الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مختلفة، بضرب الأمثال، وعقد التشبيهات، وتصوير المعاني بصور المحسوسات المألوفة، لترسيخها في الأذهان، وتثبيتها في أعماق الفؤاد والنفس، فيصير الإيمان راسخا في القلب كالجبال الراسيات. وهذا من مزايا القرآن البلاغية الرائعة أنه يصور المعقولات والمعاني بصور الماديات والمحسوسات.
{وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي والله عالم علما تاما شاملا بجميع الأشياء المعقولة والحسية، الباطنة والظاهرة، يمنح الهداية لمن كان أهلا لها، مستعدا لتلقيها. وهذا وعد لمن أعمل فكره ووعى وسائل الهداية، ووعيد لمن أعرض، فلم يتدبر ولم يتفكر فيها، ولم يكترث بها.
والخلاصة: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن، فكما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسّته ازداد ضوءا على ضوء، يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء ازداد هدى على هدى، ونورا على نور.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية لا يراد بها ظاهرها وإنما هي مؤولة، وتأويلها مختلف فيه، وأصح التأويلات ما ذكره جمهور المتكلمين وابن عباس وأنس
(1)
: وهو أن الله هادي أهل السموات والأرض، وهداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات، وتلك الهداية هي الآيات البينات القائمة في الكون والمنزلة على الرسل بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتّقد بزيت بالغ النهاية في الصفاء.
ومثل نور الله أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن، مثل المصباح الذي تكاملت فيه وسائل الإنارة وهي المشكاة (الكوّة في الحائط غير النافذة)
(1)
تفسير الرازي: 231/ 23 وما بعدها.
وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها، والزجاجة لأنها جسم شفّاف، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج، فصارت الزجاجة في الإنارة والضوء كالكوكب الدرّي المتلألئ، والزيت الصافي النقي النابع من زيتون شجرة كثيرة المنافع، تتعرض للشمس والهواء طوال النهار، فهي ليست شرقية فحسب وهي التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ولا تصيبها لوجود الساتر الحاجب إذا غربت، وليست غربية فحسب عكس الشرقية: وهي التي تصيبها الشمس إذا غربت ولا تصيبها وقت الشروق، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية غربية، في صحراء واسعة من الأرض، لا يواريها عن الشمس شيء، وهو أجود لزيتها.
والأنوار مترادفة متضاعفة مجتمعة مع بعضها، كذلك قلب المؤمن يزداد إيمانا وهداية بأضواء القرآن وهداية الله تعالى.
والله تعالى يبين الأشياء بالأمثال الحسية وغيرها تقريبا إلى الأفهام، وهو عليم بكل شيء يحقق المراد، وبمن هو أهل للهداية والضلال.
فهذا مثل للقرآن في قلب المؤمن، فكما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص، فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص، فالمصباح القرآن، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفهمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي. ويكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار: معناه تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ.
و {نُورٌ عَلى نُورٍ} : معناه أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه، مع ما أقام لهم من الدلائل والاعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نورا على نور، وهذا النور عزيز لا يناله إلا من أراد الله هداه، والله أعلم بالمهديّ والضالّ.
وأما ما لا تعلق له بالآية: فيجوز أن يقال: لله تعالى نور، من جهة المدح؛ لأنه أوجد الأشياء، ونور جميع الأشياء: منه ابتداؤها، وعنه صدورها.