المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أردف ذلك بالإنكار على الكفار والمشركين من قريش، ووصفهم بأنهم - التفسير المنير - الزحيلي - جـ ١٨

[وهبة الزحيلي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة المؤمنون

- ‌تسميتها وفضلها:

- ‌مناسبة السورة لما قبلها:

- ‌ما اشتملت عليه السورة:

- ‌خصال المؤمنين

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌من أدلة وجود الله وقدرته

- ‌1 -خلق الإنسان

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌2 -خلق السموات وإنزال الأمطار وتسخير الأنعام

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌خلق السموات:

- ‌المطر والنبات:

- ‌أحوال الأنعام:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌القصة الأولى-قصة نوح عليه السلام

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌القصة الثانية-قصة هود عليه السلام

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌القصة الثالثة-قصص صالح ولوط وشعيب وغيرهم عليهم السلام

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌القصة الرابعة-قصة موسى وهارون عليهما السلام

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌القصة الخامسة-قصة عيسى وأمه مريم عليهما السلام

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌مبادئ التشريع في الحياة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌صفات المسارعين في الخيرات

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌إنكار أعمال الكفار ومشركي قريش وأسبابها

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (67):

- ‌نزول الآية (76):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌نعم الله العظمى على عباده

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌إنكار المشركين البعث وإثباته بالأدلة القاطعة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌ الأول

- ‌التفسير والبيان:

- ‌والثاني:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌نفي الولد والشريك لله تعالى

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌إرشادات إلى النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌تمني الإنسان عند الموت الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحا

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌موازين النجاة في حساب الآخرة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌التنبيه على قصر مدة اللبث في الدنيا وعقاب المشركينورحمة المؤمنين

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌سورة النور

- ‌تسميتها:

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌فضلها:

- ‌مشتملاتها:

- ‌ميزة سورة النور

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الحكم الأول والثانيحد الزنى وحكم الزناة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌وحكمة حد الزنى:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌1 - تحريم الزنى:

- ‌2 - وجوب الحد في الزنى:

- ‌3 - صاحب الولاية في إقامة الحد:

- ‌4 - أداة الجلد:

- ‌5 - صفة الجلد وطريقة الضرب ومكانه عند الجمهور:

- ‌6 - الشفاعة في الحدود:

- ‌7 - الترغيب في إقامة الحدود:

- ‌8 - حضور إقامة الحد:

- ‌9 - حكمة الحد:

- ‌10 - هل الآية منسوخة

- ‌11 - عموم التحريم:

- ‌الحكم الثالثحد القذف

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الحكم الرابعحكم اللعانأو قذف الرجل زوجته

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌1 - آيات اللعان وآية القذف:

- ‌2 - وحكمة اللعان:

- ‌3 - هل ألفاظ اللعان شهادات أم أيمان

- ‌4 - شروط المتلاعنين:

- ‌5 - وترتب على الخلاف السابق أيضا الاختلاف في ملاعنة الأخرس

- ‌6 - إذا قذف الرجل زوجته بعد الطلاق

- ‌7 - إذا قذف زوجته ثم زنت

- ‌8 - إذا شهد أربعة على امرأة بالزنى، أحدهم زوجها

- ‌9 - إذا أبى الزوج اللعان

- ‌10 - كيفية اللعان:

- ‌11 - آثار اللعان وما يترتب عليه: يترتب على اللعان:

- ‌أولا

- ‌ثانيا

- ‌ثالثا

- ‌12 - ما يحتاج إليه اللعان:

- ‌13 - إذا قذف الرجل مع زوجته أجنبيا:

- ‌14 - استدل بمشروعية اللعان على جواز الدعاء باللعن على كاذب معين

- ‌15 - قال العلماء: لا يحل للرجل قذف زوجته

- ‌الحكم الخامسقصة الإفك

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول أو قصة الإفك في السنة النبوية الصحيحة:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌جزاء القذفة الأخروي في قصة الإفك

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الحكم السادسالاستئذان لدخول البيوت وآدابه

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (27):

- ‌نزول الآية (29):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الحكم السابعحكم النظر والحجاب

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الحكم الثامن والتاسع والعاشرزواج الأحرار ومكاتبة الأرقاء والإكراه على الزنى

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (33):

- ‌نزول آية: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ}:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌الحكم الثامن-ما يتعلق بالزواج:

- ‌الحكم التاسع-مكاتبة الأرقاء:

- ‌الحكم العاشر-الإكراه على البغاء:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الله منوّر السموات والأرض بدلائل الإيمان وغيرها

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة

- ‌أحدهما:

- ‌الثاني:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌المؤمنون المهتدون بنور الله تعالى

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌حال الكافرين في الدنيا وخسرانهم في الآخرة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الأدلة الكونية على وجود الله وتوحيده

- ‌الإعراب

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌النوع الأول-تسبيح المخلوقات:

- ‌النوع الثاني-إنزال المطر:

- ‌النوع الثالث-اختلاف الليل والنهار:

- ‌النوع الرابع-أنواع المخلوقات:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌البقاء على الضلال والنفاق بالرغم من البيان الشافي

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الطاعة والامتثال عند المؤمنين

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌أصول دولة الإيمان

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الحكم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشرحالات الاستئذان في داخل الأسرة وتخفيف الثياب الظاهرةعن العجائز

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌الحكم الحادي عشر:

- ‌الحكم الثاني عشر:

- ‌الحكم الثالث عشر:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌إباحة الأكل من بيوت معينة دون إذن

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌الأولى-في نفي الحرج عن الأكل من بيوت معينة:

- ‌الثانية-رفع الإثم عن المعذورين في التخلف عن الجهاد:

- ‌الثالثة-نفي الحرج عن الناس في مؤاكلة المرضى

- ‌سبب نزول آية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً}:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الاستئذان عند الخروج وأدب خطاب النبي صلى الله عليه وسلموالتحذير من مخالفة أمره

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (63):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

الفصل: أردف ذلك بالإنكار على الكفار والمشركين من قريش، ووصفهم بأنهم

أردف ذلك بالإنكار على الكفار والمشركين من قريش، ووصفهم بأنهم في غمرة من هذا الذي بيّن في القرآن، أو من وصف المشفقين، وأن لهم أعمالا أخرى أسوأ في الكفر والعصيان، كالشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإيذاء المؤمنين.

وبعد أن بين أنه لا ينصر أولئك الكفار، أتبعه بعلة ذلك، وهي أنه متى تليت عليهم آيات القرآن، أتوا بأمور ثلاثة: هي النفور والإعراض عن تلك الآيات وعن تاليها، والاستكبار بالبيت العتيق أو الحرم قائلين:«لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم» والسمر بذكر القرآن والطعن فيه.

ولما زيّف طريقة القوم، أتبعه ببيان صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال:

{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} ولكن الكفار تنكبوا عن هذا الطريق وعدلوا عنه، وقد أنذرهم ربهم بإحلال العذاب عليهم بالقتل يوم بدر، والجوع وغير ذلك، فما خضعوا ولا انقادوا لربهم، وتمادوا في ضلالهم، وهم متحيرون.

‌التفسير والبيان:

{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا} أي بل قلوب الكفار والمشركين في غفلة وضلالة من هذا البيان الشافي في القرآن، ومن هدايته لأقوم الطرق، وإسعاده للناس في دنياهم وآخرتهم.

{وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ، هُمْ لَها عامِلُونَ} أي ولهم أعمال سيئة منكرة غير ذلك أي غير الغفلة والجهل وهو الشرك والطعن في القرآن وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، هم لها عاملون قطعا في المستقبل. وإنما قال ذلك؛ لأن تلك الأعمال مثبتة في علم الله وفي اللوح المحفوظ ومكتوبة مسجلة عليهم سلفا، لإحاطة علم الله بها، وعلم الله لا يتغير.

ص: 72

{حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ} أي حتى إذا أوقعنا مترفيهم (وهم المتنعمون البطرون في الدنيا) في العذاب الشديد والبأس والنقمة بهم، صرخوا واستغاثوا، كما قال تعالى:{وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ، وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً، إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً} [المزمل 11/ 73 - 12] وقال سبحانه: {كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ} [ص 3/ 38].

{لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ، إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ} أي لا فائدة ولا جدوى من الصراخ، فلا يدفع عنكم ما يراد إنزاله بكم، وقد لزم الأمر ووجب العذاب، ولن تجدوا ناصرا ينصركم، ويحول بينكم وبين العقاب الأليم.

وأسباب حجب نصر الله لهم وإيقاع هذا الجزاء ثلاثة هي:

1 -

{قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ} أي إنه متى تليت عليكم آيات القرآن نفرتم منها وأعرضتم عن سماعها وعمن يتلوها، كما يذهب الناكص (الراجع) على عقبيه، بالرجوع إلى ورائه. والمراد: أنهم يعرضون عن الحق، فإذا دعوا أبوا، وإن طلبوا امتنعوا.

2 -

{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي إنهم حال نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه يكونون مستكبرين استكبارا عليه (أي على الحق) واحتقارا له ولأهله.

وضمير {بِهِ} عائد إلى البيت العتيق أو الحرم، فإنهم كانوا يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا به، أو أنه عائد إلى القرآن أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يصفون القرآن بأنه سحر أو شعر أو كهانة، ويقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم:

إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو كذاب أو مجنون، وكل ذلك باطل، فالقرآن حق، ومحمد نبي الحق، وليس الاستكبار من الحق.

3 -

{سامِراً تَهْجُرُونَ} أي سمّارا حول البيت، تتركون القرآن، أو تأتون

ص: 73

بالهذيان، فتسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه. وعلى هذا تتعلق كلمة {بِهِ} ب:{سامِراً} .

وبعد أن وصف حالهم، أبان أن إقدامهم على هذه الأمور، لا بد من أن يكون لأحد أسباب أربعة هي:

1 -

{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} أي أفلا يتفهم المشركون هذا القرآن العظيم؟ مع أنهم خصوا به، وهو معروف لهم بيانا وفصاحة وبلاغة ومضمونا ساميا، ولم ينزل على رسول أكمل ولا أشرف منه، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا نعمة الله عليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها.

2 -

{أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} أي أم اعتقدوا أن مجيء الرسل أمر على خلاف العادة، مع أنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل تتالت على الأمم، مؤيدة بالمعجزات، أفلا يدعوهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول؟ 3 - {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ، فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} أي ربما لم يكونوا عارفين رسولهم بخصاله العالية قبل النبوة؟ مع أنهم عرفوا أنه الصادق الأمين، وأنه يفر من الكذب والأخلاق الذميمة، فكيف كذبوه بعد أن اتفقوا على تسميته بالأمين؟ لهذا قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك، إن الله بعث فينا رسولا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته. وقال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم مثل ذلك. وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل، حين سأله وأصحابه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارا لم يسلموا، فاعترفوا باتصافه بالصدق.

4 -

{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} أي بل إنهم يقولون عن الرسول: إن به جنونا لا يدري ما يقول، مع أنهم يعلمون أنه أرجح الناس عقلا ورأيا.

ص: 74

ثم بيّن الله تعالى السبب الحقيقي في عدم إيمانهم فقال:

{بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ} أي بل جاءهم الرسول الصادق الأمين بالحق الثابت الذي لا محيد عنه، وهو توحيد الله والتشريع المحقق للسعادة، لكن أكثرهم كارهون لهذا الحق، لتأصل الشرك في قلوبهم، وتمسكهم بتقليد الآباء والأجداد، وحفاظهم على المناصب ومراكز الزعامة والرياسة.

وإنما قال {أَكْثَرُهُمْ} لأن بعضا منهم تركوا الإيمان أنفة واستعلاء، وتخوفا من توبيخ القوم وتعييرهم، لا كراهة للحق، كما حكي عن أبي طالب.

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} والحق:

كل ما قابل الباطل، فهو الشيء الثابت والصواب والطريق المستقيم، فلو اتبع أهواء الناس لانقلب باطلا، ولذهب ما يقوم به العالم، وقيل الحق: الإسلام لو اتبع أهواءهم وانقلب شركا لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم، وعن قتادة: أن الحق هو الله ومعناه: ولو كان الله إلها يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي، لما كان إلها، ولكان شيطانا.

والمعنى العام: أن الحق لا يتبع الهوى، بل الواجب على الإنسان ترك الهوى واتباع الحق، فإن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم، فلو جاء القرآن مؤيدا الشرك بالله والوثنية، شارعا ما فيه الفوضى والانحراف كإباحة الظلم وترك العدل، وإقرار النهب والسلب والسرقة، وإباحة الزنى والقتل، وإهمال القيم الخلقية، لاختل نظام العالم ووقع التناقض، وتأخرت المدنية، وفسدت السموات والأرض ومن فيهن، لفساد أهوائهم واختلافها، ولو أبيح العدوان لافتقد الأمن، ولو أبيح الظلم لدمرت المدنية، ولو أبيح الزنى لاختلطت الأنساب وتهدمت الأسر، وهكذا.

ومن أفكارهم وأقوالهم ما حكاه القرآن: {لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ

ص: 75

مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف 31/ 43]{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} ؟ [الزخرف 43/ 32]{قُلْ: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي، إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ} [الإسراء 17/ 100]{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً} [النساء 4/ 53].

وضمير {وَمَنْ فِيهِنَّ} إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض وجنّها. وأما ما لا يعقل فهو تابع لما يعقل.

ثم شنع الله تعالى عليهم لإعراضهم عن معالم الحق والهدى والخير فقال:

{بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ، فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} أي بل جئناهم بالقرآن الذي هو وعظهم أو فيه شرفهم وفخرهم وإعلاء سمعتهم، كما قال تعالى:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف 44/ 43] ولكنهم معرضون عن هذا الذكر الذي سطر لهم الخلود والمجد.

ثم أوضح إخلاص النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وأنه لا يطمع فيهم، حتى يكون ذلك سببا للنفرة فقال:

{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً، فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ، وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ} أي أتسألهم أجرا على تبليغ الرسالة والدعوة إلى الهداية ورفع الشأن حتى لا يؤمنوا بك، ويملّوك ويبغضوك؟ والمراد أن هذه التهمة بعيدة عنه، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يطلب عوضا عن القيام بمهمته، فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله. وإن ما عند الله من ثواب خير من ثواب الدنيا، والله أفضل من أعطى وآجر.

ونظير الآية كثير في القرآن مثل: {قُلْ: ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ} [سبأ 47/ 34]{قُلْ: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص 86/ 38]{قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى} [الشورى 23/ 42].

ص: 76

والخلاصة: أنهم غير معذورين في عدم الاستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أيده الله بدستور رفيع للحياة البشرية، وليس له مطمع مادي في ملك ولا مال ولا جاه.

ثم أبان الله تعالى صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:

{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي وإنك يا محمد لتدعو الناس قاطبة ومنهم هؤلاء المشركون من قريش إلى الطريق المستقيم، والدين القيم الصحيح، وسبيل العزة والكرامة، والخير والسداد والوسط، وهو الإسلام العلاج الشافي لأدواء البشرية، وحل المشكلات الدينية والدنيوية، كما شهدت بذلك العقول السليمة، والدراسات الحيادية المجردة من أعداء الإسلام وعباقرة العلم والمعرفة.

{وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ} أي وإن المكذبين بالآخرة الذين لا يصدقون بالبعث بعد الموت لعادلون جائرون منحرفون عن هذا الطريق؛ لأن طريق الاستقامة واحدة، وما يخالفه فكثير.

{وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ، لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي إن هؤلاء الكفار لو أسبغنا عليهم واسع رحمتنا، وأزحنا عنهم الضر، وأفهمناهم القرآن، لما آمنوا به ولما انقادوا له، ولتمادوا في ضلالهم، ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، وظلوا متحيرين مترددين، كما قال تعالى:{وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال 23/ 8].

{وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ، وَما يَتَضَرَّعُونَ} أي ولقد ابتليناهم بالمصائب والشدائد، فما ردّهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على غيهم وضلالهم، وما خشعوا وما خضعوا لربّهم، وما دعوا ولا تذللوا، كما قال تعالى:{فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام 43/ 6].

ص: 77