الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موضعها، من الدراسة العميقة- والمتكلفة في بعض الأحيان- التي قدّمها الرافعي في كتابه الذي خصّه بالحديث عن القرآن والبلاغة النبوية.
وهي الدراسة التي سنعرض لفكرتها الرئيسة من خلال هذا المظهر الأخير، أو النظرية التي نعرض لها الآن في مسألة إعجاز القرآن، وهي: النظم الموسيقى، أو إعجاز النظم الموسيقى، كما دعاه الرافعي نفسه.
رابعا- النظم الموسيقى:
انطلق الرافعي في حديثه عن الإعجاز من الحروف وأصواتها، ثم من الحركة الصرفية واللغوية للألفاظ القرآنية المشتملة على تلك الحروف .. حتى ليمكن القول: إن عماد
حديثه عن إعجاز النظم الموسيقى يعتمد بالدرجة الأولى على الألفاظ، وعلى الجانب الصوتي منها على وجه الخصوص .. يقول الرافعي- بعد تمهيد كاشف-: «وحسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقى في القرآن، وأنه مما لا يتعلق به أحد، ولا يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه؛ لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشدة والرخاوة، والتفخيم والترقيق، والتفشي والتكرار
…
» (1).
ويقول بعد ذلك: «ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيّئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤلفة مع أصوات الحروف، مساوقة لها في النظم الموسيقى، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب ولا تساغ، وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت
(1) تاريخ آداب العرب للرافعي 2/ 225.
لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقى، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة» (1).
ثم يضرب لذلك أمثلة يوضح بها ما ذهب إليه، فيقول:«من ذلك لفظة «النّذر» جمع نذير؛ فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوّه عن اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام؛ فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (36)[سورة القمر، الآية 36].
فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمّله، وتذوّق مواقع الحروف، وأجر حركاتها في حس السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال «لقد» ، وفي الطاء من «بطشتنا» ، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو «تماروا» ، مع الفصل بالمدّ كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمّة عليه مستخفا بعد، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها؛ كما تكون الأحماض في الأطعمة. ثم ردّد نظرك في الراء من «تماروا» فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء «النّذر» حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجف عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه، ثم اعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون «أنذرهم» وفي ميمها، وللغنّة الأخرى التي سبقت الذال في «النّذر» .
ثم يعقّب على هذه الآية بقوله: «وما من حرف أو حركة في الآية إلا وأنت مصيب من كل ذلك عجبا في موقعه والقصد به، حتى ما تشك أن الجهة واحدة في
(1) تاريخ آداب العرب 2/ 239.
نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة، ليس منها إلا ما يشبه في الرأي أن يكون قد تقدم في النظر وأحكمته الرويّة وراضه اللسان، وليس منها إلا متخيّر مقصود إليه من بين الكلم ومن بين الحروف ومن بين الحركات» (1).
وقد يكون في حديثنا القادم عن الفاصلة القرآنية، والسجع القرآني، ما يوضح بعض الجوانب التي قصد إليها الرافعي في حديثه، أو في كتابه الذي يأخذ بعضه برقاب بعض، وإن كان- هو- لم يفته أن يشير بالطبع إلى هذه الفواصل، ويجعلها من جملة الأمور التي أعطت للنظم الموسيقى أبعاده الأخيرة؛ قال:«وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا، يلائم نوع الصوت، والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب» !.
ولهذا كان النص القرآني قابلا للتلاوة، على طريقة الترتيل، وعلى طريقة الألحان والأوزان، ولم تكن قطعة من نثر فصحاء العرب أو غيرهم قابلة لذلك (2).
وقد ردّ الأستاذ قطب هذه الظاهرة إلى أن القرآن الكريم جمع بين مزايا النثر والشعر جميعا، «فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة، والتفعيلات التامة، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة. وأخذ في الوقت ذاته من الشعر الموسيقى الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل، والتقفية التي تغني عن القوافي، وضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرناها، فشأى النثر والنظم جميعا» (3).
وقد تحدث الاستاذ الدكتور صبحي الصالح عن هذه الموسيقى الداخلية،
(1) تاريخ آداب العرب 2/ 240.
(2)
انظر تفصيل هذه النقطة في المصدر السابق 2/ 225.
(3)
التصوير الفني في القرآن ص 86.
ورأى فيها- في ضوء ما قدّمه الرافعي كذلك فيما يبدو- لونا من ألوان الإعجاز سمّاه: «الإعجاز في نغم القرآن» وقال فيه:
وقد لاحظ الدكتور الصالح أن هذه الموسيقى الداخلية تنبعث في القرآن حتى من اللفظة الواحدة، فضلا عن الآية التي تتناسق في جوها الكلمات، أو في السورة التي تنسجم حول فكرتها جميع الآيات.
فاللفظة المفردة «تكاد تستقل- بجرسها ونغمها- بتصوير لوحة كاملة فيها اللون زاهيا أو شاحبا، وفيها الظل شفيفا أو كثيفا
…
فحين تتسمع همس السين المكررة تكاد تستشف نعومة ظلها، مثلما تستريح إلى خفة وقعها في قوله تعالى:
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (18)[سورة التكوير، الآيات 15 - 18]. بينما تقع الرهبة في صدرك وأنت تسمع لاهثا مكروبا صوت الدال المنذرة المتوعدة، مسبوقة بالياء المشبعة المديدة في لفظة «تحيد» بدلا من تنحرف أو تبتعد في قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)[سورة ق، الآية 19].
وتقرأ قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [سورة آل
(1) مباحث في علوم القرآن ص 385.
عمران، الآية 185]. فلا ترى في المعجم كلمة غير «زحزح» تصور مشهد الإبعاد والتنحية بكل ما يقع في هذا المشهد من أصوات، وما يصاحبه من ذعر الذي يمر بحسيس النار ويسمعه ويكاد يصلاه!
ولا أحسبك إلا مستشعرا عنف لفظ الكبكبة في قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)[سورة الشعراء، الآيتان 94 - 95] حتى لتكاد تتصور أولئك المجرمين يكبون على وجوههم أو على مناخرهم، ويلقون إلقاء المهملين، فلا يقيم أحد لهم وزنا» (1)!
أما الحديث عن هذا الإعجاز في النغم والموسيقى الداخلية في الآية الواحدة أو السورة الكاملة فيمكن أن يعرض له عند الحديث عن الفاصلة والسجع وبعض الملامح الفنية الخاصة عند شرح الآيات وتفسير النصوص.
وأخيرا فقد لخص بعض الباحثين ما قيل حول الإعجاز، أو النظم الموسيقى، بوصفه واحدة من مزايا أسلوب القرآن بوجه عام، وبغض النظر عن القدر الذي يفسره من قضية الإعجاز الكبرى أو الأساسية؛ لخصه بأنه يتجلى في:
نظام القرآن الصوتي، وجماله اللغوي.
(أ) أما نظام القرآن الصوتي، فقد عنى به: «اتساق القرآن الكريم، وائتلافه في حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته، واتصالاته وسكتاته، اتساقا عجيبا. وائتلافا رائعا يسترعي الأسماع ويستهوي النفوس، بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور. وبيان ذلك أن من ألقي إلى سمعه مجموعة القرآن الصوتية الساذجة المؤلفة من تلك المدّات والغنّات، والحركات والسكنات، والاتصالات والسكتات
…
يشعر من نفسه حتى لو كان أعجميا لا يعرف العربية- بأنه أمام لحن غريب وتوقيع عجيب، يفوق في حسنه وجماله كل ما عرف من توقيع
(1) مباحث في علوم القرآن ص 387.