الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلام العرب، بما في ذلك بعض خطب النبيّ صلى الله عليه وسلم نفسه، وخطب سيدنا على بن أبي طالب- كرّم الله وجهه-، وخطب أخرى لسائر أرباب الفصاحة والبيان في الجاهلية والإسلام .. ليضع بين يديك فيما يبدو- أي الباقلاني- الموقف العملي، أو الدرس التطبيقي الذي تحسه أنت وتعيشه- كما يقال- والذي يثبت لك انفصال كلام الله عن سائر أنواع الكلام بوجوه من البيان صار بها معجزا
…
وإن قصّر بالكاتب علمه وقلمه عن إدراك هذه الوجوه، أو عن نقلها والتعبير عنها
…
هذا في كتاب الباقلاني جانب إيجابي فيما نقدر، نحب بهذه المناسبة أن ننوّه به ونلفت النظر إليه.
ثانيا- الإعجاز حقيقة تاريخية:
قال الجاحظ: «بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدّة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار: الهوى والحميّة دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج بالقرآن، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه- إن كان كاذبا- بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديا لهم بها، وتقريعا لعجزهم عنها، تكشف عن نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيا!
فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوا مفتريات!! فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر
…
ولو تكلّفه (أي لو استطاعه) لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض.
فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستقامة لغتهم، وسهولة
ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم، وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه، من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال. وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات.
ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع، والمزدوج، واللفظ المنثور. ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم، فمحال- أكرمك الله- أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة!! وكما أنه محال أن يطيقوه ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه» اه.
نقلنا لك هذا النص بطوله من كلام هذا الإمام من أئمة الفكر والبيان في أدب العرب، لأنه يلخص جميع المقدمات التاريخية التي كنا نود الحديث عنها، ويغني فيها ما تغنيه المطوّلات. إلى جانب ما أشار إليه من نقاط كثيرة أخرى يصعب بسط الكلام فيها في مثل هذه الفصول الموجزة. وبحسبنا هنا أن نشير إلى تأثير القرآن الكريم في العرب كأنه السحر، ولكنه ليس بالسحر «فشتان بين السحر في تخييله، وبين القرآن في اشتماله على الحق الذي لا خداع فيه ولا تخييل» (1) كما يقول الشيخ الزفزاف رحمه الله،
وكان ذلك فيهم منذ اللحظة الأولى لنزول القرآن، سواء منهم من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره غشاوة. قال صاحب
(1) التعريف بالقرآن والحديث، للأستاذ الشيخ محمد الزفزاف.
بل بلغ من تأثير القرآن فيهم أنهم خافوا على من يعرف بليغ القول من قومهم أن يسلموا لسماع القرآن، فقالوا لهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)[سورة فصلت، الآية 26]. إنها طريقة في النصر والغلب طريفة وسابقة: والغوا فيه!! .. أي لا تمكنوا الناس من سماع القرآن، وذلك بما تحدثونه، عند قراءة النبيّ له، من صخب وتشويش وضوضاء!
روى البيهقي في دلائل النبوة أن أبا جهل بن هشام، وأبا سفيان بن حرب، والأخنس بن شريق كانوا يتواصون ألا يستمعوا لهذا القرآن، ويحذرون الناس أن يميلوا إلى سحره! ولكنهم تحت تأثير لا يستطيعون مقاومته كانوا يتسلّلون تحت جنح الظلام إلى حيث يستمعون إلى النبيّ وهو يقرأه في الكعبة .. فإذا انصرفوا بعد القراءة تلاقوا في الطريق فأخذوا يتلاومون ويتعاهدون ألا يعودوا .. وذلك خوفا من أن يقتدي بهم الملأ من قريش .. وفي الليلة الثالثة اجتمعوا وتلاقوا مستنكرين، فلما كان الصباح ذهب الأخنس بن شريق إلى أبي سفيان فقال له:
أخبرني أبا حنظلة عما سمعت من بيان محمد! فقال: لقد سمعت أشياء أعرفها
(1)«التصوير الفني في القرآن» لسيد قطب رحمه الله، ص 11.
وأعرف ما يراد منها! فقال الأخنس: وأنا كذلك. ثم انصرف إلى أبي جهل ليسأله عما سأله أبا سفيان، فقال أبو جهل في غيظ: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف! أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا! حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبيّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟! والله لا نسمع إليه ولا نصدقه!
لو كان هؤلاء لا يستشعرون روعة القرآن، أو لا يدركون سحره وتأثيره لما تعاهدوا على اجتنابه ثم اندفعوا إلى الاستماع إليه، ثم بم نعلل- كما يقول بعض النقاد- «حرص الأخنس على سؤال أبي سفيان وأبي جهل عن أثر القرآن في نفسيهما، وقد حرصا على الاستماع إليه حرص الكاره الغضوب لا المعجب الودود؟ أما أبو سفيان فقد أجمل وأبهم! وأما أبو جهل فقد انفجر حنقا يكشف عن نفسه الستار الخادع إذ يعلن أن المسألة ليست مسألة الوحي، ولكنها مسألة المنافسة بين بني عبد مناف وبني مخزوم» .
ولهذا لم يكن قولهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [سورة الشعراء، الآية 26].
وقولهم: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)[سورة الفرقان، الآية 5].
أو قولهم: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)[سورة الأنفال، الآية 31]
…
لم يكن هذا إلا تعبيرا عن الجحود، والعناد والمكابرة، واللجاج في الباطل «كالذي ينكر ضوء الشمس وقد بهرت عينيه لعلة تدفعه إلى البهتان» لأننا لا ندري لماذا لم يقولوا مثله؟! ولهذا لم يعارضوه حين فاجأهم التحدّي في سورة يونس: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38)[الآية 38]! والمعنى هنا كما قال الجاحظ:
هاتوا مفتريات! أو حين نزل عليهم بعد ذلك في سورة الإسراء: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ
الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)[الآية 88].
أما تولي الوليد بن المغيرة الذي أشرنا إليه آنفا، فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قام يصلي في المسجد، وأخذ يقرأ القرآن، والوليد بن المغيرة قريب منه يستمع قراءته، فلما فطن النبيّ لاستماعه أعاد القراءة. قال: فكأنه رقّ له، فانطلق إلى مجلس قومه بني مخزوم. فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلهم! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه! وقعد إليه حزينا وكلّمه بما أحماه، وما زال به حتى أتى مجلس قومه، فقال: تزعمون أن
محمدا مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون إنه كاهن، فهل رأيتموه قط يتكهّن؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا- وفي رواية: والله ما في قريش رجل أعلم بالشعر أو رجزه أو قصيده مني، ولا والله ما يشبه الذي يقول محمد شيئا من هذا الشعر أو ذلك الرجز- وتزعمون أنه كذاب، فهل جرّبتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في ذلك كله: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟!
…
ففكّر وقدّر، ثم قال: ما هو إلا سحر يؤثر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فارتج النادي فرحا، وتفرقوا معجبين بقوله (1).
وهذا هو ما أشار إليه سبحانه بقوله: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)[سورة المدثر، الآيات 18 - 24].
يقول بعض الأدباء النقاد في التعقيب على قصة الوليد هذه: «هذا هو
(1) الإتقان للسيوطي 2/ 117 وسيرة ابن هشام 1/ 283.