الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موضوع واحد، أو التي تواردت عليه، بغض النظر عن أسباب هذا التجزي.
ثالثا- الظلال وشروط التفسير المعاصر:
وإذا ربطنا أخيرا بين هاتين الملاحظتين وبين حديثنا السابق عن التفسير بالمأثور أدركنا الأهمية القصوى لكتابة تفسير للقرآن الكريم يمتاز بثلاثة أمور:
الأمر الأول: انطلاقه- أو ملاحظته- للغرض الأساس الذي نزل القرآن الكريم من أجله، والمتمثل- كما قلنا- في إنشاء أمة لها خصائصها ومميزاتها، وتربية جيل على قواعد من التربية الربانية تجعله صورة ناطقة عن الحق الذي نزل به القرآن. كل ذلك بما يتناسب- في هذا العصر- مع انفراط عقد الأمة والدولة الإسلامية، ومع انتقاص الإسلام من أطرافه والعدوان على شريعته وأحكامه في ظل المناخ العلماني السائد الذي فصل في واقع حياة المجتمعات الإسلامية بين (الدين) ونظام الحياة. بل بما يذكّر بظروف نشأة الإسلام الأولى، والمسلمون قلة؛ وأعداء الإسلام يتربصون بهم وبدعوتهم الدوائر؛ وبحيث لا يكون الانطلاق من فكرة تقديم زاد ثقافي للمسلم، بل إعادة صياغته وفقا لمنهج كتاب الله تعالى.
الأمر الثاني: تسجيله لمعاني القرآن التي فهمها الصحابة- رضوان الله عليهم-، واستلهموها وعاشوا تطبيقها العملي الذي لم يعرف تفريقا بين النظرية والتطبيق- كما قلنا (1) - والتي يمكن الاهتداء إليها- في المقام الأول- في ضوء اختلاف التنوع فيما أثر عنهم من كلام مكتوب. ثم في ضوء الاهتمامات العملية لحركة المجتمع في مواجهة أعدائه .. لتكون كلمة الله هي العليا، كما تتضح في موقف الصحابة- على سبيل المثال- يوم بني قريظة، حين عجل بعضهم صلاة العصر وأخّرها البعض الآخر!
(1) راجع إضافاتنا السابقة في موضوع تنجيم القرآن.
الأمر الثالث: محاولته تجاوز عصر الخلاف، أو عصر المذهبيّة الفكرية في تفسير القرآن التي وقعت في خطأ المقرر الفكري المسبق كما أشرنا؛ وذلك خضوعا للمدلولات القرآنية المباشرة، أو بصورة مباشرة. على ما يحتاج إليه هذا الأمر من ثقافة واسعة، وحس مرهف، وتمكّن علمي، وتجربة عملية أو نهوض بأعباء الدعوة يؤهل صاحبه- في ظل أوهاق المناخ السابق- لمثل هذا الفهم المتكامل الذي يتخلّص من التجزي أو من أخذ الصورة القرآنية تفاريق!
الأمر الذي يعيد للتنزيل العزيز، بملابساته التي أشرنا إليها في مبحث التنجيم، طبيعته في إقامة مجتمع المسلمين ودولة الإسلام، وفي تحدي الكفار والمنافقين وسائر المجتمعات المناقضة الأخرى، بعد هذا الاشتغال الطويل من قبل المفسّرين بالتحديات «الداخلية» التي قامت في المجتمعات الإسلامية عبر تاريخها الطويل.
وعندنا أن «في ظلال القرآن» امتاز بهذه الأمور الثلاثة؛ فلم يكن بذلك من أهم المعالم الرئيسة في تاريخ التفسير، فحسب، بل كان كذلك تفسير العصر الذي لا يغني عنه تفسير آخر من تفاسير علمائنا الأوائل- رحمهم الله تعالى-، وجزاهم عن كتابه أحسن الجزاء: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى. ولكن قد يكون من المقدمات الضرورية لفهم الظلال والأخذ عنه- نظرا لضعف السليقة اللغوية في أبناء العصر- دراسة كتاب دقيق في غريب القرآن، كمختصر تفسير الطبري، أو مفردات القرآن للراغب الأصفهاني.
أما الأمر الأول فإنه يشكل قاعدة هذا التفسير، ونسيجه المتفرد الخاص، كما هو واضح لأي قارئ شدا طرفا من العلم والمعرفة. وليس إدراك الأمر الثاني في تفسير الظلال بأبعد منالا من إدراك الأمر الأول؛ لأنهما ينبعان من مشكاة واحدة، فقد تمثلت في جيل الصحابة أمة القرآن بكل خصائصها ومميزاتها
…
وهذه هي الأمة التي كانت تتراءى لسيد- رحمه الله من خلال نصوص القرآن الكريم، وهو