الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ظهرانيهم، كالأوردية على سبيل المثال. بالإضافة إلى إصابة هذه الشعوب جميعا قدرا لا بد منه من اللغة العربية، وهو القدر الذي تقيم به بعض سور القرآن الكريم لأداء الصلاة والعبادة وبعض القراءات والأحكام الدينية الأخرى.
وإن من أهم الأمور التي يجب اعتبارها في هذا الموطن أن القرآن الكريم قد تعبّد المسلمون بتلاوته وألفاظه وحروفه. لأن التحدي- كما سنرى في تعريف القرآن- قد وقع بلفظه ومعناه، ولهذا لم يكن القارئ لترجمته قارئا للقرآن، وعلى هذا: لا يترتب على تلاوته هذه أي أثر من آثار الثواب الذي وعد به النبيّ صلى الله عليه وسلم قارئ القرآن، وهو أن له بكل حرف عشر حسنات- كما جاء في الحديث- قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها؛ لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (1) ومعنى ذلك أننا نملك معادلتين اثنتين، تنص الأولى على ثواب قارئ القرآن وتحض المسلمين- كل المسلمين- على تلاوته وتدبره. وتنص الثانية على أن الترجمة لا تعتبر قرآنا، كما أجمع على ذلك العلماء في جميع العصور. وبهذا يغدو التعريب بالقرآن وتحت رايته جزءا لا يتجزأ من رسالة الإسلام.
-
حول تخلف حركة التعريب عن انتشار الإسلام:
إن لتخلف حركة التعريب عن انتشار الإسلام في بعض المواطن أسبابا تاريخية وموضوعية لا مجال هنا للإفاضة في الحديث عنها، ولكن في وسعنا أن نشير إلى أن انتشار الإسلام الذي تم في جزائر الهند الشرقية ووصل إلى أقاصي أندونيسيا قد تم بجهود أفراد من التجار الذين كانوا يرحلون من جنوب الجزيرة العربية بحرا بالسفن الشراعية، وإن هؤلاء مع بعض الدعاة القلائل كانوا قادرين على دعوة الناس إلى الإسلام بعملهم وقولهم، ولكنهم لم يكونوا يملكون القدرة على تحويل الناس عن لغة معاملتهم وخطابهم
…
هذا بالإضافة إلى ما تم في هذه
(1) رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه.
البلاد- مثلا- من تعريب شامل في معاهد العلم الديني والدراسات الإسلامية بعد ذلك. وقل مثل ذلك أو قريبا منه في انتشار الإسلام في إفريقية جنوب الصحراء.
كما أن انتشار الإسلام في بعض المراحل تم على أيدي المغول وعلى أيدي السلجوقيين والعثمانيين، بعيد حملهم لرسالة القرآن، وقبل أن يتعلموا هم لسانه العربي المبين!
أما البلاد التي دخلها القرآن في زمن الفتوح الأولى، فإن اللغة العربية لم تنحسر عنها، والمثال الرئيسي هنا هو بلاد فارس، إلا بعد بضعة قرون على التحقيق، وبعد الحركات الشعوبية والانفصالية التي قادها حكام طامحون وقاوموا في تيارها ما يستطيعون مقاومته من عوامل الاستعراب
…
على أن التعبير هنا بالانحسار لا يبدو أنه تعبير دقيق، فإن هذا لم يتم في أي عصر من العصور.
(1) من المقدمة التي كتبها الدكتور طه حسين رحمه الله لكتاب: القرآن الكريم واللغة العربية، للشيخ أحمد حسن الباقوري. طبع دار المعارف.
ولا يحسن إنهاء هذا الحديث الموجز عن القوة الدافعة التي أصابتها اللغة العربية بفضل القرآن الكريم، قبل الإشارة إلى أنه لا يصح تفسير هذا المد الهائل الذي أصابته اللغة العربية بغير عوامل جلال القرآن ورسالته، وعامل حب هذه اللغة وتفضيلها على اللغات المحلية الخاصة السابقة لدخول أصحابها في الإسلام، ولهذا فإن من فساد الرأي ما ذهب إليه بعض المغرضين من أن اللغة العربية اعتمدت في انتشارها على السلطة الحاكمة، أو السلطة الغازية، لأن هذه المنطقة غزيت قبل الإسلام وأيّدت لغة الغازي بالسلطة السياسية، لكن الشعوب المغلوبة رفضتها متشبثة بتراثها ولغتها، وبقيت متشبثة بها حتى دخول الإسلام، ثم تم هذا التخلّي بعد ذلك في ظل القرآن، وغير بعيد في الوقت نفسه عن قوانين علم الاجتماع، تقول الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن:
«ولم يكن موقف الشعوب من لغة القرآن أن فرّطت في ألسنتها فجأة، أو أكرهت على التخلي عنها بحد السيف، كما ذهب المؤرخ (فيليب حتى) في تاريخه الكبير، ولا صدرت قوانين ملزمة به من الدولة، وإنما مر الصراع اللغوي في مراحله الطبيعية التي تحكمها سنن الاجتماع، فبدأ بمرحلة عزلة تفاوتت بين قطر وآخر باختلاف طبيعة الإقليم قربا وبعدا، وميراثه الفكري والحضاري ومسلكه الصوتي واللغوي
…
» ثم تقرر أن هذه «المرحلة اللغوية لم تطل، والقرآن الكريم هناك يفتح للعربية قلوب من أسلموا» (1).
وتقول في التعقيب على انتصار العربية على اللغات الأجنبية المفروضة على المنطقة- الرومانية واليونانية والفارسية والبيزنطية- ثم في مواجهتها للّغات الوطنية:
«وكان من المتصور أن تجمع هذه الشعوب بين العربية لغة دين، وبين لغاتها القومية التي صانتها طويلا ضد الغزو، لغة حياة، ولكن لم يمض جيل أو جيلان
(1) كتاب: لغتنا والحياة، للدكتورة بنت الشاطئ.