الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا الحديث يأتي سياقه في الباب الذي يليه أصرح اتصالًا من هذا، وشاهد الترجمة منه قوله في الحديث "فلم يوجد له" لأن ظاهره أنه لم يوجد ما يملكه، إلا البُرد المذكور. وفي رواية الأكثر "إلا بُرْدهُ، بالضمير العائد عليه، وفي رواية الكَشْميهنيّ""إلَاّ بُرْدَةً" بلفظ واحدة البرود، وفي حديث خَبّاب في الباب الذي بعده بلفظ "ولم يترك إلا نمرة".
واختلف فيما إذا كان عليه دَيْن مستغرق، هل يكون كفنه ساترًا لجميع بدنه أو للعورة فقط؟ المرجح الأول، ونقل ابن عبد البَرّ الإجماع عَلى أنه لا يجزىء ثوب واحد يصف ما تحته من البدن. وقوله:"وكان خيرًا مني" لعله قال ذلك تواضعًا، ويحتمل أن يكون ما استقر عليه الأمر من تفضيل العشيرة على غيرهم، بالنظر إلى مَنْ لم يُقْتَل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد وقع من أبي بكر الصديق نظير ذلك، فذكر ابن هشام: إن رجلًا دخل على أبي بكر الصديق، وعنده بنت سعد بن الربيع، وهي صغيرة، فقال: من هذه؟ فقال: "هذه بنت رجل خير مني"، سعد بن الربيع كان من نقباء العَقَبة، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد.
وقوله: خشيت أن تكون عُجَّلَتْ لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، وفي رواية المغازي "أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا" وفي رواية نوفل بن إلياس "ولا أرادنا أُخِّرتا لما هو خير لنا". وقوله: أو رجل آخر، قال في الفتح، لم أقف على اسمه، ولم يقع في أكثر الروايات إلا بذكر حمزة ومصعب فقط، وكذا أخرجه أبو نعيم في مستخرجه عن منصور بن أبي مُزاحم عن إبراهيم بن سعد.
قال الزين بن المنير: يستفاد من قصة عبد الرحمن إيثار الفقر على الغنى، وإيثار التخلي للعبادة على الاكتساب، فلذلك امتنع من تناول ذلك الطعام مع أنه كان صائمًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلا إبراهيم بن عبد الرحمن، مرَّ أحمد بن محمد أبو الوليد، وأبو محمد، في الحادي والعشرين من الوضوء، ومرَّ سعد بن إبراهيم في السابع والأربعين منه، ومرَّ ولده إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرَّ عبد الرحمن بن عوف في السابع والخمسين من الجمعة.
والباقي إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهريّ، أبو إسحق، وقيل: أبو محمد، وقيل أبو عبد الله المَدَنِيّ، أمه أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط. قال العجلي: تابعي ثِقة وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة يُعدُّ في الطبقة الأولى من التابعين. ولا نعلم أحدًا من وَلَد عبد الرحمن روى عن عمر سماعًا غيرَه. وذكره ابن حِبّان في ثقات التابعين.
وقال النَّسَائيّ: ثقة، وذكر أبو نعيم والواقديّ أنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. روى عن أبيه وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم. وروى عنه ابناه سعد وصالح والزُّهري وغيرهم. مات سنة ستين، وقيل سنة خمس وتسعين، وهو ابن خمس وسبعين.
وفي الحديث ذكر حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير وها أنا أذكر تعريفهما.
الأول حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي يكنى أبا عمارة، وأبا يعلى بولديه، عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثُوَيْبَةُ مولاة أبي لهب، كما ثبت في الصحيحين، وقريبه من أم أيضًا، لأن أم حمزة هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بنت عم آمنة بنت وهب بن عبد مناف، أم النبي صلى الله عليه وسلم.
ولد قبل النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، وقيل بأربع، وأسلم في السنة الثانية من البعثة، وقيل أسلم بعد دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم في السنة السادسة من البعثة، ولازم نصر النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجر معه، وآخى بينه وبين زيد بن حارثة، وشهد بدرًا، وأبلى في ذلك، وقَتَل شيبةَ بن ربيعة، وشارك في قتل عُتبة بن ربيعة، أو بالعكس. وقتل طُعَيمة بن عَدي.
وعَقَد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواءًا وأرسله في سرية إلى سِيفَ البحر، فكان أول لواء عُقِد في الإِسلام، كما قال المدائنيّ. وقال ابن إسحاق: إن ذلك كان لعُبَيدة بن الحارث، واستشهد بأُحد، وقصة قتل وحشيّ له أخرجها البخاري في الصحيح، وكان ذلك في النصف من شوال، سنة ثلاث من الهجرة، وكان ذلك بعد أن قتل بأحد أكثر من ثلاثين نفسًا. وكان يوم قتل ابن تسع وخمسين، ولقبه النبي صلى الله عليه وسلم أسد الله، وأسد رسوله، وسماه سيد الشهداء.
وفي البخاريّ عن جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر، ودفن حمزة وعبد الله بن جحش في قبر واحد. وفي الغيلانيّات عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، وقف على حمزة حين استشهد، وقد مُثَّل به، وجعل ينظر إليه منظرًا كان أوجع قلبه منه. فقال:"رحمك الله" أي: عَمَّ، لقد كنت وَصولًا للرحم، فَعولًا للخيرات، فوالله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثلنَّ بتسعين. قال فما برح حتى نزلت:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل نصبر، وكفّر عن يمينه".
وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لولا أنْ تَجِدَ صفيةَّ لتركت دفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع. ولم يبق أحدٌ من أهل أُحد إلا مثل به الكفار ما عدا حنظلة بن الراهب، تركوا التمثيل به، لأن أبا عامر الراهب كان يومئذ مع أبي سفيان، وما مثلوا بأحد مثل حمزة، جَدَعَت هندٌ أنفه،
وقطعت أُذنيه، وبقرتْ بطنه، أخذت كبده، جعلت تلوكها، ثم لفظتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لو دخلت بطنها لما تدخله النار".
وذكر الواقدي قال: لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لكنَّ حمزة لا بواكيَ له إلى اليوم، إلا بدأت بالبكاء على حمزة"، ثم بكت على ميتها وفي فوائد أبي الطاهر عن جابر قال: استصرخنا على قتلانا بأُحد يوم حَفَر معاوية العين، فوجدناهم رطابًا، وأصاب المرّ، أي: المِسحاةُ رجلَ حمزة فطار منها الدم، ورثاه كعبُ بن مالك بقصيدة فقال:
بكت عيني وحق لها بكاها
…
وما يغني البكاء ولا العويلُ
على أُسدِ الإِله غداةَ قالوا:
…
لحَمزةُ ذاكم الرجل القتيلُ
أُصيب المسلمون به جميعًا
…
هناك، وقد أُصيب به الرسولُ
أبا يعلى لك الأركان هُدَّتْ
…
وأنت الماجد البَرُّ الوصُولُ
عليك سلام ربك في جنانٍ
…
يخالطها نعيمٌ لا يزول
ألا يا هاشمَ الأخيار صَبرًا
…
فكلّ فِعالكم حَسَنٌ جميلُ
رسولُ الله مصطبرٌ كريمٌ
…
بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغٌ عني لُؤيّسًا
…
فَبَعْد اليوم دائلةٌ تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا
…
وقائعنا بها يُشفى الغليلُ
نسيتم ضربنا بقَليب بدرٍ
…
غداةَ أتاكم الموتُ العَجيل
غَداةَ ثوى أبو جهل صريعًا
…
عليه الطير حائمة تجولُ
وعتبةُ وابنُه خرّا جميعا
…
وشيبةُ عضَّه السيفُ الصقيلُ
ألا يا هندُ لا تُبدي شِماتا
…
بحمزةَ إن عزكم ذليلُ
ألا يا هند بكِّي لا تَمَلّي
…
فأنتِ الواله العَبْرى الهَبُولُ
الثاني مصعب بن عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد البر بن قُصَي بن كلاب العبدريّ، أحد السابقين إلى الإِسلام، يكنى أبا عبد الله، أسلم قديمًا، والنبي صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، وكان يختلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم سرًا، فرآه عثمان بن طلحة يصلي، فأعلم أهله، فأوثقوه، فلم يزل محبوسًا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع مع من رجع إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: لما انصرف الناس عن العقبة، بعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم مُصْعَبَ بن عُمير يُقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين، وكان يسمى القارىء والمقرىء، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة. قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا المدينة من المهاجرين مصعب بن