الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الجزء الثالث]
[تتمة سورة النساء]
الآية: (24)[سورة النساء (4) : آية 24]
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24)
التفسير: فى هذه الآية بيان لآخر المحرمات من النساء، وهنّ ستة عشر صنفا، منهن خمسة عشر فى الآيتين السابقتين، وصنف واحد فى هذه الآية
…
وهو: الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ.. والمحصنات هن اللاتي تحصنّ بالزّواج، وصرن فى عصمة الغير، أو تحصنّ فى بيوتهن، وملكن أنفسهن، ولم يتزوجن بعد..
فهؤلاء هنّ فى حصن يحرم على الرجل دخوله عليهن، إلا عن الطريق الشرعي بالزواج منهن، بعد أن تزول الحواجز التي كانت تحول بين الرجل وبين حلّهن له.
فإذا طلقت المرأة، المحصنة، أو مات عنها زوجها وانقضت عدتها المقدرة فى الطلاق أو فى الموت أحلّ لها من كان من غير محارمها أن يخطبها إلى نفسه، وأن يمهرها، ويتزوج بها، إذا رضيت أو رضى أهلها به زوجا.
وكذلك المرأة غير المتزوجة، هى محرمة على الرجل الذي أحلّ له الزواج منها، حتى يخطبها لنفسه، وترضى به أو يرضى به أهلها زوجا، ثم يمهرها، ويعقد عليها، عقدا صحيحا مستوفيا شروطه.
فهؤلاء المحصنات من النساء محرمات حرمة موقوتة بحواجز قائمة، فإذا زالت تلك الحواجز حلّ الزواج بهن..
ولهذا جىء بهذا الصنف من المحرمات فى آخر المحرمات، ملحقا بصنف آخر حرّم حرمة مؤقتة، وهو الزواج من الأختين.. فإن الزواج بالثانية منهما محرم حرمة مؤقتة إلى أن تبين الأولى بطلاق أو موت، وتنقضى عدتها.
وقوله تعالى: «إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» هو استثناء وارد على حرمة المحصنات من النساء، فإن هؤلاء المحصنات محرّمات ما دمن فى حراسة الحصانة القائمة عليهن، ولكن هناك حالة ترفع هذه الحراسة عن المرأة، وتجردها من الحصانة التي كانت لها، وهى أن تقع أسيرة حرب، فتصبح ملكا لآسرها، وبهذه الملكية لا يكون لزوجها، ولا لنفسها ولا لأهلها سلطان يدفع يد مالكها عنها، فله أن ينكحها بعد أن يستبرىء رحمها بالعدّة إن كانت متزوجة، وإلا فهى حل له من أول ساعة تقع فيها ليده.. وملك اليمين من النساء كما يكون بالغنيمة فى الحرب، يكون بالشراء بالمال، أو الهبة ونحو هذا.
وقوله تعالى: «كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» هو إغراء بالحفاظ على هذه الحدود، والتزامها، كما بينها الله وجعلها عهدا وميثاقا بينه وبين المؤمنين به.. بمعنى احفظوا وارعوا ما كتب الله لكم وافترض عليكم من أحكام الزواج.
قوله تعالى:
«وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» .
هو إطلاق للقيد الوارد على المحرمات من النساء.. فما وراء هذا القيد الذي ضمّ ستة عشر صنفا من النساء، فهنّ مما أحلّ الله للرجال التزوج بهن، بشرط أن يطلب الرجل الزواج ممن يريدها، وأن يأخذ الرضا منها أو من وليتها، وأن يمهرها من ماله المهر المطلوب لها..
وفى قوله تعالى: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» تنبيه إلى أن يبتغى بهذا المال
الذي يسوقه الرجل إلى المرأة، الإحصان والتعفف بالزواج، لا مجرد الوصول إلى المرأة وقضاء الوطر منها، فذلك مال أنفق فى حرام، واستبيح به مالا يحلّ، وأوقع صاحبه فى محظور، هو السفاح والزنا.. وكان من حق هذا المال، وهو نعمة من نعم الله، أن يصان عن أن يكون مطية لعصيان الله ومحاربته، وألّا يعدل به عن الحلال بالإحصان، إلى مواقعة الحرام وارتكاب هذا المنكر الغليظ، وهو الزنا..
هو أمر إلزامىّ بالمهر الواجب تقديمه من الرجل إلى المرأة التي يرغب فى الزواج بها.. فهو فريضة من الله، فرضها فى مال الزواج للمرأة.. ولم يقف به الإسلام عن حد معينّ، بل تركه، حسب يسار الرجل وإعساره.. إلا أنه على أي حال لا بد من أن يكون شيئا معتبرا عند كل من الزوج والزوجة، له قدره وأثره عندهما معا، وله قيمته فى الحياة.
وفى قوله تعالى: «وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» دعوة إلى المياسرة بين الزوجين فى المهر، فللمرأة بعد أن يعطيها الرجل المهر المناسب لها، أن تنزل عنه أو عن بعضه له، وللرجل بعد أن يعطى المهر المطلوب منه، أن يزيد فيما أعطى، وفى هذا وذاك تبادل لعواطف المودة والمعروف بين الزوجين، الأمر الذي ينتظم به شمل الأسرة، وتقوم عليه سعادتها.
والاستمتاع المطلوب إيتاء الأجر عنه هنا، هو ما يحققه الزواج للرجل من سكن نفسى، وأنس روحى، وقرّة عين بالبنين والبنات، إلى ما يجد من إشباع لغريزته الجسدية، مع العفة والتصوّن..
«وما» في قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» .. اسم موصول،
لغير العاقل، معدول به عن «من» التي يقع فى حيزها العقلاء، وهن النساء المرغوب فى الزواج منهن.
وفى اختيار النظم القرآنى لهذا الأسلوب إعجاز من إعجازه.. فإن ما فى كلمة «ما» من التجهيل والتفخيم، ما يلقى إلى شعور الرجال إحساسا بعظم الأمانة، التي سيحملونها بهذا الزواج الذي هم مقدمون عليه، وبأنه نعمة عظيمة من نعم الله، لمن يعرف كيف يكشف أسرارها، ويتعرف على مواقع الخير فيها..
فالمرأة عالم رحيب، أشبه بالبحر، تكمن فى أعماقه اللآلئ والدرر، كما تضطرب فى كيانه الحيتان والأخطبوطات.. والصيد فى هذا البحر يحتاج إلى مهارة وكياسة، وإلا وقع المحذور وساءت العاقبة..
هذا وقد حمل كثير من المفسرين قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» على نكاح «المتعة» وأن قوله تعالى: «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» هو إشارة إلى الثمن الذي يقدمه الرجل للمرأة فى مقابل الاستمتاع بها! والآية الكريمة فى منطوقها لا تعطى هذا المفهوم، الذي فوق أنه- فى وضعه هذا- عنصر دخيل على القضية التي أمسك القرآن الكريم بجميع أطرافها هنا، وهى قضية «الزواج» وما أحل الله وما حرّم على الرجال من النساء- فوق هذا فإن هذا المفهوم يناقض قوله تعالى «فَرِيضَةً» الذي هو وصف ملازم للمهر الذي أشار إليه سبحانه بقوله:«فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» ..
كما أنه يناقض قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» (7: المؤمنون) والمرأة المتمتع بها ليست زوجة، لأنها لا تحسب فى الأربع المباح للرجل الإمساك بهن، ولا ترث المتمتع بها ولا يرثها، كما أنها ليست ملك يمين لمن يتمتع بها..