الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليس هنالك أدنى خلط أو تداخل بين القرآن والسنّة القولية، أو بين القرآن والسيرة وتاريخ الأصحاب- عليهم الرحمة والرضوان-. بل إن من الملاحظ- كما سنشير إلى ذلك عند الكلام على الوحي- أن القرآن الكريم نادرا ما يتحدث عن تاريخ «محمد» - صلّى الله عليه وعلى آله- الإنسان، وعن آلامه العظمى، أو مسرّاته التي لم ترد فيه قط!!
ونستطيع أن نؤكد بعد ذلك أن هذا التمييز المطلق الذي نملكه الآن، والذي حرص النبيّ صلى الله عليه وسلم على تأكيده حين نهى عن كتابة القرآن والحديث في صحيفة واحدة، تفتقر إليه الديانات والكتب السماوية السابقة التي يختلط فيها النص الإلهي المنزل أو الموحى به، حتى إنه لا يبين
…
بأقوال النبيّ ومواعظه وأخباره وسيرته مع أصحابه ومع الناس. والتي وردت فيها صفحات مطوّلة، أو (أسفار) كثيرة في الأدب والتاريخ!
ثانيا- مقارنة سريعة مع هذه الكتب السماوية:
ويكفينا عند المقارنة، من أجل تأكيد هذه الملاحظة: أن نعرّف فقط بالتوراة والإنجيل، لنقف على مدى الخلط الذي آل إليه (الوحي) أو الكتاب الذي نزل على موسى وعيسى- على نبيّنا وعليهما الصلاة والسلام-. ولكن لا بد من الإشارة إلى (الزيادات) أو الملحقات التي أضيفت إلى هذين الكتابين- فضلا عن التحريف والتبديل الذي لحق بهما- لأن هذه الزيادات تبرز بدورها، أو تؤكد مدى ضياع النص الإلهي الموحى به، ومدى الإغراق الذي أصابه في خضم هذه الزيادات والملحقات التي غلبت على (الأصل)! ومدى الخلط الذي حصل في مصادر الدين والتشريع في تاريخ اليهودية والمسيحية
…
حيث جمعت هذه المصادر على صعيد واحد بين الوحي المنزل، وخطب الأنبياء وأحاديثهم وأمثالهم ومواعظهم، وسيرتهم وحياتهم، وأعمال الرسل، وحياة الحواريين أو الأصحاب، وحياة الملوك، وتاريخ بني إسرائيل!
يطلق اسم أو مصطلح (أهل الكتاب) في القرآن الكريم على اليهود والنصارى. وغني عن البيان أن سيدنا عيسى بن مريم- عليه السلام بعث في بني إسرائيل خاصة، وهو لذلك أحد أنبيائهم؛ قال الله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصف، الآية 6].
وقال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [سورة آل عمران، الآيتان 48 - 49].
وجاء في الإنجيل: «لم أرسل إلّا إلى خراف بني إسرائيل الضالّة» (1).
وهكذا، فإن الشريعة اليهودية، أو الحقبة الإسرائيلية السابقة على عيسى ..
نجدها ممتدة في النصرانية ومستمرة معها (2).
ومن هنا يبدو المصطلح القرآني: «أهل الكتاب» واضحا ومعجزا في جمع اليهود والنصارى في كتاب واحد، أو على كتاب واحد، علما بأن مصطلح «الكتاب» أو كلمة: كتاب، وحدها
…
تطلق في القرآن على جميع كتب الله تعالى المنزلة؛ إشارة كذلك إلى تصديق هذه الكتب بعضها بعضا، وأنه لا تناقض بينها ولا اختلاف!
ولهذا جاء القرآن الكريم مصدّقا لما بين يديه من «الكتاب» ومهيمنا عليه
…
وقد انفرد بحق الهيمنة على سائر الكتب السابقة، أو انفرد بحق الحكم والتصويب، بوصفه الكتاب الأخير الذي تكفّل الله تعالى بحفظه من التحريف إلى يوم الدين.
(1) الكتاب المقدس: إنجيل متّى، الإصحاح 15.
(2)
ما تزال «التقاليد الثقافية اليهودية المسيحية للحضارة الأوروبية» توصف بهذين الوصفين مجتمعين، على حدّ قول بعض الساسة الأوروبيين المعاصرين. وتشكل روح حضارة القوم ونسيج مجتمعاتهم.
قال الله تعالى في سورة المائدة: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [الآية 48].
إن (الكتاب المقدس - THE BIBLE الواحد- لدى النصارى يشمل توراة موسى وإنجيل عيسى- عليهما السلام. أو يشمل:
(أ) التوراة وسائر الأسفار المقدسة التي ألحقت بها وأضيفت إليها في الحقبة اليهودية أو الموسوية
…
أو قبل مجيء المسيح عيسى بن مريم- عليه السلام. وسميت جميعها بالعهد القديم.
(ب) الأناجيل الأربعة ورسائل الرسل في العهد المسيحي. وسميت بالعهد الجديد.
وواضح من هذه التسمية: العهد القديم والعهد الجديد، أنها من عمل العصور المسيحية؛ تفريقا بين العهد- أو الميثاق- الذي جاء به موسى- عليه السلام، أو انحدر إليهم من عهده. والعهد أو الميثاق الجديد من عهد عيسى (1).
ولا يتسع المجال هنا لتفصيل القول في أسفار العهد القديم، وفي الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، والمشكلات التي تثيرها هذه الأسفار والأناجيل، أو التي يثيرها النظر في تاريخ (الكتاب المقدس) على وجه العموم، وتاريخ تكوّن أو تشكّل العقيدة المسيحية- عقيدة التثليث- على وجه الخصوص: لأن هذا كله موضعه الكتب المتخصصة في تاريخ الأديان.
وكل ما قصدنا إليه في هذا السياق: بيان أن الخلط والتحريف قد لحق
(1) راجع: الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام، للأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي رحمه الله ص 12 - 13، دار نهضة مصر، القاهرة 1971.