الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
بعد أن ذكر الله قصة إبراهيم ذكر قصة لوط عليهما السلام؛ لأنه كان معاصرا له في زمن إبراهيم، ولم يذكر في قصته هنا دعوته إلى التوحيد كسائر الأنبياء، وإنما اقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، وذكر ذلك عنه في موضع آخر حيث قال:{فَاتَّقُوا اللهَ} [هود 78/ 11، الشعراء 163/ 26]{وَاتَّقُوا اللهَ} [الحجر 69/ 15] وكان قد أتى به إبراهيم وسبقه إليه. واختص لوط بالمنع من عمل قومه الفاحش، فلما يئس من ردعهم وتطهرهم من فاحشتهم، استنصر بربه، فاستجاب له وأهلك قومه، ونجاه مع من آمن به بسبب فحشهم وكفرهم بالله وبرسوله وقطعهم الطرق.
التفسير والبيان:
{وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ} أي واذكر أيها الرسول لقومك للعبرة والعظة قصة نبي الله لوط عليه السلام حين أرسله الله إلى أهل قرية «سدوم» فأنكر عليهم صنيعهم وقبيح أعمالهم التي ابتدعوها، وقال منكرا عليهم أو محذرا أو موبخا ومقرعا لهم: أتأتون الفعلة الفاحشة المتناهية في القبح شرعا وطبعا سليما؟! ثم كرر الإنكار عليهم ووضح تلك الفاحشة فقال:
1 -
{أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ} ؟ أي تأتون الذكران بشهوة كإتيان النساء، ما سبقكم أحد قبلكم من بني آدم إلى هذه الفعلة.
2 -
{وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} أي تقفون في طريق الناس، وتتعرضون للمارة بقتلهم وأخذ أموالهم وفعل الفاحشة بهم.
3 -
{وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} أي وتفعلون ما لا يليق من الأقوال
والأفعال في مجالسكم الخاصة، دون أن ينكر بعضكم على بعض شيئا من ذلك، فهم ذوو أخلاق سوء. والنادي: المجلس.
روى الإمام أحمد والترمذي والطبراني والبيهقي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى:
{وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} فقال: «يحذفون
(1)
أهل الطريق، ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه».
وروي عن ابن عباس قال: إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة، منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتم بعضهم بعضا، ويتضارطون في مجالسهم، ويخذفون، ويلعبون بالنّرد والشّطرنج، ويلبسون المصبغات. ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش، ويطرّفون أصابعهم بالحنّاء، وتتشبه الرجال بلباس النساء، والنساء بلباس الرجال، ويضربون المكوس
(2)
على كل عابر، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله، وهم أول من ظهر على أيديهم اللوطية والسّحاق.
وفسر مجاهد المنكر: بأنه الصفير، ولعب الحمام، والجلاهق
(3)
والسؤال في المجلس، وحل أزرار القباء.
فكان جوابهم:
{فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا: اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ} أي فما كان جوابهم بعد نهيهم عن الفاحشة وغيرها إلا قولهم بسبب كفرهم واستهزائهم وعنادهم: عجل علينا العذاب الذي توعدنا به إن كنت صادقا فيما تهددنا به. وهذا كان في بداية وعظه لهم، فلما ألح عليهم في الإنكار قالوا كما
(1)
الحذف أو الخذف: الرمي بالحصى.
(2)
رسوم المرور الظالمة.
(3)
كعلابط البندق الذي يرمى به.
جاء في آية أخرى: {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ، إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف 82/ 7].
ولما يئس لوط من استجابة قومه طلب من الله النصرة عليهم فقال:
{قالَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ} أي قال لوط داعيا: رب انصرني على هؤلاء القوم المفسدين في الأرض بابتداع الفاحشة.
ومن المعلوم أنه ما طلب نبي من الأنبياء هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم، كما قال نوح:{إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ، وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً} [نوح 27/ 71] أي لا مصلحة ولا خير يرتجى فيهم لا حالا، ولا مآلا في المستقبل.
فاستجاب الله دعاءه، وبعث ملائكة العذاب لنصرته:
{وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى، قالُوا: إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ، إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ} أي بعث الله ملائكة، فمروا على إبراهيم عليه السلام في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للأضياف، فلما رأى أنه لا رغبة لهم في الطعام خاف منهم، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بولد صالح من امرأته «سارّة» وهو إسحاق، ومن بعده يعقوب، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط؛ لأنهم قوم ظالمون أنفسهم بكفرهم وتكذيبهم رسولهم وتماديهم في الفساد والفحش.
فأخذ إبراهيم يدافع، لعلهم يمهلونهم، ولعل الله يهديهم، وأشفق على ابن أخيه لوط، فقال:
{قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً، قالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ، كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ} أي قال إبراهيم مشفقا على لوط: إن في القرية لوطا، وهو غير ظالم، وهو رسول، فقالت الملائكة الرسل: نحن أعلم منك بمن
فيها من المؤمنين والكافرين، وإنا لننجي لوطا وأهله وأتباعه المؤمنين به من الهلاك إلا امرأته، فهي من الهالكين؛ لأنها كانت تمالئ القوم على كفرهم وبغيهم وخبائثهم.
ثم قدموا على لوط فدخلوا عليه في صورة شبان حسان، فلما رآهم ضاق بهم، كما حكى تعالى:
{وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً، وَقالُوا: لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ، إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ} أي ولما جاءت الملائكة الرسل إلى لوط على صورة بشر حسان الوجوه، اغتم بأمرهم، وخاف عليهم من قومه، فقالوا له معرضين بحالهم: لا تخف علينا، ولا تحزن بما نفعله بقومك الأخباث، وإنا جئنا لتعذيبهم، وإنا منجّوك وأتباعك المؤمنين من العذاب، إلا امرأتك، فإنها من الهالكين؛ لتواطئها معهم على الفساد، فكانت تدلهم على ضيوفه، وكانت تدافع عنهم، وترضى بأفعالهم.
ثم وصفوا العذاب بقولهم:
{إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ} أي إننا سننزل على أهل قرية «سدوم» عذابا شديدا عظيما من السماء، تضطرب له نفوسهم، بسبب فسقهم.
وكان العذاب هو الزلزلة التي خسفت بهم الأرض، وصار مكان قريتهم بحيرة لوط (البحر الميت) فاقتلع جبريل عليه السلام قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله الحمم وحجارة من سجيل منضود، مسوّمة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد، ولهذا قال تعالى:
{وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي ولقد تركنا من القرية