الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبب النزول:
نزول الآية (12):
أخرج ابن أبي حاتم عن عمر قال: وافقت ربي في أربع، نزلت:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} الآية، فقلت أنا:«فتبارك الله أحسن الخالقين» .
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بالعبادات، أورد ما يدل على معرفة الإله الخالق المعبود، وذكر أربعة أنواع من دلائل وجوده وقدرته تعالى، واتصافه بصفات الجلال والوحدانية. وتلك الأدلة: هي خلق الإنسان، وخلق السموات السبع، وإنزال الماء من السماء، وخلق الحيوانات لمنافع.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم عليه السلام، خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون، ويبين تقلبه في أدوار تسعة للخلقة وهي:
1 -
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} أي لقد خلقنا أي أوجدنا الإنسان، وقلبناه في أدوار الخلقة وأطوار الفطرة، والمراد به جنس الإنسان وأصله من خلاصة سلت من طين لا كدر فيه، أو أول أفراده وهو آدم عليه السلام. وهذا دليل كاف على قدرة الله تعالى ووحدانيته واتصافه بكل صفات الكمال.
والراجح أن المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام؛ لأنه استل من الطين، وخلق منه، كما قال تعالى:{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم 20/ 30].
2 -
{ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ} أي ثم جعلنا نسله أو جنس الإنسان نطفة من مني في أصلاب الذكور، ثم قذفت إلى أرحام الإناث، فصار في حرز مستقر متمكن حصين، ابتداء من الحمل إلى الولادة. وذلك كقوله تعالى:
{وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ} [السجدة 7/ 32 - 8] أي من ماء ضعيف، كما قال تعالى:{أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ، فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ، إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ، فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ} [المرسلات 20/ 77 - 24].
3 -
{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي ثم حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفة العلقة: وهي الدم الجامد. أو صيرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل (وهو ظهره) وترائب المرأة (وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى السّرّة) صيرناها علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة.
4 -
{فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} أي ثم صيرنا الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم، بمقدار ما يمضغ، وهي قطعة كبضعة لحم، لا شكل فيها ولا تخطيط. وسمي التحويل خلقا؛ لأنه سبحانه يفني بعض الصفات، ويخلق صفات أخرى، وكأنه تعالى يخلق فيها أجزاء زائدة.
5 -
{فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً} أي صيرناها عظاما يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها.
6 -
{فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً} أي غطينا العظام بما يستره ويشده ويقويه وهو اللحم؛ لأن اللحم يستر العظم، فجعل كالكسوة لها.
7 -
{ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ} أي خلقا مباينا للخلق الأول، بأن نفخنا فيه الروح، فتحرك، وصار خلقا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب.
{فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} أي تعالى شأنه في قدرته وحكمته، وتنزه وتقدس الله أحسن المقدّرين المصورين.
روى ابن أبي حاتم والطيالسي عن أنس قال: قال عمر: «وافقت ربي في أربع: قلت: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة 125/ 2].
وقلت: يا رسول الله، لو اتخذت على نسائك حجابا، فإنه يدخل عليك البرّ والفاجر، فأنزل الله:{وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً، فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ} [الأحزاب 53/ 33].
وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: لتنتهنّ أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، فنزلت:{عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ} الآية [التحريم 5/ 66].
ونزلت: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ.} . الآية فقلت أنا:
فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت:{فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} .
8 -
{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ}
(1)
أي ثم إنكم بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت.
9 -
{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ} أي ثم تبعثون من قبوركم للنشأة الآخرة للحساب والجزاء ثوابا وعقابا، كما قال تعالى:{ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} [العنكبوت 20/ 29] يعني يوم المعاد.
وفي هاتين الآيتين جعل الله سبحانه الإماتة التي هي إعدام الحياة، والبعث الذي هو إعادة الحياة بعد الإفناء والإعدام دليلين على قدرته بعد الإنشاء والاختراع.
(1)
وقرئ «لمائتون» والفرق بين الميت والمائت: أن الميت كالحي صفة ثابتة، وأما المائت فيدل على الحدوث، تقول: زيد ميت الآن، ومائت غدا.