الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر، والغواية: الضلال. {تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ} منهم أي من عبادتهم إيانا. {ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ} {كَما} نافية، أي ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم.
{اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ} أي الأصنام الذين تزعمون أنهم شركاء الله. {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} أي فلم يجيبوا دعاءهم، لعجزهم عن الإجابة والنصرة. {وَرَأَوُا الْعَذابَ} أبصروه هم. {لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ} في الدنيا، لما رأوه في الآخرة.
{فَعَمِيَتْ} خفيت. {الْأَنْباءُ} الأخبار والحجج التي تنجيهم. {يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة، لم يجدوا خبرا لهم فيه نجاة، أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم لا تهتدي إليهم، وأصله:
فعموا عن الأنباء، لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يأتي من خارج. {فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ} لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب لفرط الدهشة.
{فَأَمّا مَنْ تابَ} من الشرك. {وَآمَنَ} صدق بتوحيد الله. {وَعَمِلَ صالِحاً} أدى الفرائض، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح. {مِنَ الْمُفْلِحِينَ} الناجحين عند الله، وعسى: تحقيق على عادة الكرام، أو ترج من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح.
المناسبة:
بعد بيان كون التمتع في الدنيا بزخارفها دون طاعة الله وشكره على نعمه سببا في عذاب الكافر يوم القيامة، أبان الله تعالى حالة الإهانة والتقريع للمشركين أو الكافرين حين يسألهم الله تعالى يوم القيامة ثلاثة أسئلة يحارون في الجواب عنها، وهي السؤال عن آلهتهم التي عبدوها في الدنيا، وعن دعوتهم لها، وعما أجابوا به الرسل الذين دعوهم إلى الإيمان بربهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة بحيث يناديهم ويسألهم عن ثلاثة أشياء:
الأول-السؤال عن نصرة الآلهة المزعومة: {وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أي واذكر أيها الرسول يوم ينادي الحق تعالى
هؤلاء المشركين، فيقول لهم: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا من الملائكة والجن والكواكب والأصنام والأنداد والأشخاص، وتزعمون أنهم شركائي، هل يشفعون لكم، وهل ينصرونكم أو ينتصرون؟ والمقصود من السؤال الإهانة والتحقير، والتقريع والتنديد، فلا جواب لديهم؛ لأنهم عرفوا يوم القيامة بطلان ما كانوا عليه، وأدركوا صحة التوحيد والنبوة بالضرورة.
ونظير الآية: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ، وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام 94/ 6].
ثم ذكر جواب أئمة الضلال ودعاة الكفر، فقال:
{قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ: رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا، تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ} أي قال رؤساء الضلال والدعاة إلى الكفر الذين ثبت عليهم مقتضى القول وتحقق فيهم مؤداه ولزمهم الوعيد، بقوله تعالى:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة 13/ 32]: ربنا هؤلاء الأتباع الذين آثروا الكفر على الإيمان كان غيهم باختيارهم، كما أن غينا باختيارنا، فإن إغواءنا وإضلالنا لهم ما ألجأهم إلى الغواية والضلال قسرا وإكراها، بل كانوا مختارين حين أقدموا على تلك العقائد والأعمال. والمراد أن تبعة غيهم عليهم لا علينا.
ونحن نتبرأ إليك منهم، ومن عقائدهم وأعمالهم، ومما اختاروه من الكفر والعصيان، وهم في الحقيقة ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم، ويطيعون شياطينهم، فالمعبودون شهدوا أنهم أغووا الأتباع فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم.
وذلك كما قال تعالى في آية أخرى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ
عِزًّا، كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم 81/ 19 - 82] وقال سبحانه:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ} [الأحقاف 5/ 46 - 6] وقال عز وجل: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، وَرَأَوُا الْعَذابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ} [البقرة 2/ 166].
السؤال الثاني-السؤال عن جواب الآلهة لدفع العذاب: {وَقِيلَ: اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ، فَدَعَوْهُمْ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، وَرَأَوُا الْعَذابَ، لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ} أي وقيل للمشركين بالله: ادعوا شركاءكم آلهتكم ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون في الدار الدنيا، فدعوهم لفرط الحيرة والدهشة، فلم يجيبوهم عجزا منهم عن الجواب، وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة، وودّوا حين عاينوا العذاب عن الجواب، وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة، وودّوا حين عاينوا العذاب المحدق بهم لو أنهم كانوا من المهتدين المؤمنين في الدنيا. وعلى هذا جواب {لَوْ} محذوف، أي ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون.
ونظير الآية: {وَيَوْمَ يَقُولُ: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً. وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً} [الكهف 52/ 18 - 53].
والقصد من هذا السؤال التوبيخ والتقريع وكشفهم أمام الناس، بدعائهم من لا نفع له ولا فائدة ترتجى منه، فهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في النصرة، وأن العذاب مقرر لهم ثابت عليهم. وفي ذلك ردع وزجر عن الشرك وخرافاته في الدنيا.
السؤال الثالث-السؤال عن التوحيد وإجابة الأنبياء: {وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} ؟ أي واذكر يوم ينادي الله تعالى المشركين لمعرفة جوابهم للمرسلين إليهم، وكيف كان حالهم معهم، وعن التوحيد الذي دعوا