الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِى قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَمِيصَهُ فَقَالَ آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ. فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ رضي الله عنه فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ قَالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} . فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} .
قوله: لما توفي، ذكر الواقديُّ والحاكم في الإِكليل، أن وفاته كانت بعد مُنْصَرَفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكان قد تخلف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزلت:{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} وهذا يدفع قول ابن التين: إن هذه القصة كانت في أول الإِسلام قبل تقرير الأحكام. ويأتي تعريفه وتعريف ابنه في سند الحديث.
قوله: جاء ابنه، في رواية الطبريّ عن الشعبيّ "لما احتضر عبد الله، جاء ابنه عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا نبي الله، إن أبي قد احتضر، فأحبُّ أنْ تشهده، وتصلي عليه. قال: ما اسمك قال الحُبَاب، أي بضم المهملة وموحدتين مخففًا، قال: بل أنت عبد الله، الحُبابُ اسم الشيطان.
وكان ابنه عبد الله هذا من فضلاء الصحابة، كما يأتي في تعريفه قريبًا، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإِسلام، فلذلك التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر عنده ويصلي عليه، ولاسيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل هذا بعهدٍ من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق والطبريّ كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أُبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخل عليه قال:"أهلكك حب اليَهود"، فقال: يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي لا لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه، فأجابه.
وهذا مرسل مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبرانيّ عن ابن عباس قال: لما مرض عبد الله بن أُبيّ، جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمه فقال: فهمت ما تقول، فامنن عليّ فكفني في قميصك، وصل عليّ. والأحسن في الجواب عن هذا أن عبد الله أراد بهذا دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك كما سيأتي.
وقوله: فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر رضي الله عنه، وفي رواية براءة "فقام ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية ابن عباس هناك "فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم" وعند التِّرْمِذِيّ من هذا الوجه "فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه، وثبتُ عليه، وقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أُبَيّ؟ وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، اعدد عليه قوله" يشير بذلك إلى قوله {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} وقوله {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} ونحو ذلك.
وقوله: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ كذا في الرواية، إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استشكل جدًا حتى قال بعضهم: هذا وهم من بعض رواته، وأجاب بعضهم بأن عمر لعله اطّلع على نهيٍ خاص في ذلك، وقال القرطبيُّ: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإِلهام أو يكون فهم ذلك من قوله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} وما قاله القرطبي أقرب، لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر الحديث: فأنزل الله {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ} والذي يظهر أن في رواية الباب تجوزًا بينته رواية عبد الله بن عمر في التفسير بلفظ "فقال: تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ ".
وروى عبد بن حميد والطبريّ عن ابن عمر عن عمر قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يصلي على عبد الله بن أُبَيّ، فأخذتُ بثوبه، فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} وعند ابن مَرْدَوَيه عن ابن عباس، فقال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: أين؟ قال: قال {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية. فكأن عمر فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب من أن "أو" ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور، رأي أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء. وهو كقوله تعالى {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} لكن الثانية أصرح. ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة، وفهم عمر من قوله {سَبْعِينَ مَرَّةً} أنها للمبالغة، وأن العدد المعين لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم، ولو كثر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار، فأطلقه، وفهم أيضًا أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة له، والشفاعة له، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار تركُ الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة.
ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أُبَيّ هذا تقرير ما صدر من عمر مع ما عرف من شدة صلابته في الدين، وكثرة بغضه للكفار والمنافقين، وهو القائل في حق حاطب بن أبي بَلْتَعة، مع ما كان له من الفضل، كشهوده بدرًا وغير ذلك، لكونه كاتَبَ قريشًا قبل الفتح: دعني يا رسول الله أضربُ عنقَه، فقد نافق. ولذلك أقدم على كلامه للنبي صلى الله عليه وسلم بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره، لما غلب عليه من الصلابة المذكورة.
قال الزين بن المنير: إنما قال ذلك عمر حرصًا على النبي صلى الله عليه وسلم، ومشورةً لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبي كان أذن له في مثل ذلك، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النص، كما تمسك به قوم في جواز ذلك، وإنما أشار بالذي ظهر له فقط، ولهذا احتمل منه النبي صلى الله عليه وسلم أخذه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتى التفت إليه مبتسمًا، كما يأتي عن ابن عباس، وإنما جزم عمر بكونه منافقًا جريًا على ما كان يطَّلع عليه من أحواله.
وقوله: فقال أنا بين خِيْرَتين، قال الله تعالى:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} وفي رواية ابن عمر في التفسير إنما خيرني الله، فقال:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} وسأزيد على السبعين. قال: إنه منافق.
وفي حديث ابن عباس عن عمر من الزيادة "فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أخِّر عنّي يا عمر، فلما أكثر عليه قال: "إني خُيّرت فاخترت"، أي خيرت بين الاستغفار وعدمه، كما بينه حديث ابن عمر، وفي رواية عن ابن عمر "إنما خيرني الله أو أخبرني الله بالشك" والأول من التخيير بالياء، والثاني من الإِخبار بموحدة. وأخرجه الإِسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ "إنما أخرني الله بغير شك". وفي حديث ابن عباس عن عمر "لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له، لزدت عليها".
وحديث ابن عمر جازم بالزيادة، وأكد منه ما روى عبد بن حُميد عن قتادة قال: لم نزلت {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد خيّرني ربي، فوالله لأزيدنّ على السبعين" ودل ذلك على أنه عليه الصلاة والسلام أطال في حال الصلاة عليه من الاستغفار له، وقد ورد ما يدل على ذلك، فذكر الواقدي أن مجمع بن جارية، قال "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أطال على جنازة قطُّ ما أطال على جنازة عبد الله بن أُبَيّ من الوقوف. وروى الطبريّ عن الشعبيّ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} فأنا استغفر لهم سبعين وسبعين وسبعين".
وقد تمسك بهذه القصة من جعل مفهوم العدد حجة، وكذا مفهوم الصفة من باب الأولى، ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم فهم أن ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، فقال: سأزيد على السبعين، وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في بقية القصة، وليس ذلك بدافعٍ للحجة، لأنه لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة، لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا، وإنما لم يأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بقول عمر، وصلى عليه إجراءًا له على ظاهر حكم الإِسلام، كما مرَّ تقريره، واستصحابًا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه ودفع المفسدة.
وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم، في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح، ثم أمر بقتال
المشركين، فاستمر صفحه وعفوه عمن يُظهر الإِسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير عنه، ولذلك قال:"لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإِسلام، وقل أهل الكفر وذلوا، أمر بمجاهرة المنافقين، وحملهم على حكم مُرِّ الحق، لاسيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك مما أمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الإِشكال عما وقع في هذه القصة.
قال الخطابيّ: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن إِبَيّ ما فعل، لكمال شفقته على من تعلق بشيء من الدين، ولتطبيب قلب ولده عبد الله، الرجلِ الصالحِ، ولتَأَلُّف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤل ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سُبَّة على ابنه، وعارًا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة، إلى أن نُهي فانتهى.
وتبعه ابن بطال، وزاد "ورجا أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهره من الإِسلام" وتعقبه ابن المنير بأن الإِيمان لا يتبعض، وهو كما قال، لكن مراد ابن بطال أن إيمانه كان ضعيفًا، وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أُبَيّ، لكون النبي صلى الله عليه وسلم، صلى عليه، وذهل هذا القائل عن الوارد في حقه من الآيات والأحاديث الصريحة، بما ينافي ذلك، ولم يقف على جواب شافٍ في ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في كتب الصحابة مع شهرته. وذكر من هو دونه في الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة، وقد أخرج الطبريّ عن قتادة في هذه القصة قال: فأنزل الله تعالى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} قال: فذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "وما يُغني قميصي من الله، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه" واستشكل الداوديّ، ما مرَّ في رواية ابن عباس، من تبسمه عليه الصلاة والسلام قائلًا: إن ضحكه صلى الله عليه وسلم كان تبسمًا، ولم يكن عند شهود الجنائز يستعمل ذلك، وجوابه أنه عبر عن طلاقة وجهه بذلك، تأنيسًا لعمر وتطييبًا لقلبه، كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته، واستشكل فهم التخيير من الآية، حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين وسائر الذين خرجوا الصحيح على تصحيحه. وذلك ينادى على منكري صحته بعدم معرفة الحديث، وقلة الاطلاع على طرقه.
قال ابن المنير: مفهوم الآية زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث، وقال: لا يجوز أن يقبل هذا، ولا يصح أن الرسول قاله، وقال: هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها. وقال إمام الحرمين في مختصره: هذا الحديث غير مخرج في الصحيح. وقال في البرهان: لا يصححه أهل الحديث، وقال الغزاليّ في المستصفى: الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح، وقال الداوديّ: هذا الحديث غير محفوظ، والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما مرَّ، وهو
الذي فهمه عمر رضي الله تعالى عنه من عملٍ، أو على التسوية لما يقضيه سياق القصة، وحمل السبعين على المبالغة.
قال ابن المنير: ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد، وأيضًا، فشرط القول بمفهوم الصفة والعدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت، وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قولهُ "سأزيد على السبعين" مع أن حكم ما زاد عليها حكمها.
وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: سأزيد على السبعين، استمالة لقلوب عشيرته، لا أنه أراد إن زاد على السبعين يغفر له. ويؤيده تردده المار، حيث قال: لو أعلم أني إنْ زدت على السبعين يغفر له لزدت، لكنْ قدمنا أن الرواية ثبتت بقوله "سأزيد" ووعده صادق، ولاسيما وقد ثبت قوله "لأزيدن" بصيغة المبالغة في التأكيد. وأجاب بعضهم باحتمال أن أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال، لأن جواز المغفرة كان ثابتًا قبل مجيء الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن، وحاصله أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوّز أنَّ المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه.
وقيل: إن الاستغفار يتنزل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربه حاجة، فسؤاله إياه يتنزل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلب تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك، والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلق العلم بعدم نفعها، لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لفرض حصولها، بل لتعظيم المدعو، فإذا تعذّرت المغفرة عُوَّض الداعي عنها ما يليقُ به من الثواب، أو دفع السوء، كما ثبت في الخبر.
وقد يحصل بذلك عن المدعو لهم تخفيف، كما في قصة أبي طالب، هذا معنى ما قاله ابن المنير. وفيه نظر، لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن يستحيل المغرفة له شرعًا، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} ووقع في أصل هذه القصة إشكالٌ آخر، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أطلق أنه خُيِّر بين الاستغفار لهم وعدمه، بقوله تعالى:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} وأخذ بمفهوم العدد من السبعين، فقال:"سأزيد عليها" مع أنه قد سبق قبل ذلك بمدة طويلة نزولُ قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} فإن هذه الآية نزلت في قصة أبي طالب حين قال صلى الله عليه وسلم "والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك" فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، وقصة عبد الله بن أُبيّ هذه في السنة التاسعة من الهجرة كما مرَّ، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم؟ في نفس الآية.
وأجيب عنه بما حاصله أن المنهيّ عنه استغفار ترجى إجابته، حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في قصة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد الله بن أُبَيّ، فإنه استغفار لقصد تطبيب قلوب من بقي منهم، وهذا الجواب ليس بمرضيّ، ونحوه قول الزمخشريّ، فإنه قال: فإن قلت كيف خفي على أفصح الخلق وأخيرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد، أن الاستغفار ولو كثر لا يجدي، ولاسيما وقد تلاه قوله تعالى:{.. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ..} الآية، فبين الصارف عن المغفرة لهم. قلت: لم يخف عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل، وقال ما قال، إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بُعث إليه، وهو كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وفي إظهار النبي صلى الله عليه وسلم الرأفة المذكورة لطفٌ بأمته، وباعثٌ على رحمة بعضهم بعضًا.
وتعقبه ابن المنير وغيره، وقالوا: لا يجوز نسبة ما قاله إلى رسول الله، لأن الله أخبر أنه لا يغفر للكفار، وإذا كان لا يغفر لهم، فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال: إنّ النهيَ عن الاستغفار لمن مات مشركًا، لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرًا للإِسلام، لاحتمال أن يكون معتقده صحيحًا، وهذا جواب جيد. والراجح أن نزول قوله تعالى:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} متراخيًا عن قصة أبي طالب جدًا، وأن الذي نزل في قصته {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} ، ويأتي تحرير ذلك إن شاء الله تعالى في آخر الجنائز.
وفي بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله، ما يدل على أن نزول ذلك وقع متراخيًا عن القصة، ولعل الذي نزل أولًا، وتمسك النبي صلى الله عليه وسلم به، قولُه تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ} إلى قوله {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} ولذلك اقتصر في جواب عمر على التخيير، وعلى ذكر السبعين، فلما وقعت القصة المذكورة كشف الله عنهم الغطاء، وفضحهم على رؤوس الملأ، ونادى عليهم بأنهم كفروا بالله ورسوله. ولعل هذا هو السر في اقتصار البخاريّ فيما يأتي عنه في التفسير في الترجمة من هذه الآية على هذا القدر، إلى قوله:{فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} . ولم يقع في شيء من نسخ كتابه تكميل الآية، كما جرت به العادة، من اختلاف الرواة عنه في ذلك.
وإذا تأمل المصنف وجد الحاصل لمن رد الحديث أو تعسف في التأويل ظنه بأن قوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} مع قوله {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ} أي: نزلت الآية كاملة، لأنه لو فرض نزولها كاملة، لاقترن بالنهي العلةُ، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار وكثيره لا يجدي، وإلاّ، فإذا فرض ما حررته من أن هذا القدر نزل متراخيًا عن صدر الآية، ارتفع الإِشكال، وإذا كان الأمر كذلك فحجة المتمسك من القصة بمفهوم العدو صحيحٌ، وكون ذلك وقع من النبي صلى الله عليه وسلم متمسكًا بالظاهر، على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك، لا إشكال فيه.
وقوله: فصلى عليه فنزلت {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} وفي رواية ابن عباس في التفسير وفي آخر الجنائز زيادة "ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ} إلى {وَهُمْ فَاسِقُونَ}. وقال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، وفي رواية لابن عمر "فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ} الخ.
وفي حديث مسدد عند ابن أبي حاتم زيادة "فترك الصلاة عليهم"، وزاد ابن إسحاق في المغازي "فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله"، وزاد فيه الطبريّ عن ابن إسحاق "ولا قام على قبره"، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال "لما نزلت {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} إلى آخرها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأزيدنّ على السبعين"، فأنزل الله تعالى:{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} .
ورجاله ثقات مع إرساله، ويحتمل أن تكون الآيتان معًا، نزلتا في ذلك، وظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم، فقد أخرج الواقديُّ عن الزُّهريّ قال: قال حُذيفة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني مُسِرٌّ إليك سرًا فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أُصلّي على فلان وفلان" رهطٍ ذوي عددٍ من المنافقين. قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حُذيفة، فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه، ومن طريق أخرى عن جُبير بن مُطْعِم أنهم اثنا عشر رجلًا، ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك، أن الله تعالى علم أنهم يموتون على الكفر بخلاف من سواهم، فإنهم تابوا.
وقوله في رواية ابن عباس الماضية: فعجبت من جُرأتي، بضم الجيم وسكون الراء بعدها همزة، أي إقدامي عليه، وقد مرَّ توجيهه. وقوله: والله ورسوله أعلم، ظاهرة أنه قول عمر، ويحتمل أن يكون قول ابن عباس، وقد روى الطبريّ عن ابن عباس قال: فالله أعلم أيَّ صلاةٍ كانت، وما خادع محمدٌ أحدًا قط.
وقال بعض الشراح: يحتمل أن يكون عمر ظن أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، حين تَقَدَّم للصلاة على عبد الله بن أُبَيّ، كان ناسيًا لما صدر من عبد الله بن أُبَيّ، وتُعُقب بما في السياق من تكرير المراجعة، فهي دافعة لاحتمال النسيان. وقد صرح في الحديث بقوله:"فلما أكثرت المراجعة" فهي دافعة لاحتمال النسيان، وقد صرح في الحديث بقوله:"فلما أكثرت عليه" قال: فدل على أنه كان ذاكرًا، وقد مرَّ ما يشفي في هذا، ويأتي في آخر الجنائز زيادةٌ في سبب إلباسه عليه الصلاة والسلام ثوبه له.