الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعا- قاعدة عثمان في الجمع ومزايا المصاحف العثمانية:
1 -
كتابة القرآن بلغة قريش لأنه إنما نزل بلسانهم، وهكذا احتفظت كلمة «تابوت» التي كانت تكتب «تابوه» في المدينة بشكلها المكي. أخرج البخاري والترمذي، قال ابن شهاب: اختلفوا يومئذ في (التابوت) فقال زيد: (التابوة) وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص (التابوت) فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال اكتبوه (التابوت) فإنه بلسان قريش (1). قال ابن عطية: قرأه زيد بالهاء، والقرشيون بالتاء، فأثبتوه بالتاء (2).
2 -
جرّدت المصاحف العثمانية من كل ما ليس قرآنا، كالشروح والتفاسير التي كان يكتبها بعض الصحابة في مصاحفهم مثل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [سورة البقرة، الآية 198] فقد كتبها ابن مسعود:
«ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم (في موسم الحج) (3) وقرأ غيره «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة- صالحة- غصبا» بزيادة كلمة «صالحة» بطريق الشرح والتفسير، أو للإشارة إلى سبب النزول أو أخذا منه، لأنهم- كما قدمنا- كانوا يكتبون هذه المصاحف لأنفسهم، ويدونون عليها بعض التفاسير؛ لأنهم محققون لما تلقوه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرآنا، فهم آمنون من الالتباس.
3 -
كانت هذه المصاحف خالية من الإعجام أو النقط والشكل، مما فسح
(1) جامع الأصول لابن الأثير الجزري 2/ 506.
(2)
القرطبي 1/ 54.
(3)
أخرج البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام فكأنهم تأثّموا أن يتّجروا في المواسم، فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
في مواسم الحج. قرأها ابن عباس هكذا.
المجال لقراءة القرآن بأي من الحروف السبعة التي نزل عليها، وبذلك لم يسقط عثمان- رضي الله عنه شيئا من قراءات القرآن، ولم يمنع أحدا من القراءة بأي حرف شاء ما دامت هذه الحروف كلها منقولة بالتواتر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورسول الله يقول:«فأيّ ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا» كما سنوضح ذلك في بحث الأحرف السبعة.
(أ) فإن كان في الكلمة الواحدة أكثر من قراءة، وكان رسمها يقرأ بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل، وبجميع القراءات، رسمت في جميع المصاحف برسم واحد، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [سورة الحجرات، الآية 6]. فقد كانت تكتب «فسوا» وتصلح أن تقرأ «فتثبتوا» وهي قراءة أخرى. وكذلك كلمة «ننشزها» من قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [سورة البقرة، الآية 259] فإنّ تجرّدها من النقط والشكل يجعلها صالحة لأن تقرأ «ننشرها» وهي قراءة معروفة أيضا.
فإن قيل إن الرسم العثمان الخالي من الشكل والنقط، يتيح المجال للكثير من الألفاظ القرآنية أن تقرأ بأكثر من وجه واحد، فهل تجوز القراءة بهذه الوجوه؟
قلنا إن الأمثلة المذكورة التي صلح الرسم فيها للقراءتين المذكورتين إنما جاز القراءة فيهما لورود الدليل القاطع على صحة القراءة بهما؛ إما لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما، أو لأن أحد الصحابة قرأ بأحدهما بحضوره فأقرّه النبيّ ولم ينهه عن ذلك. أما ما وراء ذلك فلا تجوز القراءة فيه بغير الوجه الواحد المروي بطريق التواتر. ولذلك اعتبرت قراءة «شاذة» كل ما وجد عليها دليل آحادي غير متواتر ولو صلح الرسم للقراءة بها، كقراءة: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ برفع لفظ الجلالة ونصب كلمة «العلماء» فهي قراءة شاذة، لأن القراءة المروية عن الثقات؛ بنصب لفظ الجلالة ورفع العلماء.
(ب) أما إذا كان اللفظ القرآني الذي جاء فيه أكثر من رواية متواترة يتعذر رسمه في الخط محتملا لجميع الوجوه- بدون إعجام- فإنهم كانوا يرسمونه في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة- أو حرف- وفي بعض آخر برسم يدلّ على قراءة أخرى، كقراءة «وصّى» بالتضعيف، و «أوصى» بالهمز، الواردتين في قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [سورة البقرة، الآية 132].
وغني عن البيان أنهم لم يكونوا يكتبون بالرسمين في مصحف واحد! حتى لا يظن أن الثاني تصحيح للأول- على سبيل المثال- خصوصا إذا كتب أولهما في الأصل، والآخر في الحاشية، أو أن الأول أصل، والثاني فرع أو جائز أو محتمل، فيرجح أحدهما على الآخر بدون مرجح. أو حتى لا يتوهم متوهم أن اللفظ نزل مكررا بالوجهين في قراءة واحدة.
ونقول هنا تعقيبا على هذه الفقرة (ج) بنقطتيها هاتين: إن المصاحف العثمانية التي كتبت على هذا النحو، وأضحت معتمد القرّاء في البلاد التي وجّه إليها عثمان بهذه المصاحف .. كانت وراء اختيارات القرّاء من الأحرف التي نزل عليها القرآن الكريم، أو السبب في التزامهم برسم المصحف الذي وصل إلى مصرهم؛ قال القرطبي: إن عثمان- رضي الله عنه «وجّه للعراق والشام ومصر بأمهات، فاتخذها قرّاء الأمصار معتمد اختياراتهم، ولم يخالف أحد منهم مصحفه على النحو الذي بلغه. وما وجد بين هؤلاء القرّاء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم، فذلك لأن كلا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه؛ إذ كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ، ولم يكتبها في بعض؛ إشعارا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة» (1).
وأخيرا، فإن عثمان- رضي الله عنه كلّف اللجنة بنسخ عدد من
(1) تفسير القرطبي 1/ 54 وانظر مناهل العرفان 1/ 252.