الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على الحق. {فَذَرْهُمْ} اترك كفار مكة، ودعهم. {فِي غَمْرَتِهِمْ} في ضلالتهم وجهالتهم، شبهها بالماء الذي يغمر القامة؛ لأنهم مغمورون فيها. {حَتّى حِينٍ} إلى حين موتهم أو قتلهم. {أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ} أن ما نعطيهم ونجعله مددا لهم. {مِنْ مالٍ وَبَنِينَ} في الدنيا.
{نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ} نعجل لهم به، وهو خبر أن، والراجع ضمير محذوف، والمعنى:
أيحسبون أن الذي نمدهم به نسارع لهم به فيما فيه خيرهم وإكرامهم. {بَلْ لا يَشْعُرُونَ} أن ذلك استدراج لهم، وإنما هم كالبهائم، لا فطنة عندهم ولا شعور ليتأملوا، فيعلموا أن ذلك الإمداد استدراج، لا مسارعة في الخير.
المناسبة:
بعد بيان قصص بعض الأنبياء المتقدمين، أوصى الله تعالى بجملة من المبادئ في الحياة هي الأكل من الحلال، والعمل بصالح الأعمال، وإدراك أن الملة واحدة وأن الدين الحق واحد، ولكن الأمم فرقت دينها شيعا، وهم في حيرة وعمى يظنون أن إفاضة النعم عليهم، لرضا الله عليهم، ولكنها في الحقيقة استدراج، لا مسارعة في الخيرات.
التفسير والبيان:
1 -
{يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} هذا أمر من الله تعالى عباده المرسلين عليهم السلام بالأكل من الحلال، والقيام بصالح الأعمال، شكرا للنعمة. وهذا دليل على أن الحلال عون على العمل الصالح وسابق عليه، ثم ذكر تعالى علة هذا الأمر، فقال:{إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} أي إني مطلع على جميع أعمالكم، لا يخفى علي شيء منها، وأنا مجازيكم عليها.
ومن أمثلة الحلال أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه، وأن داود عليه السلام كان يأكل من كسب يده، كما ثبت في الصحيح، فيعمل الدروع المسردة (أي ذات الحلق من الحديد) بيده معجزة له وأمرا خارقا للعادة،
وفي
صحيح مسلم: «وما من نبي إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال:
نعم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».
أخرج مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، وَاعْمَلُوا صالِحاً، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ} [البقرة 172/ 2]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام، يمدّ يديه إلى السماء، يا ربّ، يا ربّ، فأنى يستجاب له» .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس رضي الله عنها أنها بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن حين فطره، وهو صائم، فرد إليها رسولها وقال: من أين لك هذا؟ فقالت: من شاة لي، ثم ردّه وقال: ومن أين هذه الشاة؟ فقالت: اشتريتها بمالي، فأخذه، فلما كان من الغد جاءته وقالت: يا رسول الله، لم رددته؟ فقال صلى الله عليه وسلم:«أمرت الرّسل ألا يأكلوا إلا طيبا، ولا يعملوا إلا صالحا» .
2 -
{وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} أي وإن دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وهذا يدل على أن الأديان متحدة في أصولها المتعلقة بتوحيد الله ومعرفته. أما اختلاف الفروع من شرائع وأحكام بحسب اختلاف الأزمان والأحوال، فلا بأس به ولا يسمى اختلافا في الدين.
ومرجع أعمال الأنبياء جميعا إلى الله تعالى، فأنا ربكم المتفرد بالربوبية، فاحذروا عقابي، ولا تخالفوا أمري، أي والحال أني أنا ربكم.
3 -
{فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي إن أتباع الأنبياء فرقوا أمر دينهم وقطعوه ومزقوه، وجعلوه قطعا، وصاروا فرقا وأحزابا وجماعات، كل حزب يفرحون بما هم فيه من الضلال، ويعجبون بما هم عليه، معتقدين أنه الحق الصراح، ويحسبون أنهم مهتدون.
وهذا ذم واضح للتفرق والتشتت، وتوبيخ ووعيد، لذا قال الله تعالى متهددا لهم ومتوعدا:
{فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ} أي دعهم واتركهم في جهالتهم وضلالهم إلى حين موتهم أو قتلهم ورؤيتهم مقدمات العذاب وبوادره، كما قال تعالى:{فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} [الطارق 17/ 86]، وقال سبحانه:{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا، وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر 3/ 15].
4 -
{أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ} أي أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد، لكرامتهم علينا، ومعزتهم عندنا؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم:
{نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ 35/ 34].
لقد أخطئوا في ذلك، وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء لهم، لهذا قال تعالى:{بَلْ لا يَشْعُرُونَ} أي لا يحسون أنما نفعل ذلك بهم استدراجا وأخذا بأيديهم إلى العذاب إذا لم يتوبوا، كما قال تعالى:
{فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} [التوبة 55/ 9]، وقال سبحانه:{إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً} [آل عمران 178/ 3]، وقال عز وجل:{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم 44/ 68 - 45].
قال قتادة في قوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ.} . الآية: مكر والله