الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حتى كان آخرهم عيسى بن مريم، مبشرا بالنبي العربي الهاشمي خاتم الرسل على الإطلاق.
وآتيناه الكتاب، فكانت التوراة منزلة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد، وكلهم من نسله.
3 -
{وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا} بكثرة الذرية والأموال والزوجة الصالحة والثناء الحسن، فجميع أهل الأديان يحبونه ويتولونه، قال عكرمة: أهل الملل كلها تدعيه وتقول: هو منا.
4 -
{وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ} أي وإنه يحشر في الآخرة في زمرة الكاملين في الصلاح الذين لهم الدرجات العلا.
وبهذا جمع الله تعالى له بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
1 -
أثبت إبراهيم الخليل عليه السلام لقومه أصول الدين الثلاثة: وهي وحدانية الله، وصحة الرسالة أو النبوة، والبعث والحشر، وأقام البرهان الدامغ على ذلك، فكان جوابهم النابع من تمكن الكفر والعناد والمكابرة هو:{اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} ثم اتفقوا على تحريقه، وهو قتل بالنار أشد نكاية وتعذيبا وتشفيا من القتل العادي.
2 -
حشد قوم إبراهيم الجموع العظيمة، وجمعوا الأحطاب الكبيرة، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لهبها إلى عنان السماء، ولم توقد نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم، فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوه فيها، فأنجاه الله وسلّمه،
وجعلها عليه بردا وسلاما، كما قال تعالى:{يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ} [الأنبياء 69/ 21].
أما كيفية استبراد النار فهو أمر معجز، والمعجز خارق للعادة، والله قادر على كل شيء، بسلب خاصية الحرارة عن النار.
لهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما؛ فإنه بذل نفسه للرحمن، وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، فاجتمع على محبته جميع أهل الأديان.
3 -
إن في إنجاء إبراهيم من النار العظيمة، حتى لم تحرقه بعد ما ألقي فيها، لآيات للمؤمنين بالله ورسله. وجمع الآيات هنا؛ لأن الإنجاء من النار، وجعلها بردا وسلاما، ولم يحترق بالنار إلا الحبل الذي أوثقوه به، وغير ذلك، مجموع آيات. وخص الآيات بالمؤمنين؛ لأنه لا يصدق بذلك إلا المؤمنون، وفيه بشارة للمؤمنين بأن الله يبرد عليهم النار يوم القيامة.
أما في قصة نوح فقال: {وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ} للدلالة على اتخاذ السفينة وقت الحاجة وصونها عن المهلكات، فهي آية واحدة، وجعلها للعالمين علامة ظاهرة لبقائها أعواما حتى مرّ عليها الناس، ورأوها، فعلم بها كل أحد، وليس المؤمنين فقط.
4 -
بالرغم من إلقاء إبراهيم في النار، عاد إلى لوم الكفار وبيان فساد ما هم عليه وخطئه، وتمسكهم بالتقليد الأعمى، فقال: إنكم اتخذتم عبادة الأوثان لإيجاد نوع من التوادد والترابط والتواصل فيما بينكم، كالتوافق الذي يحدث بين أهل مذهب معين.
غير أن تلك الروابط واهية غير موثقة، فهي رابطة في الدنيا فقط، ثم تنقطع وتتلاشى في عالم الآخرة، فيقع التباغض والتلاعن والتعادي بينكم
يوم القيامة، فتتبرأ الأوثان من عبّادها، والرؤساء من الأتباع، ويلعن الأتباع رؤساءهم، ويكون مأوى الجميع نار جهنم.
5 -
ليست نار الآخرة كالنار التي أنجى الله منها إبراهيم ونصره، فإن الكفار في النار، وليس لهم شافع ولا ناصر دافع، ينصرهم ويمنع عنهم عذاب الله تعالى.
6 -
لوط عليه السلام أوّل من صدق إبراهيم عليه السلام حين رأى النار عليه بردا وسلاما، وتلك معجزة. قال ابن إسحاق: آمن لوط بإبراهيم، وكان ابن أخته، وآمنت به سارّة، وكانت بنت عمه.
7 -
بعد أن بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتد قومه، وحصل اليأس الكلي بعد وجود الآية الكبرى، وهي نجاته من النار، ولم يؤمنوا، وجبت المهاجرة؛ لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا، فبقاؤه فيهم عبث ولا جدوى فيه، لذا هاجر من أرض بابل ونزل بفلسطين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، ومعه ابن أخيه لوط بن هاران بن تارخ، وامرأته سارّة. وهو أول من هاجر من أرض الكفر.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه-كما روى البيهقي-أول من هاجر بأهله إلى الحبشة في الهجرة الأولى، بعد لوط.
8 -
أكرم الله تعالى إبراهيم الخليل بعد هجرته، فمنّ عليه بالأولاد، فوهب له إسحاق ولدا، ويعقوب ولد ولد، من بعد إسماعيل، وجعل في ذريته النبوة، والكتاب، فلم يبعث الله نبيّا بعد إبراهيم إلا من صلبه، وأنزل الكتب الأربعة المعروفة على أناس من ذريته، فالتوراة أنزلت على موسى من ولد إبراهيم، والإنجيل على عيسى من ولده، والزبور على داود من ولد إسحاق بن إبراهيم، والقرآن (أو الفرقان) على محمد صلى الله عليه وسلم من نسل إسماعيل بن إبراهيم، وآتاه أجره في الدنيا باجتماع أهل الملل عليه، وجعله في الآخرة في زمرة الصالحين.
وكل هذا حثّ على الاقتداء بإبراهيم عليه السلام في الصبر على الدين الحق.