الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة أمرهم فقال:
{حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ، إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي حتى إذا جاءهم أمر الله، وجاءتهم الساعة بغتة، فنالهم من العذاب ما لم يكونوا يحتسبون، أيسوا من كل خير ومن كل راحة، وانقطعت آمالهم، وخاب رجاؤهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
1 -
إن للكفار أعمالا قبيحة جدا في ميزان شرع الله ودينه، أسوأها الشرك، وهم في غفلة وعماية عن القرآن وهديه، وهم عاملون تلك الأعمال لا محالة؛ لأنها مثبّتة في علم الله تعالى وفي حكم الله وفي اللوح المحفوظ، ولكن دون إجبار ولا إكراه، وإنما باختيار منهم.
2 -
يعتاد الكافر إذا أصابه العذاب والبلاء في الدنيا أن يجأر بالشكوى ويضج ويستغيث، ولكن إذا داهمه العذاب في الآخرة لم ينفعه التضرع والجزع، ولا يجد ناصرا ينصره من بأس الله تعالى.
ومثال ذلك أن مترفي مكة تعرضوا للقتل يوم بدر، وللجوع الشديد، حين
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف» فابتلاهم الله بالقحط والجوع، حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجيف، وهلكت الأموال والأولاد، كما تقدم بيانه.
3 -
كانت أسباب تعذيب الكفار والمشركين ثلاثة: هي النفور عن القرآن والإعراض عن سماعه، والاستكبار بهذا التباعد عن الحق والافتخار بالبيت الحرام وأنهم أولياؤه، فكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله تعالى، وما هم كذلك، والسمر
بذكر القرآن وبالطعن فيه. وضمير {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} كما قال الجمهور: هو عائد على الحرم أو المسجد أو البلد الذي هو مكة، وإن لم يذكر سابقا؛ لشهرته في الأمر.
4 -
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما كره السّمر حين نزلت هذه الآية: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ، سامِراً تَهْجُرُونَ} يعني أن الله تعالى ذم أقواما يسمرون في غير طاعة الله تعالى، إما في هذيان، وإما في إذاية.
وروى مسلم عن أبي برزة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها» . أما كراهية النوم قبلها فلئلا يعرّضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها، وهذا مذهب مالك والشافعي.
وأما كراهية الحديث بعدها، فلأن الصلاة قد كفرت خطاياه، فينام على سلامة، وقد ختم الكتّاب صحيفته بالعبادة، فإن سمر وتحدث، فيجعل خاتمتها اللغو والباطل، وليس هذا من فعل المؤمنين. وأيضا السمر في الحديث والسهر يفوت عليه غالبا قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح.
روى أحمد حديثا: «لا سمر بعد الصلاة» أي العشاء الآخرة.
روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والسّمر بعد هدأة الرجل، فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله تعالى من خلقه، أغلقوا الأبواب، وأوكوا السّقاء، وخمّروا الإناء، وأطفئوا المصابيح» .
وهذه الكراهية إنما تختص بما لا يكون من قبيل القرب والأذكار وتعليم العلم، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف ما يدل على جواز ذلك، بل على ندبه.
5 -
إن إقدام الكفار على الأمور الثلاثة المتقدمة لأسباب أربعة: هي عدم تدبرهم القرآن أي عدم تفهمهم له، واعتقادهم أن مجيء الرسل على خلاف العادة، وتجاهلهم وإنكارهم خصال الرسول صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فإنهم عرفوه وعرفوا أنه من
أهل الصدق والأمانة، فكان في اتباعه النجاة والخير لولا العنت، ووصفهم له بأنه مجنون للاحتجاج في ترك الإيمان به.
مع أنه عليه الصلاة والسلام جاءهم بالحق، أي القرآن والتوحيد الحق والدّين الحق، وأكثرهم كارهون للحق حسدا وبغيا وتقليدا.
6 -
الحق فوق الأهواء والشهوات، ولو وافق الحق أهواء الكفار، لاختل نظام العالم؛ لأن شهوات الناس متخالفة متعارضة متضادة، لذا وجب اتباع سبيل الحق، والانقياد للحق، والتخلي عن الأهواء.
7 -
القرآن الكريم شرف وفخر ومجد وعز للعرب، ومع ذلك فهم معرضون عنه وعن تعاليمه، وتلك هي الحماقة بعينها، والمكابرة.
8 -
ليس للنبي صلى الله عليه وسلم مطمع في أجر أو جعل على تبليغ ما جاء به قومه من الرسالة، بل هو أسمى من طلب ذلك، لأنه يطلب رضا الله وفضله، وما يؤتيه الله له من الأجر على الطاعة والدعاء إلى دين الله خير من عرض الدنيا، وقد عرضوا عليه فعلا أموالهم حتى يصبح أغناهم، فأبى ذلك أيما إباء ولم يجبهم إلى ذلك.
9 -
إن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة إلى الاستقامة، وإلى الدين القويم، والمنهج الأعدل والأفضل، لكن الذين لا يصدقون بالبعث لعادلون عن الحق، جائرون منحرفون، حتى يصيروا إلى النار.
10 -
لو ردّ الله الكفار إلى الدنيا رحمة بهم، ولم يدخلهم النار وامتحنهم مرة أخرى، لتمادوا في طغيانهم، أي في معصيتهم، وظلوا يترددون في ضلالتهم.
ولو كشف الله ما بالكفار من ضرّ، أي من قحط وجوع، لتمادوا في ضلالتهم أيضا وتجاوزهم الحد، واستمروا يخبطون في طغيانهم.