الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويلاحظ أن هذه الآيات كلها في قمة البلاغة والفصاحة والإيجاز المفيد معاني عديدة متلاحقة، قال الزمخشري: فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن تنظيمه وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغا واحدا، ولأمر ما أعجز القوي، وأخرس الشّقاشق
(1)
.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
إن نفخ إسرافيل في الصور نفخة مرعبة وهي النفخة الأولى ونفخة الصعق يموت من رعبها الخلائق كلهم إلا من شاء ربك من الملائكة أو الناس.
وهي العلامة الثانية لقيام القيامة.
قال القرطبي: والصحيح في الصور: أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل.
قال مجاهد: كهيئة البوق. والصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان، لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما ترجع إلى نفخة الصعق؛ لأن الأمرين لازمان لهما، أي فزعوا فزعا ماتوا منه، ثم تأتي نفخة البعث وهي النفخة الثانية التي يحيى بها العباد ليجتمعوا في أرض الجزاء
(2)
.
ولا يتخلف أحد من الخلائق من عهد آدم إلى قيام الساعة عن المثول حيا أمام الله تعالى، لقوله سبحانه:{وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ} أي ذليلين صاغرين.
2 -
وبعد قيام القيامة وبعد النفخة الثانية عند حشر الخلائق يحدث تسيير الجبال من أماكنها، ثم تتلاشى وتتبدد كالعهن، أي الصوف المندوف. يقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة، ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها،
(1)
الكشاف: 463/ 2، والشقاشق: الخطباء الماهرون في الكلام، جمع شقشقة وهي في الأصل لهاة البعير.
(2)
تفسير القرطبي: 240/ 13.
وإبراز ما كانت تواريه؛ فأول الصفات: الاندكاك، وذلك قبل الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش؛ وذلك إذا صارت السماء كالمهل (أي الزيت المذاب) وقد جمع الله بينهما فقال:{يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ} [المعارج 8/ 70 - 9]. والحال الثالثة: أي تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن. والحال الرابعة: أن تنسف، والحال الخامسة: أن الرياح ترفعها على وجه الأرض، فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، والحال السادسة:
أن تكون سرابا
(1)
.
3 -
إن تغيير معالم الأرض من جبال وغيرها، وتبديد السموات وغير ذلك من فعل الله الذي أتقن بصنعه كل شيء، وأودع فيه من الحكمة ما أودع.
4 -
الناس صنفان يوم القيامة: سعداء وأشقياء، فالسعداء: هم المؤمنون الذين عملوا الأعمال الصالحة، وهؤلاء لهم الثواب الجزيل، والأمن من عذاب الله. والأشقياء: هم الكفار والمشركون والعصاة الذين ارتكبوا في الدنيا السيئات، وهؤلاء يطرحون في النار على وجوههم، ويقال لهم: هل هذا إلا جزاء أعمالكم؟ والثواب الممنوح من الله للسعداء وهو الخير اسم جنس، فسر بمضاعفته بعشرة أمثاله في آية أخرى، فإن الله تعالى يعطي بالحسنة الواحدة عشرا، أما جزاء السيئة فلا يضاعف فقال:{مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الأنعام 160/ 6].
(1)
المرجع السابق: 242 - 243.