الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عوف الذين كان المسجد مفخرة لهم.
أما مسجد المنافقين الذي بنى في هذه المناطق والذي أطلق عليه فيما بعد مسجد الضرار فقد بنى ليكون وكرًا للتآمر والشغب على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ونقل عن المنافقين أنهم قالوا: نبني مسجدًا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد، وقيل: إن أبا عامر الفاسق أمر ببناء مسجد الضرار قبل خروجه إلى الشام، وقال لأنصاره: ابنوا لي مسجدًا واستعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر الروم فآتى بجند من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه من المدينة.
وروى أن السبب في بناء هذا المسجد أنه لما فرغ الناس من آحد رأى أبو عامر الفاسق أن أمة الرسول في ارتفاع وظهور، فذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يتخذوا له معقلًا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدًا له إذا قدم عليه بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك (1).
كاد الرسول أن يصلي في مسجد الضرار:
ولما درج عليه المنافقون من قدرة على إخفاء نواياهم الشريرة وإظهارهم خلاف ما يبطنون ولكى يكون لوكرهم هذا "مسجد الضرار" صفة الشرعية ولكى يحصلوا له على دعم معنوى طلبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الانتهاء من بناء هذا المسجد - أن يؤدى صلى الله عليه وسلم فيه الصلاة، فوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفعل ولكن بعد عودته من تبوك، لأنهم جاؤوه وطلبوا منه أن يصلى فيه وهو على أهبة التحرك إلى تبوك، وكاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصلى في مسجد الضرار وفاء بالوعد الذي أعطاه لأولئك المنافقين الذين لا يعلمهم، إلا أن القرآن نزل بهدم هذا المسجد بدلًا من الصلاة فيه، فحرقه الرسول صلى الله عليه وسلم بالنار وحرق معه دارين بجواره لكبيرين من كبار المنافقين.
(1) النفاق والمنافقون ص 263.
وهكذا وبينما كان هؤلاء المنافقون يفركون أيديهم فرحا لأن النبي صلى الله عليه وسلم سيصلى في وكر الجاسوسية "مسجد الضرار"إذا بألسنة اللهب تلتهم هذا الوكر وبعضهم بداخله ففرروا بجلدتهما وتركوه طعمة للنيران.
فقد جاء في كتب المغازي والسير أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان بوادى ذي أوان "ضواحي المدينة" وهو في طريقه إلى تبوك جاءه أصحاب مسجد الضرار. قال الواقدي: جاءه خمسة نفر منهم: صعتب بن قشير وثعلبة بن أبي حاطب، وخدام بن خالد، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعبد الله بن نبتل بن الحارث. فقالوا: يا رسول الله إنا رسل من خلفنا من أصحابنا، إنا قد بنينا مسجدًا لذى القلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، ونحن نحب أن تأتينا فتصلى بنا فيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى تبوك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا بكم فيه. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى أوان راجعا من تبوك أتاه خبره وخبر أهله من السماء وكانوا إنما بينوه، قالوا بينهم، يأتينا أبو عامر (1) فيتحدث عندنا فيه، فإنه يقول: لا أستطيع آتى مسجد بني عمرو بن عوف "يعني مسجد قباء، إنما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظوننا بأبصارهم، يقول الله تعالى:{وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يعني أبا عامر الفاسق.
وعندما نزل القرآن يوضح لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك المسجد المشبوه إنما هو مرصد يترصد فيه المنافقون المسلمون ويتخذونه مقرا لمحاربة الله ورسوله استدعى رجلين من أصحابه - وهما عاصم بن عدي بن العجلان (2) ومالك بن الدخشم السالمى (3) وأصدر إليهما أمره بأن يتوليا تدمير مسجد المنافقين
(1) أبو عامر الراهب هذا الذي أطلق عليه اسم "الفاس" كان يترهب في الجاهلية، فلما جاء الله بالإسلام غص به فالتجأ هو وخمسون من أصحابه الأوس إلى قريش بمكة وحضر معهم ضد المسلمين معركة أحد وقد حاول ابنه حنظلة قتله يوم أحد ولكنه لم يتمكن من ذلك. ولم يذكر المؤرخون كيف عاد أبو عامر هذا إلى المدينة وكيف سمع له الرسول صلى الله عليه وسلم بالإقامة فيها. ولكن يظهر أنه تظاهر بالإسلام مثل غيره من المنافقين فتركه الرسول صلى الله عليه وسلم وشأنه كما هي سياسته حيال المنافقين.
(2)
عاصم هذا يعد في البدريين رغم أنه لم يحضر بدر. انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر).
(3)
انظر ترجمة مالك بن الدخشم في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
إياه بالنار، حيث قال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه ثم حرقاه، فخرجا سريعين على أقدامهما حتى أتيا مسجد بني سالم. فقال مالك بن الدخشم لعاصم بن عدي: أنظرني حين أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه النار. ثم خرجا سريعين يعدوان حتى انتهيا إليه بين المغرب والعشاء وهم "أي المنافقون" فيه، وإمامهم يومئذ مجمع بن جارية (1)، فقال عاصم: ما أنسى تشرفهم إلينا كأن آذانهم آذان السرحان، فأحرقناه حتى احترق، وكان الذي ثبت فيه زيد بن جارية بن عامر حتى احترقت إليته، فهدمناه حتى وضعناه بالأرض وتفرقوا.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عرض على عاصم بن عدي المسجد يتخذه دارًا - وكان من دار وديعة بن ثابت ودار أبي عامر "الراهب" إلى جنبهما فأحرقوهما معه - فقال عاصم: ما كنت لأتخذ مسجدا قد نزل فيه ما نزل دارًا، وأن بي عنه لغنى يا رسول الله، ولكن أعطه ثابت بن أقرم (2) فإنه لا منزل له. فأعطاه ثابتًا.
وكان أبو لبابة بن عبد المنذر (3) قد أعانهم فيه بخشب، وكان غير مغموص عليه في النفاق ولكنه كان يفعل أمورًا تكره له. فلما هدم المسجد أخذ أبو لبابة خشبه ذلك فبنى به منزلًا، وكان بيته الذي بناه إلى جنبه. قال: فلم يولد له في ذلك البيت مولود قط، ولم يقف فيه حمام قط، ولم تحضن فيه دجاجة قط.
وكان الذين بنوا مسجد الضرار اثنا عشر رجلا، وقال الواقدي: خمسة عشر رجلا ولكن الواقدي لم يذكر سوى اسم اثنى عشر وهم: جارية بن عامر "وهو الملقب بحمار الدار" وابنه مجمع "ولم يكن منافقًا" وهو
(1) مجمع بن جارية هذا من الأوس وكان أبوه جارية بن عامر من المنافقين الذين اتخذوا مسجد الضرار، ولكن مجمعًا كان شابًّا صالحًا وكان يصلى بالمنافقين ولكنه لا يعلم خبث نواياهم وسوء طوياهم. وقد جعله عمر بن الخطاب يصلى بقومه، وقد جمع القرآن إلا سورة أو سورة. انظر ترجمته مفصلة في "أسد الغابة".
(2)
انظر ترجمته في كتابنا (غزوة مؤتة).
(3)
انظر ترجمة أبي لبابة في كتابنا (غزوة بني قريظة).
إمامهم، وابنه زيد بن جارية -وهو الذي احترقت إليه فأبى أن يخرج- وابنه يزيد بن جارية، ووديعة بن ثابت، وخذام بن خالد - ومن داره أخرج - وعبد الله بن نبتل، وبجاد بن عثمان، وأبو حبيبة بن الأزعر، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف وثعلبة بن حاطب.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خذام وبجاد: زمام خير من خذام وسوط خير من بجاد.
وكان مخبر هؤلاء المنافقين وجاسوسهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عبد الله بن نبتل، كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمع حديثه ثم يأتي المنافقين به، فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن رجلا من المنافقين يأتيك فيسمع حديثك، ثم يذهب به إلى المنافقين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيهم هو؟ قال: الرجل الأسود ذو الشعر الكثير، الأحمر العينين كأنهما قدران من صفر، كبده كبد حمار فينظر بعينى شيطان.
وكان عاصم بن عدي قد أدرك قبل التحرك إلى تبوك أن هذا المسجد "الوكر" إنما هو من بناء المنافقين المجرمين، فكان يحدث فيقول: كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت عبد الله بن نبتل، وثعلبة بن حاطب قائمين على مسجد الضرار، وهما يصلحان ميزابًا قد فرغا منه، فقالا: يا عاصم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعدنا أن يصلى فيه إذا رجع. فقلت في نفسي: والله ما بنى هذا المسجد إلا منافق معروف بالنفاق أسسه أبو حبيبة بن الأزعر، وأخرج من خذام، ووديعة بن ثابت في هؤلاء الفر .. - والمسجد الذي بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يؤسسه جبريل عليه السلام يؤم به البيت - فوالله ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذمّ أهله الذين جمعوا في بنائه وأعانوا فيه.
وقيل لعاصم بن عدي - وكان خبيرًا بالمنافقين -: ولم أرادوا بناءه؟ قال: كانوا يجمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم ويلتفت بعضهم إلى بعض، فيلحظهم المسلمون، فشق ذلك عليهم وأرادوا مسجدًا يكونون فيه لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم، فكان أبو عامر يقول: لا أقدر أن أدخل مربدم هذا، وذاك أن أصحاب محمد
يلحظوننى وينالون مني ما أكره، قالوا: نحن نبنى مسجدًا تتحدث فيه عندنا (1).
وفي مسجد الضرار أنزل. الله تعالى قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} -المراد به أبو عامر الفاسق- {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (2).
وعندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا
…
من ثنيَّات الوداع
وجب الشكر علينا
…
ما دعا لله داع
قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة، إلا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم (3) .. قلت من المحتمل جدًّا أن يكن النساء والصبيان والولائد أنشدن هذا الشعر إعادة، كما يحدث في كثير من المناسبات والله أعلم.
وروي البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دنا من المدينة قال: "إنَّ بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم" فقالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة.؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر، وفي صحيح البخاري عن أبي حميد قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا
(1) مغازي الواقدي ج 3 ص 1045 - 1046 - 1047 - 1048 - 1049 وزاد المعاد ج 3 ص 19 - 20 وسيرة ابن هشام ج 4 ص 173 - 174 والبداية والنهاية ج 5 ص 21 - 22 والسيرة الحلبية ج 3 وجوامع السيرة ص 253 - 254 وإمتاع الأسماع ص 480 - 481 - 482 - 483 وطبقات ابن سعد الكبرى ج 2.
(2)
التوبة: 110.
(3)
البداية والنهاية ج 5 ص 122.