المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌والتقاليد والتفاويض والتواقيع والمراسيم - التعريف بالمصطلح الشريف

[ابن فضل الله العمري]

فهرس الكتاب

- ‌القسم الأولفي رتب المكاتبات

- ‌صدر مكاتبة إلى الأبواب الشريفة الخليفية

- ‌رسم المكاتبة إلي ولي العهود بالخلافة

- ‌إمام الزيدية باليمن

- ‌ولاة العهود بالسلطنة

- ‌أمير مكة

- ‌أمير المدينة الشريفة

- ‌صاحب اليمن

- ‌المريني صاحب بر العدوة

- ‌صاحب أفريقية

- ‌صاحب الأندلس

- ‌ملك التكرور

- ‌صاحب البرنو

- ‌صاحب الكانم

- ‌صاحب دنقلة

- ‌صاحب أمجره

- ‌صاحب ماردين

- ‌صاحب حصن كيفا

- ‌صاحب أرزن

- ‌صاحب بدليس

- ‌صاحب هراة

- ‌ملوك كيلان

- ‌الأكراد

- ‌أمراء الأتراك

- ‌عظماء الملوك بإيران وتوران وما والاهما من البلاد

- ‌الشرقية

- ‌من مجر الفرات إلى مطلع الشمس

- ‌صاحب الهند

- ‌صاحب البلغار والسرب

- ‌ملك الروم صاحب القسطنطينية

- ‌ملك الكرج

- ‌مملك سيس

- ‌ملك سنوب

- ‌ملك رودس

- ‌صاحب جزيرة المصطكا

- ‌الأذفونش ملك الأندلس

- ‌النواب

- ‌الأول: كافل الممالك الإسلامية

- ‌الثاني: نائب الشام

- ‌الثالث: نائب حلب

- ‌الرابع: نائب طرابلس

- ‌الخامس: نائب حماة

- ‌السادس: نائب صفد

- ‌القسم الأول: في أرباب السيوف

- ‌قسم الطبلخانات

- ‌قسم العشرات

- ‌القسم الثاني: في أرباب الأقلام

- ‌القسم الثالث: أهل الصلاح

- ‌الرسوم في الكتب إلى أمراء العربان

- ‌وأما المطلقات

- ‌وأما ترجمة العلامة بالقلم الشريف

- ‌القسم الثاني من الكتابفي عادات العهود والتقاليد والتفاويض والتواقيعوالمراسيم والمناشير

- ‌أولا: العهود

- ‌ثانيا: التقاليد

- ‌ثالثا: التفاويض

- ‌رابعا: التواقيع

- ‌خامسا: المراسيم

- ‌سادسا: المناشير

- ‌الطغرى التي تكون بين الطرة والبسملة

- ‌في مقادير قطع الورق

- ‌الوصايا

- ‌جملة من الوصايا التي تذكر في العهود

- ‌والتقاليد والتفاويض والتواقيع والمراسيم

- ‌القسم الثالثفي نسخ الإيمان

- ‌أ - يمين شريف يستحلف بها للمبايعة العامة

- ‌ب - أيمان أهل الكتاب

- ‌يمين اليهود

- ‌يمين النصارى

- ‌يمين السامرة

- ‌يمين المجوس

- ‌ج - أيمان طوائف من أهل البدع

- ‌الطائفة الأولى: الشيعة

- ‌ النصيرية

- ‌الإسماعيلية

- ‌الإمامية

- ‌الزيدية

- ‌الدرزية

- ‌الطائفة الثانية: الخوارج

- ‌الطائفة الثالثة: القدرية

- ‌د - في الأيمان التي يحلف بها الحكماء

- ‌القسم الرابعفي الأمانات والدفن والهدن والمواصفات والمفاسخات

- ‌أولا: الأمانات

- ‌ثانيا: الدفن

- ‌ثالثا: الهدن

- ‌رابعا: المفاسخات

- ‌القسم الخامسفي نطاق كل مملكةوما هو مضاف إليها من المدن والقلاع والرساتيق

- ‌أولا: في ذكر مملكة الديار المصرية

- ‌في ذكر كورها

- ‌الوجه القبلي

- ‌الوجه البحري

- ‌ثانيا: في ذكر المملكة الشامية

- ‌الصفقة الأولىالساحلية والجبلية

- ‌الصفقة الثانيةالقبلية

- ‌الصفقة الثالثةالشمالية

- ‌الصفقة الرابعةالشرقية

- ‌القاعدة الثانية من قواعد البلاد الشامية

- ‌حلب

- ‌القاعدة الثالثة من قواعد البلاد الشامية

- ‌حماة

- ‌القاعدة الرابعة من قواعد البلاد الشامية

- ‌طرابلس

- ‌القاعدة الخامسة من قواعد البلاد الشامية

- ‌صفد

- ‌القاعدة السادسة من قواعد البلاد الشامية

- ‌الكرك

- ‌القسم السادسفي مراكز البريد، والحمام، وهجن الثلجوالمراكب المسفرة به في البحر، والمناور والمحرقات

- ‌الباب الأول: في البريد

- ‌مركز قلعة الجبل

- ‌مراكز عزة

- ‌في ذكر مركز دمشق وما يتفرع عنه من المراكز

- ‌مراكز حلب

- ‌مراكز طرابلس

- ‌الباب الثاني: في مراكز الحمام

- ‌الباب الثالث: مراكز هجن الثلج ومراكبه

- ‌الباب الرابع: في المناور والمحرقات

- ‌القسم السابعفي أوصاف ما تدعو الحاجة إلى وصفهمما يكثر ذكره في المكاتبات

- ‌الفصل الأول: في الآلات

- ‌النوع الأول: السلاح

- ‌النوع الثاني: آلات الحصار

- ‌النوع الثالث: الآلات الملوكية

- ‌النوع الرابع: آلات السفر

- ‌النوع الخامس: آلات الصيد

- ‌النوع السادس: آلات المعاملة

- ‌النوع السابع: آلات الطرب

- ‌النوع الثامن: آلات اللعب

- ‌النوع التاسع: المسكرات وآلاتها

- ‌الفصل الثاني: في الحيوان وأنواعه

- ‌النوع الأول: في الحيوان المذلل المعد للركوب

- ‌النوع الثاني: في جليل الوحوش، سباعه وغير سباعه

- ‌النوع الثالث: في معلمات الصيد

- ‌النوع الرابع: الجوارح

- ‌النوع الخامس: الطير الجليل

- ‌النوع السادس: طيور مختلفة

- ‌الفصل الثالث: في الأمكنة

- ‌الفصل الرابع: في المياه ولوازمها

- ‌الفصل الخامس: في الكواكب

- ‌الفصل السادس: في الأزمنة

- ‌الفصل السابع: في الأنواء

الفصل: ‌والتقاليد والتفاويض والتواقيع والمراسيم

‌الوصايا

‌جملة من الوصايا التي تذكر في العهود

‌والتقاليد والتفاويض والتواقيع والمراسيم

وهذا باب كبير، وللقلم فيه سبح طويل. ولو تكلفنا استيعاب الوصايا لألزمنا تكليف ما لا يطاق، وإنما تقدم منها المهم، ونأتي بالجوامع كالتبصرة للناظر، والتنبيه للغافل؛ ومن كان ذا خاطر تفجرت له ينابيعه، وجرت له شعابه.

1 -

عهود الخلفاء إلى ولاة العهود وإلا الملوك، وعهود الملوك من الملوك، وكل ذلك في طبقة تتقارب؛ والوصية فيها:

بتقوى الله وإقامة حدوده، والشرع الشريف وتشييد عقوده، والوفاء بعهوده، وأخذ مال الله

بحقه، وصرفه في مستحقه، والاجتهاد على الجهاد، وحسن النظر للأمراء والأجناد، وطوائف العرب والتركمان والأكراد، وغزو أعداء الله برا وبحرا، وقصدهم حيث كانوا بعدا وقربا، ورعاية الرعايا وعمارة البلاد، وتأمين الجواد، وإضافة المهابة التي تقشعر لها عصب الفساد، وعمارة المعاقل والقلاع والحصون والثغور، وحماية الأطراف والمواني، وجمع كلمة الأمة، واستعباد القلوب بالإحسان،

ص: 129

وإقامة منار العدل والإنصاف، والأخذ من الظالم للمظلوم، وللضعيف من القوي، وتأمين الحرمين وبيت المقدس الذي هو ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال؛ وإقامة موسم الحج في كل عام، وتجهيز السبيل على أكمل العوائد، وإجراء ضرائح الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - على أكمل ما يكون من الإكرام، والتوقير والاحترام، ورعاية من فيها من القومة والخدام، وتحرير معايير النقود والمعاملات، والتأني في ارتياد الأكفاء للولايات، وتقديم الأحق فالأحق، والوصية بذرية من يموت أبوه في موقف جهاد أو موضع خدمة، وببقايا أرباب البيوت، وصرف وجوه الصدقات والمرتبات التي أجرتها الملوك لذوي الاستحقاق - ما لم يكن مانع - وإجراء جهات الأوقاف على اختلافها في مجاريها، وصرفها في مصارفها، وعلى حكم شرط واقفها؛ وإذا بلغ الرأي المشورة استشار فيه واجتهد، وله رأيه. وليقم البريد وينصب له عيونا تأتيه بالأخبار، وتستنطق له ألسنة تشافهه بالأنباء. ولا يزال للأحوال متفقدا، وللأمور متعهدا، يبدأ بالأهم فالأهم، ويقدم الأولى فالأولى، ويحسن في كل أمر فعلا وقولا. وليكن في هذا كله بقوة من غير عسف، ولين من غير ضعف، وأناتا لا يتراخى بها مدد الإمهال، ولا تؤدي عواقبها إلى الإهمال). وغير هذا في هذا ومثله من كل ما يقال.

2 -

وصية نائب سلطة:

(يوصى بتقوى الله وتنفيذ الأحكام الشرعية، ومعاضدة حكامها، واستخدام السيوف لمساعدة أقلامها، وتفقد العساكر المنصورة وعرضها، وإنهاضهم لنوافل الخدمة وفرضها، والتخير للوظائف، وإجراء الأوقاف على شرط كل واقف، والملاحظة الحسنى للبلاد وعمارة أوطانها، وإطابة قلوب سكانها، ومعاضدة مباشري الأموال مع عدم عما ألف من عدل هذه الأيام الشريفة وإحسانها، وتحصين ما لديه، وتحسين كل ما أمره إليه، واستطلاع الأخبار والمطالعة بها، والعمل بما يرد عليه من المراسيم المطاعة والتمسك بسببها؛ وأنه مهما

أشكل عليه يستضيء فيه بنور آرائنا العالية فهو يكفيه، ومن قتل من الجند أو مات وخلف ولدا يصلح لإقطاعه يعين

ص: 130

له ليقوم بمخلفيه، ويقال من هذا ليقوم بتمام الغرض ويوفيه).

3 -

وصية وزير:

(يوصي بتقوى الله فإن عليه رقيب، وإليه أقرب من كل قريب، فليجعله أمامه، وليطلب منه لكل ما شرع فيه تمامه؛ وليجل رأيه في كل ما تشد الدولة أزرها، وتسند إليه ظهرها؛ وليجعل العدل أصلا يبني على أسه، والعمل في أموره كلها لسلطانه لا لنفسه؛ وليدع منه الغرض جانبا، وحظ النفس الذي لا يبدو إلا من العدو وليصدق من دعاه صاحبا؛ وليبصر كيف يثر الأموال من جهاتها، وكيف يخلص بيوت الأموال - بالاقتصار على الدراهم الحلال - من شبهاتها؛ ولينزه مطاعم العساكر المنصورة عن أكل الحرام فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يرى به من العين إلا ما يحرم الهجوع؛ وليحذر من هذا فإن المفاجئ به كالمخاتل؛ وليتجنب إطعام الجند منه فإن آكل الدرهم الحرام ما يقاتل؛ وليحسن كيف يولي ويعزل، ويسمن ويهزل، وعليه بالكفاة الأمناء، وتجنب الخونة وإن كانوا ذوي غناء؛ وإياه والعاجز، ومن لو رأى المصلحة بين عينيه رأى بينه وبينها ألف حاجز؛ وليطهر بابه، ويسهل حجابه، ويفكر فيما بعد أكثر مما قرب: مقدما للأهم فالأهم من المصالح، وينظر إلى ما غاب عنه وحضر نظر المماسي والمصابح؛ ولا يستبدل إلا بمن ظهر لديه عجزه أو ثبتت عنده خيانته؛ ولا يدع من جميل نظره من صحت لديه كفايته، أو تحققت عنده أمانته؛ وليسلك أقصد الطرق في أمر الرواتب التي هي من صدقاتنا الشريفة وصدقات من تقدم من الملوك، وهي إما لمن وجب له حق وإن كان غنيا أو عرف صلاحه وهو صعلوك؛ وكذلك ما هو لأيتام الجند الذين ماتوا على الطاعة، وأمثالهم ممن خدموا دولتنا القاهرة بما استطاعه: فإن غالب من مات منهم لم يخلف لهم إلا ما نسمح لهم به من معروف، ونجريه لهم من جار هو أنفع من كثير مما يخلفه الآباء للأبناء من المال المتملك والوقف الموقوف؛ وليصرف اهتمامه إلى استخلاص

ص: 131

مال الله الذي نحن أمناؤه، وبه يشغل أوقاته وتمتلي كالإناء آناؤه؛ فلا يدع شيئا يجب لبيت المال المعمور من مستحقه؛ ولا يتسمح في تخلية شيء منه كما أننا نوصيه أنه لا يأخذ شيئا إلا بحقه؛ وليبقي لأيامنا الزاهرة تواقيعه ذكرا لا يفنى، وبرا لا يزال ثمره الطيب من قلمه يجنى، ليكون من رياح

دولتنا التي تغتنم ما يثيره من سحابها المطير، وحسنات أيامنا التي ما ذكرنا وذكر معنا فيها إلا وقيل: نعم الملك ونعم الوزير!).

4 -

وصية نائب القلعة:

(وعليه بحفظ هذه القلعة التي زفت إليه عقيلتها الممنعة، وجلبت عليه سافرة دونها السماء بالسحب مقنعة، وسلمت إليه مفاتيحها - وخواتيم الثريا أقفال - وأوقدت إليه مصابيحها - وقناديل البروق لا تشب لقفال؛ فليبدأ بعمارة ما دعت الحاجة إليه من تجديد أبنيتها، وتشييد أفنيتها، وشد عقودها، وعد ما لا يحصى في الذخائر من نقودها، وتنبيه أعين رجالها والكواكب قد همت برقودها، والأخذ بقلوب من فيها وتدارك بقية ذمائهم وتلافيها، وجمعهم على الطاعة، وبذر الإحسان فيهم إذا عرف أرضا تزكو فيها الزراعة، والتمادي لهم: فرب رجال تجزى عن عدة سنين في ساعة، وتحصين هذا الحصن المنيع بما يدخر في حواصله، ويستمد بعمارة البلاد المختصة به من واصله، وما يكون به من المجانيق التي لا ترقى عقاربها، ولا توقى منها أقاربها، ولا ترد لها مضارب، ولا يكف عن زباني زبانيتها كل ضارب، ولا يخطي سهمها، ولا يخفا بين النجوم نجمها، ولا يعرف ما في صندوقها المقفل، من البلاء المرسل، ولا في فخذها المشمر الساق عن النشاط الذي لا

ص: 132

يكسل؛ وغيرها من الرايات التي في غيرها لا تشد، ولسوى خيرها لا تعد، وما يرمى فيها من السهام التي تشق قلب الصخر، ويبكي خنساء كل فاقدة على صخر؛ وكذلك قسي اليد التي لا يد بها ولا قبل، وكنائن السهام التي كم أصبح رجل وبه منها مثل الجبل، وما يصان من العدد واللبوس، ويعد للنعم وللبوس، وما يمد من الستائر التي هي أسوار الأسوار، ولمعاصم عقائل المعاقل منها حلى سوى كل سوار، وهي التي تلاث لثمها على مباسم الشرفات، وتضرب حجبها على أعالي الغرفات؛ وسوى هذا مما تعتصم به شوامخ القلال، ويتبوأ به مقاعد للقتال، فكل هذا حصله وحصنه، وأحسبه وحسنه، وأعد منه في الأمن لأوقات الشدائد، واجر فيه على شأو من تقدم وزد في العوائد؛ وكن من هذا مستكثرا، وله على ما سواه مؤثرا، حتى لا تزال رجالك مطمئنة الخواطر، طيبة في غلق القلوب ما عليها إلا السحب المواطر، واعملوا بإعادة القلاع في غلق أبواب هذه القلعة وفتحها، وتفقد متجددات أحوالها في مساء كل ليلة وصبحها، وإقامة الحرس، وإدامة العسس، والحذار ممن لعله

يكون قد تسور أو اختلس، وتعرف أخبار من جاورك من الأعداء حتى لا تزال على بصيره، ولا تبرح تعد لكل أمر مصيرهم، وأقم نوب الحمام الذي قد لا تجد في بعض الأوقات سواه رسولا، ولا تجد غيره مخبرا ولا سواه مسؤولا، وطالع أبوابنا العالية بالأخبار، وسارع إلى ما يرد عليك منها من ابتداء وجواب، وصب فكرك كله إليها وإلى ما تتضمنه من الصواب).

ص: 133

5 -

وصية أستادار:

(وليتفقد أحوال الحاشية على اختلاف طوائفها، وأنواع وظائفها، وليرتبها في الخدمة على ما يجب، وينظر في أمورهم نظرا لا يخفى معه شيء مما هم عليه ولا يحتجب؛ وليبدأ بمهم السماط المقدم الذي يقدم، وما يتنوع فيه من كل مطعم، وما يمد منه في كل يوم بكرة والعصر، وما يستدعى معه من الطوارئ التي لا يحدها الحد ولا يحصرها الحصر، وأحوال المطبخ الكريم الذي منه ظهور تلك المخافي، ووفاء ذلك الكرم الوافي، والتقدم إلى الأمناء والمشرفين فيه بأمانة الإنفاق، وصيانة المآكل مما يعاب على الإطلاق؛ ثم أمر المشروب وما تغلق عليه أبواب الشراب خاناه السعيدة من لطائف مأكول ومشروب، وشيء عزيز لا يوجد إلا فيها إذا عز المطلوب، ومراجعة الأطباء فيما تجري عليه قوانينها، وتشب لطبخه من جمر اليواقيت كوانينها، وإفراز ما هو للخاص الشريف منها وما هو للتفرقة، وما لا يصرف إلا بخط الطبيب ولا يسلم إلا إلى ثقة؛ ثم (الطست خاناه) السعيدة التي هي خزانة اللباس،

ص: 134

وموضع ما نبرز به من الزينة للناس، وما يحتاج إليه من آلات التطبيب، وما يعين لها من الصابون وماء الورد والطيب، وغير ذلك من بقية ما هي مستقره، ويؤخذ منها مستدره، ومن يستخدم بها ممن بريء من الريب، وعرف بالعفاف والأدب، وعلم أنه من أهل الصيانة، وعلى ما سلم إليه ومن خالطته الأمانة؛ ثم (الفراشخاناه) وما ينصب فيها من الخيام، وما يكون فيها من فرش سفر ومقام، وشمع يفضض كافور كافوريته آبنوس الظلام؛ ثم غلمان الإسطبل السعيد والنجابة، وإن كان إلى سواه استخدامهم، ولدى غيرهم مستقرهم ومقامهم، لكنهم ما خرجوا من عديده، ولا يروقهم ويروعهم إلا حسن وعده وخشن وعيده؛ ثم المناخات السلطانية وما بها من جمال، وما يسرح فيها من مال وجمال، ومن يستخدم فيها من (سيروان) و (مهمرد) وما فيها من قطار

مزدوج وفرد؛ فيوفر لهذه الجهة نصيبا من النظر يشاهد أمورها وقد غابت في الأقطار، وتفرقت كالسحب يلزمها القطار القطار؛ وليكونوا على باله فإنهم يسرقون ذرة الكحل من العين ومعهم الذهب العين محملا بالقنطار، فليحسن منهم الارتياد، وليتخير أرقهم أفئدة فإنهم بكثرة ملازمتهم للإبل مثلها حتى في غلظ الأكباد. وطوائف المعاملين، والأبقار ومن عليها من العاملين، وزرائب الغنم

ص: 135

وخولتها ورعائها، وأصناف البيوت الكريمة وما تطلبه في استدعائها، ونفقات الأمراء المماليك السلطانية في إهلال كل هلال، وما يصرف في كساويهم على جاري عادتهم أو إذا دعت إليه ضرورة الحال، وما يؤخذ عليه خطه من وصولات تكتب؛ واستدعاآت تحسب من لوازمه وهي للكثرة لا تحسب؛ فليكن لهذا كله مراعيا، ولأموره واعيا، ولما يجب فيه دون ما لا يجب مستدعيا أو إليه داعيا؛ وهو كبير البيت وإليه يرجع أمر كل مملوك ومستخدم، وبأمره يؤخر من يؤخر ويقدم من يقدم، ومثله يتعلم منه ولا يعلم، وعصاه على الكل محمولة على الرقاب، مبسوطة في العفو والعقاب، ومكانه بين أيدينا حيث نراه ويرانا ولدينا قاب قوسين أو أدنى من قاب.

وعليه بتقوى الله فبها تمام الوصايا وكمال الشروط، والأمر بها فعصاه محكمة وأمره مبسوط، وكل ما يناط بنا: من خاصة أمورنا في بيتنا - عمره الله ببقائنا وزاد تعميره - بتدبيره منوط).

6 -

وصية مقدم المماليك:

(وليحسن إليهم، وليعلم أنه واحد منهم ولكنه مقدم عليهم، وليأخذ بقلوبهم إقامة المهابة التي يخيل إليهم بها أنه معهم وخلفهم وبين يديهم، وليلزم مقدم كل طبقة بما يلزمه عند تقسيم صدقاتنا الجارية عليهم: من ترتيب الطباق، وإجراء ساقية جارية من إحساننا إليهم ولا ينس السواق؛ وليكن لأحوالهم متعهدا، ولأمورهم متفقدا، وليستعلم أخبارهم حتى لا يزال منها على بصيرة، وليعرف ما هم عليه مما لا

ص: 136

يخفى عليه فإنهم إن لم يكونوا له أهلا فإنهم جيرة، وليأمر كلا منهم ومن مقدميهم والسواقين بما يلزمهم من الخدمة، وليرتبهم على حكم مكانتهم منا فإن تساووا فليقدم من له قدمة، وليعدل في كل تفرقة، وليحسن في كل عرض ونفقة، وليفرق فيهم ما لهم من الكساوى ويسبل عليهم رداء الشفقة، وليعد منهم لغابنا المحمي سباعا تفترس العادية، وليجمل النظر في أمر الصغار منهم والكبار أصحاب

الطبقات العالية، وليأخذهم بالركوب في الأيام المعتادة، والدخول إلى مكان الخدمة الشريفة والخروج على العادة، وليدرهم في أوقات البياكر والأسفار نطاقا دائر الدهليز المنصور، وليأمرهم أمرا عاما بأن لا يركب أحد منهم إلا بدستور ولا ينزل إلا بدستور، وليحترز عليهم من طوائف الغلمان، ولا يستخدم منهم إلا معروفا بالخير ويقيم عليه الضمان، وليحرر على من دخل عليهم وخرج، ولا يفسح لأحد منهم إلا من علم أنه ليس في مثله حرج، ولا يدع للريبة بينهم مجالا للاضطراب، وليوص مقدميهم بتفقد ما يدخل إليهم فإن الغش أكثره من الطعام أو الشراب، وليدم مراجعتنا في أمرهم فإن بها يعرف الصواب، وليعمل بما نأمره به ولا يجد جوى في جواب).

7 -

وصية أمير آخور:

(وليكن على أمل ما يكون من إزاحة الأعذار، والتأهب لحركاتنا الشريفة في ليل كان أو نهار، مقدما الأهم فالأهم من الأمور، والأبدأ فالأبدأ من تقديم مراكبنا

ص: 137

السعيدة وتهيئة موكبنا المنصور، وترتيب ذلك كله على ما جرت به العوائد، وتحصيل ما تدعو الحاجة إليه على قدر الكفاية والزوائد، والنظر في جميع إسطبلاتنا الشريفة، والجشارات السعيدة، وخيل البريد، والركائب المعدة لقطع كل مدى بعيد، وما يجتمع في ذلك وينقسم، وما يركب منها ويجنب مما يسم الأرض بالبدور والأهلة من كل حافر ومنسم، وما هو برسم الإطلاق، وما يعد لمماليك الطباق، وخيل التلاد، وما يجلب من وقود كل قبيلة من القبائل ويجيء من كل بلد من البلاد، والمشترى مما يباع من المواريث ويستعرض من الأسواق، وما يعد للمواكب وللسباق، ولجل رأيه في ترتيب ذلك كله في مراتبه على ما تقتضيه المهمات، والاحتراز في التلاد مما لعله يبدل ويقال هو هذا أو يؤخذ بحجة أنه مات؛ وليجتهد في تحقيق ما نفق؛ وليحرره على حكم ما يتحقق عنده لا على ما اتفق، وكذلك ليكن فحصه عمن يستخدم عنده من الغلمان، ولا يهمل أمورهم مع معاملتهم بالإحسان، ولا يستخدم إلا من تشكر سيرته في أحواله، وتعرف خبرته فيما يراد من أمثاله؛ وكذلك الركابة الذين تملك أيديهم أعنة هذه الكرائم، والتحرز في أمرهم ممن لعله يأوي إليهم من أرباب الجرائم، والأوشاقية الذين هم مثل مماليكه وهم في الحقيقة إخوانه، وجماعة المباشرين الذين هم في مباشرة الإسطبلات السعيدة ديوانه، وكل هؤلاء يلزمهم بما يلزم أمثالهم من السلوك، ويعلمهم ما يجب عليهم أن

يتعلموه من خدمة الملوك، ولا يسمح لأحد منهم في أمر يفضي إلى إخلال، ولا يقتضي فرط إدلال، وليقم أودهم بالأدب فإن الأدب ما فيه إذلال؛ وكل هؤلاء الطوائف ممن يتجنب العامة مخالطتهم لما طار في أيام من تقدم على أمثالهم من سوء السمعة، ويتخوف منهم السرعة، فليكن لهم منك أعظم زاجر، ومن شكي إليك منهم فسارع إلى التنكيل به وبادر، وأشهر من فعلك بهم ما يوجب منهم الطمأنينة، ولا يعود أحد بعده يكذب يقينه،

ص: 138

وأمراء أخورية الذين هم أتباعكن وبهم يمتد باعك، هم بحسب ما تجعلهم بصدده، وما منهم إلا من يقدر أن يتعدى حده في مقام قدمه وبسط يده، فاجعل لكل منهم مقاما معلوما، وشيئا تجعل له فيه تحكيما؛ وتثمين الخيول المشتراة والتقادم قومها بأهل الخبرة تقويم عدل، وقل الحق ولا يأخذك فيه لوم ولا عذل، وما يصرف من العليق برسم الخيول السلطانية ومن له من صدقاتنا الشريفة عليق، مر بصرفه عند الاستحقاق واضبطه بالتعليق، وتصرف في ذلك كله ولا تتصرف إلى تصرف شفيق؛ وصنه بأقلام جماعة الديوان ولا تقنع في غير أوقات الضرورة برفيق عن رفيق؛ وكذلك البراسيم السنوية أصلا وزيادة، ولا تصرف إلا ما نأمر به وإلا فلا تخرج فيه عن العادة؛ ونزلاؤك من أمراء العربان عاملهم بالجميل، وزد في أخذ خواطرهم ولو ببسط بساط الأنس لهم فما هو قليل، لتضاعف رغبتهم في كل عام، وليستدلوا ببشاشة وجهك لهم على ما بعده من الأنعام؛ وبغال الكوسات السعيدة والأعلام المنصورة، وأبغال الخزانة العالية المعمورة، اجعلها من المهمات المقدمة، والمقدمات لنتائج أيام النصر المعلمة، ورتبتها في مواقفها، وأتمها أتم ما يكون من وظائفها، فبها تثبت مواقف العسكر المنصور، وإليها يأوي كل مستظل ورحى الحرب تدور، وغير ذلك من قماش الإسطبلات السعيدة من الذهب والفضة والحرير، وكل قليل وكثير، باشره مباشرة من لا يتخلى، وأحصه خرجا ودخلا، وإياك والأخذ بالرخص، أو إهمال الفرص، أو طلب فائت جرم أهملته حتى نكص).

8 -

وصية والي حرب:

(وهو يعلم ما علق بذمته من أمر الجمهور، وقبل فيه قوله من ستر المهتوك وهتك المستور، وما يجمه سواد البلد من غثاء السيل، وما يغطي عليه دجى الليل من الويل، فليجعل هذا منه ببال، وليسترفع أوراق الصباح حتى لا يخفى عليه ما تستره

ص: 139

سود الليال؛

وليخمد نوائر العامة فإنها أطير شرارا من النيران، وليزعهم بهيبة السلطان فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ونحن نوصيه أن لا يغلق بابا مفتوحا ولا يفتح بابا مغلقا، ولا يقتل عقربا يمكن كف شرها بالرقا؛ وليتتبع المفسدين لإقامة ما أمر الله من الحدود، وليراجع الشرع الشريف إذا أبهم عليه المقصود، وليتغافل عمن تستر بداره في جنح الليالي الأثائث، وليعقم نسل الخمر فإنها أم الخبائث، وليرق ما ظفر به من أجلابها، وليؤدب تجارها وبئس التجار ويبالغ في آدابها، ولينصب الأرصاد على من دخل من أبواب المدينة أو أتى البيوت من غير أبوابها، وكذلك أختها في مخامرة العقل، وشقيقتها في التأديب، إن لم يكن الحد لعدم النقل؛ وهي الحشيش التي يعرف آكلها دون الناس بعينه، وتقضيه من سكر المدام ما فاته من دينه، وتبدو صفراء في وجهه سوداء في جسمه خضراء في فمه حمراء في عينه، مثلما تجريه الضرب المبرح من دمه فإنها طالما حسنت لأهلها الشهوات، وأعطته طعم المر وهي نبات، طال ما طلبها هي وأختها الخمر إبليس واستدعاها، وأخرج بها لسوائمه الضالة ماءها ومرعاها؛ وليخلص من الحقوق ما رفع إليهن ويطالب به من مطل به وقد أوجبه الحق عليه، ولينتقد أرباب الزغل نقد الصيارف لزيفهم المردود، وليقم عليهم السياسة إذا لم تمض عليهم الحدود؛ وليتفقد الحبوس في كل حين، ويتعرف أحوالها ليعرف ما يفعله عن يقين؛ وليستعد لطوارئ المهمات، وعوادي الملمات، ولا يبيت كل ليلة إلا وهو متأهب لإطفاء كل نار، وإخماد كل لهب وأولها نار الفتن وما يطير فيها من شرار، وإن وقع والعياذ بالله حريق في قطر من أقطار المدينة يعجل إليه البدار، ويعجل بهدم أبنيته وهدم ما حوله حتى لا يؤخذ الجار بالجار؛ وليكن عنده من طوائف السقايين والقصارين من لا يجد في خوض الماء مشقه، ولا تطول عليه شقه، ولا يرى جدارا دبت في أحشائه النار إلا ويطفئ بما عنده من الماء ما عنده من الحرقة؛ والحذر ممن في بابه فإنه لا دواء لدائهم العضال، ولا استقامة لمن حاد منهم

ص: 140

وحاد إلا بأخذ الروح والمال؛ ونحن منه بمرأى ومسمع، فليتق الله وليحذرنا ففي هذا وهذا الخير أجمع).

9 -

وصية أتابك المجاهدين:

(وأنت ابن ذلك الأب حقيقة، وولد ذلك الوالد الذي لم تعمل له إلا من دماء الأعداء عقيقة؛ وقد عرفت مثله بثبات الجنان، وصلت بيدك ووصلت إلى ما لم يصل إليه رمح ولا قدر

عليه سنان، ولم يزاحمك عدو إلا قال له: أيها البادي المقاتل كيف تزاحم الحديد، ولا سمي اسمك لجبار إلا قال له:{وجاءت سكره الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} ؛ وأنت أولى من قام بهذه الوظيفة، وألف قلوب هذه الطائفة التي ما حلم بها الحالم إلا وبات يرعد خيفة، فليأخذ هذا الأمر بزمامه؛ وليعمل لله ولإمامه، وليرم في حب البقاء الدائم بنفسه على المنية، ولينادم على معاقرة الدماء زهور سكاكينه الحنية. واطبع منهم زبرا تطاول السيوف بسكاكينها، وتأخذ بها الأسود في عرينها، وتمتد كأنها آمال لما تريد، وترسل كأنها آجال ولهذا هي إلى كل عدو أقرب من حبل الوريد؛ وأذك منهم شعلا إذا دعيت لأحسابها لا تجد إلا متحاميا، وارم منهم سهاما إذا دعيت بأنسابها الإسماعيلية فقد جاء أن إسماعيل كان راميا؛ وفرج بهم عن الإسلام كل مضيق، واقلع عن المسلمين من العوانية كل حجر في الطريق؛ وصرف رجالك الميامين، وتصيد بهم فإنهم صقور ومناسرهم السكاكين؛ واخطف بهم الأبصار فبأيمانهم كل سكينة كأنها البرق الخاطف، واقطف الرؤوس فإنها ثمرات أينعت لقاطف، واعرف لهم حقهم وضاعف لهم تكريما، وأدم لهم بنا بر عميما، وقدم أهل النفع منهم فقد قدمهم الله {وفضل الله المجاهدين

ص: 141

على القاعدين أجرا عظيما} - واعلم أنها مثل الوحوش فزد في تأنسهم، واشكر إقدامهم فطالما اقتحموا على الملوك وما هابوا يقظة حرسهم، وارفع بعضهم على بعض درجات في نفقات تسافيرهم وقعود مجلسهم، ولا تسو بينهم فما هم سواء و {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} . وأصل هذه الدعوة ما زالت تنتقل بالمواريث حتى انتهت إلينا حقوقها، وأومضت بنا حيث خلعت هياكلها بجرعاء الحمى بروقها؛ والله تعالى يوفقه ويرشده، ويطول باعه لما قصرت عنه سواعد الرماح ووصلت إليه يده).

10 -

وصية أمير مكة المعظمة:

(وليعلم أنه قد ولي حيث ولد بمكة في سرة بطحائها، وأمر عليها ما بين بطن نعمانها إلي فجوة روحائها، وأنه قد جعل له ولاية هذا البيت الذي به تم شرفه، وعلت غرفه، وعرف حقه له أبطحه ومعرفه، إذ كان أولى ولاة هذا الحرم بتعظيم حرماته، وسرور جوانبه بما يلوح من البشر على قسماته، ولأنه أحق بني الزهراء بما أبقته له آباؤه، وألقته إليه من حديث قصي جده الأقصى أنباؤه؛ وهو أجدر من طهر هذا المسجد من أشياء ينزه أن يلحق

به فحش عابها، وشنعاء هو يعرف كيف يتتبعها وأهل مكة أعرف بشعابها.

فليتق راية هذه الولاية باليمين، وليتوق ما يتخوف به ذلك البلد الأمين،

ص: 142

وليعلم أنه قد أعطى الله عهده وهو بين ركن ومقام، وأنه قد بايع الله، والله عزيز ذو انتقام، وليعمر تلك المواطن، ويعم ببره المار والقاطن، وليعمل في ذلك بما ينجث عنه نجاره، ويأمن به سكان ذلك الحرم الذي لا يروع حمامه فكيف جاره، ولينصت إلى اسمه عز وجل حيث يعلن به الداعي على قبة زمزم في كل مساء وليعرف حق هذه النعمة، وليعامل من ولي عليهم بما يليق أن يعامل به من وقف تحت ميزاب الرحمة؛ وقد أكد موثقه والله الله في نقضه، ومد عليه يده والحجر الأسود يمين الله في أرضه، وليتبصر أين هو فإن الله قد استأمنه على بيته الذي بناه، وسلمه إليه في بمشعره الحرام ومسجد خيفه ومناه؛ وإنه البيت المقصود: وكل من تشوق حمى ليلى فإنما قصده أو لعلع بلعلع فإنما عناه؛ وفي جمعه يجتمع كل شتيت، وفي ليالي مناه يطيب المبيت، وبمحصبه تقام المواسم، وتفتر الثغور البواسم، وتهب من قبل نعمان الرياح النواسم، وفي عقوة داره محط الرحال في كل عام، ومقر كل ذات عود تجذب بقلع وعوذ تقاد بزمام، وإليه تضرب الرجال البراري والبحار، وتأتيه الوفود على كل قطار يحدى من الأقطار؛ وكل هؤلاء إنما يأتون في ذمام الله بيته الذي من دخله كان آمنا، وإلى محل ابن بنت نبيه الذي يلزمه من طريق بر الضيف ما أخذ لهم وإن لم يكن ضامنا.

فليأخذ بمن أطاع من عصى، وليردع كل مفسد ولا سيما العبد فإن العبد لا يزجره إلا العصان وليتلق الحجاج بالرحب والسعة، فهم زواره وقد دعاهم إلى

ص: 143

بيته وإنما دعاهم إلى دعة؛ وليتلق المحمل الشريف والعصائب المنصورة، وليخدم على العادة التي هي من الأدب مع الله معنى ومعنا صورة؛ وليأخذ بخواطر التجار فإنهم سبب الرفق لأهل هذا البلد وتوسعة ما لديهم، والمستجاب فيهم دعوة خليله إبراهيم - صلوات الله عليه - إذ قال:{واجعل أفئدة من الناس تهوي إليه} ، ولا تتحيف أموالهم بغرامة يقل بها الغنم، ولا بظلامة فإنه بإبراز هذا البيت الذي يرد دونه من اراد فيه إلحادا بظلم؛ ولينظر كيف حبس دونه الفيل، وليكف عادية من جاوره من الأعراب حتى لا يخاف ابن سبيل؛ وليقم شعائر الشرع المطهر، وأوامر أحكامه التي قامت بأبويه: بحكم جده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

وسيف أبيه حيدر؛ وليأمر طوائف الأشراف وأشياعهم وسائر أهل موالاتهم وأتباعهم بلزوم ما كان عليه صالح السلف وما عليه الإجماع، وتجنب ما كانت الزيدية قد زادت فيه وكف الأطماع؛ وليتق الله فإنه مسئول لديه عما استرعاه وقد أصبح وهو له راع؛ وإياه أن يتكل على شرف بلده، فإن الأرض لا تقدس أحدا، أو شرف محتده، فإن يوم القيامة لا ينفع فيه ولد والدا ولا والد ولدا).

11 -

وصية أمير المدينة المشرفة:

(فكمل بتقوى الله شرفك، واتبع في الشريعة الشريفة سلفك؛ وكتاب الله المنزل؛ أنتم أهل بيت فيكم تنزل، وسنة جدكم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تهمل، وهي مجدكم المؤثل، ومعرفة حق من مضى عنكم، وإلا فعمن تنقل، ومنكم، وإلا فممن تؤمل؛ وإزالة البدع وإلا فلأي شيء سيوفكم تصقل، ولماذا رماحكم تعدل؛ والرافضة وغلاة الشيعة هم دنس من انتمى إلى هذا البيت الشريف بولائه، وسبب وقوف من يقصد الدخول تحت لوائهن فهم وإن حسبوا من أمداده، ليسوا - وحاشى نوره الساطع - إلا من المكثرين لسواده؛ أرادوا حفظ المودة في القربى فأخلوا، وقصدوا تكثير عددهم فقلوا، وأنف من هو بريء من سوء مذهبه من أن يتظاهر بالولاء فيعد في أهل البدع بسببهم، مع أنهم طمعوا في رضى الله فأخطأتهم المطامع، وصحيح أنهم

ص: 144

زادوهم عددا إلا أنها كزيادة الشغياء أو كزيادة الأصابع. فصمم عزمك على ما عاهدت الله عليه من رفع أيدي قضاتهم، ومنعهم هم ومن اتبع خطوات الشيطان في سبيل مرضاتهم، وحذرهم مما لا يعود معه على أحد منهم ستر يسبل، ولا يبقى معه لغير السيف حكم يقبل؛ فمن خاض للسلف الصالح يم ذم أغرق في تياره، أو قدح فيهم زناد عناد أحرق بناره؛ وألزم أهل المدينة الشريفة بكلمة السنة فإنها أول ما رفعت بتلك المواطن المعظمة أعلامها، وسمعت في تلك الحجرة المكرمة أحكامها، مع تعفيه آثار ما ينشأ على هذه البدعة من الفتن حتى لا ينعقد لها نقع مثار، وتوطئة أكناف ذلك الحمى لئلا يبقى به لمبطل في مدارج نطقه عثار؛ والوصية بسكان هذا الحرم الشريف ومن ينزل به من نزيل، ويجاور به مستقرا في مهاد إقامة أو مستوفزا على جناح رحيل، ومن يهوي إليهم من ركائب، ويأوي إليهم من رفقة مالت من نشوات الكرى بهم راقصات النجائب، ومن يصل من ركبان الآفاق، وإخوان نوى يتشاكون إليهم مر الفراق، ومن

يتلاقى بها من طوائف كلهم في بيوت هذا الحي عشاق، وأمم شتى جموعهم من مصر وشام ويمن وعراق، وما يصل معهم في مسيل وفودنا، وسبيل جودنا، ومحاملنا الشريفة التي ينصب لنا بها في كل أرض سرير، وأعلامنا التي ما سميت بالعقبان إلا وهي إليها من الأشواق تطير؛ فمتى شعرت بمقدم ركابهم، أو برقت لك عوارض الأقمار من سماء قبابهم، فبادر إلى تلقيهم، وقبل لنا الأرض في آثار مواطيهم، وقم بما يجب في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وطاعتنا، وأخرج عنهم كل يد ولا تخرجهم عن جماعتنا.

وأهل البادية هم حزبك الجيش اللهام، وحربك إذا كان وقودها جثث وهام، وهم قوم لهم يؤدبهم الحضر، ولا يبيت أحد منهم لأنفته على حذر؛ فاستجلب بمداراتك قلوبهم الأشتات؛ وبادر حبال إبلهم النافرة قبل البتات، وترقب مراسمنا

ص: 145

المطاعة إذا ذرت لك مشارقها، وتأهب لجهاد أعداء الله متى لمعت لك من الحروب بوارقها، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولولا أن السيف لا يحتاج إلى حلية لأطلنا حمائل ما نمليه عليك، فما شهد للشريف بصحة نسبه، أزكى من عمله بحسبه؛ والله تعالى يقوي أسبابك المتينة، ويمتع العيون بلوامعك المبينة، ويمسك بك ما طال به إرجاف أهل المدينة).

12 -

وصية ناظر الحرمين:

(وليعلم أن نظره في هذا البيت المقدس نظير نظره في البيت المحرم، وأن تذممه بضريح الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام مثل تذممه بقبر ابنه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه إذا أم القدس كان تشبيها بقصد مكة إذا يمم، وإذا زم المطايا إلى عين سلوان كان كمن زم إلى زمزم، وإذا زار بلد الخليل كان مثل من زار طيبة إلا أنه ما أسبل فاضل برده ولا تلثم، وإذا علا نشزا من جبال الأرض المقدسة كان كأنما علا جبال الحجاز وإن لم تحد ركائبه بأحد ولا ألم يلملم.

فليباشر هذا النظر بعين لا تمل من النظر، ولا تخل بمصالح يوفي بها النذر من نذر، وليتعهد هذين الحرمين الشريفين متعهدا لأوقافهما تعهد المطر، وليتردد في أكنافهما وليتفقد دوام إسعافهما بما وصلت إليه طاقته وما قدر، وليقم وظائفهما أتم القيام، وليدم عوارفهما التي تعم من جاور فيهما مقيما أو مر بهما وما أقام؛ وليلزم أرباب الخدم فيهما بما يلزم كلا منهم عمله، وليرم في قلوبهم رعبا لا يغيب عن عيانهم، وليمد السماط الكريم للظاعن

والمقيم، وليعلم أنه قد ناب عن صاحبه عليه

ص: 146

الصلاة والسلام في إفاضة بره العميم، وإضافة الطارق المنتاب في ضحى النهار ودجى الليل البهيم، ووقف في بابه يتلقى الضيفان وهو يعلم ما يلزم من وقف في باب كريم؛ وليبسط يديه بسماح ذلك الجود، ويفتح ويمد ذلك السماط فإنهما ما انقطعا من الوفود.

وأصل الوصايا تقوى الله، وما ينبه على وصية إلا وفيه أحسنها، وبآدابه الحسنى يقمع مسيئها ويزاد محسنها).

13 -

وصية أمير العرب:

(والتقوى درعك الحصين، والشرع الشريف سبيلك المبين، والحدود والقصاص بهما تمنع المحارم، والجهاد فإن فيه شفاء لصدور الصوارم؛ فاقتد بالإنصاف زمام زمانك، واثن إلى الحق عنان عنانك، وفرغ فكرك لمصالح الإسلام، وامنع كل طارق حتى الطيف في الأحلام، ومزق بعزمك جلابيب الديجور، وفرق بغوثك والصبح بالكوكب الدري منحور، واستعلم أخبار العدا في طليعة كل صباح، وتأهب لهم فرب يوم يجيء بوجه وقاح، واثبت في اللقاء ثبات مجرب، وتطلع إلى جموعهم التي كم ناظر إليها مع الصبح نجم مغرب، ولا تفارق من وجه البلاد وسيما، ولا تشم من غير الطيبة نسيما، وإذا نزلت على الباب فلا تطلب سوى البراعة له قسيما، ولا تتبدل بالفرات واردا، ولا تتبعك المناظر إذا أرسلت طرفك إلى سواها رائدا؛ واضرب بقارعة الطريق خيامك، وانشر للمعتافين غمامك، وطنب دخانك إلى السماء وابسط ضرامك، وأقبل على الذكر الجميل فكل شيء غاد ورائح، وأنزل بساحتك الضيوف وانحر لهم كوم والهجان وكل طرف سانح، واحفظ أطراف البلاد ممن يتولع ببنانها، أو يترصد لمرابع أسودها أو مراتع غزلانها، وخص الرعايا

ص: 147

برعاية تنبت لهم الزروع، وتدر من سوائمهم الضروع، ولا تدخل إلى البرية إلا إذا لم يبق لك بالبلاد مقام، ولا منزل بين شيح وخزام.

وأما العرب فهو أميرهم المطاع، وآمرهم وهم له أتباع، وهو يعرف مقاديرهم، وكيف يعامل كبيرهم وصغيرهم، فليجمعه على طاعتنا الشريفة ما استطاع؛ وليمنعهم من طبع الطباع، وليصدعهم بالحق على حكم استحقاقهم في كل إقطاع واقتطاع؛ وهو بما يصلح لركابنا العالي من الخيل جد خبير، وبما يناسب سرجنا الشريف من كل سابق وسابقة مالها

نظير؛ فليأخذ نفسه وإخوته وبني عمه وأهله وعترته الأقربين، بأن يكونوا بالجياد إلينا متقربين، ومتى وردت عليه مراسمنا الشريفة بأمر سارع إلى العمل بحكمه، أو اتصل متجدد يعلمنا منه بما وصل إلى علمه.

وهذا تقليدنا الشريف حجة على من سمعه، أو قصد في خلافه تفريق كلمة مجتمعه. ومرسومنا أن ينقل مضمونه إلى الآفاق، ويعلم به كل مصعد إلى الشام ومنحدر إلى العراق، ليحدو به كل حاد الركاب تساق، ويسمر به في كل حي سامر يتجاذب حواشي حديثه الرفاق، ويتناجى كل راكب مطية وفارس مطهمة عناق؛ فمن بلغنا أنه حاد عن أمره، أو تأول في نقض لرفعة قدره، فالسيف أسبق شيء إلى نحرهن والموت أعجل إليه لأنه فتح من فمه ما كان مسدودا من باب قبره).

14 -

وصية مقدم الأكراد:

(فليجمع أشتات هذه الفرق، وليجمع من شملهم ما افترق، وليؤلف قلوب أكابرهم ممن نفر، وليذهب بأس بينهم ليكون بأسهم فيمن كفر، وليخلص أظفار

ص: 148

بعضهم من بعض ليخلص الظفر، وليقرر عندهم أن إحساننا إليهم غير منزور، وأن أقل شبرا أقطعناهم من الأرض خير لهم عند الله وعند أنفسهم مما لهم من أقصى العجم إلى شهرزور، وأن أكنافنا الموطئة لهم خير من تلك الجبال الموعرة، وأن بلادنا الآمنة أقر لهم من تلك البلاد التي لا تزال محاصرة أو محصرة؛ وليعرف حق قبائلهم على اختلاف الشعوب، وأنواع الطوائف التي لو اتفقت كلمتها لما وجدت خيلا تكفيها في الركوب، وليكرم منهم ذوي البيوت الكريمة، والإمرة القديمة والأصول التي بلغت السماء فروعها، وحلت لمعان الشموس سيوفها المبرقة ودروعها؛ وليعلم أن صدقاتنا العميمة غير قليلة، وأن رعايتنا الشريفة ستعمهم وتوقد نار كل قبيلة، وأننا لا ينقص عندنا بخت (بختي)، ولا ننسى طرف (ديسني)، ونحل أزرار (زرزاري) إلا لنلبسه الملبس السني، ولا نسهر طرف (سهري) إلا لينام قرير العين، ولا نتعب (راندوادي) وما فيهم إلا من هو ذو الخويصرة ولا فيهم إلا من هو ذو اليدين.

وكذلك بقية أنفارهم الذين ألفهم الإحسان، وعرفهم الجود بما أوجب لبلادهم ومن خلفوا فيها من أولادهم للنسيان. وأنت عليهم الأمير، والجامع لهم بمشيئة الله على الطاعة وهو على جمعهم إذ يشاء قدير؛ فاعرف منهم ساكن كل عمود وجدار، ومن قربت به أو بعدت الدار،

وضمهم إلى كنف الإكتناف، وألفهم بكلمة الائتلاف، وكن بهم على انتظار ما صرفنا إليه الوجه من الجهاد، والتأهب بلبس الجلد للجلاد، واتخاذ أكابر فيهم لتصل منهم يدك بالبنان، وتشتد بهم كما يشتد

ص: 149

بكعوب الرماح المثقفة السنان؛ واسبرهم بخوض السباريت، وارمهم في البر والبحر ولا تخف فإنهم عفاريت، وألزم بالخبرة الدائمة الخبزة، ولا تلزم غير المخبزة، وميز بعضهم من بعض إلا في الأوقات التي تحيض بها الذكور بأيدي الرجال ولا تعرف المميزة من غير المميزة، ومن مات من ذوي الإقطاع آته خبزه حتى يعين لغيره خبزه، وكذا العاجز وتأن حتى يتحقق عجزه، وما يجب على أصحاب الماشية من حق هو حق أقوام ورزق طوائف أخرى من العساكر المنصورة مضت عليه السنون ولهم في أعدائه أيام فاعمل بما جرت العادة به في استخراجه بالرفق من غير ترك شيء منه ينسى في الآجل، وينسب إلى التقصير إذا أخره عن وقت استحقاقه في العاجل. وكذلك ميراث من مات منهم ولا وارث له إلا بيت المال، والعمل في ذلك بتقوى الله فهي العدة للمآل).

15 -

وصية مقدم التركمان:

(فليجمع لنا طوائف التركمان، وليأمرهم بالاستعداد للجهاد فإنهم ترك الأيمان، ولا يدع منهم - إذا رسمنا له - من يلقم سهمه الوتر، ومن إذا جر قوسه رأى منهم طالعا في العقرب القمر. وليجمع طوائفهم على كثرة أفراقهم، وبعد ما بين بيوتهم وأرزاقهم، وليؤلفهم على الطاعة التي بها تقدم، وبسببها سدد سمهريه وتقوم؛ وسهامهم هي التي تبقى، وسيوفهم هي التي الأراقم التي لا تلين للرقى؛ وما برحت ترفع لهم القباب، وتشفع لهم إلينا وصائل الأنساب، ووسائل الأسباب. وليأمر أمراءهم بإقامة وظائف الإمرة ودق الطلبخانات كل عشية، وما يظهر فيه التفاوت بين كل ذي همة وضيعة وهمة علية، ومن مات من المخبزة أنهى إلينا - أو إلى من قرب إليه من

ص: 150

نوابنا - خبزه، وألزم من طلب إقطاعه من مخلفيه بما عليه من التقدمة المقررة. ومن لم يترك وارثا إلا بيت المال حفظ له حقه الموروث: فإنه مال الله المقسومن ولكل مسلم فيه حق معلوم. وما هو على السائمة من الزكاة يساعد على استخراجهن وإيصال الحق إلى مستحقه وإلى كل مقطع على حكم منشوره الشريف أو إفراجه.

وتقوى الله سبب مزيده فلا يزال متمسكا بذلك السبب، وليقم منها بما وجب.)

16 -

وصية مقدم الجبلية:

(وليعرف ما قلد من المنن، ويعلم أنه قد قدم على الفريقين من قيس ويمن وأنه قد جمعت له هذه الذوائب، وحملت له الرايات: هذه محمرة الخدود وهذه صفر الترائب. وقد قلد هذا الأمر الجلل، وجمع عليه أهل السهل والجبل؛ وهو لا يعدم من نصحاء الطائفتين، قول المشير، ومن كبراء الفريقين، من يحسن له العسير. ولم نقدمه إلا لعلمنا أنه ممن لا يستميله الهوى، ولا يميله حظ النفس لأقربائه ولو سقط الجبل أوهوى. فليكن عند ظننا الجميل، وليعدل بكل سبيل؛ فكلمة الإسلام تجمع الجميع، وتعم الكل في حكم التشريع. فليصلح ذات بينهم، وليسقط بينهم ما كانت رجال كل فرقة تطلب به الأخرى من دينهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) فليجعل هذا الحديث مسنده، وليبسط به لسانه ويكف يده، وليفض جمعهم على صلح يعمل على أنه يدوم، وتندمل به الجراح وتعفى الكلوم، ويدفن كل قتيل عند أهله، وتبطل به دعوى كل فريق متى ادعى به ادعى الآخر بمثله؛ وليجفف تلك الدماء التي كانت تتثعب، ويرأب تلك الصدوع التي كانت تتشعب، ولينزل القبيلتين منزلة أبناء أب واحد، ويصرف بأسهم الذي كان بينهم إلى كل جاحد؛ وليتألفهم بجهده، ويلفهم عليه ببذل رفده؛ وليستصف خواطر بعضهم لبعض، ويعلمهم أن الشيطان الذي دخل بينهم قد آن له أن يخلد إلى الأرض؛ وليعرف لكل من الفريقين حق سابقة قديمة، ومكانة في أول الإسلام

ص: 151

عظيمة؛ وإنما هم لمع من تلك الأنوار، وتبع لأسلافهم ذمي المهاجرين والأنصار؛ وليجعل هممهم على الجهاد مجتمعه، وعلى أعداء الله وأعداء الدولة القاهرة مجمعه؛ وليدع سيوفهم تقر في الأجفان، وخطواتهم في الخدمة لا تحف بها أسود الغيل عن خفان؛ ولينههم عن دعوى الجاهلية، ويخفف عن الرقاب تلك البلية؛ وليعلمهم أنهم مسئولون، {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} .

ويسكن في رؤوس تلك الجبال نسورهم القشاعم، وحياتهم الأراقم، ليكونوا أوقات الحاجة أهل قوة وجلد، وأولي بأس شديد على الأعداء لا على ابن عم مدان وابن أخت حكمه حكم الولد. وتقوى الله في تعظيم حرماته هي المنهل العذب الكثير الزحام، والأمر المطاع ولا كقوله عز من قائل:{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} .

17 -

وصية مستوفي الصحبة:

(فهو المهيمن على الأقلام، والمؤمن على مصر والشام، والمؤمل لما يكتب بخطه من كل ترتيب وإنعام، والملازم لصحبة سلطانه في كل سفر ومقام؛ وهو مستوفي الصحبة، والمستولي بالهمم على كل رتبه، والمعول على تحريره، والمعمول بتقريره، والمرجوع في كل الأمور إلى تقديره. به يتحرر كل كشف، ويكف كل كف، وبتنزيله وإلا ما يكمل استخدام ولا صرف؛ وهو المتصفح عنا لكل حساب، والمتطلع إلى ما حضر وغابن والمناقش لأقلام الكتاب، والمحقق الذي إذا قال قال الذي عنده علم من الكتاب، والمظهر للخبايا، والمطلع للخفايا، والمتفق

ص: 152

على صحة ما عنده إذا حصل الخلاف، ووصل الأمر فيه إلى التلاف.

وليلزم الكتاب بما يلزمهم من الأعمال، ويحررها بالمستقر إطلاقه وضرائب رؤوس المال، وعمل المكلفات وأن يكلفوا عملها، وتقدير المساحات وليتتبع خللها. وليلزمهم بتمييز قيمها بعض عن بعض، وتفاوت ما بين تسجيل الفدن في كل بلد حسب ما يصلح له زراعة كل أرض، وبمستجد الجرائد وما يقابل عليه ديوان الإقطاع والأحباس، وغير ذلك مما لا يحصل فيه التباس.

ومثلك لا يزاد بالتعليم، ولا ينازع فكل شيء يؤخذ منه بالتسليم؛ وما ثم ما يوصى به رب وظيفة إلا وعنده ينزل علمه، وفيه ينزه فهمه؛ وملاك الكل تقوى الله والأمانة فهما الجنتان الواقيتان، والجنتان الباقيتان؛ وقد عرف منهما بما يفاض منه عليه أسبغ جلباب، وأسبل ستر يصان بههو ومن يتخذهم من معينين ونواب. والله تعالى يبلغه من الرتب أقصاها، ويجري قلمه الذي لا يدع في مال ممالكنا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.)

ص: 153

18 -

وصية جامعة لقاض من أي مذهب كان:

(وهذه الرتبة التي جعل الله إليها منتهى القضايا، وإنهاء الشكايا، ولا يكون صاحبها إلا من العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، ومتولي الأحكام الشرعية بها كما ورث عن نبي الله صلى الله عليه وسلم علمه، كذلك ورث حكمه؛ وقد أصبح بيده زمام الأحكام، وفصل القضاء الذي يعرض بعضه بعده على غيره من الحكام؛ وما منهم إلا من ينقد نقد الصيرفي، وينفذ حكمه نفاذ المشرفي؛ فليترو في أحكامه قبل إمضائها، وفي المحاكمات إليه قبل فصل قضائها

وليراجع الأمر مرة بعد مرة حتى يزول عنه الالتباس، ويعاود فيه بعد التأمل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس؛ وما أشكل عليه بعد ذلك فليجل ظلمه بالاستخاره، وليحل مشكلة بالاستشاره، ولا ير نقصا عليه إذا استشار قد أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالشورى، ومر من أول السلف من جعلها بينه وبين خطأ الاجتهاد سورا، فقد ينسخ للمرء ما أعيا غيره وقد أكثر فيه الدأب، ويتفطن الصغير لما لم يتفطن إليه الكبير كما فطن ابن عمر للنخلة وما منعه أن يتكلم إلا صغر سنه ولزوما مع من هو أكبر منه للأدب؛ ثم إذا وضح له الحق قضى به لمستحقه، وسجل له به واشهد على نفسه بثبوت حقهن وحكم له به حكما يسره يوم القيامة أن يراهن وإذا كتب له به ذكر بخير إذا بلي وبقى الدهر ما كتبت يداه. وليسوا بين تقسيم الخصوم حتى في تقسيم النظر، وليجعل كل عمله على الحق فيما أباح وما حظر؛ وليجد النظر في أمر الشهود حتى لا يدخل عليه زيف، وليتحر في استيداء الشهادات فرب قاض ذبح بغير سكين وشاهد قتل بغير سيف؛ ولا يقبل منهم إلا من عرف بالعداله، وألف منه أن يرى أوامر النفس أشد العدى له - وغير هؤلاء ممن لم تجر له

ص: 154

بالشهادة عاده، ولا تصدى للارتزاق بسحتها ومات وهو حي على الشهادة.

فليقبل منهم من لا يكون في قبول مثله ملامه، فرب عدل بين منطقة وسيف وفاسق في فرجية وعمامه. ولينقب على ما يصدر من العقود التي يؤسس أكثرها على شفا جرف هار، ويوقع في مثل السفاح إلا أن الحدود تدرأ بالشبهات ويبقى العار. وشهود القيمة الذين يقطع بقولهم في حق كل مستحق ومال كل يتيم، ويقلد شهاداتهم على كل أمر عظيم، فلا يعول منهم إلا على كل رب مال عارف لا تخفى عليه القيم، ولا يخاف معه خطأ الحدس وقد صقل التجريب مرآه فهمه على طول القدم. وليتأن في ذلك كله أناة لا تقضي بإضاعة الحق، ولا إلى المطاولة التي تفضي إلى ملل من استحق. وليمهد لرمسه، ولا يتعلل بأن القاضي أسير الشهود وهو كذلك وإنما يسعى لخلاص نفسه - والوكلاء هم البلاء المبرم، والشياطين المسولون لمن توكلوا له بالباطل ليقضى لهم به وإنما تقطع لهم قطعة من جهنم؛ فليكف بمهابته ساوس أفكارهم، ومساوي فجارهم، ولا يدع لمجنى أحد منهم ثمرة إلا ممنوعه، ولا يد اعتداء تمتد إلا مغلولة إلى عنقه أو مقطوعة؛ وليطهر بابه من دنس الرسل

الذين يمشون على غير الطريق، وإذا رأى واحدا منهم درهما ود لو حصل في يده ووقع في نار الحريق؛ وغير هذا مما لا يحتاج به مثله أن يوصى، ولا أن يحصى عليه منه أفراد عمله وهو لا يحصى، ومنها النظر في أمور أوقاف أهل مذهبه نظر العموم، فليعمرها بجميل نظره فرب نظرة أنفع من مواقع

ص: 155

الغيوم، وليأخذ بقلوب طائفته الذين خص من بينهم بالتقديم، وتفاوت بعد ما بينه وبينهم حتى صار يزيل عارض الرجل منهم النظرة منه ويأسو جراحه منه التكليم. وهذه الوصايا إنما ذكرت له على سبيل الذكرى، وفيه - بحمد الله - أضعافها ولهذا أوليناه - والحمد لله - شكرا. وقد جعلنا له أن يستنيب من يكون بمثل أوصافه أو قريبا من هذه المثابة؛ ومن يرضى به أن يحمل عنه الكل ويقاسمه ثوابه؛ وتقوى الله هي جماع الخير ولاسيما لصاحب هذه الوظيفة، ولمن وليها أصلا أو فرعا لا يستغني عنها رب حكم مطلق التصرف ولا خليفة.

ويزاد الشافعي:

وليعلم أنه صدر المجلس، وإنه أدنى القوم وإن كانوا أشباهه منا حيث نجلس، وأنه ذو الطيلسا الذي يخضع له رب كل سيف ويبلس، وليتحقق أنه إنما رفعه علمه وتقاه، وأن سببه دينه لا دنياه هو الذي رقاه؛ فليقدر حق هذه النعم، وليقف عند حد منصبه الذي يود لو اشترى سواد مداده بحمر النعم.

ويقال في وصيته:

وأمر دعاوى بيت المال المعمور، ومحاكماته التي فيها حق كل فرد من الجمهور؛ فليحترز في قضاياها غاية الاحتراز، وليعمل بما يقتضيه لها الحق من الصيانة والإحراز، ولا يقبل فيها كل بينة للوكيل عن المسلمين فيها مدفع، ولا يعمل فيها بمسألة ضعيفة يضن أنها ما تضر عند الله فإنها ما تنفع؛ وله حقوق فلا يجد من يسعى في تملك شيء منها بالباطل منه إلا الياس، ولا يلتفت إلى من رخص لنفسه وقال:(هو مال السلطان) فإنه ما لنا فيه إلا ما لواحد من الناس. وأموال الأيتام الذين حذر الله من أكل مالهم إلا بالمعروف لا بالشبهات، وقد مات آباؤهم ومنهم صغار لا يهتدون إلى غير الثدي للرضاع ومنهم حمل في بطون الأمهات؛ فليأمر المتحدثين لهم

ص: 156

بالإحسان إليهم، وليعرفهم بأنهم سيجزون في بينهم بمثل ما يعملون معهم إذا ماتوا وتركوا ما في يديهم، وليحذر منهم من لا ولد له: {وليخش الذين لو

تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم}. وليقص عليهم في مثل ذلك أنباء من سلف تذكيرا، ويتل عليهم القرآن ويذكرهم بقوله تعالى:{إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونه ناراً وسيصلون سعيرا} .

والصدقات الموكولة إلى تصريف قلمه، المأكولة بعدم أمانة المباشرين وهي في ذممه، يتيقظ لإجرائها على السداد في صرفها في وجوه استحقاقها، العمل بما لا يجب سواه في أخذها وإنفاقها. والمسائل التي تفرد بها مذهبه وترجح عنده بها العمل، وأعد عنها الجواب لله إذا سأل، لا يعمل فيها بمرجوح إلا إذا كان نص مذهب إمامه أو عليه أكثر الأصحاب، ورآه وقد حكم به أهل العلم ممن تقدمه لرجحانه عنده وللاستصحاب. ونواب البر لا يقلد منهم إلا من تحقق استحقاقه، فإنه إنما يوليه على مسلمين لا علم لأكثرهم فهم إلى ذي العلم أشد فاقة؛ هذا إلى ما يتعرف من ديانتهم ومن عفافهم الذي يتجرع المرء منهم مرارة الصبر من الفاقة وهو به يتحلى، ثم لا يزال له عين عليهم فإن الرجال كالصناديق المقفلة لا يعرف الرجل ما هو حتى يتولى.

ويزاد الحنفي:

وليعلم أن إمامه أول من دون الفقه وجمعه، وتقدم وأسبق العلماء من تبعه، وفي مذهبه ومذاهب أصحابه أقوال في المذهب، ومسائل ما لحقه فيها مالك وهو أول من جاء بعده وممن يعد من سوابقه أشهب، ومن أهمها تزويج الصغائر، وتحصينهن بالأكفاء من الأزواج خوفا عليهن من الكبائر؛ وشفعة الجوار التي لو لم تكن من رأيهم لما أمن جار السوء على رغم الأنوف، ولأقام الرجل الدهر ساكنا في داره بين أهله وهو يتوقع المخوف؛ وكذلك نفقة المعتدة التي هي في أسر من طلقها

ص: 157

وإن بتت من حباله، وبقيت لا هو بالذي ينفق عليها ولا هي بالتي تستطيع أن تتزوج من رجل ينفق عليها من ماله؛ ومن استدان مالا فأكله وادعى الإعسار، ولفق له بينة أراد أن تسمع له ولم يدخل الحبس ولا أرهق من أمره الأعسار؛ وأهل مذهبه على أنه يسجن أولا ويمكث مدة، ثم إذا ادعى أن له بينة أحضرت ثم هل تقبل أو لا - فهذا - وأمثاله وما فيه عموم صلاح وعظيم نفع ما فيه جناح، فليقض في هذا كله إذا رآه بمقتضى مذهبه، وليهتد في هذه الآراء وسواها بقمر إمامه الطالع أبي حنيفة وشهبه؛ وليحسن إلى فقهاء مذهبه الذي أدنى إليه أكثره الاغتراب، وحلق بهم إليه

طائر النهار حيث لا يحلق البازي وجناح الليل حيث لا يطير الغراب؛ وقد تركوا ورائهم من البلاد الشاسعة، والأمداد الواسعة، ما يراعى لهم حقه إذا عدت الحقوق، ويجمعه وإياهم به أبوه أبو حنيفة وما مثله من ينسب إلى العقوق.

يزاد المالكي:

ومذهبه له السيف المصلت على من كفر، والمذهب بدم من طل دمه وحصل به الظفر؛ ومن عدا قدره الوضيع، وتعرض إلى أنبياء الله بالقول الشنيع، فإنه إنما يقتل بسيفه المجرد، ويراق دمه تعزيرا بقوله الذي به تفرد؛ ولم يزل سيف مذهبه لهم بارز الصفحة، مسلما له إلى مالك خازن النار من مذهب مالك الذي ما فيه فسحه؛ وفي هذا ما يصرح غدر الدين من القذى، وما لم تطل دماء هؤلاء (لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى)؛ وإنما نوصيه بالتحري في الثبوت، والبينة التي لا يستدرك بها ما يفوت؛ وإنما هو رجل يحيا أو يموت؛ فليتمهل قبل بت القضاء، وليعذر إليهم لاحتمال ثبوت تفسيق للشهود أو بغضاء، حتى لا يعجل تلافا، ولا يعجل بما لا يتلافى؛ فكما أننا نوصيه أن لا ينقض في شد الوثاق عليهم إبراما، فهكذا نوصيه أن لا يصيب بغير حقه دما حراما. وكذلك قبول الشهادة على الخط، وإحياء ما مات من الكتب وإدناء ما شط - فهذا مما فيه فسحة للناس، وراحة ما فيها باس، إلا أنه يكون

ص: 158

الثبوت بهذه البينة للاتصال، لا لنزع يد ولا إلزام بمجردها بمال؛ وهكذا ما يراه من ولاية الأوصياء وهو مما هو تفرد به هو دون البقية، وفيه مصلحة وإلا فما معنى الوصية؛ وهو زيادة احتراز ما تضر مراعاة مثلها في الأمور الشرعية، وسوى هذا مثل إسقاط الريع في وقف استرد وقد بيع، وعطل المشتري من التكسب بذلك المال مدة لا يشتري ولا يبيع، وهذا مما يبت قضاءه في مثله، ويجعل عقاب من أقدم على بيع الوقف إحرامه مدة البيع من مغله، وسوى ذلك مما عليه العمل، ومما إذا قال فيه قال بحق وإذا حكم عدل. وفقهاء مذهبه في هذه البلاد قليل ما هم، وهم غرباء فليحسن مأواهم، وليكرم بكرمه مثواهم وليستقر بهم النوى في كنفه فقد ملوا طول الدرب، ومعاناة السفر الذي هو أشد الحرب، ولينسهم أوطانهم ببره ولا يدع في مآقيهم دمعا يفيض على الغرب.

ويزاد الحنبلي:

والمهم المقدم - وهو يعلم ما حدث على أهل مذهبه من الشناعة، وما رموا به من الأقوال

التي نتركها لما فيها من البشاعة، ونكتفي به في تعفية آثارها، وإماطة أذاها عن طريق مذهبه لتأمن السالكة عليه من عثارها؛ فتعالى الله أن يعرف بكيف، أو يجاوب السائل عنه بهذا إلا بالسيف؛ والانضمام إلى الجماعة والحذر من الانفراد، وإقرار آيات الصفات على ما جاءت عليه مع الاعتقاد أن الظاهر غير المراد، والخروج بهم إلى النور من الظلماء، وتأويل ما لا بد من تأويله مثل حديث الأمة التي سئلت عن ربها: أين هو؟ فقالت: في السماء، وإلا ففي البلية بإثبات الجهة ما فيها من الكوارث، ويلزم منها الحدوث والله سبحانه قديم ليس بحادث ولا محلا للحوادث؛ وكذلك القول في القرآن ونحن ننذر من تكلم في ذلك بصوت أو حرف، فما جزاء من قال بالصوت إلا سوط وبالحرف إلا حتف؛ ثم بعد هذا الذي يزع به الجهال، ويرد دون غايته الفكر الجوال، ينظر في أمور مذهبه ويعمل بكل ما صح نقله عن إمامه

ص: 159

وأصحابه: من كان منهم في زمانه ومن تخلف عن أيامه، فقد كان رحمه الله إمام حق نهض وقد قعد إلينا تلك المده، وقام نوبة المحنة مقام سيد تيم رضي الله عنه نوبة الردة، ولم تهب بع زعازع المريسي وقد هبت مريسا، ولا ابن أبي داود وقد جمع له كل ذود وساق إليه من كل قطر عيسا، ولا نكث عهدة ما قدم له المأمون في وصية أخيه من المواثق، ولا روعه سوط المعتصم وقد صب عليه عذابه ولا سيف الواثق.

فليقف على أثره؛ وليقف بمسنده على مذهبه كله أو أكثره، وليقض بمفرداته وما اختاره أصحابه الأخيار، وليقلدهم إذا لم تختلف عليه الأخبار، وليحترز لدينه في بيع ما دثر من الأوقاف وصرف ثمنه في مثله، ولاستبدال لما فيه المصلحة لأهله، والفسخ على من غاب مدة يسوغ في مثلها الفسخ، وترك زوجة لم يترك لها نفقة وخلاها وهي مع بقائها في زوجيته كالمعلقة، وإطلاق سراحها لتتزوج بعد ثبوت الفسخ بشروطه التي يبقى حكمها به حكم المطلقة؛ وفيما يمنع مضارة الجار، وما يتفرع على قوله (ص):(لا ضرر ولا ضرار)؛ وأمر وقف الإنسان على نفسه وإن رآه سوى أهل مذهبه، وأطلعت به أهله علماء لولاهم لما جلا الزمان جنح غيهبه، وكذلك الجوائح التي يخفف بها عن الضعفاء وإن كان لا يرى بها الإلزام،

ص: 160

ولا تجري لديه مجرى المصالحة بدليل الالتزام؛ وكذلك المعاملة التي لولا الرخصة عندهم فيها لما أكل أكثر الناس إلا الحرام المحض، ولا أخذ قسم الغلال والمعامل هو يزرع البذور ويحرث الأرض؛ وغير ذلك مما هو من مفرداته التي هي

للرفق جامعه، وللرعايا في أكثر معايشهم وأسبابهم نافعة؛ وإذا استقرت الأصول كانت الفروع لها تابعه. وفقهاء مذهبه هم الفقراء لقلة المحصول وضعف الأوقاف، وهم على الرقة كالرماح المعدة للثقاف؛ فخذ بخواطرهم، ومد آمالهم في غائب وقتهم وحاضرهم، واشملهم بالإحسان الذي يرغبهم، ويقل به طلبهم لوجوه الغنى ويكثر طلبهم).

19 -

وصية قاضي العسكر:

إذا كان منفردا فإنه لا يوصى كما يوصى قاضي العمل المستقل؛ وقد تكون على هذا النحو:

(وهو الحاكم على أن لا تنفذ إلا أقضية السيوف، ولا تزدحم الغرماء إلا في مواقف الصفوف، والماضي قلمه وكل خطي يميد بالدماء، والمضي سجله وقد طوى العجاج كالكتاب سجل السماء؛ وأكثر ما يتحاكم إليه في الغنائم التي لم تحل لأحد قبل هذه الأمة، وفي الشركة وما تطلب فيه القسمة، وفي المبيعات وما يرد منها بعيب، وفي الديون المؤجلة وما يحكم فيها بغيب؛ وكل هذا مما لا يحتمل طول الأناة في القضاء، وإشغال الجند المنصور عن مواقف الجهاد بالتردد إليه للإمضاء؛ فليكن مستحضرا لهذه المسائل ليبت الحكم في وقته، ويسارع السيف المصلت في ذلك الموقف ببته، وليعلم أن العسكر المنصور هم في ذلك الموطن أهل الشهادة، وفيهم من يكون جرحه تعدينا له وزيادة؛ فليقبل منهم من لا تخفى عليه سيماء القبول، ولا

ص: 161

يرد منهم من لا يضره أن يرده هو وهو عند الله مقبول؛ وليجعل له مستقرا معروفا في المعسكر يقصد فيه إذا نصبت الخيام، وموضعا يمشي فيه ليقضي فيه وهو سائر وأشهر ما كان على يمين الأعلام؛ وليلزم ذلك طول سفره وفي مدد المقام، ولا يخالفه ليبهم على ذوي الحوائج فما هو بالصالحية بمصر ولا بالعادلية بالشام؛ وليتخذ معه كتابا تكتب للناس وإلا فمن أين يوجد مركز الشهود، وليسجل لذي الحق بحقه وإلا فما انسد باب الجحود. وتقوى الله هي التي بها تنصر الجنود، وما لم تكن أعلى ما يكون على أعلام الحرب وإلا فما الحاجة إلى نشر البنود).

20 -

وصية محتسب:

(وقد ولي أمر هذه الرتبة، ووكل بعينه النظر في مصالح المسلمين لله حسبه؛ فلينظر في الدقيق والجليل، والكثير والقليل، وما يحصر بالمقادير وما لا يحصر، وما لا يأمر فيه بمعروف أو ينهى عن منكر، وما يشترى ويباع، وما يقرب بتحريره إلى الجنة ويبعد من

النار ولو لم يكن قد بقى بينه وبينها إلا قدر باع أو ذراع؛ وكل ما يعمل من المعايش في نهار أو ليل، وما لا يعرف قدره إلا إذا نطق لسان الميزان أو تكلم فم الكيل. وليعمل لديه معدلا لكل عملن وعيارا إذا عرضت عليه المعايير يعرف من جار ومن عدل. وليتفقد أكثر هذه الأسباب، ويحذر من الغش فإن الداء أكثره من الطعام أو الشراب. وليتعرف الأسعار ويستعلم الأخبار، في كل سوق من غير إعلام لأهله ولا إشعار؛ وليقم عليه من الأمناء من ينوب عنه في النظر، ويطمئن به وإن غاب إذا حضر؛ ويأمره بإعلامه بما أعضل، ومراجعته مهما أمكن فإن رأي مثله أفضل.

ص: 162

ودار الضرب والنقود التي منها تنبث، وقد يكون فيها من الزيف ما لا يظهر إلا بعد طول اللبث: فليتصد لمهمها بصدره الذي لا يحرج، وليعرض منها على المحك من رأيه ما لا يجوز عليه بهرج، وما يعلق من الذهب المكسور ويروبص من الفضة ويخرج، وما أكلت النار كل لحامه أو بعضه فليقم عليه من جهته الرقباء، وليقم على شمس ذهبه من يرقب منه ما ترقب من الشمس الحرباء؛ وليقم الضمان على العطارين والطرقية في بيع غرائب العقاقير إلا ممن لا يستراب فيه وهو معروف، وبخط متطبب ماهر لمريض معين في دواء موصوف. والطرقية وأهل النجامة وسائر الطوائف المنسوبة إلى ساسان، ومن يأخذ أموال الرجال بالحيلة ويأكلهم باللسان، وكل إنسان سوء من هذا القبيل هو في الحقيقة شيطان لا إنسان: امنعهم كل المنع، واصدعهم مثل الزجاج حتى لا ينجبر لهم صدع، وصب عليهم النكال وإلا فما يجدي في تأديبهم ذات التأديب والصفع، واحسم كل هذه المواد الخبيثة، واقطع ما يجدد ضعفاء الناس من هذه الأسباب الرثيثة؛ ومن وجدته قد غش مسلما، أو أكل بباطل درهما، أو أخبر مشتريا بزائد، أو أخرج عن معهود العوائد: أشهره في البلد، وأركب تلك الآلة قفاه حتى يضعف منه الجلد. وغير هؤلاء من فقهاء

ص: 163

المكاتب وعالمات النساء وغيرهما من الأنواع ممن يخاف من ذئبه العائث في سرب الظباء والجآذر، ومن يقدم على ذلك ومثله وما يحاذر: ارشقهم بسهامك، وزلزل أقدامهم بإقدامك، ولا تدع منهم إلا من اختبرت أمانتهن واخترت صيانته. والنواب لا ترض منهم إلا من يحسن نفاذا، ويحسب لك أجر استنابته إذا قيل لك من استنبت فقلت هذا. وتقوى الله هي نعم المسالك، وما لك في كل ما ذكرناه بل أكثره إلا إذا عملت فيه بمذهب مالك.)

21 -

وصية خطيب:

(وليرق هذه الرتبة التي رفعت له ذرى أعوادها، وقدمت له من المنابر مقربات جيادها؛ وليصعد منها أعلى درجه، وليسعد منها بصهوة كأنما كانت له من بكرة يومه المشرق مسرجه؛ وليرع حق هذه الرتبة الشريفة، والذروة التي ما أعدت إلا لأمام فرد مثله أو خليفة؛ وليقف حيث تخفق على رأسه الأعلام، ويتكلم فتخرس الألسنة وتجف في فم الذرى الأقلام؛ ولقرع المسامع بالوعد والوعيد، ويذكر بأيام الله {من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} ويلين القلوب القاسية وإن كان منها ما هو أشد قسوة من الحجارة أو الحديد؛ وليكن قد قدم إلى نفسه قبل أن يتقدمن وليسبل عليه درع التوبة قبل أن يتكلم؛ وليجعل لكل مقام مقالا يقوم به على رؤوس الشهاد، ويفوق منه سهما لا يخطئ موقعه كل فؤاد؛ وليقم في المحراب قيام من يخشى ربه، ويخاف أن لا يخطف الوجل قلبه؛ وليعلم أن صدفة ذلك المحراب ما انفلقت عن مثل درته المكنونة، وصناديق الصدور ما أطبقت على مثل جوهرته المخزونة؛ وليؤم بذلك الجم الغفير، وليتقدم بين أيديهم فإنه السفير؛

ص: 164

وليؤد هذه الفريضة التي هي من أعظم الأركان، وأول الأعمال التي توضع في الميزان، وأقرب القرب التي يجمع إليها داعي كل أذان؛ وليقم بالصلاة في أوقاتها، وليرح بها الناس في أول ميقاتها؛ وليخفف مع الإتمام، وليتحمل عمن وراءه فإنه هو الإمام. وعليه بالتقوى في عقد كل نية، وأمام كل قضية؛ والله تعالى يجعله ممن ينقلب إلى أهله وهو مسرور، وينصب له مع الأئمة المقسطين يوم القيامة على يمين الرحمن منابر من نور.)

22 -

وصية شيخ الشيوخ:

(وأنت في الأيام قدوة، وللأنام أسوة، ومنك تتلقف الوصايا، وبك تتثقف السجايا؛ وإنما هي بركات سمائية لا يجد أحد غنى عن مزيدها، وحركات إلهية لا يبلغ نهاية في تعديدها؛ وهي مشكاة أنوار، وميقات أذكار، وأوقات تطوع زمانها كله نهار، وأساس ما يبنى عليه الاجتهاد فأدم تشمير الذيل، {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} ؛ وخذ جماعتك بمأخذك في الأمور، وذكرهم بأيام الله {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} ولازم لله المراقبة، ودوام في الله المصاحبة؛ ومثلك خير كله، وسحاب لا يتقلص ظله؛ ومن عندك في هذا المكان، كلهم لك إخوان، وهم لك على التقوى أعوان،

ص: 165

وكلهم كالشجرة يجمعها أصل

واحد تفرعت منه أغصان، فاعرف لأهل السابقة حقهم ومنك وإلا فممن يطلب العرفان؛ وبصبر من هام بليلى ولعا باسمها وما عرف المسمى، ووقف حائرا لما استبعد المرمى، وظن أن لثامها دونها يمنع لثما، وتوهم أن الحجاب العلة وما عرف أن طرفه عن حسنها أعمى. فداو قلوبهم المرضى، ونبه جفونهم من رقداتها فقد أطالت غمضا، وارفق بهم ودارهم وارض بأن تكون لهم أرضا، ولا تدع من تراه ترك نافلة حتى ترى دوام السهر على عينيه فرضا. وأحسن تربية من استجد في التنقل من حال إلى حال، وإيقاظه من أول عشاء حتى يتعب ويرد الليل أسمال. وتدريج المريدين على قدر ما تحتمله أفهامهم، وتشتمله من مطارف القوة أيامهم. وإياك والمعاجلة بكؤوس لا تقوى كل قوة على شرابها، وكشف حقيقة غاية كثير من الناس أن يقف بعيدا عن حجابها. وألزم كلا ممن عندك أو استجد تلاوة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهما الثقلان، وحسب من غذى بهما قلبه وهو ملآن؛ فلا طريق إلى الله إلا من سبيلهما، ولا هدى إلا لمن استرشد بدليلهما؛ فعليك بهما فهما المنهاج والشرعة، وإياك إياك من كل محدثة فكل محدثة ضلالة وكل ضلالة بدعه.

فاتخذهما لك إلى الله الذريعة، ومر بتجنب ما سواهما فقد أجمعت الأمة على بطلان كل حقيقة تخالفها الشريعة. ومن مال إلى ما نعوذ بالله منه من اتحاد أو حلول، أو ادعى أنه يكون إلى الله من غير طريق الأنبياء وصول، فكن أنت المنكر عليه، والسارق بعدلك السيف إليه. ومن لم يكن قلبه قد اشرب كفرا، ولا أعمل في إقامة الدليل فكرا، فخذه بالتوبة والاستغفار، وخذه بما أمر الله به نبيه:{قل إنما إلهكم إله واحد لا إله إلا هو سبحانه هو الله الواحد القهار} . واعلم يقينا بأن

ص: 166

أولئك أمورهم بينة وهي متشابهة، وأنهم بالغوا في التوحيد فوقعوا في الشرك إذ أرادوا أن يجعلوا الكل إلها واحدا فجعلوه آلهة. ولا يموه عليك من ادعى أو ادعي له أنه إنما قال ذلك شطحة في سكره، فقد صدق ولكنه خمار مسكراته أو من مخامرة كفره.

وقد يقول قوم إنهم من العشاق، وما كذبوا فإنهم ما موهوا إلا في فعلهم وأما قولهم فهم محمول على الإطلاق. وإياك والرأفة على أحد من هذه الفرقة الضالة رأفة رحيم، أو مخادعة رأيك فيهم فما أنت به من سوء باطنهم عليم، وخذ في أمرهم بالحزم {وإما ينزغنك

من الشيطان نزغ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} ومن دخل في هذه الطائفة من غير أهلها أو تغير عما عهد عليه لا تحسن له ملتقى، ولا تدع له مرتقى، ولا تحمل أحد منهم على الحلم {بلى من أوفى بعهده واتقى} وأنت كبير قوم تهوي إليك نجائبهم من كل فج عميق، وترد عليك ركائبهم من الطريقة والطريق: فوسع لملتقاهم صدرك الرحيب، ونوع لقراهم برك القريب؛ واعلم بأنك أصبحت في بيوتك للوفود مقيم ومقيل، وقبيح بمن تخلق بصفات الكريم رد نزيل؛ فأي مسافر وقف لك على باب، أو مت إليك من خرقة الفقر بأسباب، عجل له الإذن في الدخول، واضرب له ببشرك به مثلا في البشرى بقرب الوصول: فأنتم قوم مبنى أمركم على التوكل فدع هذا من التوكل وما نوى، وأمر بأن يؤخذ عكازه وتفرش سجادته لتلقي غربته عصاها ويستقر بها النوى؛ ومثل هذا المغترب إن لم تسهم له مع من عندك بنصيب، لا يقدم عليك غريب، ولا يصح له مع الغرباء ما يقال: كل غريب للغريب نسيب: فمن مثل هذه الصدقة كسبه، وما أتاك حتى توكل على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه. وبقية ما يقاس وما يقال، وما توشع به من وظائف الذكر الحميد أردية بكر وآصال؛ فعن تعبداتك يحكي الحاكي، ومن تهجداتك يشكو الليل لو يعطف المشكو على الشاكي، وبسببك يتنافس في العمل الزاكي، وبك يتأسى طرف كل واحد لولاك ما كان بالباكي ولا المتباكي. وتقوى الله بها تبدو لطائف الأسرار، ويغدو {الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار} وهي

ص: 167

قوت قلبك، وقوة حبك، وبها كانت أول صلتك بالحق ووصولك إلى ربك، فما نذكرها إلا لنثبتك من نوازع وجد كاد رياها يطير بلبك).

23 -

وصية نقيب السادة الأشراف:

(ونحن نجلك عن الوصايا إلا ما نبترك بذكره، ويسرك إذا اشتملت على سره؛ فأهلك أهلك. راقب الله ورسوله جدك صلى الله عليه وسلم فيما أنت عنه من أمورهم مسئول، وارفق بهم فهم أولاد أمك وأبيك حيدرة والبتول؛ وكف يد من علمت أنه قد استطال بشرفه فمد إلى العناد يدا، واعلم بأن الشريف والمشروف سواء في الإسلام إلا من اعتدى، وأن الأعمال محفوظة ثم معروضة بين يدي الله فقدم باليوم ما تفرح به غدا؛ وأزل البدع التي ينسب إليها أهل الغلو في ولائهم، والعلو فيما يوجب الطعن على آبائهم، لأنه يعلم أن السلف

الصالح رضي الله عنهم كانوا منزهين عما يدعيه خلف السوء من افتراق ذات بينهم، ويتعرض منهم أقوام إلى ما يجرهم إلى مصارع حينهم؛ فللشيعة عثرات لا تقال، من أقوال ثقال؛ فسد هذا الباب سد لبيب، واعمل في حسم موادهم عمل أريب، وقم في نهيهم والسيف في يدك قيام خطيب، وخوفهم من قوارعك مواقع كل سهم مصيب؛ فما دعي بـ (حي على خير العمل) إلى خير من الكتاب والسنة والإجماع، فانظم في نادي قومك عليها عقود الاجتماع؛ ومن اعتزى إلى اعتزال، أو مال إلى الزيدية في زيادة مقال، أو ادعى في الأئمة الماضين ما لم يدعوه، أو اقتفى في طرق الإمامية بعض ما ابتدعوه، أو كذب في قول على صادقهم، أو تكلم بما أراد على لسان ناطقهم، أو قال إنه تلقى عنهم سرا ضنوا على الأمة ببلاغه، وذادوهم عن لذة مساغه، أو روى عن يوم السقيفة

ص: 168

والجمل غير ما ورد أخبارا، أو تمثل بقول من يقول: عبد شمس قد أوقدت لبني هاشم نارا، أو تمسك من عقائد الباطن بظاهر، أو قال إن الذات القائمة بالمعنى تختلف في مظاهر، أو تعلق له بأئمة الستر رجاء، أو انتظر مقيما برضوى عنده عسل وماء، أو ربط على السرداب فرسه لمن يقود الخيل يقدمها اللواء، أو تلفت بوجهه يظن عليا - كرم الله وجهه - في الغمام، أو تفلت من عقال العقل في اشتراط العصمة في الإمام. فعرفهم أجمعين أن هذا من فساد أذهانهم، وسوء عقائد أديانهم؛ فإنهم عدلوا في التقرب بأهل هذا البيت الشريف عن مطلوبهم، وإن قال قائل إنهم طلبوا فقل له {كلا بل ران على قلوبهم} .

وانظر في أمور أنسابهم نظرا لا يدع مجالا للريب، ولا يستطيع معه أحد أن

ص: 169

يدخل فيهم بغير نسب، ولا يخرج منهم بغير سبب، وساوق المتصرفين في أموالهم في كل حساب واحفظ لهم كل حسب. وأنت أولى من أحسن لمن طعن في أسانيد هذا الحديث الشريف أو تأول فيه على غير مراد قائله صلى الله عليه وسلم تأديبا، وأراهم مما يوصلهم إلى الله وإلى رسوله طريقا قريبا؛ ونكل بمن قد علمت أنه قد مالأ على الحق ومال إلى فريق الباطل فرقا، وطوى صدره على الغل وغلب من أجله على ما سبق في علم الله من تقديم من تقدم حنقا، وحار وقد أوضحت لهم الطريقة المثلى طرقا؛ واردعهم عن تعرضوا في القدح إلى نضال نصال، وامنعهم فغن فرقهم كلها وإن كثرت خابطة في ظلام ضلال؛ وقدم تقوى الله في كل عقد وحل، واعمل بالشريعة الشريفة فإنها السبب الموصول الحبل؛ والله

تعالى يرفعك في الزلفى إلى أشرف محل، ويمد لك رواق عز إذا أبرز له البرق خده خجل أو مد الغمام معه سرادقاته اضمحل).

24 -

وصية وكيل بيت المال المعمور:

(هو الوكيل في حقوق جميع المسلمين وما له معهم إلا حق رجل واحد، والمكلف بالمخاصمة عنهم حتى يقر الجاحد؛ وهو القائم للدعوى لهم وعليهم، والمطلوب من الله ومنا بما يؤخذ لهم أو يؤخذ من يديهم، والمعد لتصحيح العقود، وترجيح جهة بيت المال في العقار المبيع والثمن المنقود، والمتكلم بكتاب الوكالة الشرعية الثابتة، والثابت القدم والأقدام غير ثابتة، والمسفوح المجال في مجالس (الحكام والمجادل بلسان الحق في الأحكام، والموقوفة كل دعوى لم تسمع في

ص: 170

وجهه أو وجه من أذن له في سماعها، والمرجوع غليه في إماتة كل مخاصمة حصل الضجر من طول نزاعها، وإبداء الدوافع، ما لم يجد بدا من الإشهاد عليه بعدم الدافع، والانتهاء إلى الحق كان له أو عليه ولا يقف عند تثقيل مثقل ولا شفاعة شافع؛ وبوقوفه تحدد الحدود وتمتحن الشهود ويمشى على الطرق المستقيمة، وتحفظ لأصحابها الحقوق القديمة؛ وبه يتم عقد كل بيع وإيجار إذا كانت المصلحة فيها لعامة المسلمين ظاهرة، ولهم فيما يوكل عنهم في الحظ والغبطة بحسب الأوقات الحاضرة.

ونحن نوصيه في ذلك جميعه بالعمل بما علم، والانتهاء في مقتضى قولنا إلى ما فهم؛ وتقديم تقوى الله فإنه متى قدمها بين يديه سلم، والوقوف مع رضي الله فإنه متى وقف معه غنم، والعمل بالشرع الشريف كيفما توجهت أحكامه، والحذر من الوقوف في طريقه إذا نفذت سهامه؛ ومن مات وله ورثة معروفة تستكمل بحقها ميراثه، وتحوز بحظها تراثه: لا يكلفهم ثبوتا يكون من باب العنت، والمدافعة بحق لا يحتاج مستحقه إلى زيادة ثبت؛ وإنما أنت ومن كانت قضيته منكرة، والمعروف من مستحقي ميراثه نكرة: فأولئك شدد في أمرهم، وأوط شهداءهم في الاستفسار منهم على جمرهم، وتتبع باطن الحال لعله عنك لا يتستر، ولا يمشي عليك فيه الباطل ويمشي شاهد الزور بكميه ويتبختر؛ فإن تحققت صحة شهاداتهم وإلا فأشهرهم في الدنيا ودعهم في الآخرة لا يخفف عنهم العذاب ولا يفتر؛ وكل ما يباع أو يؤجر ارجع فيه إلى العوائد؛ وتقلد أمر الصغير، وجدد لك أمرا منا في الكبير، وذلك بعد مراعاة ما نجب مراعاته، والتأني كل التأني حتى يثبت ما ينبغي إثباته؛ وشهود

القيمة عليهم المدار، وبشهادتهم يقدر المقدار؛ وما لم يكونوا من ذوي الأقدار، ومن أهل الخبرة بالبز والجدار، وممن اشترى العقار واستغله وبنى الدار، وإلا فاعلم أن مثله لا يرجع إليه، ولا يعول ولاسيما في حق

ص: 171

بيت المال عليه؛ فاتفق مع ولاة الأمور من أهل الأحكام على تعيين من يعين لتقليد مثل هذه الشهادة، وتوق منهم من له كل هذه الخبرة حتى تعرف أنه من أهل الزهادة؛ ولك أن تدعي حق المسلمين حيث شئت ممن ترى أن حقه عنده يترجح، وأن بينتهم تكون عنده أوضح، فأما الدعوى عليك فمن عادتها أن لا تسمع إلا في مجلس الحكم العزيز الشافعي - أجله الله تعالى - ونحن لا نغير العوائد، ولا ننتفض ما بنت الدولة السالفة عليه القواعد: فليكن في ذلك المجلس سماعها إذا تعينت، وإقامة البينات عليها إذا تبينت؛ والله الله في حق بيت المال، ثم الله الله في الوقت الحاضر والمآل. ومن تستنيبهم عنك بالأعمال لا تقر منهم إلا من تقربه عينك، ويوفى به عند الله لا بما تحصله من الدنيا دينك؛ ومن كان لعلمه مصلحا، ولأمله منجحا: لا تغير عليه فيما هو فيه، ودعه حتى يتبين لك خافيه؛ ولتستقص في كل وقت عنهم الأخبار، ولتستعلم حقائق ما هم عليه بما تستصحبه من الأخبار، ولا تزال منهم على يقين، وعمل بما فيه خلاص دنيا ودين).

25 -

وصية مدرس:

(وليطلع في محرابه كالبدر وحوله هالة تلك الحلقة، وقد وقت أهداب ذلك السواد منه أعظم اسودادا من الحدقة؛ وليرق سجادته التي هي لبدة جواده إذا استن الجدال في المضمار، وليخف أضواء أولئك العلماء الذين هم كالنجوم كما

ص: 172

تتضاءل الكواكب في مطالع الأقمار؛ وليبرز لهم من وراء المحراب كمينه، وليفض على جداولهم الجافة معينه؛ وليقذف لهم من جنبات ما بين جنبيه درر ذلك البحر العجاج، وليرهم من غرر جياده ما يعلم به أن سوابقه لا يهولها قطع الفجاج؛ وليظهر لهم من مكنون علمه ما كان يخفيه الوقار، وليهب من ممنون فضله ما يهب منه عن ظهر غنى أهل الافتقار؛ وليقرر تلك البحوث ويبين ما يرد عليها وما يرد به من منعها وتطرق بالنقض إليها، حتى لا تنفصل الجماعة إلا بعد ظهور الترجيح، والإجماع على كلمة واحدة على الصحيح؛ وليقبل في الدروس طلق الوجه على جماعتهن وليستملهم إليه بجهد استطاعتهن وليربهم كما يربي الوالد الولد، وليستحسن ما تجيء به أفكارهم وإلا فحكم رجل بالجبه لبنت فكر وأد. هذا إلى أخذهم بالاشتغال، وقدح

أذهانهم للاشتعال. ولينشئ الطلبة حتى ينمي منهم الغروس، ويؤهل منهم من كان لا يظن منهم أنه يتعلم لأنه يعلم ويلقي الدروس).

26 -

وصية مقرئ:

(وليدم على ما هو عليه من تلاوة القرآن فإنه مصباح قلبه، وصلاح قربه، وصباح القبول المؤذن له برضى ربه؛ وليجعل سوره له أسوارا، وآياته تظهر بين عينيه أنوارا؛ وليتل القرآن بحروفه وإذا قرأ استعاذ، وليجمع طرقه وهي التي عليها

ص: 173

الجمهور ويترك الشواذ، ولا يرتد دون غاية لإقصار، ولا يقف فيعد أن أتم لم يبق بحمد الله إحصار، وليتوسع في مذاهبه ولا يخرج عن قراءة القراء السبعة أئمة الأمصار، وليبذل للطلبة الرغاب، وليشبع فإن ذوي النهمة سغاب، ولير الناس ما

ص: 174

وهبه الله من الاقتدار فإنه احتضن السبع ودخل الغاب؛ وليتم مباني ما أتم (ابن عامر) و (أبو عمرو) له التعمير، ولفه (الكسائي) في كسائه ولم يقل جدي (ابن كثير)، وحم به (لحمزة) أن يعود ذاهب الزمان، وعرف أنه لا (عاصم) من أمر الله يلجأ معه إليه وهو الطوفان، وتدفق يتفجر علما وقد وقفت السيول الدوافع، وضر أكثر قراء الزمان بعدم تفهيمهم وهو (نافع)، وليقبل على ذوي الإقبال على الطلب؛ وليأخذهم بالتربية فما منهم إلا من هو إليه قد انتسب؛ وهو يعلم ما من الله عليه بحفظ كتابه العزيز من النعماء، ووصل سببه منه بحبل الله الممتد من الأرض إلى السماء؛ فليقدر حق هذه النعمة بحسن إقباله على التعليم، والإنصاف إذا سئل فعلم الله ما يتناهى {وفوق كل ذي علم عليم} .

27 -

وصية محدث:

وقد أصبح بالسنة النبوية مضطلعا، وعلى ما جمعته طرق أهل الحديث مطلعا، وصح في الصحيح أن حديثه الحسن، وأن المرسل منه في الطلب مقطوع عنه كل ذي لسن؛ وأن سنده هو المأخوذ عن العوالي، وسماعه هو المرقص منه طول الليالي، وأن مثله لا يوجد في نسبه المعرق، ولا يعرف مثله للحافظين:(ابن عبد البر) بالمغرب (وخطيب بغداد) بالمشرق؛ وهو يعلم مقدار طلب الطالب فإنه طالما شد

ص: 175

له النطاق، وسعى له سعيه وتجشم المشاق؛ وارتحل له يشتد به حرصه والمطايا مرزمة، وينبهه له طلبه والجفون مقفلة والعيون مهومة؛ ووقف على الأبواب لا يضجره طول الوقوف حتى يؤذن له في ولوجها،

وقعد القرفصاء في المجالس لا تضيق به على قصر فروجها.

فليعامل الطلبة إذا أتوه للفائدة معاملة من جرب، ولينشط الأقرباء منهم ويؤنس الغرباء فما هو إلا ممن طلب آونة من قريب وآونة تغرب، وليسفر لهم صباح قصده عن النجاح، ولينتق لهم من عقوده الصحاح، وليوضح لهم الحديث، وليرح خواطرهم بتقريبه ما كان يسار إليه السير الحثيث، وليؤتهم مما وسع الله عليه فيه المجال، ويعلمهم ما يجب تعليمه من المتون والرجال، ويبصرهم بمواقع الجرح والتعديل، والتوجيه والتعليل، والصحيح والمعتل الذي تتناثر أعضاؤه سقما كالعليل؛ وغير ذلك مما لرجال هذا الشأن به عناية، وما ينقب فيه عن دراية أو يقنع فيه بمجرد رواية؛ ومثله ما يزاد حلما، ولا يعرف بمن رخص في حديث موضوع أو كتم علما).

28 -

وصية نحوي:

(وهو زيد الزمان، الذي يضرب به المثل، وعمرو الأوان، وقد كثر من سيبويه الملل، ومازني الوقت ولكنه الذي لم تستبح منه الإبل، وكسائي الدهر الذي لو

ص: 176

تقدم لما اختار غيره الرشيد للمأمون، وذو السؤدد، لا أبو الأسود، على أنه ذو السابقة والأجر الممنون؛ وهو ذو البر المأثور، والقدر المرفوع، ولواؤه المنصوب، وذيل فخاره المجرور؛ والمعروف بما لا ينكر لمثله من الحزم، والذاهب عمله الصالح بكل العوامل التي لم يبق منها لحسوده إلا الجزم، وهو ذو الأبنية التي لا يفصح عن مثلها الإعراب، ولا يعرف أفصح منها فيما أخذ عن الأعراب؛ والذي أصبحت أهدابه فوق عمائم الغمائم تلاث، ولم يزل طول الدهر يشكر منه أمسه ويومه وغده وإنما الكلمات ثلاث. فليتصد للإفادة، وليعلمهم مثل ما ذكر فيه من علم النحو نحو هذا وزيادة؛ وليكن للطلبة نجما به يهتدى، وليرفع بتعليمه قدر كل خبر يكون خبرا له وهو المبتدا؛ وليقدم منهم كل من صلح للتبريز، واستحق أن ينصب إماما بالتمييز، وليورد من موارده أعذب النطاف، وليجر إليه كل مضاف إليه ومضاف؛ وليوقفهم على حقائق الأسماء، وليعرفهم دقائق البحوث حتى اشتقاق الاسم هل هو من السمو أو من السيماء؛ وليبين لهم الأسماء الأعجمية المنقولة والعربية الخالصة، وليدلهم على أحسن الأفعال لا ما يشتبه فيه بصفات (كان) وأخواتها من الأفعال الناقصة، وليحفظهم المثل وكلمات الشعراء، ولينصب نفسه لحد أذهان بعضهم ببعض نصب الإغراء؛ وليعامل

جماعة المستفيدين منه بالعطف، ومع هذا كله فليرفق بهم فما بلغ أحد علما بقوة ولا غاية بعسف).

29 -

وصية متطبب طبائعي:

(وليتعرف أولا حقيقة المرض بأسبابه وعلاماته، ويستقص أعراض المريض

ص: 177

قبل مداواته، ثم ينظر إلى السن والفصل والبلد، ثم إذا عرف حقيقة المرض، وقدر ما يحتمله المزاج إذا عرض، يشرع في تخفيف الحاصل، وقطع الواصل، مع حفظ القوى. ولا يهاجم الداء، ولا يستغرب الدواء، ولا يقدم على الأبدان إلا بما يلائمها، ولا يبعد الشبه، ولا يخرج عن جادة الأطباء ولو ظن الإصابة حتى يقوى لديه الظن ويتبصر به في رأي أمثاله. وليتجنب الدواء، ما أمكنه المعالجة بالغذاء، والمركب، وما أمكنه المعالجة بالمفرد؛ وإياه والقياس إلا ما صح بتجريب غيره في مثل مزاج من أخذ في علاجه، وما عرض له، وسنه، وفصله، وبلده، ودرجة الدواء. وليحذر التجربة، فقد قال (أبقراط) وهو رأس القوم: إنها خطر.

ثم إذا اضطر إلى وصف دواء صالح للعلة نظر إلى ما فيه من المنافاة وإن قلت، وتحيل لإصلاحه بوصف يصلح معه، مع الاحتراز في وصف المقادير والكميات والكيفيات، في الاستعمال والأوقات، وما يتقدم ذلك الدواء أو يتأخر عنه. ولا يأمر باستعمال دواء، ولا ما يستغرب من غذاء، حتى يحقق حقيقته، ويعرف جديده من عتيقه: ليعرف مقدار قوته بالفعل؛ وليعلم أن الإنسان هو بنية الله وملعون من هدمها؛ وأن الطبيعة مكافية وبؤسى لمن ظلمها؛ وقد سلم الأرواح وهي وديعة الله في هذه الأجسام، فليحفظها وليتق الله ففي ذلك جميع الأقسام؛ وإياه ثم إياه أن يصف دواء ثم يكون هو الذي يأتي به، أو يدل عليه، أو المتولي لمناولته للمريض ليستعمله من يديه، وفي هذا كله لله المنة ولنا إذ هدينا له وأرشدناه إليه).

30 -

وصية متطبب بالكحل:

(وها أنت أفردت بتسليم أشرف الحواس الخمس، والجوارح التي لولاها لم تعرف حقيقة ما يدرك بالسمع والذوق والشم واللمس؛ وهي العين التي تفدى بالعين، وتوقى ساعة البين؛ وقد جعلت منها لمعالجة أشرف الأعضاء، وأشرف إنسان يحيط بصره بكل الفضاء؛ فاجعل عليها من مداراتك الواقية، وأبق بها من حسن الأثر

ص: 178

ما يرى والعين باقية؛ وتلطف بها في

العلاج، وارفق بها فإنها من طبقات: منها الزجاجية ومنها شبيه الزجاج. ولا تقدم عليها بمداواة حتى تعرف حقيقة المرض، والسبب الذي نال به ذلك الجوهر العرض؛ ثم داوها مداواة تجلوا بها القذى عن البصر، وتشفي بها من السقام إلا الذي في عيون الغيد من حور، ويقيم بأجفانها عليها سورا، ويديم لإنسانها من ضوء البصر نورا. ثم لاطف بما يناسب من الغذاء ذلك الإنسان، وترفق به فإنك معروف بالإحسان؛ وصنه عن قدح قادح، وأعنه حتى لا يقال يا أيها الإنسان إنك كادح. وأعمل على ما فيه صلاح ذاك السواد الأعظم، والإمتاع بذلك السواد الذي لا يشترى بملء الأرض ذهبا منه قدر نصف درهم؛ وتخير من الكحل ما فيه جلاء الأبصار، وشفاء العين مما يخاف على الإنسان فيه الأخطار. وافعل في هذا كله ما إذا كنت بسواد الحدق لم تنسخ، وإذا قيس قدر ميل منه لم يبعد إليه ألف فرسخ؛ واستشر الأطباء الطبايعية فيما أهم، وفيما لا يستغنى فيه عن رأي مثلهم، من تخفيف مادة الاستفراغ أو نقص دم، إلا غير هذا مما إذا فعلته لم تلم بعده بما ألم).

31 -

وصية جرائحي:

(واعرف ما تحتاج هذه الوظيفة واجبر كل كسر، وشد كل أسر، وخط كل فتق، وقو كل رتق، وداو الكلوم، ودار باللطف فإن إفراط القوة في الدواء يلحقه بالسموم. واعمل على حفظ الأعصاب، وشد الأعضاء حتى تتمكن من معالجة المصاب؛ والتوقي في كل أعماله فإنها في صناعة كلها خطر، وجميع أمورها مغيبة لا يوقف فيها على خبر. وليبادر ما يفوت، ولا يكلم أحدا ما حسن للسان حديد السكوت، وليحذر قطع شريان ما قطع إلا نزف دم صاحبه حتى يموت، وليعد معه ما يكون لإخراج النصال فإنه يكون مع عساكرنا المنصورة أوقات الحرب والسهام تغوص

ص: 179

في الأجسام، والرماح في رجل هي والحسام؛ وليكن في هذا كله مزاح الأعذار، مزال العوائق في مضايق أوقات لا يستدرك فيها فائت الأعمار؛ وليعد لهذا الأمر عدته، وليصرف إليه همته؛ وليفعل في هذا ما لا يبقى عليه به جناح، ولا يخطيء معه عمله نجاح، ولا يقاس به أحد وقد أفاد علمه وأجاد عمله وأجدى، وظهرت بركت معالجة يه التي إذا وضعها على الجرح يهدا).

32 -

وصية منجم:

(وقد أغناه ما رآه من مساعدة الأقدار لنا أن ينجم، ونطقت له الحال بسعادتنا فما زاد على

أنه كان يترجم، ولم نستخدمه لأنا نقول بتأثير الأفلاك ولا الاحتياج إلى ما هنالك، إلا أن عادة الملوك جرت على ذلك؛ مع العلم بسعة علمه مما ورث عن الحكماء، وتكلم به على ملكوت، الأرض والسماء، وأنه جمع من هذه الصناعة ما لا يجيء منه (أبو معشر البلخي) بمشعار، ولا غيره من جميع الجماعة وفي الجملة (كوشيار). ومع هذا فما نمنعه من عمل ما لم يخطر على مثله من رقبة الطوالع، ورؤية المطالع، وتحرير الأوقات حين المواليد، وتسيير الكواكب لمعرفة ما يعرف بالحساب من رؤوس الأشهر وأيام العيد، وملازمة الخدمة الشريفة في السفر والحضر، ورؤية طلائعنا المنصورة فإنها أسعد من رؤية كل هلال ينتظر؛ والحذر مما نهت الشريعة الشريفة عن قوله لئلا يغمض عليه دينه علماء الإسلام، والقول في الكواكب إلا بما قيل فيها من أنها لا تعدو ثلاثة أقسام: منها معالم للهدى ورجوم للشياطين ومصابيح تجلو الظلام).

ص: 180

33 -

وصية موقت:

(وما أخر هذه المدة إلا وكل شيء إلى ميقات، ولأن تقديم مثله من الأشياء التي كانت تحسب لها الأوقات، وإلا فقد عرف أنه المقدم في الزمن الأخير، والمتفرد وقد هم مماثله لمساواته فسقط عن درجة النظير، وأتقن علم الهيئة التي يحاط بها علما بملكوت السماء، وتعرف بها شمس النهار ونجوم الظلماء؛ ويتحقق كيف دوران الأفلاك ومقاديرها، وهيئة المنازل وتصويرها، وانتقالات الكواكب السيارة وإلى أين ينتهي تسييرها، فليبصر كيف يكون، ولينظر الطالع ولا يأمن أن يكون عليه من النجوم عيون؛ وليعرف ما على خطي المشرق والمغرب، ومركزي وتدي السماء والأرض المشدود بهما رواق الفلك المطنب؛ وليحرر ذلك كله تحرير من يعلم أنه هو المقلد في أداء الفرائض، والمقتحم في لجج السماء الغمرات التي لا تخوض معه فيها خائض، وأن به يقام الأذان، وتصلى الصلوات ويفطر ويصام في رمضان. ويعد تثويبه تسري العقول، وييقن كشف حجاب لليل المسبول، وتخرج مطمئنة القلوب بتسبيحه وتهاجم البيد وهي تفترس بأنياب غول.

وكل هذا متعلق به فليراقب الله في خلاص الذمة، ويتجنب الملامة مع أمة سيدنا محمد (ص) ومع الأئمة. ولا يزال محررا للارتفاع في كل بلد يحل به ركابنا الشريف على حكم عرضه، ومقادير الأبعاد بين سمائه وأرضه، مؤذنا كل من كان مؤذنا بحين كل صلاة في

أول وقتها، من غير تقديم يؤدي به قبل الوجوب، أو تأخير يضيق به الوقت الموسع على ذي الضرورة حين الوثوب، وليكن على يقين بأنه بكل ما حصل فيه التقصير من هذا ومثله مطلوب).

34 -

وصية رئيس اليهود:

(وعليه بضم جماعته، ولم شملهم باستطاعته، والحكم فيهم على قواعد ملته، وعوائد أئمته في الحكم إذا وضح له بأدلته، وعقود الأنكحة وخواص ما يعتبر عندهم فيها على الإطلاق، وما يفتقر فيها إلى الرضى من الجانبين في العقد والطلاق، وفيمن أوجب عنده حكم دينه عليه التحريم، وأوجب عليه الانقياد إلى

ص: 181

التحكيم، وما ادعوا فيه التواتر من الأخبار، والتضافر على العمل به مما لم يوجد فيه نص وأجمعت عليه الأحبار، والتوجه تلقاء بيت المقدس إلى جهة قبلتهم، ومكان تعبد أهل ملتهم؛ والعمل بهذا جميعه بما شرعه موسى الكليم، والوقوف معه إذا ثبت أنه فعل ذاك النبي الكريم، وإقامة حدود التوراة على ما أنزل الله من غير تحريف، ولا تبديل لكلمة تأويل ولا تصريف، واتباع ما أعطوا عليه العهد، وشدوا عليه العقد، وأبقوا به ذماءهم، ووقوا به دماءهم، وما كانت تحكم به الأنبياء والربانيون، ويسلم إليه الإسلاميون منهم ويعبر عنه العبرانيون؛ كل هذا مع إلزامهم بما يلزمهم من حكم أمثالهم أهل الذمة الذين أقروا في هذه الديار، ووقاية أنفسهم بالخضوع والصغار، ومد رؤوسهم بالإذعان لأهل ملة الإسلام، وعدم مضايقتهم في الطرق وحيث يحصل الالتباس بهم في الحمام، وحمل شعار الذمة الذي جعل لهم حلية العمائم، وعقد على رؤوسهم لحفظهم عقد التمائم؛ وليعلم أن شعارهم الأصفر، موجب لئلا يراق دمهم الأحمر وأنهم تحت علم علامته آمنون، وفي دعة أصائله ساكنون؛ وليأخذهم بتجديد صبغه في كل حين، وليأمرهم بملازمته ملازمة لا تزال علائمها إلى رؤوسهم تبين، وعدم التظاهر بما يقتضي المناقضة، أو يفهم منه المعارضة، أو يدع فيه غير السيف وهو إذا كلم شديد العارضة، وله ترتيب طبقات أهل ملته من الأحبار فمن دونهم على قدر استحقاقهم، وعلى ما لا تخرج عنه كلمة اتفاقهم؛ وكذلك له الحديث في جميع كنائس اليهود المستمرة إلى الآن، المستقرة بأيديهم من حين عقد عهد الذمة ثم ما تأكد بعده بطول الزمان، من غير تجديد متجدد، ولا إحداث قدر متزيد، ولا فعل شيء مما لم تعقد عليه الذمة، ويقر عليه

سلفهم الأول سلف هذه الأمة، وفي هذا كفاية وتقوى الله وخوف بأسنا رأس الأمور المهمة).

ص: 182

35 -

وصية رئيس السامرة:

(ولا يعجز عن لم شعث طائفته مع قلتهم، وتأمين سربهم الذي لو لم يؤمنوا فيه لأكلهم الذئب لذلتهم، وليصن بحسن السلوك دماءهم التي كأنما صبغت عمائمهم الحمر منها بما طل، وأوقد لهم منها النار الحمراء فلم يتقوها إلا بالذل؛ وليعلم أنهم شعبة من اليهود لا يخالفونهم في أصل المعتقد، ولا في شيء يخرج عن قواعد دينهم لمن انتقد، ولولا هذا لما عدوا في أهل الكتاب، ولا قنع منهم إلا بالإسلام أو ضرب الرقاب؛ فليبن على هذا الأساس، ولينبئ قومه أنهم منهم وإنما الناس أجناس، وليلتزم من فروع دينه ما لا يخالف فيه إلا بأن يقول لا مساس؛ وإذا كان كما يقول: إنه كهارون عليه السلام فليلتزم الجدد، وليقم من شرط الذمة بما يقيم به طول المدد، وليتمسك بالموسوية من غير تبديل، ولا تحريف في كلمة ولا تأويل؛ وليحص عمله فإنه عليه مسطور، وليقف عند حده ولا يتعد طوره في الطور؛ وليحكم في طائفته وفي أنكحتهم ومواريثهم وكنائسهم القديمة المعقود عليها بما هو في عقد دينه، وسبب لتوطيد قواعده في هذه الرتبة التي بلغها وتوطينه).

36 -

وصية بطريرك النصارى الملكيين:

(وهي كبير أهل ملته، والحاكم عليهم ما امتد في مدته؛ وإليه مرجعهم في

ص: 183

التحريم والتحليل، وفي الحكم بينهم بما أنزل في التوراة ولم ينسخ في الإنجيل؛ وشريعته مبينة على المسامحة والاحتمال، والصبر على الأذى وعدم الاكتراث به والاحتفال؛ فخذ نفسك في الأول بهذه الآداب، واعلم أنك في المدخل إلى شريعتك طريق إلى الباب: فتخلق من الأخلاق بكل جميل، ولا تستكثر من متاع الدنيا فإنه قليل؛ وليقدم المصالحة بين المتحاكمين إليه قبل الفصل البت فإن الصلح كما يقال سيد الأحكام، وهو قاعدة دينه المسيحي ولم تخالف فيه المحمدية الغراء دين الإسلام؛ ولينظف صدور إخوانه من الغل ولا يقنع بما ينظفه ماء المعمودية من الأجسام؛ وإليه أمر الكنائس والبيع، وهو رأس جماعته والكل له تبع: فإياه أن يتخذها له تجارة مربحة، أو يقتطع بها مال نصراني يقربه فإنه ما يكون قد قربه إلى المذبح وإنما ذبحه؛ وكذلك الديارات وكل عمر، والقلالي فيتعين عليه أن يتفقد فيها كل أمر؛ وليجهد في إجراء أمورها على ما فيه رفع الشبهات، وليعلم أنهم إنما اعتزلوا فيها للتعبد فلا

يدعها تتخذ متنزهات: فهم إنما أحدثوا هذه الرهبانية للتقلل في هذه الدنيا والتعفف عن الفروج، وحبسوا فيها أنفسهم حتى إن أكثرهم إذا دخل إليها ما يعود يبقى له خروج؛ فليحذرهم من عملها مصيدة للمال، أو خلوة له ولكن بالنساء حراما وإنما يكون تنزه عن الحلال؛ وإياه ثم إياه أن يؤوي إليها من الغرباء القادمين عليه من يريب، أو يكتم عن الإنهاء إلينا مشكل أمر ورد عليه من بعيد أو قريب؛ ثم الحذر الحذر من إخفاء كتاب يرد إليه من أحد الملوك، ثم الحذر الحذر من الكتابة إليهم أو المشي على مثل هذا السلوك؛ وليتجنب البحر وإياه من اقتحامه فإنه يغرق، أو تلقي ما يلقيه إليه جناح غراب منه فإنه بالبين ينعق؛ والتقوى مأمور بها أهل كل

ص: 184

ملة، وكل موافق ومخالف في القبلة؛ فليكن عمله بها وفي الكناية ما يغني عن التصريح، وفيها رضي الله وبها أمر المسيح).

37 -

وصية بطريرك اليعاقبة:

ويقال في وصية بطرك اليعاقبة مثل ذلك إلا فيما ينبه عليه. ويسقط منه قولنا:

(واعلم بأنك في المدخل إلى شريعتك طريق إلى الباب) إذ كان لا يدين بطاعة الباب الذي هو رأس الملكانيين، وإنما هو رأس اليعاقبة نظيره للمالكيين؛ ويقال مكان هذه الكلمة:(واعلم بأنك في المدخل إلى شريعتك قسيم الباب، وأنتما سواء في الأتباع، ومتساويان فإنه لا يزداد مصراع على مصراع). ويسقط منه قولنا: (وليتجنب البحر وإياه من اقتحامه فإنه يغرق) وثانية هذه الكلمة إذ كان ملك اليعاقبة مغلغلا في الجنوب ولا بحر، ويبدل بقولنا: و (وليتجنب ما لعله ينوب، وليتوق ما يأتيه سرا من تلقاء الحبشة حتى إذا قدر فلا يشم أنفاس الجنوب، وليعلم أن تلك المادة وإن كثرت مقصرة، ولا يحفل بسؤدد السودان فإن الله جعل آية الليل مظلمة وآية النهار مبصرة) ثم يختم بالوصية بالتقوى كما تقدم، ونحو هذا والله سبحانه وتعالى أعلم.

ص: 185