الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَوْ مُضْمَرٍ، دَخَلَ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ (1) صِفَاتُهُ، فَهِيَ لَا تَخْرُجُ (2) عَنْ مُسَمَّى أَسْمَائِهِ.
فَمَنْ قَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَوْ عَبَدْتُهُ، فَهُوَ إِنَّمَا دَعَا الْحَيَّ [الْقَيُّومَ](3) ، الْعَلِيمَ الْقَدِيرَ، الْمَوْصُوفَ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
[التعليق على قوله لأنه واحد وليس بجسم ولا جوهر]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ (4) بِجِسْمٍ "(5) .
فَإِنْ أَرَادَ بِالْوَاحِدِ مَا أَرَادَهُ (6) اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِمِثْلِ (7) قَوْلِهِ: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 163]، وَقَوْلِهِ:{وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سُورَةُ الرَّعْدِ: 16](8)[وَنَحْوِ ذَلِكَ](9) ، فَهَذَا حَقٌّ.
وَإِنْ أَرَادَ بِالْوَاحِدِ مَا تُرِيدُهُ الْجَهْمِيَّةُ نَفَاةُ الصِّفَاتِ مِنْ أَنَّهُ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ، فَهَذَا " الْوَاحِدُ " لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ، وَيَمْتَنِعُ
(1) ن: اسْمِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2)
ن: فَهُوَ لَا يَخْرُجُ.
(3)
الْقَيُّومَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4)
ن، م: لَيْسَ.
(5)
اخْتَصَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُنَا عِبَارَةَ ابْنِ الْمُطَهَّرِ كَمَا فَعَلَ مِنْ قَبْلُ (ص [0 - 9] 02) وَوَرَدَتِ الْعِبَارَةُ بِتَمَامِهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَهِيَ: " لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ لِأَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُحْتَاجٍ إِلَى جُزْئِهِ لِأَنَّ جُزْأَهُ غَيْرُهُ، وَلَا عَرْضَ ". وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي ص 97 الْفُرُوقَ الْمَوْجُودَةَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ بَيْنَ نَصِّ " مِنْهَاجِ السُّنَّةِ " وَنَصِّ " مِنْهَاجِ الْكَرَامَةِ " ص 82 (م) .
(6)
ن، م: مَا أَرَادَ.
(7)
ن، م: مِثْلَ.
(8)
ن، م، ب، أ: وَهُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنَ النَّاسِخِ أَوِ الْمُؤَلِّفِ.
(9)
عِبَارَةُ " وَنَحْوِ ذَلِكَ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
وُجُودُ حَيٍّ عَلِيمٍ (1) قَدِيرٍ لَا حَيَاةَ لَهُ وَلَا عِلْمَ وَلَا قُدْرَةَ، فَإِثْبَاتُ الْأَسْمَاءِ دُونَ الصِّفَاتِ سَفْسَطَةٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَقَرْمَطَةٌ فِي السَّمْعِيَّاتِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " لَيْسَ بِجِسْمٍ "، لَفْظُ الْجِسْمِ فِيهِ إِجْمَالٌ.
قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمُرَكَّبُ الَّذِي كَانَتْ أَجْزَاؤُهُ مُفَرَّقَةٌ (2) فَجُمِعَتْ، أَوْ مَا يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ وَالِاِنْفِصَالَ، أَوِ الْمُرَكَّبُ مِنْ مَادَّةٍ وَصُورَةٍ، [أَوِ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْجَوَاهِرُ الْفَرْدَةُ] (3) . وَاللَّهُ [تَعَالَى] (4) مُنَزَّهٌ عَنْ [ذَلِكَ كُلِّهِ] : عَنْ أَنْ يَكُونَ كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ (5) ، أَوْ أَنْ يَقْبَلَ التَّفْرِيقَ وَالتَّجْزِئَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ (6) بَعْضِ الشَّيْءِ بَعْضًا وَانْفِصَالُهُ عَنْهُ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّرْكِيبِ الْمُمْتَنِعِ [عَلَيْهِ](7) .
وَقَدْ يُرَادُ بِالْجِسْمِ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ، أَوْ مَا يُرَى، أَوْ مَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ ; وَاللَّهُ تَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَتَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَ الدُّعَاءِ بِأَيْدِيهِمْ وَقُلُوبِهِمْ (8) وَوُجُوهِهِمْ وَأَعْيُنِهِمْ.
فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " لَيْسَ بِجِسْمٍ " هَذَا الْمَعْنَى.
(1) ن، م: عَلِيمٍ حَيٍّ.
(2)
ن، م: مُتَفَرِّقَةٌ.
(3)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4)
تَعَالَى: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5)
ن، م: مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ ; أ، ب: مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(6)
ن، م: مُقَارَنَةُ.
(7)
عَلَيْهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) . وَفِي (أ) : عَلَيْهِمْ.
(8)
ن، م: بِقُلُوبِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ.
قِيلَ لَهُ: (* هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدْتُ نَفْيَهُ (1) بِهَذَا اللَّفْظِ مَعْنًى ثَابِتٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَأَنْتَ لَمْ تُقِمْ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ.
وَأَمَّا اللَّفْظُ فَبِدْعَةٌ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إِطْلَاقُ لَفْظِ " الْجِسْمِ " فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا.
وَكَذَلِكَ لَفَظُ " الْجَوْهَرِ " وَ " الْمُتَحَيِّزِ " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنَازَعُ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُحْدَثَ فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
وَإِنْ قَالَ:. . كُلُّ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَيُرَى وَتُرْفَعُ إِلَيْهِ الْأَيْدِي، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ (2) ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا مَحَلُّ نِزَاعٍ، فَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ يَنْفُونَ ذَلِكَ، وَأَنْتَ لَمْ تَذْكُرْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا، وَهَذَا مُنْتَهَى نَظَرِ النُّفَاةِ، فَإِنَّ عَامَّةَ مَا عِنْدَهُمْ أَنْ تَقُومَ بِهِ الصِّفَاتُ، وَيَقُومَ بِهِ الْكَلَامُ وَالْإِرَادَةُ وَالْأَفْعَالُ، وَمَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِالْأَبْصَارِ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ (3) ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنَ الْعِبَارَةِ فَإِلَى هَذَا يَعُودُ.
وَقَدْ تَنَوَّعَتْ طُرُقُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ لَهُمْ أَنَّهُ يَقُومُ بِهِ الْأُمُورُ الِاخْتِيَارِيَّةُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا، وَنَازَعَهُمْ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا شَيْءٌ بِالْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ.
(1) هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدْتُ نَفْيَهُ. . وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ (ص [0 - 9] 44) : سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَسَأُشِيرُ إِلَيْهِ عِنْدَ نِهَايَتِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ.
(2)
أ: الْمُفْرَدَةِ.
(3)
أ: الْمُنْفَرِدَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ نَازَعَهُمْ فِي هَذَا وَهَذَا، وَقَالَ: بَلْ لَا يَكُونُ هَذَا جِسْمًا وَلَا هَذَا جِسْمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ لَهُمْ أَنَّهُ جِسْمٌ، وَنَازَعَهُمْ فِي كَوْنِ الْقَدِيمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ لَفْظَ " الْجِسْمِ " فِيهِ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، وَالْمُنَازَعَاتُ (1) اللَّفْظِيَّةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْمَعَانِي الْعَقْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُنَازَعَاتُ الْمَعْنَوِيَّةُ فَمِثْلُ تَنَازُعِ النَّاسِ فِيمَا يُشَارُ إِلَيْهِ إِشَارَةً حِسِّيَّةً: هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ (2) ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، أَوْ لَا يَجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ (3) وَمَنْ وَافَقَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ (4)، ثُمَّ جُمْهُورُ هَؤُلَاءِ قَالُوا: إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوَاهِرَ مُتَنَاهِيَةٍ، وَقَالَ بَعْضُ (5) النُّظَّارِ: بَلْ مِنْ جَوَاهِرَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ (6) .
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، ثُمَّ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ مَنْ طَرَدَ هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَجْسَامِ كَابْنِ
(1) أ: وَالنِّزَاعَاتُ.
(2)
أ: الْمُنْفَرِدَةِ.
(3)
وَالْأَشْعَرِيَّةِ: زِيَادَةٌ فِي (ب) .
(4)
أ: الْمُنْفَرِدَةِ.
(5)
بَعْضُ: زِيَادَةٌ فِي (ب) .
(6)
سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ (هَذَا الْكِتَابِ 1/212) . وَقَدْ بَحَثَ الْأُسْتَاذُ س. بِينِيسُ مَذْهَبَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ فِي كِتَابِهِ " مَذْهَبُ الذَّرَّةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ " تَرْجَمَةُ الْأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّد عَبْدِ الْهَادِي أَبِي رِيدَةَ (الْقَاهِرَةِ، 1946) وَانْظُرْ بِوَجْهٍ خَاصٍّ ص 1 - 16. وَانْظُرْ تَعْرِيفَ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ فِي كَشَّافِ اصْطِلَاحَاتِ الْفُنُونِ، مَادَّةُ " الْجُزْءِ " ; الْكُلِّيَّاتِ لِأَبِي الْبَقَاءِ، مَادَّةُ " الْجَوْهَرِ ". وَانْظُرْ أَيْضًا عَنْ مَذْهَبِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ عِنْدَ الْمُكَلِّمِينَ: الْفِصَلَ لِابْنِ حَزْمٍ 5/223 - 236، أُصُولَ الدِّينِ لِابْنِ طَاهِرٍ، ص [0 - 9] 5 - 36 ; التَّمْهِيدَ لِلْبَاقِلَّانِيِّ، ص [0 - 9] 7 - 18 ; نِهَايَةَ الْإِقْدَامِ لِلشَّهْرَسْتَانِيِّ، ص 505 - 514 ; مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 2/4 - 18 ; الْأَرْبَعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ لِلرَّازِيِّ ص 253 - 264، حَيْدَرَ آبَادَ، 1353 ; الْمَبَاحِثَ الشَّرْقِيَّةَ لِلرَّازِيِّ 2/11 - 38 ; مَقَاصِدَ الْفَلَاسِفَةِ لِلْغَزَالِيِّ، ص 147 - 157، ط. الْمَعَارِفِ، 1961.
سِينَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ هَذَا فِي الْأَجْسَامِ الْعُنْصُرِيَّةِ دُونَ الْفَلَكِيَّةِ، وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَرِسْطُو وَالْقُدَمَاءِ.
وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ لَا يَذْكُرُ إِلَّا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَلِهَذَا كَانَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا هَذِهِ الْمُصَنَّفَاتِ لَا يَعْرِفُ إِلَّا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ وَأَكْثَرُ طَوَائِفِ النُّظَّارِ: أَنَّهُ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ كُلَّابٍ إِمَامِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْهِشَامِيَّةِ، وَالنَّجَّارِيَّةِ (1) وَالضِّرَارِيَّةِ (2) .
(1) النَّجَّارِيَّةِ هُمْ أَتْبَاعُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّجَّارِ، وَلَسْنَا نَعْرِفُ تَارِيخَ مَوْلِدِهِ وَوَفَاتِهِ وَلَكِنَّ ابْنَ النَّدِيمِ يَذْكُرُ فِي الْفِهْرِسْتِ (ص [0 - 9] 79) أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبِ الْعِلَّةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ عِنْدَمَا أَفْحَمَهُ النَّظَّامُ فِي جِدَالٍ جَرَى بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُعَاصِرًا لِلنَّظَّامِ الَّذِي تُوُفِّيَ حَوَالِي 231 عَلَى الْأَرْجَحِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الشَّهْرَسْتَانِيَّ يَعُدُّهُ مِنَ الْمُجْبِرَةِ إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ إِنَّهُ يُوَافِقُ الصِّفَاتِيَّةِ فِي خَلْقِ الْأَعْمَالِ، بَلْ يُذْكَرُ أَنَّهُ قَالَ بِالْكَسْبِ عَلَى حَسَبِ مَا يُثْبِتُهُ الْأَشْعَرِيُّ مِنْ بَعْدِهِ. وَالنَّجَارِيَّةِ يُوَافِقُونَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ، وَفِي الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَاجِبَةٌ بِالْعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، وَيَعُدُّهُمُ الْأَشْعَرِيُّ مِنَ الْمُرْجِئَةِ، وَيَنْقُلُ الشَّهْرَسْتَانِيُّ عَنِ الْكَعْبِيِّ قَوْلَهُ: إِنَّ النَّجَّارَ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى بِكُلِّ مَكَانٍ وُجُودًا لَا عَلَى مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. انْظُرْ مَقَالَاتِ الْأَشْعَرِيِّ 1/199 - 200، 315 - 316 ; الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/81 - 82 ; الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص 126 - 127 ; أُصُولَ الدِّينِ لِابْنِ طَاهِرٍ، ص 334 ; التَّبْصِيرَ فِي الدِّينِ، ص [0 - 9] 1 - 62 ; الْفِهْرِسْتَ لِابْنِ النَّدِيمِ، ص 179 - 180 ; اللُّبَابَ لِابْنِ الْأَثِيرِ، 3/215 ; الْأَعْلَامَ لِلزِّرِكْلِيِّ 2/276.
(2)
أ، ب: الصِّرَارِيَّةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَالضِّرَارِيَّةِ هُمْ أَتْبَاعُ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو (انْظُرْ لِسَانَ الْمِيزَانِ 3/203) وَحَفْصِ الْفَرْدِ (انْظُرْ لِسَانَ الْمِيزَانِ 2/330 - 331 ; الْفِهْرِسْتَ لِابْنِ النَّدِيمِ، ص [0 - 9] 80) ، وَهُمْ يُشْبِهُونَ النَّجَّارِيَّةِ فِي الْكَثِيرِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ فَهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ وَيَقُولُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَيُبْطِلُونَ الْقَوْلَ بِالتَّوَلُّدِ، وَلَكِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ بِالْعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ انْظُرْ: الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/82 - 83 ; الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص [0 - 9] 29 - 130 ; أُصُولَ الدِّينِ لِابْنِ طَاهِرٍ، ص [0 - 9] 39 - 340 ; التَّبْصِيرَ فِي الدِّينِ ص [0 - 9] 2 - 63 ; مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 1/313 - 314 ; التَّنْبِيهَ وَالرَّدَّ لِلْمَلْطِيِّ، ص 43.
ثُمَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْتَهِي بِالتَّقْسِيمِ إِلَى جُزْءٍ لَا يَتَجَزَّأُ، كَقَوْلِ الشَّهْرَسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ لَا يَزَالُ قَابِلًا لِلِانْقِسَامِ إِلَى أَنْ يَصْغُرَ فَيَسْتَحِيلَ مَعَهُ (1) تَمْيِيزُ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ، مَعَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
وَبَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْكَلَامِ يَجْعَلُ إِثْبَاتَ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ هُوَ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ نَفْيَهُ هُوَ قَوْلُ الْمُلْحِدِينَ.
وَهَذَا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا وَجَدُوهُ فِي كُتُبِ شُيُوخِهِمْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ فِي الدِّينِ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ، كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ (2) ; وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ
(1) أ، ب: مَعَ، وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِسِيَاقِ الْكَلَامِ.
(2)
نَقْلَ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ " صَوْنِ الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ عَنْ فَنِّ الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ " عَنِ الْهَرَوِيِّ فِي كِتَابِهِ ذَمِّ الْكَلَامِ مَا أُورَدُهُ فِي بَابِ إِنْكَارِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مَا أَحْدَثَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي الدِّينِ مِنْ أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَالشُّبَهِ وَالْمُجَادَلَةِ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ لِأَبِي يُوسُفَ (صَوْنِ الْمَنْطِقِ، ص [0 - 9] 0) وَلَكِنْ جَاءَ فِيهَا: مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ، وَوَرَدَتْ نَفْسُ الْعِبَارَةِ قَبْلَ ذَلِكَ (ص [0 - 9] 7) مَنْسُوبَةً إِلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ.
وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ، وَيُقَالُ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ (1) وَكَقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: عُلَمَاءُ الْكَلَامِ زَنَادِقَةٌ (2)، وَقَوْلُهُ: مَا ارْتَدَى أَحَدٌ بِالْكَلَامِ فَأَفْلَحُ (3) ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
وَإِلَّا فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ قَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَعْرُوفِينَ، بَلِ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ مُنْذُ خَلَقَ الْجَوَاهِرَ الْمُنْفَرِدَةَ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، لَا سَمَاءً وَلَا أَرْضًا، وَلَا حَيَوَانًا وَلَا نَبَاتًا، وَلَا مَعَادِنَ، وَلَا إِنْسَانًا وَلَا غَيْرَ إِنْسَانٍ، بَلْ إِنَّمَا يُحْدِثُ تَرْكِيبَ تِلْكَ الْجَوَاهِرِ الْقَدِيمَةِ فَيَجْمَعُهَا وَيُفَرِّقُهَا، فَإِنَّمَا يُحْدِثُ أَعْرَاضًا قَائِمَةً بِتِلْكَ الْجَوَاهِرِ، لَا أَعْيَانًا قَائِمَةً بِأَنْفُسِهَا. فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ إِذَا خَلَقَ السَّحَابَ وَالْمَطَرَ وَالْإِنْسَانَ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ وَالثِّمَارِ، لَمْ يَخْلُقْ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا خَلَقَ أَعْرَاضًا قَائِمَةً بِغَيْرِهَا. وَهَذَا خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ وَالْعَقْلُ وَالْعِيَانُ، وَوُجُودُ جَوَاهِرَ لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْأَجْسَامِ مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالْعَقْلِ وَالْحِسِّ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا إِلَّا ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ
(1) وَرَدَ هَذَا الْكَلَامُ فِي الْمَرْجِعِ السَّابِقِ، ص [0 - 9] 5، وَلَكِنَّ فِيهِ: أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَيُحْمَلُوا عَلَى الْإِبِلِ.
(2)
وَرَدَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي " صَوْنِ الْمَنْطِقِ "، ص 150، نَقْلًا عَنْ كِتَابِ " الِانْتِصَارِ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ " لِأَبِي الْمُظَفَّرِ بْنِ السَّمْعَانِيِّ وَلَكِنَّ نَصَّهَا: أَئِمَّةُ الْكَلَامِ زَنَادِقَةٌ.
(3)
نَقْلَ السُّيُوطِيَّ عِبَارَةً مُشَابِهَةً لِهَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ كِتَابِ " جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ " لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِيهَا: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُفْلِحُ صَاحِبُ الْكَلَامِ أَبَدًا. وَانْظُرْ صَوْنَ الْمَنْطِقِ ص [0 - 9] 36، جَامِعَ بَيَانِ الْعِلْمِ 2/95.
يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَجْسَامَ لَا يَسْتَحِيلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، بَلِ الْجَوَاهِرُ الَّتِي كَانَتْ مَثَلًا فِي الْأَوَّلِ هِيَ بِعَيْنِهَا بَاقِيَةٌ فِي الثَّانِي، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ أَعْرَاضُهَا.
وَهَذَا خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ - أَئِمَّةُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُقَلَاءِ - مِنِ اسْتِحَالَةِ بَعْضِ الْأَجْسَامِ إِلَى بَعْضٍ، كَاسْتِحَالَةِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ بِالْمَوْتِ تُرَابًا، وَاسْتِحَالَةِ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَجْسَامِ النَّجِسَةِ مِلْحًا أَوْ رَمَادًا، وَاسْتِحَالَةِ الْعَذِرَاتِ تُرَابًا، وَاسْتِحَالَةِ الْعَصِيرِ خَمْرًا، ثُمَّ اسْتِحَالَةِ الْخَمْرِ خَلًّا، وَاسْتِحَالَةِ مَا يَأْكُلُهُ الْإِنْسَانُ وَيَشْرَبُهُ بَوْلًا وَدَمًا وَغَائِطًا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي النَّجَاسَةِ: هَلْ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الِاسْتِحَالَةَ.
وَمُثْبِتَةُ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ قَدْ فَرَّعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَقَالَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ الْعُقَلَاءُ فَسَادَهَا بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ، مِثْلَ تَفْلِيكِ الرَّحَى وَالدُّولَابِ وَالْفُلْكِ وَسَائِرِ الْأَجْسَامِ الْمُسْتَدِيرَةِ الْمُتَحَرِّكَةِ (1)، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّ الْفَاعِلَ الْمُخْتَارَ يَفْعَلُ كُلَّمَا تَحَرَّكَتْ، وَمِثْلُ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ:
(1) يَشْرَحُ الرَّازِيُّ فِكْرَةَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي كِتَابِهِ " الْأَرْبَعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ " فَيَقُولُ (262) : " إِذَا اسْتَدَارَ الْفَلَكُ اسْتِدَارَةً مَنْطِقِيَّةً اسْتَدَارَتْ جَمِيعُ الدَّوَائِرِ الْمُوَازِيَةِ لِتِلْكَ الْمِنْطَقَةِ - إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِذَا تَحَرَّكَتِ الْمِنْطَقَةُ جُزْءًا فَالدَّائِرَةُ الصَّغِيرَةُ الْقَرِيبَةُ مِنَ الْقُطْبِ الْمُوَازِيَةُ لِلْمِنْطَقَةِ إِنْ تَحَرَّكَتْ أَيْضًا جُزْءًا، لَزِمَ أَنَّ يَكُونَ مَدَارُ تِلْكَ الدَّائِرَةِ الصَّغِيرَةِ مُسَاوِيًا لِمِقْدَارِ الْمِنْطَقَةِ، هَذَا خَلْفٌ. وَإِنْ لَمْ تَتَحَرَّكْ أَلْبَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ وُقُوعُ التَّفَكُّكِ فِي أَجْزَاءِ الْفَلَكِ. . وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ يَفْرِضُونَهُ فِي حَرَكَةِ الرَّحَى وَيُلْزِمُونَ عَلَيْهِ تَفَكُّكَ أَجْزَاءِ الرَّحَى، وَالْمُتَكَلِّمُونَ يَلْتَزِمُونَهُ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ سبحانه وتعالى فَاعِلٌ مُخْتَارٌ فَهُوَ يُفَكِّكُ أَجْزَاءَ الرَّحَى حَالَ اسْتِدَارَتِهَا، ثُمَّ يُعِيدُ التَّأْلِيفَ وَالتَّرْكِيبَ إِلَيْهَا حَالَ وُقُوفِهَا ". وَانْظُرْ أَيْضًا شَرْحَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ لِهَذِهِ الْفِكْرَةِ فِي: مَجْمُوعَةِ تَفْسِيرِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ط. بُمْبَايَ 1374/1954) ص 214.
إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ فَجَمِيعُ جَوَاهِرِهِ بَاقِيَةٌ قَدْ تَفَرَّقَتْ، ثُمَّ عِنْدَ الْإِعَادَةِ يَجْمَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَلِهَذَا صَارَ كَثِيرٌ مِنْ حُذَّاقِهِمْ إِلَى التَّوَقُّفِ فِي آخِرِ أَمْرِهِمْ، كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ (1) وَأَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْغَزَالِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا مِنَ النُّظَّارِ الَّذِينَ تَبَيَّنَ لَهُمْ فَسَادُ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ، يَذُمُّونَ أَقْوَالَ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ أَحْسَنَ أَمْرِهِمُ الشَّكُّ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ وَافَقُوهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا قَالُوهُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَبَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِتَرْكِيبِ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ (2) الْمَحْسُوسَةِ أَوِ الْجَوَاهِرِ الْمَعْقُولَةِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَكَذَلِكَ مَا يُثْبِتُهُ الْمَشَّاءُونَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ: كَالْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ الْمُجَرَّدَةِ، كَالْمَادَّةِ وَالْمُدَّةِ وَالْمُثُلِ الْأَفْلَاطُونِيَّةِ، وَالْأَعْدَادِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا - أَوْ بَعْضَهَا - كَثِيرٌ مِنَ الْمَشَّائِينَ أَتْبَاعِ فِيثَاغُورْسَ وَأَفْلَاطُونَ (3) وَأَرِسْطُو. وَإِذَا حَقَّقَ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِمَا أَثْبَتُوهُ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ وُجُودٌ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَهَذَا لِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ (4) ، وَهَذَا الْمُصَنَّفُ لَمْ يَذْكُرْ لِقَوْلِهِ إِلَّا مُجَرَّدَ الدَّعْوَى، فَلِذَلِكَ لَمْ نَبْسُطِ الْقَوْلَ فِيهِ.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ آخِرَ مَا يُنْتَهَى إِلَيْهِ أَصْلُ هَؤُلَاءِ - الَّذِي
(1) أ، ب: كَأَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2)
أ: الْمُنْفَرِدَةِ.
(3)
أ: وَأَفْلَاطُنْ.
(4)
لِابْنِ تَيْمِيَّةَ كِتَابُ " إِبْطَالُ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ بِإِثْبَاتِ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ " ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي كِتَابِهِ الْعُقُودِ الدُّرِّيَّةِ مِنْ مَنَاقِبِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَّةَ، ص 36 ; ابْنِ الْجَوْزِيَّةِ: أَسْمَاءُ مُؤَلَّفَاتِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص [0 - 9]0. وَهَذَا الْكِتَابُ مِنْ كُتُبِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الْمَفْقُودَةِ.
نَفَوْا بِهِ مَا ثَبَتَ (1) بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ، بَلْ وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْفِطْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي اشْتَرَكَ فِيهَا جَمِيعُ أَهْلِ الْفِطَرِ الَّتِي لَمْ تَفْسُدْ فِطْرَتُهُمْ بِمَا تَلَقَّنُوهُ مِنَ الْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ، بَلْ وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ - فَالَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ أَصْلُهُمْ هُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالصِّفَاتِ، أَوْ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامٍ يَقُومُ بِهِ، وَمُرِيدًا بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْإِرَادَةِ الْحِسِّيَّةِ، وَكَانَتْ رُؤْيَتُهُ (مُمْكِنَةً) فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ (2)، لَكَانَ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ الْحِسِّيَّةِ أَوِ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ: الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
وَهَذَا التَّلَازُمُ بَاطِلٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ فِيمَا نُشَاهِدُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَرُونَ الْكَوَاكِبَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَجْسَامِ، وَهِيَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا التَّلَازُمَ حَقٌّ، فَلَيْسَ فِي حُجَجِهِمْ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ يُوجِبُ انْتِفَاؤُهَا اللَّازِمَ، بَلْ كُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ تَطْعَنُ فِي حُجَجِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ وَتُبَيِّنُ فَسَادَهَا، فَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُحْدَثٌ. وَمُنَازِعُوهُمْ يَطْعَنُونَ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَيُبَيِّنُونَ فَسَادَهُمَا، وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ: إِنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى أَجْزَائِهِ، وَأَجْزَاؤُهُ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إِلَى غَيْرِهِ، وَمُنَازِعُوهُمْ يُثْبِتُونَ فَسَادَ هَذِهِ الْحُجَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمَعَانِي الْمُتَشَابِهَةِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَلِهَذَا يَقُولُ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْعُقَلَاءِ الْعَارِفِينَ بِحَقِيقَةِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ:
(1) أ: مَا يَثْبُتُ.
(2)
أ، ب: مِنَ الْإِرَادَةِ الْحِسِّيَّةِ وَكَانَتْ رُؤْيَتُهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ. . . إِلَخْ. وَرَدَتْ كَلِمَةُ (مُمْكِنَةً) لِيَسْتَقِيمَ الْكَلَامُ.
إِنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي يُثْبِتُهُ هَؤُلَاءِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَلِهَذَا لَمَّا بَنَى (1) الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ عَلَى قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا يُبَيِّنُ فَسَادَ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي ادَّعَوْا فِيهِ مَا ادَّعَوْا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، بَلْ يَمْتَنِعُ (2) وُجُودُهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ كَمَا يُقَدَّرُ سَائِرُ الْمُمْتَنِعَاتِ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ لَمَّا أَثْبَتُوا وَاحِدًا لَا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ، كَانُوا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ، إِنَّمَا تَوْحِيدُهُمْ تَعْطِيلٌ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْخَالِقِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَثْبَتُوهُ فَهُمْ مُتَنَاقِضُونَ، جَمَعُوا بَيْنَ مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ وَمَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتُهُ.
وَلِهَذَا وَصَفَهُمْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ بِالتَّعْطِيلِ، وَأَنَّهُمْ دَلَّاسُونَ وَلَا يُثْبِتُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْبُدُونَ شَيْئًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، مِثْلَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ (3) وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ (4) وَحَمَّادِ
(1) أ: بَيَّنَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2)
أ: وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ.
(3)
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَاجِشُونُ. فَقِيهٌ وَمِنْ أَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ، تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ 164. تَرْجَمْتُهُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 6/343 - 344 ; تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ 1 - 207 ; شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 1/259 ; تَارِيخِ بَغْدَادَ 10/436 - 439 ; طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ 5/414 ; الْأَعْلَامِ لِلزِّرِكْلِيِّ 4/145 - 146.
(4)
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ وَاضِحٍ الْمَرْوَزِيُّ بْنُ حَنْظَلَةَ، الْحَافِظُ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وُلِدَ سَنَةَ 118 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 181 وَقِيلَ سَنَةَ 182. تَرْجَمْتُهُ فِي: تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ 1/253 - 257 ; تَارِيخِ بَغْدَادَ 10/152 - 169 ; وَفِيَّاتِ الْأَعْيَانِ 2/237 - 239 ; طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ 7/372 ; الْأَعْلَامِ لِلزِّرِكْلِيِّ 4/256.