المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الآيات: (81- 83) [سورة النساء (4) : الآيات 81 الى 83] - التفسير القرآني للقرآن - جـ ٣

[عبد الكريم يونس الخطيب]

فهرس الكتاب

- ‌الآية: (24) [سورة النساء (4) : آية 24]

- ‌زواج المتعة.. والرأى فيه

- ‌الآية: (25) [سورة النساء (4) : آية 25]

- ‌الآيات: (26- 28) [سورة النساء (4) : الآيات 26 الى 28]

- ‌الآيتان: (29- 30) [سورة النساء (4) : الآيات 29 الى 30]

- ‌الآية: (31) [سورة النساء (4) : آية 31]

- ‌الآية: (32) [سورة النساء (4) : آية 32]

- ‌الآية: (33) [سورة النساء (4) : آية 33]

- ‌الآيتان: (34- 35) [سورة النساء (4) : الآيات 34 الى 35]

- ‌الآيات: (36- 39) [سورة النساء (4) : الآيات 36 الى 39]

- ‌الآيات: (40- 42) [سورة النساء (4) : الآيات 40 الى 42]

- ‌الآية: (43) [سورة النساء (4) : آية 43]

- ‌الآيات: (44- 46) [سورة النساء (4) : الآيات 44 الى 46]

- ‌الآيتان: (47- 48) [سورة النساء (4) : الآيات 47 الى 48]

- ‌الآيتان: (49- 50) [سورة النساء (4) : الآيات 49 الى 50]

- ‌الآيات: (51- 52- 53- 54- 55- 56- 57) [سورة النساء (4) : الآيات 51 الى 57]

- ‌الآيتان: (58- 59) [سورة النساء (4) : الآيات 58 الى 59]

- ‌الآيات: (60- 61- 62- 63) [سورة النساء (4) : الآيات 60 الى 63]

- ‌الآيتان: (64- 65) [سورة النساء (4) : الآيات 64 الى 65]

- ‌الآيات: (66- 67- 68) [سورة النساء (4) : الآيات 66 الى 68]

- ‌الآيتان: (69- 70) [سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70]

- ‌الآية: (71- 72- 73) [سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 73]

- ‌الآية: (74) [سورة النساء (4) : آية 74]

- ‌الآية: (75) [سورة النساء (4) : آية 75]

- ‌الآية: (76) [سورة النساء (4) : آية 76]

- ‌الآية: (77) [سورة النساء (4) : آية 77]

- ‌الآيات: (78- 79- 80) [سورة النساء (4) : الآيات 78 الى 80]

- ‌الآيات: (81- 83) [سورة النساء (4) : الآيات 81 الى 83]

- ‌الآية: (84) [سورة النساء (4) : آية 84]

- ‌الآية: (85) [سورة النساء (4) : آية 85]

- ‌الآية: (86- 87) [سورة النساء (4) : الآيات 86 الى 87]

- ‌الآية: (88) [سورة النساء (4) : آية 88]

- ‌الآيتان: (89- 90) [سورة النساء (4) : الآيات 89 الى 91]

- ‌الآية: (92) [سورة النساء (4) : آية 92]

- ‌الآية: (93) [سورة النساء (4) : آية 93]

- ‌الآية: (94) [سورة النساء (4) : آية 94]

- ‌الآيتان: (95- 96) [سورة النساء (4) : الآيات 95 الى 96]

- ‌آية: (97- 99) [سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 99]

- ‌الآية: (100) [سورة النساء (4) : آية 100]

- ‌الآية: (101) [سورة النساء (4) : آية 101]

- ‌الآية: (102) [سورة النساء (4) : آية 102]

- ‌الآية: (103) [سورة النساء (4) : آية 103]

- ‌الآية: (104) [سورة النساء (4) : آية 104]

- ‌الآيتان: (106- 105) [سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 106]

- ‌الآيات: (107- 109) [سورة النساء (4) : الآيات 107 الى 109]

- ‌الآيات: (110- 112) [سورة النساء (4) : الآيات 110 الى 112]

- ‌الآية: (113) [سورة النساء (4) : آية 113]

- ‌الآيتان: (114- 115) [سورة النساء (4) : الآيات 114 الى 115]

- ‌الآيات: (116- 121) [سورة النساء (4) : الآيات 116 الى 121]

- ‌الآيات: (122- 123- 124) [سورة النساء (4) : الآيات 122 الى 124]

- ‌الآيتان: (125- 126) [سورة النساء (4) : الآيات 125 الى 126]

- ‌الآيات: (127- 130) [سورة النساء (4) : الآيات 127 الى 130]

- ‌الآيات: (131- 134) [سورة النساء (4) : الآيات 131 الى 134]

- ‌الآية: (135) [سورة النساء (4) : آية 135]

- ‌الآية: (136) [سورة النساء (4) : آية 136]

- ‌الآيات: (137- 139) [سورة النساء (4) : الآيات 137 الى 139]

- ‌الآية: (140) [سورة النساء (4) : آية 140]

- ‌الآية: (141) [سورة النساء (4) : آية 141]

- ‌الآيتان: (142- 143) [سورة النساء (4) : الآيات 142 الى 143]

- ‌الآيات: (144- 147) [سورة النساء (4) : الآيات 144 الى 147]

- ‌الآيتان: (148- 149) [سورة النساء (4) : الآيات 148 الى 149]

- ‌الآيتان: (150- 151) [سورة النساء (4) : الآيات 150 الى 151]

- ‌الآية: (152) [سورة النساء (4) : آية 152]

- ‌الآيتان: (153- 154) [سورة النساء (4) : الآيات 153 الى 155]

- ‌الآيات: (156- 158) [سورة النساء (4) : الآيات 156 الى 158]

- ‌القرآن والمسيح المصلوب

- ‌المسيح المصلوب:

- ‌الآية: (159) [سورة النساء (4) : آية 159]

- ‌الآيتان: (160- 161) [سورة النساء (4) : الآيات 160 الى 161]

- ‌الآية: (162) [سورة النساء (4) : آية 162]

- ‌الآيات: (163- 165) [سورة النساء (4) : الآيات 163 الى 165]

- ‌الآيات: (166- 169) [سورة النساء (4) : الآيات 166 الى 169]

- ‌(الآية: 170) [سورة النساء (4) : آية 170]

- ‌الآيات: (171- 173) [سورة النساء (4) : الآيات 171 الى 173]

- ‌الآيات: (174- 175) [سورة النساء (4) : الآيات 174 الى 175]

- ‌الآية: (176) [سورة النساء (4) : آية 176]

- ‌5- سورة المائدة

- ‌الآية: (1) [سورة المائدة (5) : آية 1]

- ‌الآية: (2) [سورة المائدة (5) : آية 2]

- ‌الآية: (3) [سورة المائدة (5) : آية 3]

- ‌الآية: (4) [سورة المائدة (5) : آية 4]

- ‌الآية: (5) [سورة المائدة (5) : آية 5]

- ‌الآية: (6) [سورة المائدة (5) : آية 6]

- ‌الآية: (7) [سورة المائدة (5) : آية 7]

- ‌الآية: (8- 10) [سورة المائدة (5) : الآيات 8 الى 10]

- ‌الآية: (11) [سورة المائدة (5) : آية 11]

- ‌الآية: (12) [سورة المائدة (5) : آية 12]

- ‌الآية: (13) [سورة المائدة (5) : آية 13]

- ‌الآية: (14) [سورة المائدة (5) : آية 14]

- ‌(الآيتان: 15- 16) [سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 16]

- ‌الآية: (17) [سورة المائدة (5) : آية 17]

- ‌الآية: (18) [سورة المائدة (5) : آية 18]

- ‌الآية: (19) [سورة المائدة (5) : آية 19]

- ‌الآيات: (20- 26) [سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 26]

- ‌الآيات: (27- 29) [سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 29]

- ‌الآيات: (30- 31) [سورة المائدة (5) : الآيات 30 الى 31]

- ‌الآية: (32) [سورة المائدة (5) : آية 32]

- ‌الآيتان: (33- 34) [سورة المائدة (5) : الآيات 33 الى 34]

- ‌الآية: (35) [سورة المائدة (5) : آية 35]

- ‌الآيتان: (36- 37) [سورة المائدة (5) : الآيات 36 الى 37]

- ‌الآيتان: (38- 40) [سورة المائدة (5) : الآيات 38 الى 40]

- ‌الآية: (41) [سورة المائدة (5) : آية 41]

- ‌الآية: (42- 43) [سورة المائدة (5) : الآيات 42 الى 43]

- ‌الآية: (44) [سورة المائدة (5) : آية 44]

- ‌الآية: (45) [سورة المائدة (5) : آية 45]

- ‌الآيتان: (46- 47) [سورة المائدة (5) : الآيات 46 الى 47]

- ‌الآية: (48) [سورة المائدة (5) : آية 48]

- ‌الآية: (49) [سورة المائدة (5) : آية 49]

- ‌الآية: (50) [سورة المائدة (5) : آية 50]

- ‌الآيتان: (51- 53) [سورة المائدة (5) : الآيات 51 الى 53]

- ‌الآيات: (54- 56) [سورة المائدة (5) : الآيات 54 الى 56]

- ‌الآيتان: (57- 58) [سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 58]

- ‌الآيتان: (59- 60) [سورة المائدة (5) : الآيات 59 الى 60]

- ‌الآيات: (61- 63) [سورة المائدة (5) : الآيات 61 الى 63]

- ‌الآية: (64) [سورة المائدة (5) : آية 64]

- ‌الآية: (65- 66) [سورة المائدة (5) : الآيات 65 الى 66]

- ‌الآية: (67) [سورة المائدة (5) : آية 67]

- ‌الآية: (68) [سورة المائدة (5) : آية 68]

- ‌الآية: (69) [سورة المائدة (5) : آية 69]

- ‌الآيتان: (70- 71) [سورة المائدة (5) : الآيات 70 الى 71]

- ‌الآيات: (72- 77) [سورة المائدة (5) : الآيات 72 الى 77]

- ‌الآيات: (78- 81) [سورة المائدة (5) : الآيات 78 الى 81]

الفصل: ‌الآيات: (81- 83) [سورة النساء (4) : الآيات 81 الى 83]

ليس مسئولا عن ضلال الضالّين، وعناد المعاندين، إن عليه إلا البلاغ..

«وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» يشهد بما كان من الرسول من تبليغ رسالة ربه، فمن قبلها، فقد نجا وسعد، ومن أعرض عنها، فقد هلك وشقى..

إن دعوة الرسول ليست لحسابه، وإنما هى لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى، فما على الرسول شىء من تولّيه، وإنما حسابه على الله!

‌الآيات: (81- 83)[سورة النساء (4) : الآيات 81 الى 83]

وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَاّ قَلِيلاً (83)

التفسير: هؤلاء الذين يقفون هذا الموقف المتخاذل، من التكاليف التي تقتضيهم بذلا وتضحية، هم منافقون قولا، كما هم منافقون عملا.. ذلك أنهم إذا كانوا يظهرون فى وقت النفير للجهاد، أنهم ماضون مع المجاهدين، وأنهم يهيئون أنفسهم للجهاد ويعدّون العدة له، ثم ينكشف الأمر عن أنهم كانوا يدافعون الأيام بالتسويف والمماطلة، حتى تنتهى المعركة، ويعود المجاهدون! - فإذا كان ذلك شأنهم فى العمل، فكذلك كان أمرهم فى القول.. إذا سمعوا دعوة إلى الجهاد قالوا:«طاعة» ، وأظهروا للرسول الاستجابة

ص: 843

والامتثال، لما يدعوا إليه.. فإذا زايلوا مجلس الرسول، وخلوا إلى أنفسهم «بيّت طائفة منهم غير الذي تقول» وأنكروا على أنفسهم هذا القول الذي قالوه من قبل، وأقاموا أمرهم على خلافه.. فلا استجابة ولا طاعة.. ولكن عصيان ومخالفة..

وفى قوله تعالى: «وَيَقُولُونَ طاعَةٌ» ازدراء لهؤلاء القوم، وتحقير لهم، وذلك بالحديث عنهم بضمير الغائب، لأنهم ليسوا أهلا لأن يشرفوا بخطاب ربّ العالمين.. ثم كان الحديث عنهم بالضمير المبهم، دون ذكرهم والكشف عن ذواتهم، امتهانا لهم، واستخفافا بشأنهم، حتى لكأنهم أهون من أن يتعرف عليهم، وأضأل من أن تظهر لهم ذاتية مميزة لهم..

وفى قوله تعالى: «فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ» إشارة أخرى إلى ضمور ذواتهم، وضئولة شأنهم.. وأنهم فى مجلس الرسول، وبين أهل هذا المجلس، شخوص ضامرة، وشخصيات باهتة، يندسون بين الناس، فى حذر، وفى خفية، حتى لا تأخذهم العيون، ولا تفضح مستورهم النظرات.. هكذا شأن المنافقين، يعيشون دائما وراء ستار من الحذر، والتلصص، ولا يغشون المجالس إلّا فى حرص شديد على ألا تأخذهم العيون، ولا ترتقع إليهم الأبصار..

وفى التعبير بقوله تعالى: «بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ» تصوير معجز لحال هؤلاء المنافقين، الذين كانوا فى مجلس الرسول أشباحا لا تكاد ترى، حتى إذا خرجوا من مجلس الرسول، تطاولت أعناقهم، وشمخت أنوفهم، وانتفضت أجسامهم، فإذا هم أشبه بالطواويس خيلاء وإعجابا! يستعرضون الناس، ويعرضون على أنظارهم هذا الوجه الجديد منهم، وكأنهم بذلك يستوفون

ص: 844

حظهم من بروز الشخصية، ذلك الحظ الذي فاتهم، وهم يلبسون الوجه الآخر، وجه الضمور والانزواء، الذي يعيشون به أكثر مما يعيشون..

وقوله تعالى: «وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ» تهديد لجماعة المنافقين، ووعيد لهم بالحساب العسير والعذاب الأليم، إذ سجل الله عليهم كل ما عملوا من سوء، وهو سبحانه الذي سيتولى حسابهم، ومجازاتهم..

قوله تعالى: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» إلفات لجماعات المنافقين والضالين إلى مافاتهم من خير عظيم، حين لم يقفوا عند آيات الله، ولم يتدبّروها، ويصححوا موقفهم منها، وذلك بالنظر فيها، نظرا يرتاد مواقع الخير، وينشد مطالع الهدى..

إنهم لو فعلوا ذلك، وأخلوا أنفسهم من تلك المشاعر الخبيثة المستولية عليهم، لرأوا وجه الحق سافرا فى آيات الله وكلماته، ولأحذوا طريقهم إلى الله مستقيما، فآمنوا بالله، وبرسوله، وبهذا الكتاب الذي أنزل على رسوله..

فإن نظرة مخلصة إلى كتاب الله، تصل العقول به، وتفتح القلوب له، لما فى كل آية وكل كلمة منه، من أمارات مشرقة، تحدّث بأن هذا الكلام هو كلام الله، وأن هذا الكتاب هو كتاب الله!! وأقرب تلك الأمارات وأظهرها أن هذا الكتاب قائم على أسلوب واحد، ومنهج واحد، ومستوى واحد..

وذلك أنه على امتداده، وسعته، وتشعّب الموضوعات التي تناولها، والقضايا التي عرضها، والأحكام التي أصدرها- هو فى ذلك كلّه على درجة واحدة من البلاغة والبيان، وعلى كلمة سواء فيما يأمر به وينهى عنه.. ولو كان هذا القرآن من عند غير الله، لاختلف أسلوبه، وتناقضت أحكامه، وتضاربت قضاياه.. شأن كل عمل بشرىّ، لا يسلم أبدا من مواطن القوة والضعف فيه..

قوله تعالى: «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ»

ص: 845

هو جانب من جوانب الصورة التي عرض الله فيها هؤلاء المنافقين، وإنهم لأصحاب ثرثرة ولغو، كلما وقعت لآذانهم كلمة طاروا بها، وألقوا بها إلى كل أذن، دون أن يتبينوا ما يسمعون، أو يعرفوا وجهه.. إن اللغو وتقليب وجوه الكلام هو تجارتهم الرابحة، وبضاعتهم الرابحة.. لا يتكلفون له جهدا، ولا يخشون من ورائه سوءا.. فما هو إلا أحاديث تروى، وأخبار تتناقل، لا يدرى أحد مصدرها، ولا يعرف من هو صاحبها.. وعلى هذا الغذاء الخبيث يعيش المنافقون، ومن هذا الجوّ المغبّر يتنفسون..

فهم يثرثرون بكل ما يسمعون من خير أو شر: «إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ» أي نطقوا به، وصحبوه معهم إلى كل مكان.. فليس يرضيهم أن يذيعوا هذه الأحاديث فى الناس، وإنما هم وراء هذه الأحاديث المذاعة يدفعونها بين أيديهم، ويشهدون آثارها فى الناس.. وهذه ما يشير إليه النظم فى قوله تعالى «أَذاعُوا بِهِ» وهو غير ما يراد بالفعل «أذاعوه» الذي يضيف إليهم إذاعة الأحاديث وتنقلها بعد أن يدفعوا بها الدفعة الأولى..

أما قوله تعالى: «أَذاعُوا بِهِ» فإنه يجعلهم يدورون مع هذه الأحاديث حيثما دارت.

وقوله تعالى: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» هو توبيخ لهم على هذه الخفّة وذلك الطيش اللذين يحملانهم على هذا الجري اللاهث بكل كلمة يسمعونها، أو وراء كل كلمة أو شائعة، تقال هنا أو هناك.. إنهم لو عقلوا، أو كانوا على بصيرة من أمرهم، لراجعوا أنفسهم عند كل خبر يلقى إليهم، وعند كل شائعة ترد على أسماعهم، فإن التبس عليهم شىء، أو اختلط عليهم أمر، ردّوه إلى الرسول، فكشف لهم وجه الحق منه، ووقف بهم على موارده الصحيحة، وأراهم الطريق القويم الذي يلقونه فيه.. فإن لم يكن لهم إلى الرسول سبيل، كان فى أولى الأمر منهم، وفى

ص: 846

القادة والراشدين بينهم، من يضبط موارد هذه الأخبار ومصادرها، ويعزل غثّها عن ثمينها، وباطلها عن حقها- إنهم لو فعلوا ذلك لكان خيرا لهم وأقوم، ولأراحوا أنفسهم وأراحوا الناس من هذا الهرج والمرج، الذي يثيرونه فيهم بهذه الأخبار المشوشة المضطربة! وهذا لا شك دستور قويم لاستقرار المجتمع، وضمان أمنه وسلامته، من كلمات السوء التي تتدسس إليه من أفواه ثرثارة، ترمى بالكلام بلا حساب ولا تقدير..

إن الكلمة ليست مجرد لفظة يلفظها الإنسان من فمه، ولكنها أشباح متنقلة فى الناس.. تتجسد، وتتشكل، وتظهر فى صور مختلفة، من تصورات الناس وأعمالهم، وخاصة فى أوقات الشدائد والأزمات التي تمر بالمجتمع، حيث الهياج والقلق والاضطراب، الذي يغشى الناس، ويطلع عليهم فى يقظتهم ونومهم على السواء.

وقوله تعالى: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا» تنبيه للمسلمين إلى الخطر الذي يتهددهم من وراء هذه الوسوسات التي تندسّ إليهم، من مفتريات الأحاديث وأباطيلها، وأن ذلك جميعه من واردات الشيطان، الذي يسوّل لتلك النفوس المريضة باللغو، ويغريها بالثرثرة، ويركب بها مركب السوء، فتذيع فى الناس، البلبلة والاضطراب، وتفتح لهم أبواب الفتنة والضلال..

ولولا فضل الله وما يحرس به المؤمنين من عظاته، وتنبيهاته لهم، وتحذيرهم من المزالق والعثرات، لضلّوا وغووا، إلا قليلا منهم، ممن استعصم بعقله، واحتكم إلى رأيه، واستصفى لنفسه المورد الطيب الذي يرده..

ص: 847