الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النبي صلى الله عليه وسلم في منى:
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي ولم يقطع التلبية حتى رمى جرة العقبة، فعندما وصل الجمرة وقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة وهو على ناقته فرمى الجمرة راكبًا بعد طلوع الشمس، فكان رمى الجمرة أول نسك يباشره في منى، وكان رميه واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة يرمى بها، وكان أسامة وبلال معه أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظلله بثوب من الحر (1).
خطبته يوم العيد يوم الحج الأكبر:
وعقب انصرافه من جرة العقبة ألقى على المسلمين بمنى خطبة عظيمة، فتح الله لها أسماع الناس حتى سمعها أهل منى بعيدًا في منازلهم. فعن عكرمة وابن عباس قالا: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر بعد الظهر على ناقته القصواء. فقال صلى الله عليه وسلم: أيها الناس اسمعوا من قولي فاعقلوه، فإني لا أدرى لعلّى لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف .. أيها الناس أي شهر هذا؟ قال: فسكتوا. فقال صلى الله عليه وسلم: هذا شهر حرام، فأيُّ بلد هذا؟ فسكتوا، فقال: بلد حرام، ثم قال: أي يوم هذا؟ فسكتوا، فقال: يوم حرام، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حرّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ثم: إنكم سوف تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا الجاهلية موضوع، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وأول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعًا في بني سعد بن ليث فقتلته هزيل-، ألا هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرَّم على كل مسلم، ولا يحل مال مسلم
(1) زاد المعاد ج 1 ص 474.
إلا ما أعطى عن طيب نفس. قال عمرو بن يثربى (1): فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت غنم ابن عمى، أجزر منها شاة؟ قال: وعرفنى فقال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة، وزنادًا (2) بخبت الجميش (3) فلا تهجها، وفي هذه الخطبة قال النبي صلى الله عليه وسلم:{إِنَّمَا النَّسِيءُ (4) زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} (5). ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور اثنا عشر شهرًا في كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي بين جمادى الآخرة وشعبان، والشهر تسعة وعشرون يومًا، وثلاثون، ألا هل بلغت؟ فقال الناس: نعم، فقال: اللهم اشهد. ثم تحدث عن حقوق النساء وحقوق الرجال عليهم، فقال: أيها الناس إن النساء عليكم حقًّا، وإن لكم عيهن حقًّا، فعليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا، ولا يدخلن بيوتكم أحدًا تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وأن تضربوهن ضربًا غير مبرّح، فإن انتهين وأطعنكم، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. ثم أوصى بالنساء خيرًا، فقال: وإنما النساء عندكم عوان (6) لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم، قال: اللهم اشهد، ثم قال: أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه، فقد رضي به، إن كل مسلم أخو المسلم، وإنما المسلمون إخوة لا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله إلا
(1) هو عمرو بن يثربى الضمرى الحجازي "وبنى ضمرة تقع ديارهم قريبًا من بدر" كان يسكن عمرو المذكور خبت الجميش من سيف البحر، والجميش واد عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالساحل كثير الحطب، وهو واد لبنى ضمرة.
(2)
الزناد الذي تقدح منه النار.
(3)
الجميش واد بالساحل كثير الحطب.
(4)
في تعليقنا على خطبته "ص" أعطينا موجزًا لمعنى النسيء.
(5)
سورة التوبة آية 37.
(6)
عوان جمع عانية وهي الأسرة، كذا جاء في شرح أبي ذر.
بطيب نفس منه، وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله، ولا تظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، إني قد تركت فيكم ما لا تضلون بعده، كتاب الله، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم. قال: اللهم اشهد. وفي هذه الخطبة قال صلى الله عليه وسلم: خذوا عنى مناسككم لعلى لا أحج بعد عامي هذا، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وقال: لا يجنى جان إلا على نفسه، وقال: اعبدوا ربكم وصلوا وصوموا شهرم وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم .. وقال صلى الله عليه وسلم: واعلموا أن الصدور لا تغل (1)، إخلاص العمل لله، ومناصحة أهل الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، وفي رواية أنه قال صلى الله عليه وسلم: قد تركتم فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم مسئولون عنى؟ فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، ثم قال بإصبعه السبابة يشير إلى السماء يرفعها ويكبها (2) ثلاثًا: اللهم اشهد، وودع حينئذ الناس، فقالوا: حجة الوداع (3).
وبعد أن انتهى من خطبته هذه التي هي (بحق) قواعد الدستور الإسلامي العام توجه إلى المنحر، ونحر بيده ثلاثًا وستين بدنة، وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى. ثم أمسك وأمر عليًّا أن ينحر ما بقى من المائة. ثم أمر عليًّا أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها على المساكين، وأمره أن لا يُعطى الجزار في جزارتها شيئًا منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا، وقال من شاء قطع. رواه البخاري.
وفي منى وضع صلى الله عليه وسلم قاعدة للتيسير على الناس في أداء المناسك، بعيدة عن التزمت والتحجر. فلا يأتيه سائل يسأله إلا يسر عليه وقال له: لا
(1) أغل يغل "من الأغلال": خان .. وغل يغل "من الغل" إذا صار ذا ضفن وغش وحقد.
(2)
كب الشيء نكسه.
(3)
انظر مغازي الواقدي ج 3 ص 1111 وما بعدها وزاد المعاد ج 1 ص 475 وسيرة ابن هشام ج 4 ص 250 وإمتاع الأسماع ص 523 وتاريخ الخميس ص 150.