الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حتى تلاشى نهائيًا واستراح المسلمون بموته (1). وذلك بعد أن تمت السيطرة الكاملة للإسلام على جميع نواحى الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها.
موقف ابن أبَيّ والجد بن قيس في غزوة تبوك:
ورغم انحسار نفوذ زعماء المنافقين شيئًا فشيئا في المدينة، فقد بقى لهم بعض النفوذ بين العناصر المغرر بها، فكان عبد الله بن أبي والجد بن قيس، وهما رأسا النفاق، لا يزالان على قيد الحياة عندما اعتزم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحرك بالجيش إلى الحدود الشمالية لإِرهاب الروم.
ولقد بذل هذان الزعيمان المنافقان كل جهد لتمزيق وحدة المسلمين بنشر الشائعات المغرضة، والتي هدفها إحداث الفوضى والبلبلة داخل صفوف الجيش الذي تقرر أن يتحرك من المدينة إلى تبوك بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما الجد بن قيس فقد قال له الرسول صلى الله عليه وسلم كزعيم من زعماء المسلمين (في الظاهر) ولعله ينقى سريرته ويشترك -بإخلاص- في هذه الحملة العسكرية التاريخية، فالرسول دائما لا ييأس من إصلاح النفوس التي اعتراها الخراب، فهو رسول رحمة ومحبة وإصلاح، لذلك فقد قال للجد بن قيس هذا (بأدب نبوى رفيع): هل لك العام تخرج معنا، وبلهجة فيها شيء من المداعبة قال له: لعلك تحتقب من بنات بني الأصفر؟ . وكان الإسلام يبيح سبى نساء الأعداء وتسريهن كعمل حربى مقابل لا بد منه (2) لأن العداء إذا ما سبوا نساء المسلمين إسترقوهن وتسروهن (2) فقال الجد بن قيس للنبي صلى الله عليه وسلم بلغة منافقة خبيثة ماكرة-: أو تأذن لي ولا تفتنى؟ فوالله، لقد عرف قومى ما أحد أشد عجبًا بالنساء منى، وإني لأخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر، لا أصبر عنهن.
ولقد استاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الجواب الخبيث، غير أن الرسول -لما هو عليه من أدب رفيع جم- لم يعبر عن استيائه من هذه الإجابة التي
(1) انظر تفاصيل هذه الفتنة في كتابنا الثالث (غزوة الأحزاب).
(2)
انظر تفاصيل موتف الإسلام من سبايا الحرب في كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة) ففيه ما يدحض جميع شبه أعداء الإسلام.
تحمل أكثر من معنى من معاني الخبث والنفاق، لم يعبر عن استيائه بأكثر من أنه (فقط) أعرض عن الجد بن قيس، وذهب في الحلم على هذا المنافق إلى أن أذن له في التخلف عن الجيش قائلًا: قد أذنت لك (1).
ومن عجائب المفارقات التي تصنعها العقيدة، أن لهذا المنافق الجد بن قيس، ابن صالح شديد الإِيمان، كان شهد بدرًا مع المسلمين، وهو أخو معاذ بن جبل لأمه، واسمه عبد الله (2) .. هذا الشاب الثابت العقيدة الصالح المؤمن، لما بلغته مقالة أبيه النابية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إليه لقدم له النصح كى يتوب إلى الله مما فاه به من منكر القول أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ولينفر ضمن الجيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حيث يريد، لا سيما وأنه غنى من أغنياء المدينة، وسيد من سادات الخزرج المرموقين، والمفروض فيهم أن يكون (بإخلاص) في مقدمة الجيش النبوي الغازى.
فقد قال هذا الشاب المؤمن الطيب عبد الله لأبيه الباطنى المنافق الجد بن قيس -متسائلا في استنكار-: لم ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته؟ فوالله ما في بني سلمة أكثر مالا منك، ولا تخرج ولا تحمل أحدًا (أي لا تساعد أحدًا من المعوزين المجاهدين) بخيل ولا ركاب يركبها في هذه الغزوة، فقال الجد المنافق لابنه المؤمن الصادق: يا بني ما لي وللخروج في الريح والحر والعسرة إلى بني الأصفر؟ .
ثم اندفع بلغة الإِرجاف والتخوف من قوة الرومان لعله يؤثر في معنويات ابنه المؤمن ومن يسمع قوله الخبيث، فيخافوا فيقعدوا مثله مع الخوالف، فقال -وهو يحاور ابنه-: والله ما آمن من بني الأصفر وأنا في منزلى بخربى، فأذهب إليهم فأغزوهم، إني والله يا بني عالم بالدوائر.
وهنا تفاعلت عوامل الغضب لله ولرسوله في نفس الشاب المؤمن الصادق -فوضع اعتبار العقيدة فوق كل اعتبار، فداس -في سبيل نصر عقيدته- على عاطف الأبوة، فخاطب أباه كما يخاطب المنحرفين الضالين
(1) مغازي الواقدي ج 3 ص 992.
(2)
هو عبد الله بن الجد بن قيس، قال في أسد الغابة: هو من الأنصار من بني سلمة، شهد بدرًا وأحدًا.
الخبثاء، حيث صارحه بأنه منافق وأن باعث تخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الخوف من بني الأصفر كما زعم، ولكنه الرغبة في الكيد للإسلام وتثبيط المسلمين عن الغزو، حيث قال له: ولكنه النفاق، والله لينزلن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك قرآن يقرأونه، فغضب المنافق الكبير لمقالة ابنه، ثم ضربه بالنعل على وجهه، وكان ابنه به برًا، فصبر الابن المؤمن الصادق وانصرف من مجلس أبيه ولم يكلمه (1).
وازداد المنافق الكبير إياه كفرًا وعنادًا، فاستمر في إرجافه برسول الله صلى الله عليه وسلم وتشكيكه الناس في دين الله وتجسيمه ما سيلاقون في غزوتهم الطويلة الشاقة من مشاق الحر الشديد، وذلك عن سبق إصرار دنئ ورغبة خبيثة في التأثير على المسلمين لعلهم يتأثرون بإرجافه فيعدلوا عن المشاركة في الجهاد، فيصيب التصدع والتفكك الجيش النبوي الذي بدأ يستكمل حشده وتجهيزه استعدادا للتحرك إلى تبوك.
فقد ذكر أصحاب السير والحديث أن الجد بن قيس المنافق هذا وجه نداء إلى قومه بني سلمة وفي مقدمتهم جبار بن صخر (2)، حثهم فيه على التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الفصل فصل حر شديد، فقال لجبار بن صخر ونفر من بني سلمة، يا بني سلمة لا تنفروا في الحر. قال الواقدي: يقول: لا تخرجوا في الحر زهادة في الجهاد، وشكًا في الحق، وإرجافًا برسول الله صلى الله عليه وسلم
…
ولكن الخبيث فشل في مسعاه، وأنزل الله فيه قرآنا فضحه فيه -كما توقع ابنه المؤمن- قال تعالى مبينا وضع هذا المنافق الكبير وأمثاله:{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} "التوبة: آية 81 - 82".
وفي مقالة المنافق الجد بن قيس لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن بنات الروم: أو
(1) مغازي الواقدي ج 3 ص 993.
(2)
هو جبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان الأنصاري ثم الخزرجى، كان من السابقين الأولين في الإسلام، شهد بيعة العقبة وحضر بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.