذا هو خل وقد كان خمرًا.
وروى ابن سعد عن زياد، مولى آل خالد قال: قال خالد عند موته: ما كان في الأرض من ليلة أحب إلى من ليلة شديدة الجليد، في سَريَّة من المهاجرين، أُصَبِّح بهم العدو، فعليكم بالجهاد. وروى أبو يعلى أيضًا عن قيس أنه قال: ما ليلة يُهدى إليّ فيها عروس أنا لها محبٌّ، أو أبشر فيها
بغلام، أحببّ إلى من ليلة شديدة الجليد .. نحوه. ومن هذا الوجه عن خالد "لقد شغلني الجهاد على تعلُّم كثير من القرآن".
استعمله أبو بكر على قتال أهل الردة، فأبلى في قتالهم بلاءً عظيمًا، فهزم طليحة ومن معه، ثم مضى إلى مُسَيْلَمة، فقتل اللهُ مسيلمة. وأخرج أبو زرعة الدمشقيّ أن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:"نِعْمَ عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله، سله الله على الكفار". ثم ولاّه حرب فارس والروم، فأثر تأثيرًا شديدًا، وافتتح دمشق.
وروى عن عروة قال: لما فرغ خالد من اليمامة، أمره أبو بكر بالمسير إلى الشام، فسلك عين التمر، وسبى ابنة الجوديّ من دومة الجندل، ومضى إلى الشام، فهزم عدو الله. واستخلفه أبو بكر على الشام إلى أن عزله عمر. وأخرج سعيد بن منصور أن خالد بن الوليد فقد قَلَنْسُوَته يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فلم يجدوها، فلم يزل حتى وجدوها، فإذا هي خَلِقَة، فَسُئل عن ذلك فقال: اعْتَمَر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فحلق رأسه، فابتدر الناس شعره، فسبقتهم إلى ناصيته، فجعلتها في هذه القَلَنْسُوة، فلم أشهد قتالًا وهي معي إلا تبين لي النصر. وفي رواية أبي يعلى: فما وجهت في وجه إلا فتح له".
وروى البخاريّ في تاريخه: لما عزل عمرُ خالدَ بن الوليد، خطب واعتذر من عزله، فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: عزلت عاملًا استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعت لواء رفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنك قريب القرابة، حديث السن، مغضَبٌ لابن عمك. وسبب عزل عمر خالدًا ما ذكره الزبير بن بكّار قال: كان خالد إذا صار إليه المال قسمه في أهل الغنائم، ولم يرفع إلى أبي بكر حسابًا، وكان فيه تقدم على أبي بكر، يفعل أشياء لا يراها أبو بكر. أقدم على قتل مالك بن نُوَيرة، ونكح امرأته، فكره ذلك أبو بكر، وعرض الدية على متمم بن نويرة، وأمر خالدًا بطلاق امرأة مالك، ولم ير أن يعزله، وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد.
وروى الزبير أن عمر قال لأبي بكر: اكتب إلى خالد لا يعطى شيئًا إلا بأمرك، فكتب إليه بذلك، فأجابه خالد "إما أن تدعني على عملي، وإلا فشأنك بعملك"، فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: فمن يجزي عني جزاء خالد؟ قال عمر: أنا، قال: فأنت، فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار، فمشى أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، فقالوا: ما شأن عمر يخرج وأنت محتاج إليه؟ وما بالك عزلت خالدًا وقد كفاك؟ قال: فما أصنع؟ قالوا: تعزم إلى عمر فيقيم، وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله، ففعل. فلما ولي عمر، كتب إلى خالد أن لا تعطي شاة ولا بعيرًا إلا بأمري، فكتب إليه خالد بمثل ما كتب لأبي بكر، فقال عمر: ما صدقت الله إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه، فعزله. ثم كان يدعوه إلى العمل فيأبى إلا أن يخليه يفعل ما يشاء، فيأبى عمر.
وكان عمر يشبه خالدًا كثيرًا، فقد روى يعقوب بن سفيان، بإسناد صحيح عن الحسن قال: لقي عمر علقمة بن عُلَاثة في جوف الليل، وكان عمر يشبَّه بخالد بن الوليد، فقال له علقمة: يا خالد عزلك هذا الرجل، لقد أبى إلا شحًا حتى لقد جئت إليه وابن عمي. نسأله شيئًا، فأما إذ فعل فلن أسأله شيئًا. فقال له عمر: هيه مما عندك فقال: هم قوم لهم علينا حق فنؤدي لهم حقهم، وأجرنا على الله، فلما أصبحوا قال عمر لخالد: ماذا قال لك علقمة منذ الليلة؟ قال: والله ما قال لي شيئًا، فأجار علقمة، وقضى حاجته. ولما حضرت خالدًا الوفاة، أوصى إلى عمر، فتولى عمر وصيته، وسمع عمر راجزًا يذكر خالدًا فقال: رحم الله خالدًا، فقال له طلحة بن عبيد الله:
لا أَعرفَنَّكَ بعد الموت تَنْدُبني
…
وفي حياتي ما زودتني رادي
فقال عمر إني ما عتبت على خالد إلا في تقدمه، وما كان يصنع في المال.
وروى ابن المبارك عن أبي وائل قال: لما حضرت خالدًا الوفاة قال: لقد طلبت القتل في مِظَانِّه. فلم يقدر لي، إلَّا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي، بعد لا إله إلا الله، من ليلة بتها وأنا مُتَتَرِّسٌ، والسماء تُهِلُّني تمطر إلى الصبح، حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنا مت، فانظروا في سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدة في سبيل الله.
وروى ابن عبد البر قال: لما حضرت خالدًا الوفاة قال: لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة، أو طعنة، أو رمية، ثم ها أنا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء.
مات خالد سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين، في خلافة عمر بن الخطاب، بحمص على الصحيح. ودُفن في قرية على ميل منها. قال الواقدي: سألت عنها فقيل: قد اندثرت. وقيل: مات بالمدينة، وحضر عمر جنازته، ولما خرج عمر مع جنازته قال: ما على نساء آل الوليد أن يسفحنَ على خالد دموعهن، ما لم يكن نَقْعًا أو لَقْلَقة. وروى ابن عبد البر هذا المعنى بوجه يمكن معه موت خالد بحمص، فقال: بلغ عمرًا أن نسوة من نساء بني المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد بن الوليد، فقال عمر: وما عليهن أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. وذكر محمد بن سلام قال: لم تبق إمرأة من بني المغيرة إلا وضعت لِمَّتَها على قبر خالد، يقول: حلقت رأسها.
له ثمانية عشر حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بحديث موقوف عليه، روى عنه ابن عباس وقيس بن أبي حازم وجابر والمقدام بن معدي كرب. هذا الحديث أخرجه البخاريّ أيضًا في الجهاد وفي علامات النبوءة وفي فضل خالد وفي المغازي، والنسائي في الجنائز. ثم قال المصنف: