الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أردف ذلك بالإنكار على الكفار والمشركين من قريش، ووصفهم بأنهم في غمرة من هذا الذي بيّن في القرآن، أو من وصف المشفقين، وأن لهم أعمالا أخرى أسوأ في الكفر والعصيان، كالشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإيذاء المؤمنين.
وبعد أن بين أنه لا ينصر أولئك الكفار، أتبعه بعلة ذلك، وهي أنه متى تليت عليهم آيات القرآن، أتوا بأمور ثلاثة: هي النفور والإعراض عن تلك الآيات وعن تاليها، والاستكبار بالبيت العتيق أو الحرم قائلين:«لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم» والسمر بذكر القرآن والطعن فيه.
ولما زيّف طريقة القوم، أتبعه ببيان صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال:
{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} ولكن الكفار تنكبوا عن هذا الطريق وعدلوا عنه، وقد أنذرهم ربهم بإحلال العذاب عليهم بالقتل يوم بدر، والجوع وغير ذلك، فما خضعوا ولا انقادوا لربهم، وتمادوا في ضلالهم، وهم متحيرون.
التفسير والبيان:
{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا} أي بل قلوب الكفار والمشركين في غفلة وضلالة من هذا البيان الشافي في القرآن، ومن هدايته لأقوم الطرق، وإسعاده للناس في دنياهم وآخرتهم.
{وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ، هُمْ لَها عامِلُونَ} أي ولهم أعمال سيئة منكرة غير ذلك أي غير الغفلة والجهل وهو الشرك والطعن في القرآن وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، هم لها عاملون قطعا في المستقبل. وإنما قال ذلك؛ لأن تلك الأعمال مثبتة في علم الله وفي اللوح المحفوظ ومكتوبة مسجلة عليهم سلفا، لإحاطة علم الله بها، وعلم الله لا يتغير.
{حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ} أي حتى إذا أوقعنا مترفيهم (وهم المتنعمون البطرون في الدنيا) في العذاب الشديد والبأس والنقمة بهم، صرخوا واستغاثوا، كما قال تعالى:{وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ، وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً، إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً} [المزمل 11/ 73 - 12] وقال سبحانه: {كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ} [ص 3/ 38].
{لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ، إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ} أي لا فائدة ولا جدوى من الصراخ، فلا يدفع عنكم ما يراد إنزاله بكم، وقد لزم الأمر ووجب العذاب، ولن تجدوا ناصرا ينصركم، ويحول بينكم وبين العقاب الأليم.
وأسباب حجب نصر الله لهم وإيقاع هذا الجزاء ثلاثة هي:
1 -
{قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ} أي إنه متى تليت عليكم آيات القرآن نفرتم منها وأعرضتم عن سماعها وعمن يتلوها، كما يذهب الناكص (الراجع) على عقبيه، بالرجوع إلى ورائه. والمراد: أنهم يعرضون عن الحق، فإذا دعوا أبوا، وإن طلبوا امتنعوا.
2 -
{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي إنهم حال نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه يكونون مستكبرين استكبارا عليه (أي على الحق) واحتقارا له ولأهله.
وضمير {بِهِ} عائد إلى البيت العتيق أو الحرم، فإنهم كانوا يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا به، أو أنه عائد إلى القرآن أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يصفون القرآن بأنه سحر أو شعر أو كهانة، ويقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم:
إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو كذاب أو مجنون، وكل ذلك باطل، فالقرآن حق، ومحمد نبي الحق، وليس الاستكبار من الحق.
3 -
{سامِراً تَهْجُرُونَ} أي سمّارا حول البيت، تتركون القرآن، أو تأتون
بالهذيان، فتسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه. وعلى هذا تتعلق كلمة {بِهِ} ب:{سامِراً} .
وبعد أن وصف حالهم، أبان أن إقدامهم على هذه الأمور، لا بد من أن يكون لأحد أسباب أربعة هي:
1 -
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} أي أفلا يتفهم المشركون هذا القرآن العظيم؟ مع أنهم خصوا به، وهو معروف لهم بيانا وفصاحة وبلاغة ومضمونا ساميا، ولم ينزل على رسول أكمل ولا أشرف منه، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا نعمة الله عليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها.
2 -
{أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} أي أم اعتقدوا أن مجيء الرسل أمر على خلاف العادة، مع أنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل تتالت على الأمم، مؤيدة بالمعجزات، أفلا يدعوهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول؟ 3 - {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ، فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} أي ربما لم يكونوا عارفين رسولهم بخصاله العالية قبل النبوة؟ مع أنهم عرفوا أنه الصادق الأمين، وأنه يفر من الكذب والأخلاق الذميمة، فكيف كذبوه بعد أن اتفقوا على تسميته بالأمين؟ لهذا قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك، إن الله بعث فينا رسولا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته. وقال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم مثل ذلك. وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل، حين سأله وأصحابه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارا لم يسلموا، فاعترفوا باتصافه بالصدق.
4 -
{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} أي بل إنهم يقولون عن الرسول: إن به جنونا لا يدري ما يقول، مع أنهم يعلمون أنه أرجح الناس عقلا ورأيا.
ثم بيّن الله تعالى السبب الحقيقي في عدم إيمانهم فقال:
{بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ} أي بل جاءهم الرسول الصادق الأمين بالحق الثابت الذي لا محيد عنه، وهو توحيد الله والتشريع المحقق للسعادة، لكن أكثرهم كارهون لهذا الحق، لتأصل الشرك في قلوبهم، وتمسكهم بتقليد الآباء والأجداد، وحفاظهم على المناصب ومراكز الزعامة والرياسة.
وإنما قال {أَكْثَرُهُمْ} لأن بعضا منهم تركوا الإيمان أنفة واستعلاء، وتخوفا من توبيخ القوم وتعييرهم، لا كراهة للحق، كما حكي عن أبي طالب.
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} والحق:
كل ما قابل الباطل، فهو الشيء الثابت والصواب والطريق المستقيم، فلو اتبع أهواء الناس لانقلب باطلا، ولذهب ما يقوم به العالم، وقيل الحق: الإسلام لو اتبع أهواءهم وانقلب شركا لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم، وعن قتادة: أن الحق هو الله ومعناه: ولو كان الله إلها يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي، لما كان إلها، ولكان شيطانا.
والمعنى العام: أن الحق لا يتبع الهوى، بل الواجب على الإنسان ترك الهوى واتباع الحق، فإن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم، فلو جاء القرآن مؤيدا الشرك بالله والوثنية، شارعا ما فيه الفوضى والانحراف كإباحة الظلم وترك العدل، وإقرار النهب والسلب والسرقة، وإباحة الزنى والقتل، وإهمال القيم الخلقية، لاختل نظام العالم ووقع التناقض، وتأخرت المدنية، وفسدت السموات والأرض ومن فيهن، لفساد أهوائهم واختلافها، ولو أبيح العدوان لافتقد الأمن، ولو أبيح الظلم لدمرت المدنية، ولو أبيح الزنى لاختلطت الأنساب وتهدمت الأسر، وهكذا.
ومن أفكارهم وأقوالهم ما حكاه القرآن: {لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ
مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف 31/ 43]{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} ؟ [الزخرف 43/ 32]{قُلْ: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي، إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ} [الإسراء 17/ 100]{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً} [النساء 4/ 53].
وضمير {وَمَنْ فِيهِنَّ} إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض وجنّها. وأما ما لا يعقل فهو تابع لما يعقل.
ثم شنع الله تعالى عليهم لإعراضهم عن معالم الحق والهدى والخير فقال:
{بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ، فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} أي بل جئناهم بالقرآن الذي هو وعظهم أو فيه شرفهم وفخرهم وإعلاء سمعتهم، كما قال تعالى:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف 44/ 43] ولكنهم معرضون عن هذا الذكر الذي سطر لهم الخلود والمجد.
ثم أوضح إخلاص النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وأنه لا يطمع فيهم، حتى يكون ذلك سببا للنفرة فقال:
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً، فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ، وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ} أي أتسألهم أجرا على تبليغ الرسالة والدعوة إلى الهداية ورفع الشأن حتى لا يؤمنوا بك، ويملّوك ويبغضوك؟ والمراد أن هذه التهمة بعيدة عنه، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يطلب عوضا عن القيام بمهمته، فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله. وإن ما عند الله من ثواب خير من ثواب الدنيا، والله أفضل من أعطى وآجر.
ونظير الآية كثير في القرآن مثل: {قُلْ: ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ} [سبأ 47/ 34]{قُلْ: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص 86/ 38]{قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى} [الشورى 23/ 42].
والخلاصة: أنهم غير معذورين في عدم الاستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أيده الله بدستور رفيع للحياة البشرية، وليس له مطمع مادي في ملك ولا مال ولا جاه.
ثم أبان الله تعالى صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:
{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي وإنك يا محمد لتدعو الناس قاطبة ومنهم هؤلاء المشركون من قريش إلى الطريق المستقيم، والدين القيم الصحيح، وسبيل العزة والكرامة، والخير والسداد والوسط، وهو الإسلام العلاج الشافي لأدواء البشرية، وحل المشكلات الدينية والدنيوية، كما شهدت بذلك العقول السليمة، والدراسات الحيادية المجردة من أعداء الإسلام وعباقرة العلم والمعرفة.
{وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ} أي وإن المكذبين بالآخرة الذين لا يصدقون بالبعث بعد الموت لعادلون جائرون منحرفون عن هذا الطريق؛ لأن طريق الاستقامة واحدة، وما يخالفه فكثير.
{وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ، لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي إن هؤلاء الكفار لو أسبغنا عليهم واسع رحمتنا، وأزحنا عنهم الضر، وأفهمناهم القرآن، لما آمنوا به ولما انقادوا له، ولتمادوا في ضلالهم، ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، وظلوا متحيرين مترددين، كما قال تعالى:{وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال 23/ 8].
{وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ، وَما يَتَضَرَّعُونَ} أي ولقد ابتليناهم بالمصائب والشدائد، فما ردّهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على غيهم وضلالهم، وما خشعوا وما خضعوا لربّهم، وما دعوا ولا تذللوا، كما قال تعالى:{فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام 43/ 6].