الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلوم الطب، وعلم الفلك، وعلم النبات، وعلوم الجغرافية، وعلوم البحار، وعلم الإنسان، وعلم الأخلاق
…
في الكتب والمؤلفات، وفي الندوات والمؤتمرات، ليعلم معنى رحابة الموضوعات القرآنية، ومعنى معارف القرآن التي سبقت العصور
…
وكيف أن محمد بن عبد الله- الصادق المصدوق- صلوات الله وسلامه عليه-، إنما كان واسطة لعلم غيبي مطلق! وأن الذّكر الذي قرأه على العالمين، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين.
الجانب الثاني- أحوال النبيّ مع هذه الظاهرة:
أما الجانب الثاني الذي نؤكد من خلاله على صدق ظاهرة الوحي- وأنه لم يكن ظاهرة مرضية أو من حديث النفس أو إشراق الذات!! - فهو أحوال النبيّ مع هذه الظاهرة:
(أ) فكم مرة أبطأ عنه الوحي هو في انتظار له ليفتي في أمر أو يجيب في مسألة، حتى أرجف المشركون بهذا الإبطاء والانقطاع، وحتى قال قائلهم: لقد قلى محمدا ربه! فنزل قول الله تبارك وتعالى: وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4) الآيات.
(ب) وكم مرة نزل عليه الوحي، وهو بحسب أحوال الإنسان العادية- ودع عنك فروض علماء النفس أو الصحة النفسية! - على غير استعداد .. حتى عدّ العلماء من علوم القرآن، أو من أنواع القرآن- بحسب حالات نزوله على النبيّ صلى الله عليه وسلم: «الحضري، والسفري، والنهاري، والليلي، والصيفي، والشتائي، والفراشي، والنومي
…
» إلى آخر هذه الأنواع.
أقول: ومتى كان يكتب- أو يملي من ذاكرته! - المريض والنائم
…
أو العائد من قتال الأعداء وقد أثخنته الجراح أو بلغ به التعب كل مبلغ؟ ثم كيف يتأتى له أن يأتي في جميع هذه الأحوال بنسق واحد من الكلام هو النسق المعجز المعهود في سائر أحواله بدون استثناء!
وفي وسعنا أن نفهم هذه النقطة في ضوء سائر النقاط التي نوردها في هذا الجانب. أو بعبارة أخرى: علينا أن نلاحظ اجتماع هذه النقاط- وغيرها كثير- في الموقف الواحد، والحالة الواحدة.
(ج) وكم مرة نزل عليه الوحي بغير ما يحبه ويميل إليه .. وربّما خطّأه تارة، وتلقاه بشيء من العتاب أو التحذير تارة أخرى! قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1)[سورة التحريم، الآية 1].
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (43)[سورة التوبة، الآية 43].
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [سورة الأحزاب، الآية 37].
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (68)[سورة الأنفال، الآيات 67 - 68].
وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65)[سورة الزمر، الآية 65].
وقال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (47)[سورة الحاقة، الآيات 44 - 47].
وعزّ وجه النبيّ الكريم، وتنزّه مقامه عن أن يتقوّل على الله
…
وهو الذي لم يكن يكذب على الناس، ولكنه الإعلام الإلهي القاطع في أن النبيّ صلى الله عليه وسلم متلق عن الله لا متقول عليه!
(د) يضاف إلى ذلك- كما هو واضح من هذه الآيات- أن القرآن الكريم يتحدث عن محمد صلى الله عليه وسلم بصيغة المخاطب، أو الغائب، ويناديه بوصف النبوة
والرسالة، ويأمره من باب التعليم والإرشاد والتثبيت (1).
قال تعالى:* يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
…
[سورة المائدة، الآية 67].
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)[سورة المزمل، الآيات 1 - 2] إلخ السورة.
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (1)[سورة المنافقون، الآية 1].
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164)[سورة آل عمران، الآية 164].
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1)[سورة الكهف، الآية 1].
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [سورة الفتح، الآيتان 28 - 29].
وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)[سورة الكهف، الآية 28].
والآيات في هذا كثيرة جدا كما هو معلوم، بل إن طبيعة النص القرآني، أو طبيعة بناء هذا النص قائمة على هذا الوضوح المطلق بين مقام الألوهية ومقام
(1) راجع: نظام الإسلام، العقيدة والعبادة، لأستاذنا محمد المبارك رحمه الله. طبع دار الفكر بدمشق.
النبوة، وعلى أن كل مقام سوى مقام الخالق جلّ وعلا، داخل في باب العبودية لله، والخضوع لربوبيته
…
وإن كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء الكرام يتقدمون هذا الركب بوصفهم العباد المصطفين الأخيار.
كما يدل النص القرآني كله، وبوضوح كامل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم في مقام التلقي عن الله تعالى.
(هـ) وأخيرا، فإننا قد نهتدي بقليل من التأمل إلى ملاحظة عدم انفعال القرآن بالأغراض التي ينفعل لها الأنبياء، فضلا عن سائر الناس، كما لا تعرض للذات الإلهية، التي يلمحها القارئ من خلاله، الحالات النفسية التي تعرض لهم! فلقد اغتمّ النبيّ- صلوات الله وسلامه عليه- على سبيل المثال- وأصابه الحزن والألم بسبب إعراض قومه عن الهداية وإصرارهم على تنكب طريق الوحدانية
…
حتى خاطبه الله تعالى بقوله: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [سورة فاطر، الآية 8].
وبقوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6)[سورة الكهف، الآية 6].
ولكننا إذا عدنا إلى استعراض مزاعم المشركين والكفار في الله سبحانه وتعالى، ورأينا عبادة بعضهم للأصنام، وآخرين للعجل، وغيرهم للكواكب أو للشمس والقمر! إلى جانب ما رموا به أنبياء الله ورسله، وقالوا في ملائكته ..
وتأملنا في الوقت ذاته ردود القرآن على هذه المفتريات، وتفنيده لهذه المزاعم والترهات .. لرأينا في ذلك كله قوة إلهية تؤثر ولا تتأثر! وذاتا علوية «تصف لك الحقائق
خيرها وشرها، في عزة من لا ينفعه خير، واقتدار من لا يضره شر» (1) سبحانه وتعالى.
(1) راجع كتاب النبأ العظيم ص 120 للعلامة الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله.
ومن هنا، فإن في وسعنا أن نقول في خاتمة المطاف؛ تلخيصا لهذا الجانب كله (أحوال النبيّ صلى الله عليه وسلم مع ظاهرة الوحي) وتعقيبا عليه:
إن أية دراسة نفسية تحليلية لموضوع القرآن الكريم تدلّنا على مصدره، وعلى صدق ظاهرة الوحي. وأكتفي هنا بذكر شاهد واحد من مئات الأدلة والشواهد التي يمكن أن ترد أو تلاحظ في هذا الباب:
جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه الحافظ البزار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «وقف على حمزة بن عبد المطلب- رضي الله عنه حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع لقلبه منه، فنظر إليه وقد مثّل به فقال: «رحمة الله عليك إن كنت ما علمتك إلا وصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرّني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع- أو كلمة نحوها- أما والله على ذلك لأمثّلنّ بسبعين كمثلتك، فنزل جبريل- عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)[سورة النحل: 126 - 128]؟
الرسول- عليه الصلاة والسلام يقف على جثة عمه حمزة وقد مثّلت بها هند
…
إنه لم يفقده أسدا هصورا يذود عن دين الله وعن نبيّ الإسلام فحسب ..
بل فقده في هذا اليوم على هذه الهيئة التي تنمّ عن غدر قاتله وحقد من مثّلت به، فبقرت بطنه ولاكت كبده!! فضاق بالنبيّ صدره، وملكه الحزن والألم. فقال:
«لأمثلنّ بسبعين كمثلتك» - ورأس حمزة لا تعدله سبعون من رءوس القوم، وهم الذين بدءوا العدوان أول مرة!! -.
هذا قول النبيّ الذي يعبّر عن شعوره في ذلك الموقف الغائظ الموجع
…
إن هذا الشعور لم يفارقه صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه الآيات السابقة ترده إلى درجة العدل، ثم تصعد به في مقام الإحسان درجات بعضها فوق بعض بما يتناسب مع مقام النبوة الرفيع:
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128).
من كان يظن أن هذا الكلام يصدر عن قائل الكلام الأول في هذا الموقف فليعد على نفسيته «المريضة» هو بالمداواة والتهذيب، أو على رأيه الجاهل هذا بالتغيير والتبديل، إن هذه الآيات الكريمة لا تعبر عن نقلة ومفارقة بعيدة في عالم الحسّ والشعور
…
فقط، ولكنها تتضمن فوق ذلك براعة التلطّف بالنبيّ، والانتقال به من درجة إلى أخرى فوقها على أدق ما يكون العلم بأعماق النفس ودرجات الشعور:
فضمان حق النبيّ في عقاب عدوه أول ما يحفظ له ويخاطب به في هذا الموقف الذي لم ينظر النبيّ إلى منظر أوجع لقلبه منه!!
ثم ترشده الآيات بعد ذلك إلى أن صبره خير وأفضل، وجاء الإرشاد هنا بهذه العبارات والإشارات المأنوسة: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
…
ولم تلتفت إليه في صيغة المخاطب إلا مرة واحدة صَبَرْتُمْ ثم ذكرت أن الصبر خير للصابرين (ولم تقل:
فهو خير لكم) إشارة إلى وجود الصابرين وكثرتهم كذلك
…
وإلى أن من حق النبيّ الكريم- أو واجبه كذلك- أن يكون منهم، بل أن يكون في مقدمتهم وعلى رأسهم صلى الله عليه وسلم.
ثم ترتفع الآيات درجة أخرى حين «تأمره» عليه الصلاة والسلام بالصبر، بعد أن هيأته الإشارة السابقة ليكون منهم ورشّحته إلى ذلك، ولكنها
ترشده مرة أخرى- في ختامها- إلى أن ضمان ذلك الترشيح وهذا الأمر، إنما يكون بالله عز وجل: وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ زيادة في الاحتياط لما ذهب، وتمهيدا للأمر التالي الذي سيأتي!
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
…
إن هذه الدرجة تريد أن تستلّ من نفسه عوامل الحزن وأسباب الألم والضيق، بعد أن صرفته العبارات السابقة عن إرادة الانتقام حين أمرته بالصبر وأرشدته إلى أسبابه.
أما الآية الأخيرة فقد جمعت بين الطرفين في وقت واحد: التقوى والإحسان .. أو العدل والإحسان، ومسحت من نفس النبيّ بقايا الأحزان حين وعدته بأن الله تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون!!
هذه خواطر سريعة وموجزة إلى درجة الإخلال .. لكنها كافية لبيان المقام الذي كانت تتنزل منه مثل هذه الآيات: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)[سورة يوسف، الآية 111].
وقال تعالى في سورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4). وصدق الله العظيم.