الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يحضر أوفر نصيب من الإكرام، وتبليغ قصارى القصد ونهاية المرام، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه).
ثانيا: الدفن
وهو وإن كان أقوى من هذا سببا، وأسل لما في الصدور، فإنه مؤخر عن رتبته لقلة وقوعه
عند الملوك، وبعد طريقهم فيه عن جادة السلوك. وهو كثير متداول بين العربان، ولا يطمئن خاطر المذنب منهم إلا به. وطريقتهم فيه أن يجتمع أكابر قبيلة الذي يدفن بحضور رجال يثق بهم المدفون له، ويقوم منهم رجل ثم يقول للمجني عليه: نريد منك الدفن لفلان، وهو مقر بما أهاجك عليه، ثم يعدد ذنوبه التي أخذ بها، ولا يبقي منها بقية. ويقر الذي يدفن القائل على أن هذا جملة ما نقمه على المدفون له، ثم يحفر بيده حفيرة في الأرض ويقول:(قد ألقيت في هذه الحفيرة ذنوب فلان التي نقمتها عليه، ودفنتها له دفني لهذه الحفيرة). ثم يرد تراب الحفيرة إليها حتى يدفنها بيده. ولم تجر للعرب عادة بالكتابة في ذلك، بل يكتفى في هذا بما كان بمحضر كبار الفريقين؛ ثم لو كانت دماء أو قتلى عفيت وعفت بها آثار الطلائب.
فأما إذا كانت من الملوك كتب بعد البسملة:
(هذا دفن لذنوب فلان، من الآن لا تذكر ولا يطالب بها، ولا يؤاخذ بسببها، اقتضته المراحم الشريفة السلطانية الملكية الفلانية - ضاعف الله حسناتها وإحسانها: وهي ما بدى من الذنوب لفلان من الجرائم التي ارتكبها، والعظائم التي احتقبها، وحصل العفو الشريف عن زللها، وقابل الإحسان العميم بالتغمد سوء عملها؛ وهي كذا وكذا (وتذكر) دفنا لم تبق معه مؤاخذة بسبب من الأسباب، ومات به الحقد وهيل عليه التراب، ولم يبق معه لمطالب بشيء منه مطمع، ولا في إحيائه رجاء - وفي غير ما وارت الأرض فاطمع - وتصدق بها سيدنا ومولانا السلطان الأعظم (ويذكر ألقابه واسمه) - تقبل الله صدقته - وعفا عنها، وقطع الرجاء باليأس منها، وأبطل منها كل حق يطلب، وصفح منها عن كل ذنب كان به يستذنب، ودفنها تحت قدمه، ونسيها في علم كرمه، وخلاها نسيا منسيا لا تذكر في خفارة ذممه، وجعله بها مقيما في أمر الله إلى أن يبعث الله خلقه، ويتقاضى كما يشاء حقه، لا يعقب في هذا الأمان معقب، ولا ينتهي إلى أمد له نظر المترقب، لا ينبش هذا الدفين، ولا يوقف له على أثر في اليوم ولا بعد حين، ولا يخشى فيه صبر مصابر، ولا يقال فيه إلا: وهبها كشيء لم يكن أو كنازج به الدار أو من غيبته المقابر.
ورسم بالأمر الشريف العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الفلاني، أعلاه الله وشرفه، وغفر به لكل مذنب ما أسلفه، أن يكتب له هذا الكتاب بما عفي له عنه وحفر له ودفن،
وأصبح بعمله غير مرتهن، ودفن له فيه دفن العرب، وقطع في التذكر له أرب كل ذي أرب، ودرس في القبور الدوارس، وغيب مكانه فيما طمر في الليالي الدوامس.
وسبيل كل واقف على هذا الكتاب - وهو الحجة على من وقف عليه، أو بلغه