الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجتمع الإسلامي طيلة حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم ومدّة نزول القرآن! أي من خلال البعد العملي أو التطبيقي لهذه السنن. في الوقت الذي أشار القرآن الكريم إلى هذا الوقوع أو النفاذ في مواطن (تاريخية) أخرى كثيرة من خلال (قصص الأنبياء) وتاريخ الأمم السابقة على الأمة الإسلامية؛ والتي كانت تأتي بدورها في السياق الملائم عبر هذا النزول المنجّم.
لا غرو إذن أن تنزل سائر كتب الله تعالى على الأنبياء السابقين جملة واحدة، وأن ينفرد القرآن الكريم بنزوله منجما خلال ما يوازي بناء جيل طليعي واحد من أجيال التاريخ.
وربما أمكننا القول- من الوجهة المقابلة، أو في الوقت ذاته- إن هذا النزول المنجّم يحمل في ذاته الدلالة على أن القرآن الكريم خاتمة الكتب السماوية، لأنه حين اتسع بهذا النزول لضم سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى حياة الأنبياء السابقين الذين نزلت كتبهم مرة واحدة! أدركنا أنه لا كتاب بعد القرآن يهيمن أو يوثّق! وأدركنا معنى كونه خاتمة الكتب وأن محمد بن عبد الله خاتم النبيين، صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.
(ب) تصويب حركة التطبيق والتنفيذ:
أو الدلالة على مواطن الخطأ ووجوه التقصير في تنفيذ الأحكام والتشريعات. وفي هذا تأكيد بالغ الأهمية على ضرورة استجابة (الواقع) للوحي أو النص استجابة تامّة غير منقوصة
…
ومن ثم لتقديم الصورة (الواقعية) المثلى لهذه الحركة عبر عصور التاريخ. أو التي يجب أن تحتذى عبر هذه العصور .. بعد أن قدم جيل التنزيل- وإن شئت قلت جيل التنجيم الذي قام بالتطبيق وجرى عليه المراجعة والتصويب- النموذج الأفضل، والمثال الذي يحتذى! لقد نزل القرآن الكريم تباعا، أو موقفا في إثر موقف، يسجّل على هذا الجيل النقص والخطأ، ويدلّهم على مواطن الضعف، ويقفهم رأي العين أو في (الواقع) الذي عاشوه
وعاينوه على سنن الاجتماع الإنساني في المنشط والمكره، والعسر واليسر، والهزيمة والنصر
…
لا ليعلّمهم ويدرّبهم على تغيير الواقع الفاسد أو المغلوط، باتجاه (الواقع) المطلوب أو المرغوب فيه فحسب، بل ليدرّبهم فوق ذلك على أن الواقع المؤلم أو المكروه والذي أفرزه مبدأ صائب أو الذي جاء في أعقابه وانبنى عليه، لا يجوز له أن يشكل مبررا لتجاوز المبدأ أو للعودة عليه بالتحوير والتبديل! كما حصل يوم أحد على سبيل المثال؛ لقد نزل في هذا اليوم آيات كثيرة كما هو معلوم، منها- في هذا الجانب الثاني وحده- قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)[سورة آل عمران، الآية 3].
فقد أمرت هذه الآية الكريمة النبيّ صلى الله عليه وسلم بالتزام مبدأ الشورى على الرغم من أن الهزيمة جاءت في أعقاب شورى النبيّ لأصحابه، وبسبب غير مباشر منها (1)! ولكن هذه الهزيمة لا يجوز لها أن تبرر تجاوز هذا المبدأ أو هذا التشريع، أو الانتقاص منه، فضلا عن تكريس نقيضه!! بحجة (الواقع) الذي أفرزه أو انبنى عليه.
والعجيب بعد هذا أن يتوهم بعض الدارسين أن (الوحي) كان استجابة (للواقع)!! اعتمادا على أن بعض آيات التشريع أو الأحكام جاءت بسبب نزول معين. وعلى الرغم من أننا سوف نتناول الرد على هذا الزعم في مبحث سبب النزول؛ فإن حديثنا قبل قليل عن «التربية من خلال الواقع» - الحكمة الرابعة السابقة من حكم تنجيم القرآن- قد يكون مشمولا بهذا الوهم أو الزعم؛ الأمر الذي يفرض علينا إيجاز القول في نقضه هنا ببعض النقاط:
1 -
إن معظم آيات القرآن الكريم نزلت ابتداء، أي بدون سبب نزول خاص أو معين. ويدخل في ذلك الجانب الاعتقادي كله، أو آيات الإيمان
(1) انظر «في ظلال القرآن» للأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، ص 532 - 533 (المجلد الأول) الطبعة الرابعة، دار الشروق 1977.
والاعتقاد. ويتصل بهذه الآيات أو بهذا الجانب في القرآن الكريم سائر آيات العهد المكي بموضوعاتها الرحبة والمتعددة: (الكون والطبيعة- الإنسان- التاريخ).
وبعض آيات هذا الجانب نزلت فهدمت (الواقع) القائم، وعفت على آثاره أو أقامت على أنقاضه بناء شامخا يأوي إليه (الإنسان) في جميع العصور. كما أن بعضها الآخر (أسّست) معارف جديدة ليست مرتبطة (بواقع) معين! سواء أكان واقع عصر النزول أم غيره! (مظاهر خلق الطبيعة، وتسخير السنن، وخلق الإنسان، وحياة الأنبياء، وتاريخ الأمم والحضارات
…
إلخ) وفي كلا هاتين الحالتين فإن من سوء الفهم والقصد معا، أن يقال: «إن الوحي نزل حسب متطلبات الواقع أو كما يقول علماء الأصول: طبقا لأسباب النزول وتبعا لإمكانيات تقبله!
…
» (1)
أو أن يقال: إن الواقع إذا اشتد اشتد الوحي، وإن تراخى تراخى الوحي معه!
2 -
الآيات التي كان لها سبب نزول خاص لا تعدو أن تكون بعضا أو طرفا من آيات الأحكام، أو الجانب التشريعي في القرآن الكريم؛ علما بأن آيات هذا الجانب جميعها لا تزيد في القرآن عن مائتي آية! وحين تصفحنا الروايات التي وردت في أسباب النزول، وجدنا أن ما يعتد به منها عند المحدّثين أقل من القليل! مع الإشارة إلى ضرورة ملاحظة ما ليس من هذا الباب .. أو تحديد المراد بسبب النزول والتدقيق في فهم عبارات المفسرين حوله، من أجل الوقوف على ما يمكن عدّه من هذا الباب، وإخراج ما ليس منه. وقد اتفق علماء التفسير وعلوم القرآن على أن سبب النزول يراد به «ما نزلت الآية أو الآيات مبيّنة لحكمه أيام وقوعه» ، وهذا هو المعبّر عنه «بالواقع» في العبارة السابقة!
3 -
هذا القدر نفسه يمكن عده- كما قلنا- أمثلة أو شواهد على مدى
(1) حسن حنفي: قضايا معاصرة 1/ 92 وانظر مناقشة لهذه القضية، وردا علميا ضافيا في مبحث: التراث والتجديد للزميل الفاضل الأستاذ الدكتور أحمد محمد الطيب، حولية كلية الشريعة بجامعة قطر، العدد الحادي عشر 1993 م.
(الواقعية) في هذه الأحكام والتشريعات، بمعنى نفي الطوباوية عنها، أو نفي المثالية التي ليست أكثر من رؤيا في عالم الخيال، أو رسما على الورق أو في الفراغ، كما فعل بعض الفلاسفة على سبيل المثال. وحين يتأمل المرء هذا القدر يجد أنه قام على بيان أحوال نابعة من طبيعة الإنسان، أو «مفصّلة عليه» ، إن صح التعبير، بغض النظر عن ملابسات الزمان والمكان والأشخاص، أي أنه قدم نماذج إنسانية، وصورة ما يجب أن تكون عليه هذه النماذج إلى يوم الدين. ومن هنا جاءت عبارة الأصوليين المشهورة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وفي وسعنا أن نفهم سبب النزول- في ضوء هذه الملاحظات- على أنه المناسبة التي استدعت ظهور الحكم، ووضعه موضع التطبيق، أي بداية توقيت العمل به
…
في نسق هدم أوضاع الجاهلية، وبناء أحكام الإسلام في النفس والمجتمع
…
يوما بعد يوم، أو طيلة عصر التنزيل.
وغني عن البيان أن أحداث السيرة ووقائع الجماعة الإسلامية الأولى- التي أشرنا إليها في النقطة الأولى السابقة- ليست داخلة في نطاق أسباب النزول بهذا المفهوم، أو بمفهوم (الواقع) الذي قيل فيه ما قيل! لأنها قضية تسجيلية في المقام الأول، أقرب ما تكون إلى حديث القرآن الكريم عن تاريخ الأنبياء والأمم السابقين.
وحين تناولت الآيات الكريمة من هذه الأحداث والوقائع جوانب أخرى متصلة بالواقع، بالمعنى المشار إليه أو المتحدث عنه، لم يأت هذا التناول استجابة للواقع أو تبريرا له، ولكنه جاء- كما قلنا في هذه النقطة- تصحيحا وتقويما لحركة التطبيق والتنفيذ. بل يمكن القول إن أحداث السيرة بوصفها جزءا من (التاريخ) واكبت الوحي ومشت
في ركابه طيلة عصر التنزيل الذي نتحدث عنه كدليل على أن (الوحي) أو الثقافة بمعناها الشامل هي التي صنعت التاريخ وليس العكس. ولا يتسع المقام هنا لبسط القول في هذه النقطة التي توضح العلاقة بين