المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقد تقاعد عن العمل - 1424 هـ.   وابنه الشيخ خالد بن - معجم أسر بريدة - جـ ٥

[محمد بن ناصر العبودي]

فهرس الكتاب

- ‌باب الخاء

- ‌الخال:

- ‌الخالد:

- ‌الخبيصان:

- ‌الخرَّاز:

- ‌الخرَّاز:

- ‌قدم التسمية بالخراز:

- ‌وثائق لأسرة الخراز أهل خب البريدي:

- ‌الخرَّاز:

- ‌الخربوش:

- ‌الخريبيش:

- ‌الخْرَيْصي:

- ‌والدة الشيخ صالح الخريصي:

- ‌الشيخ الخريصي زعيم المحافظين:

- ‌أنموذج من كلام الشيخ صالح الخريصي:

- ‌رسالة أخرى للشيخ صالح الخريصي:

- ‌وفاة الشيخ صالح الخريصي:

- ‌مناقب الشيخ صالح الخريصي:

- ‌نماذج من خط الشيخ صالح بن أحمد الخريصي:

- ‌من ترجمة الشيخ صالح الخريصي لابنه عبد الله:

- ‌الْخْرَيِّف:

- ‌ الخريف

- ‌ الخريف

- ‌من أحوال البحر - منافعه وأضراره:

- ‌الرحلة في طلب العلم إلى الرياض:

- ‌من حكمة وجود المماليك من الناس سابقًا:

- ‌الخَزَّار:

- ‌الْخَضَر:

- ‌ الخضر

- ‌الخليفة:

- ‌الخِلْب:

- ‌الخَلَف:

- ‌الخلاوي:

- ‌الخْقَاقَ:

- ‌وثائق لأسرة الخفاجي:

- ‌الأعمال التطوعية والخيرية:

- ‌الخطيب:

- ‌الخفاجي:

- ‌مسجد الخطيب:

- ‌الخطيب:

- ‌الخَطَّاف:

- ‌‌‌الخضيري:

- ‌الخضيري:

- ‌عودة إلى رجال أسرة الخضيري:

- ‌شهادة ذوي المهن المستقذرة:

- ‌الجدل في قضية كفاءة النسب:

- ‌العلماء وطلبة العلم والمسئولون في الدولة من الأسرة:

- ‌من علماء الخضيري:

- ‌الخْضَيْري:

- ‌الخضير:

- ‌ مسجد العجلان

- ‌ الخضير

- ‌السيرة الذاتية للشَّيخ علي الخْضَيْر:

- ‌الشيخ علي الخضير قمة الشجاعة في تراجعه عن الغلو والتطرف:

- ‌المعاهد والمستأمن

- ‌ الخْضَيْر:

- ‌حمد الخضير والخيل:

- ‌وصية حمد الخضير:

- ‌الخْضَيْر:

- ‌ابن خضير والإمامة في قصر بريدة:

- ‌خط عبد الله بن خليفة:

- ‌الخليفة:

- ‌ الخليفة

- ‌محمد الخليفة:

- ‌الخليفة:

- ‌الخمَّاس:

- ‌الخَمِيس:

- ‌مجتمع الخميسية وسكانها:

- ‌وثائق للخميس:

- ‌الخميس:

- ‌ الخميس

- ‌الخْمَيِّس:

- ‌الخْوَيْلِد:

- ‌الخويلدي:

- ‌سليمان بن محمد بن عبد العزيز الخويلدي (أبو أحمد):

- ‌الخْيَارِي:

- ‌الخياط:

- ‌الخيرالله:

- ‌الخيرالله:

الفصل: وقد تقاعد عن العمل - 1424 هـ.   وابنه الشيخ خالد بن

وقد تقاعد عن العمل - 1424 هـ.

وابنه الشيخ خالد بن عبد الرحمن‌

‌ الخضر

كاتب عدل الآن - 1425 هـ.

وقد سموا (الخضر) لكونهم من سكانه أي من أهل الخضر.

ومنهم الدكتور الطبيب صالح الخضر كان يعمل في المستشفى العام في بريدة ثم صار له مستشفى خاص في جنوب بريدة شرقًا جنوبًا منه.

الْخِضِر:

بكسر الخاء والضاد وآخره راء:

من أهل بريدة جاءوا إليها من القرعاء في وقت قديم فهم كانوا من أهل القرعاء قالوا لي: إنهم أبناء عم للرميح والنجيدي والقرعاوي والصقير.

ثم انتقلوا إلى خبوب بريدة وما حولها ومنهم أناس سكنوا (البصر) وصاروا من أهله، وكان يقال لهم (الخضر) و (ابن خضر).

منهم عثمان الخِضِر كان شيخًا كبيرًا إخباريًا يجلس عند والدي في دكانه ويحدثه بأشياء عجيبة جرت عليه منها أنه تزوج بزوجتين في ليلة واحدة، وذلك أنه فيما يقول كان مثل غيره من الفلاحين، إذا ذكرت لهم امرأة في منتصف العمر أو نحو ذلك ولكنها قوية البدن قادرة على بذل جهد متميز في الفلاحة تزوجها الفلاح رغبة في ذلك.

قال: ومن ذلك أنني خطبت امرأة من أهل المريدسية، من هذا النوع وكانت مطلقة، وقلت لأهلها إنه ليس عندي من المهر لها إلا ثوب وريالان، فقبلوا بذلك وأعطيتهم الثوب وأحد الريالين، وواعدتهم ليلة الجمعة بعد أسبوع

ص: 177

أو عشرة أيام على أن آتي إليهم وحدي، وذلك من باب الحرص مني ومنهم على عدم تحمل التكاليف المالية التي كانت صعبة عليّ.

قال: وبعد يومين من ذلك صادفت أحد الذين يعرفونني فأخبرني أنه ذاهب إلى العراق لأنه متعطل ولا يجد كفايته من الطعام، لذلك هو مضطر للسفر.

قال عثمان الخضر: وقال لي الرجل - وكان الوقت وقت أزمة إما أن يكون سنة الجوع التي هي سنة 1327 هـ أو قبلها -: إن المشكلة عندي هي أختي فليس لها محرم يمكن أن أتركها عنده، ولذلك أنا أبحث لها عن زوج، فقلت له: أتزوجني إياها؟ ففرح بذلك، وقال: أزوجك إياها، وأدعي لك بالتوفيق.

قال: وكان الرجل ينتظر أن يسافر مع الحدرة إلى الكويت، والحدرة تسافر يوم السبت وهو الذي يلي ليلة الجمعة المحدد لزواجي من المرأة الثيب فلم نجد وسيلة إلا أن يكون زواجي من أخته وهي بنت بكر لم تتزوج إلَّا في ليلة الجمعة ذاتها.

قال: وكان الزواج بمحضر من الأقارب والدخول على المرأة بمعرفة عدد من الناس أمرًا ضروريًا، لأن أخاها سيتركها عندي ولابد أن يعرف الناس صلتها بي، وإلا لكنا عقدنا الزواج، ولم نعمل عرسًا.

فقلت للرجل صادقًا: إنه ليس عندي إلَّا ريالين أحدهما سأعطيه لها والثاني سأشتري به لها ثوبًا جديدًا.

فقبل ذلك، ودخلت في أول ليلة الجمعة في منزل أهلها وبعد أن لبثت عندها ساعة أو ساعتين تسللت خارجًا إلى المريدسية ودخلت على الزوجة الثانية فوجدت أهلها غاضبين مني لتأخري لأن الناس لم يكونوا يسهرون الليل في ذلك الوقت.

ص: 178

قال: وكانت المشكلة مع الزوجة نفسها فقد كانت الليلة ليلة عرسها وأنا خارج منذ قليل من فتاة صغيرة.

قال: فشكت في الأمر ولم يدر بخلدها بأنني قد دخلت على امرأة أخرى قبلها في الليلة نفسها، وإنما ظنت أنني بقيت مع أم عيالي قبل أن آتي إليها!

وله طرائف ومواقف ذكرها كثيرة.

وقد عرفت له ثلاثة أبناء أو أربعة أحدهم اسمه علي كان صاحب دكان في أسفل سوق بريدة وله - أي ابنه - أبناء عدة.

ومنها قصة رواها ولم يقل: إنها حدثت له وقد سمعتها بعد ذلك من غيره.

وهي أنه كان من عادة زراع القمح في القديم أن يستأجروا نساء من العاملات في الفلاحات المتمرسات بزراعة القمح، وذلك لمدة أربعة أشهر أو نحوها وهي مدة بذر القمح إلى حصاده بأجر قليل مع إطعامهن، ومقدار معروف محدد من القمح الذي يزرعونه ولا تعمل في هذا العمل المرأة الشابة أو التي تكون من أسرة لها كفاية من العيش.

قال: ومرة أراد أحدهم أن يستأجر امرأة من هذا الصنف لهذا الغرض فامتنع أهلها، وكان بجاحة إليها، فقال لهم: زوجوني إياها شرط ألا تعلم بذلك أم عيالي، فزوجوه إياها بالفعل وصارت عنده بمثابة العاملة كما تعرف بذلك زوجته وبقية أسرته.

قال: وعندما طال الزرع وصار يخفي من يجلس فيه، فضلًا عمن ينام فيه اقترب الرجل منها واقتربت كما يكون بين الرجل وزوجته.

وتكرر هذا منهما من دون أن يعرف أحد بذلك وفي مرة كانت زوجته قد خرجت إلى الزرع لغرض من الأغراض فرأته على تلك الحالة مع هذه المرأة

ص: 179

التي افترضت أنها أجنبية عنه، وقالت لزوجها: أفا عليك يا أبو فلان، عقب ما شاب خط عريفه أصله في الديك الصغير الذي يكون عرفه صغيرًا أول الأمر على هيئة خط ثم يكبر.

تريد بذلك أنه لم يعرف منه إلا العفة في شبابه فكيف يفعل خلاف ذلك في شيخوخته؟

فقال لها: (كولي تبن، على سنة الله وسنة رسوله) بمعنى أنه قد تزوج بالمرأة فوضعت رأسها بين كفيها، وقالت: أكبر وأكبر!

بمعنى أن كون المرأة زوجة له هو أشد عليها مما ظنته من قبل.

وذكر لنا الشيخ سلطان بن محمد الخضر أن للخضر في القرعاء دارًا معروفة تسمى (دار الخضر) وكذلك آبار مهجورة رحلوا منها إلى بريدة في منتصف القرن الثالث عشر هجري ومنها انتشروا خارجها.

قال: ويروي أهالي القرعاء قصة مشهورة لخروج محمد الخضر من القرعاء إلى بريدة وهي أن شخصًا من أهالي القرعاء قد اعتدى على أخيه سلطان بإصابة قضت عليه فطالب بدم أخيه، أولا بالمصالحة، وأن يطلب التنازل منه أمام أهل القرعاء (بمجلس القهوة) فرفض المعتدي الصلح ثم وجه إلى المعتدي ثلاثة إنذارات، كان يتسلل إليه ويضعها عند رأسه وهو نائم في أوقات مختلفة، فوضع أولًا عذقًا من الرُّطَب، ثم رأس ذبيحة، ثم آخرها وضع المُدْية وهي (السكين) عند رأسه فلم يلتفت المعتدي لذلك بل زجره وهدده، فاستعد للقصاص لأخيه ثم رمي المعتدي فأرْدَاه قتيلًا وخرج أهل القرعاء فزعين فقال لهم (ما عليكم ابن خضر وطَلَّاب دم) فرجعوا لعلمهم بذلك.

ص: 180

ثم فضَّل مغادرة القرعاء متجهًا إلى بريدة وهو يقول ناعيا لأخيه سلطان بقصيدة منها:

أنا يا خوك يا سلطان ما نسيتك

تقاضيت لك باللي وسيع صوابها

حطيتها الفجر بكبد محمد

فارق الدنيا وهو ما درى بها

ومنهم محمد بن سليمان الخضر كان زميلنا في التدريس بالمدرسة السعودية التي صارت تسمى المدرسة الفيصلية بعد ذلك وقد كان عند أستاذنا عبد الله بن إبراهيم السليم يساعده في مدرسته الابتدائية الأهلية التي موقعها في مدرسة آل سيف الموقوفة على التدريس وقد هدمت بعد ذلك، وأدخلت في السوق المركزي الكبير للخضرات والفاكهة وموقعها منه في شماليه.

وعندما عُيِّن الأستاذ عبد الله بن إبراهيم السليم مديرًا للمدرسة الحكومية الوحيدة في بريدة آنذاك وكان اسمها المدرسة السعودية كما قدمت أحضره معه إليها وعينه مدرسًا فيها وذلك في عام 1357 هـ.

وقد أمضى وقتًا في التدريس انتهى بتعيينه مديرًا لمدرسة قصر ابن عقيل قرب الرس، ثم شغل منصب مدير مدرسة في بريدة حتى تقاعد.

وقد وجدت في مذكراتي القديمة فقرة عن زيارة بلدة قصر ابن عقيل بصحبة الأستاذ الشيخ صالح بن سليمان العمري وزيارتنا للمدرسة عندما كان محمد الخضر مديرها وذلك في شهر شعبان 1368 هـ.

أنقلها هنا على قلة جدواها لأنني لم أكن أظن أنني سوف أدونها في كتاب.

يوم 14/ 8/ 1368 هـ سافرت إلى الرس في تمام الساعة الحادية عشرة على سيارة، والأجرة ثلاثة ريالات بصحبة الأستاذ صالح بن سليمان العمري

ص: 181

مدير المدرسة الأولى ووصلناها في الساعة الثانية والربع مساءً وبقينا فيها تلك الليلة وأقمنا يومها وفي الساعة الثالثة ليلًا بعد ذلك توجهنا على سيارة إلى قصر ابن عقيل فنزلنا على الأستاذ محمد الخضر مدير مدرسة قصر ابن عقيل بعد نصف ساعة من ممشانا بالسيارة من الرس وأقمنا فيه تلك الليلة ويومها يوم الأحد ويوم الاثنين بعده وبعدهن يوم الثلاثاء بعدهما.

وفي الساعة الواحدة صباحًا مرت سيارة على قصر ابن عقيل فيها بعض الجماعة سائقًا ومعاونًا فاركبنا في صدر السيارة ومشينا في الساعة الواحدة والنصف، فوصلنا الرس فبقينا عشر دقائق ومنه مشينا، وأقلنا في الوادي بين بريدة وعنيزة، ودخلنا بريدة في الساعة الحادية عشرة إلا ربع من يوم الثلاثاء 18/ 8/ 1368 هـ فكانت مدة سفرتنا ثلاثة أيام وكسر.

وقد أكرمني سليمان بن محمد العقيل شقيق الأمير عبد الله بن عقيل أمير بلدة قصر ابن عقيل إكرامًا زائدًا عن غيره من أهل قصر ابن عقيل الذين أكرموني أيضًا جزاهم الله خيرًا، وجميع الأوقات التي ذكرتها هي بالتوقيت الغروبي الذي كان هو السائد آنذاك.

كان محمد بن سليمان الخضر من ملاك الأراضي لأنه صار مولعًا بشرائها أيام رخصها عندما كانت لا تساوي قيمة ذات بال، ولكن لا أحد يشتريها، فجمع من ذلك مقدارًا من الأراضي، وعندما بدأت المملكة باستغلال البترول ارتفعت أسعار الأراضي فحصل من ذلك على ثروة عظيمة، بل صار من ملاك الأراضي المعروفين.

ومن الطرائف أنني استقطعت من الأمير عبد الله بن فيصل أمير بريدة عندما عزم على تخطيط الضفة الشرقية من الخبيب وهي التي يؤلف النفود الشرقي لبريدة الجزء الأكبر منها، وذلك أيام صغري في عام 1361 هـ

ص: 182

وأخوه عبد الرزاق الخليفة انتقل إلى حائل واستوطنها وبقي فيها حتى مات فيها عام 1373 هـ.

وله أولاد منهم الدكتور أحمد بن عبد الرزاق الخليفة الذي غير اسم أسرته وأولاده من الخليفة إلى السعيدان اسم الأسرة الأول الذي كانوا عليه قبل وصولهم إلى بريدة.

هذه صورة كتاب لرجل كان سرق شيئًا من النقود من دكان عبد الله بن خليفة في بريدة، ولما كبر ندم على ذلك وأرسل ثلثمائة ريال لأبنائه، جاء ذلك في هذا الكتاب الذي كتبه الكاتب الثقة سليمان بن ناصر الوشمي.

ص: 183

وقال لابن طرباق عندما صلى الظهر معه في مسجد ابن شريدة: إن الأمير عساف عندنا تعشوا معنا، وكذلك لفلان وفلان أظن فهد النصار منهم.

وعندما صلوا العصر جاءوا إليه فتأخر عليهم في تقديم العشاء انتظارًا للضيف، فقالوا له: يا أبو أحمد هات عشانا ما عندك عساف ولا غيره لكن حنا جايز لنا ها الخروف السمين الذي عندك وجينا نتعشاه!

فضحك وضحكوا وأكلوا الخروف على العشاء.

ومرة كان يمشي في الشارع مع فهد النصار ورأي فهد النصار بعر بعير وهو برازه فقال لابن خليفة وهو يأخذ البعر بيده: يا عبد الله هنا شيء كبير رفيع عن الأرض له رقبة طويلة يقول: أع ع - يحكي رغاء البعير - يأكل البرسيم وغيره ويطلع هذا مع ذنبه مدور ما تقول إلَّا مدوره رجّال شاطر!

فغضب ابن خليفة وقال له: هو أنا أعجمي يا فهد؟ هذا البعير هو أنا ما أعرفه؟

فقال فهد: أنت الله يهديك جيت من أمريكا، ويمكن لو أنت تعرفه من قبل إنك نسيته! !

وقد ورد ذكر عبد الله الخليفة في رحلة الرحالة الإنكليزي الكابتن (وليم شيكسبير) وذكر في رحلته أنه وصل إلى بريدة في 28 مارس 1914 م، وأنه قابله فيها وذكر شكسبير أن ابن خليفة يتكلم الإنكليزية بلهجة أمريكية لأنه كان قد عاش في مدينة نيويورك لمدة 6 سنوات وعمل سائق أجرة فيها قبل رجوعه إلى بريدة! !

أقول: لم أسمع من ابن خليفة ولا من غيره أنه عمل سائق سيارة أجرة في نيويورك (1).

(1) مجلة أهلا وسهلا، عدد 9 من السنة 29 جمادى الآخرة 1421 هـ - سبتمبر 2000 م.

ص: 184

بريدة نزلوا عنده مثل عساف الحسين أمير الرس، وعبد الله بن عقيِّل، أمير قصر ابن عقيِّل ومنصور المهنا أمير قصيباء، حتى إن ابن مهنا أرسل ولديه (علي المنصور) وابنا لأخيه اسمه مهنا يدرسون في بريدة ويعيشون في بيت ابن خليفة.

ومن الطرائف في هذا الأمر أن ابن خليفة كان يعد في بيته في بعض الأحيان خروفًا حتى إذا جاءه ضيف من مثل هؤلاء ذبحه له وأكل منه بعد ذلك من لهم علاقة به وبعض الوجهاء من جيرانه.

وقد أراد بعض جيرانه المزح معه وعلى رأسهم محمد بن علي الطرباق الذي كان يبيع ويشتري بالإبل فأخذ ذلولًا من الإبل التي عنده، ووضع عليها شدادًا جيدًا فوقه زينة الرحل وهو الشداد على ظهر البعير، ولما كان في الضحى وابن خليفة في دكانه في أسفل سوق بريدة تلثم محمد الطرباق وهو راكب على الناقة وجعلها تبرك عند باب القهوة لابن خليفة وابن طرباق من جيران ابن خليفة بيته ملاصق لبيتنا مقابلًا لبيت ابن خليفة، وطرق الباب على أهل ابن خليفة وقال لهم افتحوا الباب أنا عساف الحسين - أمير الرس أبي أروح أسلم على الأمير أمير بريدة وأجي إذا صليت العصر.

ثم عقل الذلول بعد أن أدخل الشداد وما عليه من الرحل في بيت ابن خليفة، وكانت تلك عادة أهل القرى في ذلك الوقت أن يأتوا إلى بريدة على الإبل قبل أن يعرفوا السيارات.

فما كان من أهل بيت ابن خليفة إلَّا أن أرسلوا إليه في دكانه أن ابن عساف جاء، فأرسل صبيًّا عنده اسمه مسلم أعرفه إلى القصاب فذبح الذبيحة وجهز أهله ما يلزم لها من الجريش والإدام وكان ابن خليفة معروفًا بالإدام الطيب حتى إننا ونحن جيرانه كنا نأكل عيده الذي هو الطعام المعد في صباح العيد قبل غيره.

ص: 185

ميدانا مشجرًا يكون أيضًا مواقف لسيارات أهل البيوت المجاورة وقد صار بيته جزءًا من هذا الميدان.

وكنت مرة دخلت على ابن خليفة وعنده مجنون لا أريد أن أذكر اسمه لئلا تحرج أسرته فقال: لابن خليفة وأنا أسمع (كل زق)!

ولم يؤاخذه أو يمنعه من دخول بيته، ابتغاء للأجر فيه ولكونه فاقد العقل، ومع ذلك لم ينفر منهم إلا أن المزية في المجنون أنه لا يملك عقلًا مخططًا منظمًا، بحيث يأتي إلى بيت ابن خليفة كل يوم، وإنما يدخل إذا ما وجد نفسه بجانبه وبخاصة إذا ضايقه أحد من جهلة الصبيان أو ناقصي التربية منهم.

وابن خليفة كان رغم قوة شخصيته ومعرفته اللغة الإنكليزية متواضعا للفقراء والمساكين والمحتاجين فكان يشب النار كل يوم بعد صلاة الظهر، يصنع القهوة وأحيانا يحضر معها التمر في وقت كان لا يفعل ذلك إلا ثري سخي ويفتح بابه يدخل إليه من شاء طيلة دهره فيشرب القهوة ويتدفأ بالنار في الشتاء.

وحتى كان من بين من يدخلون عنده عدد من المجانين الذين كان أهلوهم يتركونهم يتجولون في الشوارع، إذا كانوا لا يعتدون على الناس بضرب أو نحوه، أما إذا كانوا كذلك فإن أمير البلد، ونظراءها يقولون لهم: كفوا مهبولكم، وحددوه وإلا حبسكم الأمير لأنه يضر بالناس.

وكنا ونحن صبيان نفزع ونخاف من هؤلاء المجانين المتجولين بملابسهم القذرة وأصواتهم المنكرة.

فكانوا يدخلون على ابن خليفة وبعضهم كان يضرط عنده لأنه لا يميز، وعبد الله ابن خليفة إلى تواضعه للفقراء والمجانين فإنه كان قوي الشخصية صديقًا لطائفة من أمراء القرى وأعيان البلاد من أمراء القرى الذين كانوا إذا جاءوا إلى

ص: 186

يتركون الكبيرة منها لا يقطعونها، بل يدعونها حتى يغلظ قشرها وييس، فيصبح صلبًا، فيأخذون ما بداخلها من اللب، ويستعملونها إناء للسمن والودك لأنه ليس فيها ما في الأواني النحاسية من أوساخ معدنية تؤثر على السمن، يقولون: إنه كان يؤذن في داخل تلك القرعة لئلا يسمعه أحد من الكفار أهل أمريكا فيقتله.

وبطبيعة الحال، هذا غير صحيح، وربما كان الذين اخترعوه قد سمعوا بقصيدة لابن خليفة هي وحيدة قالها - بالعامية طبعًا - لشدة تأثره بالغربة، وعدم وجود مسلم، بل عدم وجود مسلمين ظاهرين في نيويورك في تلك العصور ولا أحفظ منها الآن إلَّا عجز بيت هو:

في ديرة فيها الكنايس ترنّ

يريد أن أجراس الكنائس فيها لها رنين، دون أن تكون فيها مساجد يؤذن فيها بالشهادتين.

اشترى ابن خليفة بعد عودته بسنوات أرضًا مقابلة لبيتنا الذي بناه جدي عبد الرحمن العبودي، واشتراه والدي بعد موته من ورثته ثم اشتريته أنا بعد وفاة والدي فيه، ويقع في شمال بريدة القديمة إلى الشمال من مسجد ابن شريدة الذي صار يعرف بمسجد الصايغ لأن إبراهيم الصايغ أذن فيه نحوا من ستين سنة.

وقد بنى ابن خليفة بيتًا له في تلك الأرض يقع إلى الشمال مباشرة من مسجد ابن شريدة يفصل بينهما زقاق فقط فهو جارنا وأنا أعرف عنه بالمشاهدة كثيرًا.

وقد هدم هذا البيت مع بيوت مجاورة له من ضمن الخطة التي وضعتها بلدية بريدة لما كانت سمته بخلخلة الأحياء القديمة بمعنى توسعتها قليلًا حيث صارت تثمن عددًا من البيوت الملاصقة أو المقابلة للمساجد وتهدمها وتجعلها

ص: 187

لذلك بقي ابن خليفة في أمريكا ست سنين حتى رأى أمه في النوم وهي تبكي وتحرِّج عليه أن يأتي إلى نجد حتى تراه قبل أن تموت.

قالوا: وكان هذا هو سبب عودته وربما كان ذلك لهوى في نفسه أيضًا لأن عادة جماعة أهل بريدة، إذا حصل الشخص منهم مالًا أحب أن يعود إلى بلدته فيعطي منه من يعطي، ويتمتع بما يتمتع به وبعضهم يستطيع استثمار شيء من ذلك المال، على قلة وسائل الاستثمار ما عدا المداينات، وبعضهم يأكل جميع المال ثم يعود ثانية إلى الغربة.

أما ابن خليفة فقال لي: إنه باع كل ما يملك بجنيهات ذهبية حملها معه وسافر من الولايات المتحدة عن طريق المحيط الهاديء لأن هدفه هو الوصول إلى الهند التي كان يعرف أن كثيرًا من البضائع التي كان يبيعها في أمريكا تأتي منها وأنها فيها رخيصة.

وفي الهند اشترى تلك البضائع وغيرها بما معه من النقود وحملها على سفينة إلى البحرين، ومن هناك إلى (أبو عينين) وهو الجبيل ثم حملها على الإبل إلى بريدة.

وقد فتح له دكانًا في بريدة صار يبيع فيه من تلك السقوطات كما كانت تسمى.

ثم صار يبيع ويشتري واستمر كذلك حتى مات.

كانت رحلة ابن خليفة إلى أمريكا على قرب وقتها أشبه بالأسطورة، ولذلك حاكت النساء وجهال العامة حولها حكايات وأساطير من ذلك أن أهلها كلها كفار، ولذلك لم يكونوا يسمحون لابن خليفة أن يؤذن علنًا فكان يصلي سرًّا، ولكنه كان يؤذن في (قرعة)!

والقرعة هي الياقطينة أو ما تسمى بقرعة نجد كان أهل نجد في القديم

ص: 188

استفضعوا ذلك وقالوا: ربما تسرق منك فأعطاها أحدهما أمانة.

ولكنه قال: إن الأفضل لك أن تبيع بها وتشتري، قال ابن خليفة: ولما كنت لا أعرف البيع والشراء في أمريكا اشترى لي أحدهم بها ملابس وهو صاحب محل كبير لبيع الملابس، وأعطاني معها أيضًا ملابس من عنده أبيعها بالسعي.

واستمر ابن خليفة بائعًا متجولًا، وقد تحقق الرجل المسيحي صاحب الملابس أنه ثقة فصار يجعله في دكانه يبيع فيه.

وكان الثاني من اللبنانيين اللذين التقى بهما صاحب دكان (السِّقط) محتاجًا إلى من يساعده في دكانه ولكن لابد من أن يكون ثقة كابن خليفة.

وقد حصل ابن خليفة على مال طيب، واستقر عمله في بيع السقط هذا وقد اختلفت الرواية فيما إذا كان قد آلت به الحال إلى أن يفتح له دكانًا بنفسه أم أنه ظل شريكًا ومساعدًا للبناني، ولم أسأل ابن خليفة نفسه عن ذلك، ولكن أغلب الروايات أنه فتح لنفسه دكانًا في نيويورك.

لم تكن المواصلات سهلة، بل لم تكن ممكنة في ذلك الوقت الذي يكون في مصر إذا أراد أن يكتب رسالة إلى أهله في نجد احتاج وصولها إليهم إلى 40 يومًا على ظهور الإبل أو نحو ذلك، ولكن السفر من مصر إلى نجد ليس متيسرًا في كل وقت إضافة إلى كون بعض الناس لا يلقون بالًا للرسائل مطلقًا فقد يكون الشخص منهم في الشام أو في مصر أو العراق ولا يرسل أية رسالة إلى أهله في نجد، وإنما تكون المعلومات عنه عن طريق شخص رآه هناك أو ذكر له أن أحدهم رآه.

هذا بالنسبة إلى مصر والأقطار العربية فكيف بالحال في أمريكا؟ ولا يوجد طيران يحمل البريد، وإنما هي السفن التي لا يعرف الشخص المعتاد كيف يستفيد منها.

ص: 189

وعندما وصلوا إلى نيويورك دفعوا له أجره كاملًا، وعرفوه بوكيل شركة سفن ضمنوا له أن يدفع لابن خليفة أجرة سفره من نيويورك إلى الإسكندرية، ولكن الباخرة لا تسير إلا بعد أيام، فأعطوه مكانًا يبقى فيه.

وهنا يتحدث ابن خليفة أنه عندما كان في نيويورك في انتظار وجود باخرة يسافر معها راجعًا إلى الإسكندرية سمع رجلين يتكلمان العربية بعد أن كان لا يسمع إلا الإنكليزية التي لم يكن يحسنها ففرح بذلك فكلمهما وعرف أنهما من نصارى لبنان، وكان ابن خليفة ذا شخصية جذابة.

فذهبا به إلى دكان لأحدهما وتغدي معهما وبعد أن عرفاه من خلال الكلام وعرفا أنه سوف يعود إلى مصر، وكان فرح بكلامهما معه لأنه لا أحد يكلمه بالعربية ولا يشير إليه بأي رأي يحتاجه قالا له: يا فلان، الناس يجون من الشرق إلى أمريكا يبحثون عن المال والثروة في أمريكا وأكثرهم يحصلون ذلك، وأنت تكون في أمريكا وترجع للشرق بدون ما تحصل أي شيء، وكانوا يسمون البلدان العربية آنذاك بالشرق.

وقالا له: الأفضل أنك تبقى في أمريكا وتعمل مثل ما يعمل اللبناني والسوري الذي يقدم إليها ليس معه رأس مال، وذلك بأن يأخذ من التجار العرب بضائع يبيعها لهم بعمولة معروفة، وكل ما يحتاج إليه مثل هذا العمل هو الصبر على السير والأمانة، وكان لدى ابن خليفة من ذلك نصيب كبير عرف عنه بعد ذلك، وكان أحدهما تاجر ملابس، والثاني صاحب دكان يبيع السقط، أو الأسقاط كما كان أهل نجد يسمونها وهي الحبوب والعقاقير الطبية الشعبية التي لا توجد في أمريكا كالحبة السوداء والحلبة والرشاد وحب الحلوة والحلتيت والمر إلى جانب بضائع نادرة.

قال ابن خليفة: وعندما ذكرت لهم أن أجرتي من الجنيهات الذهبية معي

ص: 190

المتحدة الأمريكية، يريدون شراء خيول عربية لمزارعهم في أمريكا ولغير هذا الغرض لأنهم من تجار الخيل.

فلما اشتروها وأكثرها من ذلك التاجر من أهل بريدة الذي يعمل معه أو عنده (عبد الله الخليفة) ذكروا له أنهم يحتاجون إلى من يوصل هذه الخيول معهم إلى الإسكندرية حيث كانوا سيركبون باخرة إلى برشلونة في إسبانيا ومن برشلونة إلى نيويورك عن طريق البحر، وذلك أن البحر كان الوسيلة الوحيدة للسفر إلى أمريكا في ذلك الوقت، وبخاصة لمن كانت معهم خيول فاشار عليهم بأن يأخذوا معهم (عبد الله بن خليفة) لأنه أمين ويعرف كيف يسوس هذه الخيول، واتفق معهم على أن يعطوه أجرته عددًا من الجنيهات الذهبية.

وقد أوصل الخيل إلى الإسكندرية، ولكنهم لم يجدوا سفينة تسافر إلى برشلونة في إسبانيا إلَّا بعد أيام رأوا فيها معرفة ابن خليفة بالخيل، وكيف تساس وتعلف، بل كيف يتعامل معها، فعرفوا أنهم محتاجون إليه لاسيما أنهم غير واثقين بأن يجدوا مثله من يذهب معهم إلى برشلونة في إسبانيا فعرضوا عليه أن يذهب معهم إلى إسبانيا بالباخرة مع الخيل نظير مبلغ من الجنيهات الذهبية على أن يركبوه من إسبانيا في سفينة مسافرة إلى الإسكندرية، ويدفعوا أجرة ركوب عودته، فوافق على ذلك تحت إغراء المال.

وعندما وصلوا إلى برشلونة، وكانوا قد عرفوه وعرفوا فيه نصحه وحسن تعامله فعرضوا عليه أن يذهب بالخيل بالباخرة من برشلونة إلى نيويورك، أو النيويورك كما كنت سمعت ابن خليفة يلفظ باسمها إذا كان في معرض الكلام عليها، على أن يدفعوا إليه أجرة إضافية، وأن يتكفلوا بإعادته إلى الإسكندرية مع إحدى السفن المتجهة من نيويورك إليها.

ص: 191