الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوليد بن المغيرة، فكر فقدر ثم ذهب إلى أن القرآن سحر يؤثر، وظن أن نسبة السحر إلى محمد كافية أن تصد الناس عنه، ولكن غيره من ذوي الرصانة النقدية ينظرون في القرآن كما نظر الوليد، وهم على عدائهم للدعوة المحمّدية، يتفقون مع الوليد على أن القرآن ليس شعرا أو رجزا أو قصيدا، ويزيدون فيخالفونه فيما زعم من السحر، لأنهم من بيئة تعرف السحر والكهانة حق المعرفة، ولا ترى فيما يصدع به محمد من الآيات مشابها لما يأتي به السحرة من الرقى والعزائم، فقرآنه بمنزلة معجزة من البيان لا يجوز لعاقل يحترم تفكيره أن ينسبه إلى رقى السحرة وعزائم الكهنة» اه.
ثالثا- معنى الإعجاز، أو الإعجاز الذي وقع به التحدّي:
هذا الإعجاز ما وجهه، وما حقيقته، وبم صار القرآن مباينا لكلام العرب؟
هل صار مباينا لهذا الكلام من وجه بياني صرف؟ أم بخصائص موضوعية تتصل بالأمور الغيبية والتشريعية الأخرى التي جاء بها القرآن الكريم، والتي لم يكن في وسع أحد- كائنا من كان- أن يأتي بها في بلد كمكة، وظرف كالظرف الذي وجد فيه محمد- عليه الصلاة والسلام.
إن الدراسات النفسية التحليلية والاجتماعية كما قلنا في مبحث الوحي، اتفقتا على مصدر القرآن وعلى صحة النبوّة، وأن نسبة القرآن إلى الله تعالى ليس ادّعاء أو محض افتراء، ولكن هل في ذلك دليل على إعجاز القرآن الذي نحن بصدده؟
هذه النقطة الهامة- قبل الحديث عن أوجه الإعجاز البيانية، والإعجاز الموضوعي- كما يسمى تجوّزا- قد جلّاها تجلية رائعة الأستاذ الكبير محمود شاكر، فذكر هنا حقيقتين هامتين يحسن نقلهما هنا بقلمه قبل الخوض في هذا الموضوع وبيان آراء العلماء فيه:
قال الأستاذ محمود شاكر: «ولا مناص لمتكلم في إعجاز القرآن من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلا ظاهرا لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما:
أولاهما: أن (إعجاز القرآن) كما يدل عليه لفظه وتاريخه هو دليل النبيّ صلى الله عليه وسلم على صدق نبوته، وعلى أنه رسول من الله يوحى إليه هذا القرآن. وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعرف «إعجاز القرآن» من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه من العرب، وأن التحدّي الذي تضمنته آيات التحدّي من نحو قوله تعالى:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)[سورة هود، الآيات 13 - 14].
وقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)[سورة الإسراء، الآية 88].
إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك، فما هو بتحد بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان.
ثانيتهما: أن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله سبحانه، لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز، ولا أظن أن قائلا يستطيع أن يقول: إن التوراة والإنجيل والزبور كتب معجزة، بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن من أجل أنها كتب منزلة من عند الله. ومن البيّن أن العرب قد طولبوا بأن يعرفوا دليل نبوّة رسول الله، ودليل صدق الوحي الذي يأتيه، بمجرد سماع القرآن نفسه، لا بما يجادلهم به حتى يلزمهم الحجة في توحيد الله، أو تصديق نبوّته، ولا بمعجزة
كمعجزات إخوانه من الأنبياء مما آمن على مثله البشر. وقد بيّن الله في غير آية من كتابه أن سماع القرآن يقتضيهم إدراك مباينته لكلامهم وأنه ليس من كلام البشر، بل
هو كلام رب العالمين، وبهذا جاء الأمر في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6)[سورة التوبة، الآية 6].
فالقرآن المعجز هو البرهان القاطع على صحة النبوة، أما صحة النبوة فليست برهانا على إعجاز القرآن، والخلط بين هاتين الحقيقتين، وإهمال الفصل بينهما في التطبيق والنظر، وفي دراسة «إعجاز القرآن» قد أفضى إلى تخليط شديد في الدراسة قديما وحديثا، بل أدى هذا الخلط إلى تأخر «علم إعجاز القرآن» و «علم البلاغة» عن الغاية التي كان ينبغي أن ينتهيا إليها (1).
يتبين من خلال هاتين الملاحظتين، ومن خلال الموقف الذي عرضناه في السابق- موقف العرب من القرآن- ومن خلال مطالبة النبيّ صلى الله عليه وسلم لعشيرته وقومه أن يؤمنوا بدعوته ورسالته ويقرّوا له بصدق نبوّته بدليل واحد هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه، يتبين من كل هذا: المعنى المراد بإعجاز القرآن.
وهو أن القرآن يحمل في بيانه الدليل الكافي على أنه ليس من كلام البشر إذ لا معنى للمطالبة بالإقرار بمجرد التلاوة، إلا أن هذا المقروء عليهم كان هو في نفسه آية فيها أوضح الدليل على أنه ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم، ولا من كلام بشر مثله.
ثم لا معنى لهذه المطالبة البتة إلّا أن يكون في طاقة هؤلاء السامعين أن يميزوا تمييزا واضحا بين الكلام الذي هو من نحو كلام البشر، والكلام الذي ليس من نحو كلامهم، كما يقول الأستاذ شاكر. والله تعالى أعلم.
(1) انظر المقدمة القيمة التي صدّر بها الأستاذ محمود شاكر كتاب «الظاهرة القرآنية» للأستاذ مالك بن نبيّ رحمه الله.