المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَهَؤُلَاءِ يَنْفُونَهَا، فَنَفَوْا هَذِهِ الصِّفَةَ ; لِأَنَّهَا - عَلَى قَوْلِ - منهاج السنة النبوية - جـ ٢

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِيَّةِ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ]

- ‌[مقدمة الْفَصْلُ الثَّانِي]

- ‌[الرد على القسم الأول من كلام ابن المطهر في المقدمة من وجوه]

- ‌[الوجه الأول في الرد على قول ابن المطهر: تَعَدَّدَتْ آرَاؤُهُمْ بِحَسَبَ تَعَدُّدِ أَهْوَائِهِمْ]

- ‌[الْوَجْهُ الثَّانِي كَذِبُ ابن المطهر وَتَحْرِيفه فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ حَالِ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الْوَجْهُ الثَّالِثُ في بيان زهد أبي بكر وزهد من بايعه]

- ‌[الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ مَعَ الرَّافِضَةِ كَالْمُسْلِمِينَ مَعَ النَّصَارَى]

- ‌[الْوَجْهُ الْخَامِسُ تَمْثِيلُ ابن المطهر بِقِصَّةِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ من أقبح القياس]

- ‌[الرد على القسم الثاني من المقدمة]

- ‌[الرد على القسم الأخير من المقدمة]

- ‌[فصل كلام ابن المطهر بعد المقدمة وجوب اتباع مذهب الإمامية لوجوه]

- ‌[الوجه الأول حتى الرابع من وجوه قول الرافضي وَإِنَّمَا كَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِيَّةِ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ]

- ‌[الوجه الخامس وفيه الرد التفصيلي على القسم الأول من كلام ابن المطهر]

- ‌[التعليق على قوله إن الله منزه عن مشابهة المخلوقات]

- ‌[التعليق على قوله أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْقِدَمِ]

- ‌[التعليق على قوله أن كل ما سواه محدث]

- ‌[التعليق على قوله لأنه واحد وليس بجسم ولا جوهر]

- ‌[التعليق على قوله ولا في مكان]

- ‌[الكلام على قوله وَإِلَّا لَكَانَ مُحْدَثًا]

- ‌[الرد على دليل الرافضة والمعتزلة]

- ‌[الإثبات المفصل لصفات الكمال والنفي المجمل لصفات النقص]

- ‌[عمدة الفلاسفة على نفي الصفات هي حجة التركيب]

- ‌[مناقشة الحجة الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ]

- ‌[امتناع وجود ربين للعالم]

- ‌[عود إلى الكلام على اتصاف الله بصفات الكلام]

- ‌[فساد استدلال الفلاسفة بآيات سورة الأنعام]

- ‌[عود إلى الكلام على معاني لفظ الجسم]

- ‌[مناقشة نفاة الصفات إجمالا]

- ‌[مقالات الرافضة في التجسيم]

- ‌[معنى لفظ أهل السنة وموقفهم من إطلاق لفظ الجسم]

- ‌[موقف النفاة كالمعتزلة وموافقيهم]

- ‌[موقف الأشعري من إثبات الصفات]

- ‌[الْوَجْهُ السَّادِسُ وفيه أن أكثر متقدمي الإمامية كانوا مجسمة]

- ‌[الْوَجْهُ السَّابِعُ وفيه عرض لمقالات الرافضة]

- ‌[فَصْلٌ موافقة جعفر الصادق لسائر السلف في مسألة القرآن]

- ‌[مقالات الروافض في القرآن]

- ‌[أقوال أئمة الإسلام في القرآن]

- ‌[معارضة أدلة الإمامية بأدلة غيرهم من المبتدعة]

- ‌[طرق إثبات وجود الله عند أهل السنة]

- ‌[طرق إثبات حُدُوثُ الْعَالَمِ]

- ‌[الرد على قوله عن الإمامية إنهم يقولون إن الله قادر على جميع المقدورات]

- ‌[التعليق على قوله إنه عَدْلٌ حَكِيمٌ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا وَلَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ وَإِلَّا لَزِمَ الْجَهْلُ أَوِ الْحَاجَةُ]

- ‌[مقالات الرافضة فِي خلق أَعْمَالِ الْعِبَادِ]

- ‌[التعليق على قوله يُثِيبُ الْمُطِيعَ وَيَعْفُو عَنِ الْعَاصِي أَوْ يُعَذِّبُهُ]

- ‌[مقالات الروافض في الوعيد]

- ‌[القول الأول في معنى الظلم عند مثبتة القدر]

- ‌[الْقَوْلُ الثَّانِي فِي مَعْنَى الظُّلْمِ عند مثبتة القدر]

- ‌[التعليق على قوله أَوْ يُعَذِّبُهُ بِجُرْمِهِ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُ]

- ‌[التعليق على قوله وأن أفعاله محكمة واقعة لغرض ومصلحة]

- ‌[التعليق على قوله إنه أرسل الرسل لإرشاد العالم]

- ‌[التعليق على قوله وَأَنَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مَرْئِيٍّ وَلَا مُدْرَكٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ]

- ‌[التعليق على قوله ولأنه لَيْسَ فِي جِهَةٍ]

- ‌[تنازع مثبتة الرؤية في العلو والاستواء]

- ‌[ابن تيمية يسلك طريقين من البيان في مسألة الرؤية]

- ‌[الطريق الأول]

- ‌[الطَّرِيقُ الثَّانِي]

- ‌[لفظ الحيز]

- ‌[فَصْلٌ التعليق على قوله وأن أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَإِخْبَارَهُ حَادِثٌ لِاسْتِحَالَةِ أَمْرِ الْمَعْدُومِ وَنَهْيِهِ وَإِخْبَارِهِ]

- ‌[تفصيل القول في مقالة أهل السنة]

- ‌[التعليق على قوله وأن الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الْخَطَأِ وَالسَّهْوِ]

- ‌[الوجه الأول اختلافهم في عصمة الأنبياء]

- ‌[الوجه الثاني العصمة قبل البعثة غير واجبة]

- ‌[الوجه الثالث التوبة بعد الذنب ترفع الدرجات]

- ‌[معنى قوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ]

- ‌[التعليق على قوله إِنَّ هَذَا يَنْفِي الْوُثُوقَ وَيُوجِبُ التَّنْفِيرَ]

- ‌[لَوَازِمُ النُّبُوَّةُ وَشُرُوطُهَا]

- ‌[الأنبياء هم أفضل الخلق]

- ‌[غلو الرافضة أدخلهم فيما حرمه الله من العبادات الشركية]

- ‌[التعليق على قوله أَنَّ الْأَئِمَّةَ مَعْصُومُونَ كَالْأَنْبِيَاءِ]

- ‌[الرد على قوله وَأَخَذُوا أَحْكَامَهُمْ الْفُرُوعِيَّةَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ]

- ‌[الرد على قوله إِنَّ الْإِمَامِيَّةَ يَتَنَاقَلُونَ ذَلِكَ عَنِ الثِّقَاتِ]

- ‌[الرد على قوله وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَحَرَّمُوا الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ]

- ‌[الرد على سائر أقسام كلام ابن المطهر في الوجه الأول]

- ‌[فَصْلٌ كلام ابن المطهر على مذهب أهل السنة في الصفات والرد عليه]

- ‌[عرض ابن المطهر لمقالة الحشوية والمشبهة ورد ابن تيمية من وجوه]

- ‌[الكلام على لفظ الحشوية]

- ‌[لَفْظُ الْمُشَبِّهَةِ]

- ‌[طريقة السلف في الصفات]

- ‌[عود إلى الكلام على لفظ الجسم]

- ‌[حقيقة الملائكة]

- ‌[عمدة النفاة دليل التركيب]

- ‌[بطلان القول بأن العرب أطلقوا اسم الجنس على المركب من الأجزاء من وجوه]

- ‌[القاعدة الواجب اتباعها في مسألة الصفات]

- ‌[استطراد في مناقشة نفاة الصفات]

- ‌[تنازع الناس فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَسَمَّى اللَّهُ بِهَا وَتَسَمَّى بِهَا عِبَادُهُ]

- ‌[عود إلى الكلام على لفظي المشبهة والحشوية]

- ‌[الرد على قول: سُمُّوا مُشَبِّهَةً لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ جِسْمٌ من وجوه]

- ‌[أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ومحنة خلق القرآن]

- ‌[التعليق على ما ذكره الرافضي من رمد الله وبكائه وغير ذلك]

- ‌[التعليق على قول الرافضي: يَفْضُلُ عَنْهُ الْعَرْشِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَرْبَعَ أَصَابِعَ]

- ‌[قول ابن المطهر إن قول الكرامية بالجهة يعني الحدوث والاحتياج إلى جهة ورد ابن تيمية]

الفصل: وَهَؤُلَاءِ يَنْفُونَهَا، فَنَفَوْا هَذِهِ الصِّفَةَ ; لِأَنَّهَا - عَلَى قَوْلِ

وَهَؤُلَاءِ يَنْفُونَهَا، فَنَفَوْا هَذِهِ الصِّفَةَ ; لِأَنَّهَا - عَلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ - مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصِّفَةُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ عَقْلِيَّةً] (1) قَالُوا: إِنَّهُ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ (2) .

وَجُمْهُورُ النَّاسِ [مِنْ](3) مُثْبِتَةِ الرُّؤْيَةِ وَنُفَاتِهَا يَقُولُونَ: إِنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْكَلَامِ. وَلِهَذَا يَذْكُرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَالرُّؤْيَةِ (4) أَحَدٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ.

[ابن تيمية يسلك طريقين من البيان في مسألة الرؤية]

[الطريق الأول]

وَنَحْنُ [نَسْلُكُ طَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَيَانِ: أَحَدُهُمَا: نُبَيِّنُ فِيهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ مُثْبِتِيِ الرُّؤْيَةِ كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ النُّفَاةِ. الثَّانِي: نُبَيِّنُ فِي الْحَقِّ بَيَانًا مُطْلَقًا لَا نَذُبُّ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ.

الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ: أَنْ] (5) نُبَيِّنَ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الطَّوَائِفِ الْمُثْبِتَةِ لِلرُّؤْيَةِ (6) أَقَلُّ خَطَأً وَأَكْثَرُ صَوَابًا مِنْ نُفَاةِ الرُّؤْيَةِ. وَنَقُولُ لِهَؤُلَاءِ النُّفَاةِ [لِلرُّؤْيَةِ](7) : أَنْتُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّشْنِيعَ عَلَى الْأَشْعَرِيَّةِ [وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ](8) فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ. وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِنْكُمْ [نَقْلًا

(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(2)

ن: فَقَالُوا إِنَّهُ لَا يُرَى فِي جِهَةٍ ; م: فَقَالُوا إِنَّهُ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ.

(3)

مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.

(4)

ن: الرُّؤْيَةِ وَالْكَلَامِ.

(5)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي يَبْدَأُ ص 348.

(6)

لِلرُّؤْيَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

(7)

ع: وَنَقُولُ لِنُفَاةِ الرُّؤْيَةِ ; ن، م: وَنَقُولُ لِهَؤُلَاءِ النُّفَاةِ.

(8)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

ص: 329

وَعَقْلًا] (1) ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِ خَطَأٌ فَالْخَطَأُ [الَّذِي فِي](2) قَوْلِكُمْ أَعْظَمُ وَأَفْحَشُ (3)[عَقْلًا وَنَقْلًا](4) .

فَإِذَا قُلْتُمْ: هَؤُلَاءِ إِذَا أَثْبَتُوا مَرْئِيًّا لَا (5) فِي جِهَةٍ كَانَ هَذَا (6) مُكَابَرَةً لِلْعَقْلِ.

قِيلَ لَكُمْ: لَا يَخْلُو (7) إِمَّا أَنْ تُحَكِّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ الْعَقْلَ، وَإِمَّا أَنْ لَا تُحَكِّمُوهُ (8) ، فَإِنْ لَمْ تُحَكِّمُوهُ بَطَلَ قَوْلُكُمْ، وَإِنْ حَكَّمْتُمُوهُ فَقَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ يُرَى أَقْرَبَ إِلَى الْعَقْلِ (9) مِنْ قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا يُرَى. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى. وَ [ذَلِكَ] لِأَنَّ (10) الرُّؤْيَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي ثُبُوتِهَا أُمُورٌ عَدَمِيَّةٌ بَلْ لَا يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِهَا (11) إِلَّا أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ.

وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي هُنَا أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يُرَى كَمَا ادَّعَى (12) ذَلِكَ مَنِ ادَّعَاهُ فَقَامَتْ عَلَيْهِ الشَّنَاعَاتُ، [فَإِنَّ ابْنَ كُلَّابٍ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ

(1) نَقْلًا وَعَقْلًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(2)

الَّذِي فِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(3)

ن: وَأَنْجَسُ.

(4)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .

(5)

لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .

(6)

هَذَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

(7)

لَا يَخْلُو: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

(8)

ن، م: وَإِمَّا أَنْ لَا تُحَكِّمُوا.

(9)

ب، ا، ن، م: الْحَقِّ.

(10)

ن، م: وَلِأَنَّ.

(11)

ب، ا: وُجُودِهَا.

(12)

ب، ا: قَالَ.

ص: 330

الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: كُلُّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ يُرَى، وَهَكَذَا قَالَتِ الْكَرَّامِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ فِيمَا أَظُنُّ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ.

وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فَادَّعَى أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجُوزُ أَنْ يُرَى، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ، ثُمَّ طَرَّدَ قِيَاسَهُ فَقَالَ: كُلُّ مَوْجُودٍ يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الْإِدْرَاكَاتُ الْخَمْسُ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْمَعَالِي وَالرَّازِيِّ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمْ، وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ فَقَالُوا: لَا نُثْبِتُ فِي ذَلِكَ الشَّمَّ وَالذَّوْقَ وَاللَّمْسَ، وَنَفَوْا جَوَازَ تَعَلُّقِ هَذِهِ بِالْبَارِئِ، وَالْأَوَّلُونَ جَوَّزُوا تَعَلُّقَ الْخَمْسِ بِالْبَارِئِ، وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ أَثْبَتُوا مَا جَاءَ بِهِ السَّمْعُ مِنَ اللَّمْسِ دُونَ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ، وَكَذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ جِنْسَ الْإِدْرَاكِ كَالْبَصْرِيِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ كَالْبَغْدَادِيِّينَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا بِأَنَّ الْمُثْبِتَةَ، وَلَوْ أَخْطَئُوا فِي بَعْضِ كَلَامِهِمْ فَهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ نَقْلًا وَعَقْلًا مِنْ نُفَاةِ الرُّؤْيَةِ] (1) .

فَنَقُولُ (2) : مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا يُرَى وَمِنْهَا مَا لَا يُرَى، وَالْفَارِقُ بَيْنَهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُمُورًا عَدَمِيَّةً ; لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ [وَالْمَرْئِيُّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَوْجُودًا، فَلَيْسَتْ عَدَمِيَّةً](3) لَا تَتَعَلَّقُ (4) بِالْمَعْدُومِ، وَلَا (5) يَكُونُ الشَّرْطُ فِيهِ

(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .

(2)

ن: بَلْ يَقُولُونَ ; (ب) ، (أ)، (م) : بَلْ نَقُولُ.

(3)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .

(4)

ب، ا، م: لَا يَتَعَلَّقُ ; ن: يَتَعَلَّقُ.

(5)

ب، ا، ن، م: فَلَا.

ص: 331

إِلَّا أَمْرًا وُجُودِيًّا [لَا يَكُونُ عَدَمِيًّا، وَكُلُّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إِلَّا الْوُجُودُ دُونَ الْعَدَمِ كَانَ بِالْوُجُودِ الْأَكْمَلِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْأَنْقَصِ](1) ، فَكُلُّ مَا كَانَ (2) وَجُودُهُ أَكْمَلَ كَانَ أَحَقَّ بِأَنْ يُرَى، وَكُلُّ مَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُرَى فَهُوَ أَضْعَفُ وُجُودًا [مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى](3) ، فَالْأَجْسَامُ الْغَلِيظَةُ أَحَقُّ بِالرُّؤْيَةِ [مِنَ الْهَوَاءِ (4) ، وَالضِّيَاءُ أَحَقُّ بِالرُّؤْيَةِ] مِنَ الظَّلَامِ ; لِأَنَّ النُّورَ أَوْلَى بِالْوُجُودِ، وَالظُّلْمَةَ أَوْلَى بِالْعَدَمِ، وَالْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ أَكْمَلُ الْمَوْجُودَاتِ وُجُودًا وَأَبْعَدُ (5) الْأَشْيَاءِ عَنِ الْعَدَمِ فَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يُرَى، وَإِنَّمَا لَمْ نَرَهُ (6) لِعَجْزِ أَبْصَارِنَا عَنْ رُؤْيَتِهِ لَا لِأَجْلِ امْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِ، كَمَا أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ أَحَقُّ بِأَنْ يُرَى مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.

وَلِهَذَا مَثَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رُؤْيَةَ اللَّهِ بِهِ فَقَالَ: " «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» " شَبَّهَ الرُّؤْيَةَ بِالرُّؤْيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَرْئِيُّ مِثْلَ الْمَرْئِيِّ، وَمَعَ هَذَا فَإِذَا حَدَّقَ الْبَصَرُ فِي الشُّعَاعِ (7) ضَعُفَ عَنْ رُؤْيَتِهِ، لَا لِامْتِنَاعٍ فِي [ذَاتِ](8) الْمَرْئِيِّ بَلْ لِعَجْزِ الرَّائِي، فَإِذَا كَانَ فِي

(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .

(2)

ب، ا، ن، م: وَكُلُّ مَا كَانَ.

(3)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن)، (م) : وَكَانَتِ الْعِبَارَةُ فِي الْأَصْلِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ، وَهُوَ ضِدُّ الْمَعْنَى.

(4)

ب، ا: فَالْأَجْسَامُ الْجَامِدَةُ أَحَقُّ بِالرُّؤْيَةِ مِنَ الضِّيَاءِ ; ن، م: الْجُمْلَةُ مُتَدَاخِلَةٌ مَعَ الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهَا هَكَذَا: وَالْأَجْسَامُ الصَّقِيلَةُ (كَذَا وَفِي (م) : الصَّقْلِيَّةُ) أَحَقُّ بِالرُّؤْيَةِ مِنَ الظَّلَامِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ ظَاهِرٌ.

(5)

ب: أَبْعَدُ ; أ: بَعُدَ.

(6)

ب: لَمْ يُرَ ; أ: لَمْ نَرَى.

(7)

ع: فَإِذَا حَذَقَ الْبَصَرُ فِي الشُّعَاعِ ; ن: فَإِذَا حَدَّقَ الشُّعَاعَ بِالْبَصَرِ ; ب، ا، م: فَإِذَا أَحْدَقَ الْبَصَرُ فِي الشُّعَاعِ.

(8)

ذَاتِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .

ص: 332

الدَّارِ الْآخِرَةِ أَكْمَلَ اللَّهُ [تَعَالَى](1) الْآدَمِيِّينَ وَقَوَّاهُمْ حَتَّى أَطَاقُوا رُؤْيَتَهُ، وَلِهَذَا لَمَّا تَجَلَّى اللَّهُ [عز وجل] (2) لِلْجَبَلِ خَرَّ مُوسَى صَعِقًا {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 143] . قِيلَ: أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (3) بِأَنَّهُ لَا يَرَاكَ حَيٌّ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ (4) ، فَهَذَا لِلْعَجْزِ (5) الْمَوْجُودِ فِي الْمَخْلُوقِ، لَا لِامْتِنَاعٍ فِي ذَاتِ الْمَرْئِيِّ، بَلْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ ذَاتِهِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِنَقْصِ وَجُودِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُرَى [خَارِجَ الرَّائِي](6) .

[وَلِهَذَا كَانَ الْبَشَرُ يَعْجِزُونَ عَنْ رُؤْيَةِ الْمَلَكِ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ، كَمَا أَيَّدَ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم، قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ - وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 8، 9] قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: هُمْ لَا يُطِيقُونَ أَنْ يَرَوُا الْمَلَكَ فِي صُورَتِهِ، فَلَوْ أَنْزَلْنَا إِلَيْهِمْ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ فِي صُورَةِ بَشَرٍ، وَحِينَئِذٍ كَانَ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ هَلْ هُوَ مَلَكٌ أَوْ بَشَرٌ، فَمَا كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِإِرْسَالِ الْمَلَكِ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ بَشَرًا مِنْ جِنْسِهِمْ يُمْكِنُهُمْ رُؤْيَتُهُ وَالتَّلَقِّي عَنْهُ، وَكَانَ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ وَالرَّحْمَةِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:{وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [سُورَةُ التَّكْوِيرِ: 22] ،

(1) تَعَالَى: زِيَادَةٌ فِي (ع) .

(2)

عز وجل: زِيَادَةٌ فِي (ع) .

(3)

عِبَارَةُ: " قِيلَ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ " سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) فَقَطْ.

(4)

فِي (ن) ، (م) الْكَلَامُ هُنَا نَاقِصٌ وَمُضْطَرِبٌ.

(5)

ع: (فَقَطْ) : الْعَجْزُ.

(6)

ب (فَقَطْ) : الرَّأْيُ، وَهُوَ خَطَأٌ وَجُمْلَةُ " خَارِجَ الرَّائِي " سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

ص: 333

وَقَالَ: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [سُورَةُ النَّجْمِ: 2] وَقَالَ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 128] وَقَالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 4] وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ] (1) .

فَإِنْ قُلْتُمْ: هَؤُلَاءِ (2) يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَرَى لَا فِي جِهَةٍ، وَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ. فَيُقَالُ: هَذَا قَالُوهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي اتَّفَقْتُمْ أَنْتُمْ (3) وَهُمْ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي جِهَةٍ. ثُمَّ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ مَعَ الْأَشْعَرِيِّ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ [أَصْحَابِ الْحَدِيثِ](4)، أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ كَالتَّمِيمِيِّينَ وَابْنِ عَقِيلٍ (5) وَغَيْرِهِمْ: فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ بِذَاتِهِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا مُتَحَيِّزٍ.

فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا الْقَوْلُ مُكَابَرَةٌ لِلْعَقْلِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فَوْقَ الْعَالَمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ (6) مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ، [وَإِذَا تَمَيَّزَ مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ](7) كَانَ جِسْمًا، فَإِذَا أَثْبَتُوا مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ (8) لَا يُوصَفُ بِمُحَاذَاةٍ

(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (أ) ، (م) .

(2)

ب، ا: إِنَّ هَؤُلَاءِ.

(3)

أَنْتُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

(4)

" جُمْلَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(5)

سَبَقَتْ تَرْجَمَةُ ابْنِ عَقِيلٍ 1/143.

(6)

ن: يُمَيِّزُهُ.

(7)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(8)

عِبَارَةُ " فَوْقَ الْعَرْشِ " سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

ص: 334

وَلَا مُمَاسَّةٍ (1) ، وَلَا يَتَمَيَّزُ (2) مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ كَانَ هَذَا مُكَابَرَةً.

فَيُقَالُ: لَكُمْ: أَنْتُمْ [يَا نُفَاةَ الرُّؤْيَةِ](3) تَقُولُونَ وَمَنْ وَافَقَكُمْ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلرُّؤْيَةِ: إِنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايِنٌ لَهُ وَلَا مُحَايِثٌ لَهُ (4) .

فَإِذَا قِيلَ لَكُمْ: هَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ (5) ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يُثْبِتُ شَيْئَيْنِ مَوْجُودَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُبَايِنًا لِلْآخَرِ أَوْ دَاخِلًا فِيهِ، كَمَا يُثْبِتُ (6) الْأَعْيَانَ الْمُتَبَايِنَةَ وَالْأَعْرَاضَ الْقَائِمَةَ. بِهَا وَأَمَّا إِثْبَاتُ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَلَا يَكُونُ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، فَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ الْعَقْلُ (7) اسْتِحَالَتَهُ وَبُطْلَانَهُ بِالضَّرُورَةِ.

قُلْتُمْ (8) : هَذَا النَّفْيُ حُكْمُ الْوَهْمِ لَا حُكْمُ الْعَقْلِ، وَجَعَلْتُمْ فِي الْفِطْرَةِ حَاكِمَيْنِ (9) : أَحَدُهُمَا الْوَهْمُ وَالْآخَرُ الْعَقْلُ، مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الْوَهْمَ قُلْتُمْ (10) هُوَ الْقُوَّةُ الَّتِي تُدْرِكُ مَعَانِيَ جُزْئِيَّةً غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ فِي الْأَعْيَانِ الْمَحْسُوسَةِ، كَالْعَدَاوَةِ وَالصَّدَاقَةِ، كَمَا تُدْرِكُ الشَّاةَ مَعْنًى فِي الذِّئْبِ وَمَعْنًى فِي الْكَبْشِ، فَتَمِيلُ إِلَى هَذَا وَتَنْفِرُ عَنْ هَذَا. وَإِذَا كَانَ الْوَهْمُ إِنَّمَا

(1) ب، ا: بِمُمَاسَّةٍ ; ن: مُيَامَنَةٌ ; م: بِمُبَايَنَةٍ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.

(2)

ن، م: وَلَا يُمَيَّزُ.

(3)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .

(4)

ن، م، ع، ا: وَلَا مُجَانِبٌ لَهُ.

(5)

ب: بِالضَّرُورَةِ ; أ: بِضَرُورَةٍ ; ن، م: فَضَرُورَةُ الْعَقْلِ (وَهُوَ تَحْرِيفٌ) .

(6)

ن: ثَبَتَتْ.

(7)

ع: فَهَذَا إِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ.

(8)

ع: وَقُلْتُمْ.

(9)

ن: حَالَيْنِ.

(10)

قُلْتُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .

ص: 335

يُدْرِكُ أُمُورًا (1) مُعَيَّنَةً فَهَذِهِ الْقَضَايَا الَّتِي نَتَكَلَّمُ فِيهَا قَضَايَا كُلِّيَّةٌ عَامَّةٌ، وَالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ الْعَامَّةُ هِيَ لِلْعَقْلِ لَا لِلْحِسِّ وَلَا لِلْوَهْمِ الَّذِي يَتْبَعُ الْحِسَّ، فَإِنَّ الْحِسَّ لَا يُدْرِكُ إِلَّا أُمُورًا مُعَيَّنَةً، وَكَذَلِكَ الْوَهْمُ [عِنْدَكُمْ](2) . وَقَدْ بُسِطَ الرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ (3) فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ أَنَّ قَوْلَ أُولَئِكَ أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِهِمْ.

فَيُقَالُ: إِذَا عَرَضْنَا عَلَى الْعَقْلِ وُجُودَ مَوْجُودٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايِنٍ لَهُ وَلَا مُحَايِثٍ لَهُ (4) ، وَوُجُودَ مَوْجُودٍ مُبَايِنٍ لِلْعَالَمِ فَوْقَهُ وَهُوَ لَيْسَ بِجِسْمٍ (5) ، كَانَ تَصْدِيقُ الْعَقْلِ بِالثَّانِي أَقْوَى مِنْ تَصْدِيقِهِ بِالْأَوَّلِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي فِطْرَةِ كُلِّ أَحَدٍ، فَقَبُولُ (6) الثَّانِي أَقْرَبُ إِلَى الْفِطْرَةِ وَنُفُورُهَا عَنِ الْأَوَّلِ أَعْظَمُ فَإِنْ وَجَبَ تَصْدِيقُكُمْ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ عَنِ الْفِطْرَةِ أَبْعَدُ كَانَ تَصْدِيقُ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِمْ أَوْلَى. وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَحْتَجُّوا عَلَى بُطْلَانِ (7)(8 قَوْلِهِمْ بِحُجَّةٍ إِلَّا وَهِيَ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِكُمْ أَدَلُّ 8)(8) .

فَإِذَا قُلْتُمْ: [وُجُودُ مَوْجُودٍ فَوْقَ الْعَالَمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ لَا يُعْقَلُ.

قِيلَ لَكُمْ: كَمَا أَنَّ [ (9) ] وُجُودَ مَوْجُودٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ لَا يُعْقَلُ.

(1) ب: يُنْكِرُ أُمُورًا ; أ: يَذْكُرُونَ أُمُورًا ; ن، م: يُدْرِكُ قُوًى.

(2)

ع: عِنْدَهُمْ، وَهِيَ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(3)

ن، م: هَذَا.

(4)

ن، م، ع، ا: وَلَا مُجَانِبٍ لَهُ.

(5)

ع: وَلَيْسَ بِجِسْمٍ.

(6)

ب، ا، م: فَقَوْلُ ; ن: فَيَقُولُ (وَهُوَ تَحْرِيفٌ) .

(7)

ب، ا: إِبْطَالِ.

(8)

(8 - 8) : هَذَا الْكَلَامُ فِي نُسْخَةِ (ن) نَاقِصٌ وَمُضْطَرِبٌ. وَفِي (م) : قَوْلِكُمْ بِحُجَّةٍ. . أَوْلَى.

(9)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

ص: 336

فَإِذَا قُلْتُمْ: نَفْيُ هَذَا مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ.

قِيلَ لَكُمْ: إِنْ كَانَ هَذَا النَّفْيُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَذَلِكَ (1) النَّفْيُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

فَإِذَا قُلْتُمْ: حُكْمُ الْوَهْمِ الْبَاطِلُ أَنْ يَحْكُمَ فِي أُمُورٍ غَيْرِ مَحْسُوسَةٍ حُكْمَهُ فِي أُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ (2) .

قِيلَ: لَكُمْ (3)(* أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا (4) : أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ حُجَّتَكُمْ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ قَوْلَكُمْ إِنَّهُ يَمْتَنِعُ (5) وُجُودُ مَوْجُودٍ فَوْقَ الْعَالَمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ لَيْسَ (6) أَقْوَى مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ يَمْتَنِعُ (7) وُجُودُ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، [وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ مَوْجُودَيْنِ لَا مُتَبَايِنَيْنِ وَلَا مُتَحَايِثَيْنِ، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ مَوْجُودٍ لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجًا عَنْهُ](8) ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَقْبَلُونَ هَذَا الْأَقْوَى لِزَعْمِكُمْ أَنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ (9) الْبَاطِلِ لَزِمَكُمْ أَنْ لَا تَقْبَلُوا ذَلِكَ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّ كِلَيْهِمَا عَلَى قَوْلِكُمْ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ الْبَاطِلِ، وَفَسَادُ قَوْلِكُمْ أَبْيَنُ فِي الْفِطْرَةِ مِنْ فَسَادِ (10) قَوْلِ مُنَازِعِيكُمْ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُمْ (11) مَرْدُودًا

(1) ن، م: فَكَذَلِكَ.

(2)

ن، م: الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ.

(3)

الْكَلَامُ بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَيَنْتَهِي فِي الصَّفْحَةِ التَّالِيَةِ.

(4)

ب، ا: جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا.

(5)

ب: قَوْلَهُمْ إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ ; أ: قَوْلَهُمْ إِنَّهُ يَمْتَنِعُ.

(6)

لَيْسَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .

(7)

ب: مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَا يَمْتَنِعُ ; أ: مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ يَمْتَنِعُ.

(8)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (ع) فَقَطْ، وَفِي الْأَصْلِ: وَلَا خَارِجَ عَنْهُ.

(9)

الْوَهْمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

(10)

فَسَادِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

(11)

ع: هَذَا الْقَوْلُ.

ص: 337

فَقَوْلُكُمْ أَوْلَى بِالرَّدِّ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُكُمْ مَقْبُولًا فَقَوْلُهُمْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ.

الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: *) : أَنْتُمْ لَمْ تُثْبِتُوا وُجُودَ أُمُورٍ (1) لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهَا [ابْتِدَاءً](2) حَتَّى يَصِحَّ هَذَا الْكَلَامُ، بَلْ إِنَّمَا أَثْبَتُّمْ مَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ [ابْتِدَاءً](3) بِإِبْطَالِ هَذَا الْحُكْمِ الْفِطْرِيِّ (4) الَّذِي يُحِيلُ وُجُودَ مَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ بِحَالٍ (5) ، فَإِنْ كَانَ (6) هَذَا الْحُكْمُ لَا يَبْطُلُ حَتَّى يُثْبِتَ (7) الْأُمُورَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْسُوسَةٍ (8) لَزِمَ (9) الدَّوْرُ فَلَا يَبْطُلُ هَذَا الْحُكْمُ حَتَّى يُثْبِتَ مَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ، وَلَا يُثْبِتُ ذَلِكَ حَتَّى يُبْطِلَ هَذَا الْحَكَّ، فَلَا يُثْبِتُ ذَلِكَ.

[وَ] يُقَالُ: [لَكُمْ] : إِنْ (10) جَازَ وُجُودُ أُمُورٍ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهَا (11) فَوُجُودُ مَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ أَوْلَى (12) وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَطَلَ قَوْلُكُمْ. فَمَنْ أَثْبَتَ مَوْجُودًا فَوْقَ الْعَالَمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ، كَانَ قَوْلُهُ

(1) ع: أَنْتُمْ أَثْبَتُّمْ وُجُودَ أُمُورٍ ; ن: أَنْتُمْ لَمْ تُثْبِتُوا وُجُودًا ثُمَّ (وَهُوَ تَحْرِيفٌ) .

(2)

ابْتِدَاءً: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(3)

ابْتِدَاءً: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .

(4)

ن، م: النَّظَرِيِّ.

(5)

ب: الْإِحْسَاسُ بِهِ وَهُوَ مُحَالٌ ; أ: الْإِحْسَاسُ بِهِ مُحَالٌ.

(6)

كَانَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .

(7)

ب، ا: تُثْبِتَ.

(8)

ع: لَيْسَتْ مَحْسُوسَةً ; ن، م: لَيْسَتْ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ.

(9)

ب (فَقَطْ) : فَيَلْزَمُ.

(10)

ن، م: يُقَالُ إِنْ. .

(11)

ب: وُجُودُ أَمْرٍ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ ; أ: وُجُودُ أَمْرٍ يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهَا.

(12)

ن، م: مَعَ وُجُودِ مَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ ; ع: فَوُجُودُ مَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ أَوْلَى، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.

ص: 337

: أَقْرَبُ إِلَى الْعَقْلِ مِمَّنْ أَثْبَتَ مَوْجُودًا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ وَلَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ.

فَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ (1) مَا مِنْ حُجَّةٍ يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مُنَازِعِيهِمْ (2) إِلَّا وَدَلَالَتُهَا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ أَشَدُّ وَلَكِنَّهُمْ يَتَنَاقَضُونَ. وَالَّذِينَ وَافَقُوهُمْ عَلَى بَعْضِ غَلَطِهِمْ صَارُوا (3) يُسَلِّمُونَ (4) لَهُمْ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةَ الْبَاطِلَةَ النَّافِيَةَ [وَهُوَ إِثْبَاتُ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مُبَايِنًا لِغَيْرِهِ وَلَا مُحَايِثًا لَهُ (5) وَلَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ](6) وَيَطْلُبُونَ (7) طَرْدَهَا، وَطَرْدُهَا يَسْتَلْزِمُ الْبَاطِلَ الْمَحْضَ.

فَوَجْهُ الْمُنَاظَرَةِ أَنَّ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةَ لَا تُسَلَّمُ (8)، لَكِنْ يُقَالُ: إِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً بَطَلَ أَصْلُ قَوْلِ النُّفَاةِ، [وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَهِيَ أَدَلُّ عَلَى إِمْكَانِ قَوْلِ (9) أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ إِثْبَاتُ مَوْجُودٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا هُوَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ مُمْكِنًا، فَإِثْبَاتُ مَوْجُودٍ فَوْقَ الْعَالَمِ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا بَطَلَ أَصْلُ قَوْلِ النُّفَاةِ](10) ، وَثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى](11) إِمَّا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَإِمَّا خَارِجَهُ فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ بِإِثْبَاتِ مَوْجُودٍ

(1) ب، ا: فَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ ;، م: فَحَاصِلُهُ أَنَّ.

(2)

ع: تَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى قَوْلِ مُنَازِعِيكُمْ.

(3)

ب، ا: مَا دَاوا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ ظَاهِرٌ.

(4)

ن، م: مُسَلِّمِينَ.

(5)

ب، ا: مُمَاثِلًا لَهُ.

(6)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(7)

م، ن: وَيَظُنُّونَ.

(8)

ع: أَنَّ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ ; ن، م: أَنَّ تِلْكَ الْمُنَاظَرَةَ لَا تُسَلَّمُ.

(9)

ب، ا: فَهِيَ أَوْلَى عَلَى قَوْلِ.

(10)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(11)

تَعَالَى: زِيَادَةٌ فِي (ع) .

ص: 339

لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ أَبْعَدَ عَنِ الْحَقِّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

ثُمَّ يُقَالُ: رُؤْيَةُ مَا لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا فِي جِهَةٍ إِمَّا أَنْ يُجَوِّزَهُ الْعَقْلُ وَإِمَّا أَنْ يَمْنَعَهُ، فَإِنْ جَوَّزَهُ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ مَنَعَهُ كَانَ مَنْعُ الْعَقْلِ لِإِثْبَاتِ مَوْجُودٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، بَلْ هُوَ حَيٌّ بِلَا حَيَاةٍ، عَلِيمٌ بِلَا عِلْمٍ، قَدِيرٌ بِلَا قُدْرَةٍ، أَشَدَّ وَأَشَدَّ.

فَإِنْ (1) قُلْتُمْ: هَذَا الْمَنْعُ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ.

قِيلَ لَكُمْ: وَالْمَنْعُ مِنْ رُؤْيَةِ مَرْئِيٍّ لَيْسَ فِي جِهَةٍ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الثَّالِثُ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنْ [يُقَالَ:](2) : حُكْمُ الْوَهْمِ الْبَاطِلُ عِنْدَكُمْ أَنْ يَحْكُمَ فِي أُمُورٍ غَيْرِ مَحْسُوسَةٍ (3) بِمَا يَحْكُمُ بِهِ فِي الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ.

فَيُقَالُ: (4) : الْبَارِي تَعَالَى إِمَّا أَنْ تَكُونَ رُؤْيَتُهُ مُمْكِنَةً، وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ (5) . فَإِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً بَطَلَ قَوْلُكُمْ بِإِثْبَاتِ مَوْجُودٍ (6) غَيْرِ مَحْسُوسٍ، وَلَمْ يَبْقَ هُنَا (7) وَهْمٌ بَاطِلٌ يَحْكُمُ فِي غَيْرِ الْمَحْسُوسِ (8) بِحُكْمٍ بَاطِلٍ، فَإِنَّكُمْ لِرُؤْيَةِ الْبَارِي أَشَدُّ مَنْعًا مِنْ رُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا

(1) ن، م: وَإِنْ.

(2)

يُقَالَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .

(3)

ع (فَقَطْ) : أُمُورٍ غَيْرِ الْمَحْسُوسَةِ.

(4)

ن، م: فَقَالَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.

(5)

ب (فَقَطْ) : وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ مُمْكِنَةً.

(6)

ن، م: وُجُودِهِ.

(7)

ب، ا: وَلَمْ يَبْقَ هُنَاكَ ; ع: فَلَمْ يَبْقَ هُنَا.

(8)

ب، ن، م: بِحُكْمٍ فِي غَيْرِ مَحْسُوسٍ ; أ: يَحْكُمُ فِي غَيْرِ مَحْسُوسٍ.

ص: 340

جَوَّزْتُمْ رُؤْيَتَهُ فَرُؤْيَةُ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْتُمْ: بَلْ رُؤْيَتُهُ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ. قِيلَ: فَهُوَ حِينَئِذٍ (1) غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ (2) حُكْمُ الْوَهْمِ، وَالْحُكْمُ بِأَنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ.

وَأَمَّا إِذَا قَدَّرْنَا (3) مَوْجُودًا غَيْرَ مَحْسُوسٍ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ [رُؤْيَةً](4) غَيْرَ الرُّؤْيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَوَاتِ الْجِهَةِ (5) ، كَانَ إِبْطَالُ هَذَا مِثْلَ إِبْطَالِ مَوْجُودٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، [وَإِلَّا] فَإِذَا (6) ثَبَتَ وُجُودُ هَذَا الْمَوْجُودِ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ (7) الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ مُنَاسِبَةً لَهُ، وَلَمْ تَكُنْ كَالرُّؤْيَةِ الْمَعْهُودَةِ لِلْأَجْسَامِ.

فَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَنَحْوَهَا مِنَ الْمُنَاظَرَةِ الْعَقْلِيَّةِ إِذَا سَلَكَ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ إِلَى السُّنَّةِ أَقْرَبَ كَانَ قَوْلُهُ إِلَى الْعَقْلِ أَقْرَبَ، وَهُوَ يُوجِبُ نَصْرَ (8) الْأَقْرَبِينَ إِلَى السُّنَّةِ بِالْعَقْلِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ [بَعْضُ] الْأَقْرَبِينَ (9) إِلَى السُّنَّةِ سَلَّمُوا لِلْأَبْعَدِينَ (10) عَنْهَا مُقَدَّمَاتٌ بَيْنَهُمْ، وَهِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَاطِلَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ مُطَابِقًا لِلْأَمْرِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ نَصْرُهُ لَا بِشَرْعٍ صَحِيحٍ وَلَا بِعَقْلِ صَرِيحٍ (11) ، لِمَنْ غَرَضُهُ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ فِي نَفْسِهِ لَا بَيَانُ رُجْحَانِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ عَلَى بَعْضٍ.

(1) ب، ا، ن، م: قِيلَ لَكُمْ فَحِينَئِذٍ فَهُوَ.

(2)

ن: وَلَا يُقَالُ فِيهِ ; م: وَلَا فِيهِ.

(3)

ب، ا: وَإِذَا قَدَّرْتُمْ.

(4)

رُؤْيَةً: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(5)

ع: بِذَوَاتِ الْجِهَاتِ.

(6)

ب، ن، م: وَإِذَا ; أ: وَلَا إِذَا.

(7)

ن: الْوُجُودُ كَانَتِ الرِّوَايَةُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ ; م: الْوُجُودُ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ.

(8)

ن، م: نَظَرَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.

(9)

ن، م، ب، ا: لَمَّا كَانَ الْأَقْرَبُونَ.

(10)

ع: سَلَّمُوا لِلْأَبْعَدِ ; ن: يَتْلُوا الْأَبْعَدِينَ ; م: سَلُوا لِلْأَبْعَدِينَ (وَهُوَ تَحْرِيفٌ) .

(11)

ن، م: لَا بِشَرْعٍ صَرِيحٍ وَلَا بِعَقْلٍ صَحِيحٍ ; ع: وَلَا عَقْلٍ صَرِيحٍ.

ص: 341

(1)

[وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ رُجْحَانِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ فَهَذَا مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَسْلُكُهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا عَابَ بِهِ الرَّافِضَةَ كَثِيرٌ مِنَ الطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ (2) ، فَإِنَّهُمْ عَابُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ بِأَقْوَالٍ هِيَ مَعِيبَةٌ مَذْمُومَةٌ، وَاللَّهُ قَدْ أَمَرَنَا أَلَّا نَقُولَ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَأَلَّا نَقُولَ عَلَيْهِ إِلَّا بِعِلْمٍ، وَأَمَرَنَا بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ، فَلَا يَجُوزُ لَنَا إِذَا قَالَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ - فَضْلًا عَنِ الرَّافِضِيِّ - قَوْلًا فِيهِ حَقٌّ أَنْ نَتْرُكَهُ أَوْ نَرُدَّهُ كُلَّهُ، بَلْ لَا نَرُدُّ إِلَّا مَا فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ دُونَ مَا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ.

وَلِهَذَا جُعِلَ هَذَا الْكِتَابُ: " مِنْهَاجُ أَهْلِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي نَقْضِ كَلَامِ الشِّيَعِ وَالْقَدَرِيَّةِ " فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ رَدُّوا مَا تَقَوَّلَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالرَّافِضَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ بِكَلَامٍ فِيهِ أَيْضًا بِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ يَسْتَجِيزُهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ يَجُوزُ مُقَابَلَةُ الْفَاسِدِ بِالْفَاسِدِ، لَكِنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَهُمْ يَذُمُّونَ أَهْلَ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ الَّذِينَ يَرُدُّونَ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ وَبِدْعَةً بِبِدْعَةٍ، وَيَأْمُرُونَ أَلَّا يَقُولَ الْإِنْسَانُ إِلَّا الْحَقَّ، لَا يَخْرُجُ عَنِ السُّنَّةِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَرَسُولُهُ، وَلِهَذَا لَمْ نَرُدَّ مَا تَقَوَّلَهُ: الْمُعْتَزِلَةُ وَالرَّافِضَةُ مِنْ حَقٍّ بَلْ قَبِلْنَاهُ، لَكِنْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا عَابُوا بِهِ مُخَالِفِيهِمْ مِنَ الْأَقْوَالِ فَفِي أَقْوَالِهِمْ مِنَ الْعَيْبِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ.

(1) الْكَلَامُ بَعْدَ الْقَوْسِ فِي (ع) فَقَطْ وَيَنْتَهِي ص 343.

(2)

فِي الْأَصْلِ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَسْلُكُهُ فِي كَثِيرِ مَا عَابَتِ الرَّافِضَةَ كَثِيرٌ مِنَ الطَّوَائِفِ. . إِلْخَ. وَهُوَ كَلَامٌ مُضْطَرِبٌ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَا أَثْبَتُّهُ وَافِيًا بِالْمَقْصُودِ. وَالطَّوَائِفُ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ خِلَافَةِ " الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ " هُمُ الْمُتَّفِقُونَ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَانْظُرْ مَا سَبَقَ، ص 221.

ص: 342

فَالْمُنْتَسِبُونَ إِلَى إِثْبَاتِ خِلَافَةِ الْأَرْبَعَةِ وَتَفْضِيلِ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ أَقْوَالًا فَاسِدَةً فَأَقْوَالُ الرَّافِضَةِ أَفْسَدُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْمُنَاظِرُ لِلْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ كَالْأَشْعَرِيِّ وَأَمْثَالِهِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَقُولُونَ أَقْوَالًا بَاطِلَةً، فَفِي أَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ مِنَ الْبَاطِلِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا، فَالْوَاجِبُ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ أَنْ يُبَيَّنَ رُجْحَانُ قَوْلِ الْفَرِيقِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى السُّنَّةِ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَلَا نَنْصُرُ الْقَوْلَ الْبَاطِلَ الْمُخَالِفَ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ أَبَدًا، فَإِنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ وَمَذْمُومٌ، يُذَمُّ بِهِ صَاحِبُهُ، وَيَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَا لَا يُوصَفُ، كَمَا تَوَلَّدَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُبْتَدَعَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِبَسْطِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَكَانٌ آخَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاظَرَةِ الْعَادِلَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا الْإِنْسَانُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، لَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ. وَأَمَّا مُنَاظَرَاتُ الطَّوَائِفِ الَّتِي كُلٌّ مِنْهَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ وَلَوْ بِقَلِيلٍ، فَأَعْظَمُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا بَيَانُ إِبْطَالِ بَعْضِهِمْ لِمَقَالَةِ بَعْضٍ.

وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ الْفَائِدَةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْكَلَامِ دُونَ غَيْرِهَا، لَكِنْ يَعْتَقِدُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ الْعَقِيدَةُ الَّتِي تَعَبَّدَ الشَّارِعُ النَّاسَ بِاعْتِقَادِهَا، وَأَنَّ لَهَا بَاطِنًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الِاعْتِقَادِ يُوَافِقُ الشَّرْعَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَمَا ثَبَتَ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَلَا يُنَاقِضُ بَاطِنُهُ ظَاهِرَهُ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِالْمُنَاظَرَةِ بَيَانَ رُجْحَانِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ عَلَى بَعْضٍ] (1)

(1) الْكَلَامُ بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن)، (م) : وَبَدَأَ فِي ص 342.

ص: 343

وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ مُنَاظَرَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ إِنَّمَا هِيَ فِي بَيَانِ فَسَادِ (1) مَذْهَبِ الْمُخَالِفِينَ وَبَيَانِ تَنَاقُضِهِمْ، لِأَنَّهُ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ بَاطِلًا، فَمَا (2) يُمْكِنُ أَحَدُهُمْ نَصْرَ قَوْلِهِ مُطْلَقًا فَيُبَيِّنُ فَسَادَ قَوْلِ خَصْمِهِ. وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (3) حَسَنَ الظَّنِّ بِمَذْهَبِهِ، قَدْ بَنَاهُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ يَعْتَقِدُهَا صَحِيحَةً، فَإِذَا أَخَذَ الْإِنْسَانُ مَعَهُ فِي تَقْرِيرِ نَقِيضِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ لَمْ يَقْبَلْ وَلَا يَبِينُ الْحَقُّ (4) ، وَيَطُولُ الْخِصَامُ كَمَا طَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْكَلَامِ.

فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ لِذَلِكَ (5) رُجْحَانَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ أَوْ فَسَادَ (6) مَذْهَبِهِ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرِهَا، فَإِذَا رَأَى تَنَاقُضَ قَوْلِهِ أَوْ رُجْحَانَ قَوْلِ [غَيْرِهِ] عَلَى قَوْلِهِ (7) اشْتَاقَ حِينَئِذٍ إِلَى مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ وَبَيَانِ جِهَةِ الْخَطَأِ، فَيَبِينُ لَهُ (8) فَسَادُ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا وَصِحَّةُ نَقِيضِهَا، وَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ الْغَلَطُ.

وَهَكَذَا فِي مُنَاظَرَةِ الدَّهْرِيِّ (9) وَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالرَّافِضِيِّ

(1) ن، ا، ع، إِفْسَادِ.

(2)

ب، ا: فَلَا.

(3)

ن: إِذَا كَانَ هَذَا الْمَذْهَبُ ; م: إِذَا كَانَ الْمَذْهَبُ.

(4)

ب، ا: فِي تَقْرِيرِ نَقِيضِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ.

(5)

ب، ا: فَالْوَجْهُ لِذَلِكَ أَنْ يَبِينَ لِذَلِكَ ; ن، م: فَالْوَجْهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لِذَلِكَ.

(6)

ع، م: وَفَسَادَ.

(7)

ع: تَنَاقُضَ أَوْ رُجْحَانَ قَوْلِ غَيْرِهِ عَلَى قَوْلِهِ ; ن: تَنَاقُضَ قَوْلِهِ أَوْ رُجْحَانَ قَوْلِهِ عَلَى قَوْلِهِ ; م: تَنَاقُضَ قَوْلِهِ أَوْ رُجْحَانَ قَوْلِهِ عَلَى.

(8)

ب، ا: فَيَتَبَيَّنُ لَهُ ; ن، م: فَتَبَيَّنَ لَهُ.

(9)

الدَّهْرِيِّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

ص: 344

وَغَيْرِهِمْ (1) ، إِذَا سُلِكَ مَعَهُمْ هَذَا الطَّرِيقُ نَفَعَ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ فَتَبَيَّنَ لَهُمْ (2) ، وَمَا مِنْ طَائِفَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا حَقٌّ وَبَاطِلٌ، فَإِذَا خُوطِبَتْ بُيِّنَ لَهَا أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي نَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ (3) هُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنَ الَّذِي وَافَقْنَاكُمْ عَلَيْهِ، وَنُبُوَّةُ (4) مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ نُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى [عليهما السلام](5) ، وَخِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ (6) مِنْ خِلَافَةِ عَلِيٍّ، فَمَا [ذُكِرَ](7) مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ يَثْبُتُ بِهَا نُبُوَّةُ هَذَا [وَهَذَا](8) إِلَّا وَهِيَ تَثْبُتُ [بِهَا](9) نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، (10 وَمَا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ يَثْبُتُ بِهَا خِلَافَةُ عَلِيٍّ إِلَّا وَهِيَ تُثْبِتُ خِلَافَةَ هَذَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى 10)(10) ، وَيُبَيِّنُ (11) لَهُمْ أَنَّ مَا يَدْفَعُونَ بِهِ هَذَا الْحَقَّ يُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ بِهِ الْحَقُّ (12) الَّذِي مَعَهُمْ، فَمَا يُقْدَحُ شَيْءٌ (13) فِي (* مَوَارِدِ النِّزَاعِ إِلَّا كَانَ قَدْحًا (14) فِي مَوَارِدِ الْإِجْمَاعِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ بِهِ مَوَارِدُ الْإِجْمَاعِ إِلَّا وَهُوَ يَثْبُتُ بِهِ (15) مَوَارِدُ النِّزَاعِ *) (16) ، وَمَا مِنْ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ [صَلَّى

(1) ع: وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ ظَاهِرٌ.

(2)

ب، ا: عِبَارَةُ " فَتَبَيَّنَ لَهُمْ " سَاقِطَةٌ ; ع: كَلِمَةُ " فَتَبَيَّنَ " سَاقِطَةٌ.

(3)

ع: تَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ; ن، م: بُيِّنَ لَهَا أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ.

(4)

ب، ا، ن، م: فَنُبُوَّةُ.

(5)

عليهما السلام: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .

(6)

بِالصِّحَّةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .

(7)

ذُكِرَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .

(8)

ب: نُبُوَّةُ هَذَيْنِ.

(9)

بِهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .

(10)

: (10 - 10) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .

(11)

ب، ا: وَيَتَبَيَّنُ ; ن: وَتَبَيَّنَ.

(12)

الْحَقُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

(13)

ب، ا: بِشَيْءٍ ; ن: فِي شَيْءٍ ; م: لِشَيْءٍ.

(14)

ب، ا، ن، م: إِلَّا كَانَ قَدْ جَاءَ.

(15)

بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .

(16)

الْكَلَامُ بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ فِي نُسْخَةِ (ن) نَاقِصٌ وَمُضْطَرِبٌ.

ص: 345

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (1) وَخِلَافَةِ الشَّيْخَيْنِ (2) إِلَّا وَيَرِدُ عَلَى نُبُوَّةِ غَيْرِهِ (3) وَخِلَافَةِ غَيْرِهِمَا مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَعْظَمُ (4) مِنْهُ، [وَمَا مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ غَيْرِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَخِلَافَةِ غَيْرِهِمَا إِلَّا وَالدَّلِيلُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَخِلَافَتِهِمَا أَقْوَى مِنْهُ](5) .

وَأَمَّا الْبَاطِلُ الَّذِي بِأَيْدِي الْمُنَازِعِينَ (6) فَتَبَيَّنَ (7) أَنَّهُ يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ بِبَاطِلٍ مِثْلِهِ، وَأَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يَبْطُلُ بِهِ ذَلِكَ الْبَاطِلُ يَبْطُلُ بِهِ بَاطِلُهُمْ، فَمَنِ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ فِي الْمَسِيحِ أَوْ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا عُورِضَ بِدَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ فِي مُوسَى وَآدَمَ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَا يَذْكُرُ شُبْهَةً يَظُنُّ بِهَا الْإِلَهِيَّةَ إِلَّا وَيُذْكَرُ فِي الْآخَرِ نَظِيرُهَا وَأَعْظَمُ مِنْهَا، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُ أَحَدِ الْمَثَلَيْنِ (8) تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُ الْآخَرِ، فَالْحَقُّ يَظْهَرُ صِحَّتُهُ بِالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ لَهُ وَالْبَاطِلُ يَظْهَرُ فَسَادُهُ بِالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ لَهُ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِ مَحْبُوبِهِ أَوْ مَكْرُوهِهِ مِنْ حَمْدٍ وَذَمٍّ إِلَّا بِمَثَلٍ يُضْرَبُ لَهُ، فَإِنَّ حُبَّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ.

[وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ ضَرَبَ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ فِي كِتَابِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَيَانِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَرَى نَفْسَهُ وَأَعْمَالَهُ إِلَّا إِذَا مُثِّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ بِأَنْ يَرَاهَا فِي مِرْآةٍ،

(1) صلى الله عليه وسلم: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(2)

ن، م: وَخِلَافَةِ الْمُسْتَحِقِّ ; ب، ا: وَخِلَافَةِ الشَّيْخَيْنِ رضي الله عنهما.

(3)

ب، ا: غَيْرِهِ عليه السلام.

(4)

ن، م: وَأَعْظَمُ.

(5)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(6)

ن، م: الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ ; ع: الَّذِي بِأَيْدِي الْمُتَنَازِعِينَ.

(7)

ب، ع: فَيَبِينُ.

(8)

ن، م: الْمَسْأَلَتَيْنِ.

ص: 346

وَتُمَثَّلُ لَهُ أَعْمَالُهُ بِأَعْمَالِ غَيْرِهِ] (1)، وَلِهَذَا ضَرَبَ الْمَلَكَانِ الْمَثَلَ لِدَاوُدَ [عليه السلام] (2) بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا:{إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ - قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} [سُورَةُ: ص: 23 - 24] الْآيَةَ. وَضَرْبُ الْأَمْثَالِ مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ الْحَالُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ الَّذِي يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. قَالَ (3) تَعَالَى:{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [سُورَةُ الرُّومِ: 27]، وَقَالَ تَعَالَى:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 43] . (4)[وَهَذَا مِنَ الْمِيزَانِ الَّذِي أَنْزَلَهُ (5) اللَّهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [سُورَةُ الشُّورَى: 17]، وَقَالَ:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 25] .

وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبُيِّنَ أَنَّ كُلَّ قِيَاسٍ عَقْلِيٍّ شُمُولِيٍّ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ أَوْ غَيْرِ طَرِيقِهِ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْقِيَاسِ التَّمْثِيلِيِّ وَأَنَّ مَقْصُودَ الْقِيَاسَيْنِ وَاحِدٌ، وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْمِيزَانِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ بَعْضُهُ بَاطِلٌ وَبَعْضُهُ تَطْوِيلٌ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، بَلْ ضَرَرُهُ فِي الْغَالِبِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ

(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(2)

عليه السلام: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(3)

ع: فَقَالَ.

(4)

الْكَلَامُ بَعْدَ الْقَوْسِ فِي (ع) فَقَطْ وَيَنْتَهِي فِي الصَّفْحَةِ التَّالِيَةِ.

(5)

فِي الْأَصْلِ: أَنْزَلَهَا. وَجَاءَ فِي " الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ " أَنَّ الْمِيزَانَ مُذَكَّرٌ.

ص: 347