الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِنْ قَالَ هَذَا (1) الْإِمَامِيُّ: فَأَنَا أَلْتَزِمُ هَذَا.
قِيلَ لَهُ: تَنَاقَضْتَ، لِأَنَّكَ أَخْرَجْتَ الْأَشْعَرِيَّةَ وَالْكَرَّامِيَّةَ عَنِ الْمُشَبِّهَةِ فِي اصْطِلَاحِكَ، فَأَنْتَ تَتَكَلَّمُ بِأَلْفَاظٍ لَا تَفْهَمُ مَعْنَاهَا (2) وَلَا مَوَارِدَ اسْتِعْمَالِهَا، وَإِنَّمَا تَقُومُ بِنَفْسِكَ صُورَةٌ تَبْنِي [عَلَيْهَا](3) .
وَكَأَنَّكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنَيْتَ بِالْحَشْوِيَّةِ الْمُشَبِّهَةِ (4) مَنْ بِبَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ مِنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، أَوِ الْحَنْبَلِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَهَذَا مِنْ جَهْلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْحَنْبَلِيَّةِ قَوْلٌ انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ [طَوَائِفِ](5) أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بَلْ كُلُّ مَا يَقُولُونَهُ قَدْ قَالَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ مِنْ زِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ مَا لَا يُوجَدُ فِيهِمْ.
وَمَذْهَبُ (6) أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مَذْهَبٌ قَدِيمٌ [مَعْرُوفٌ](7) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ، فَإِنَّهُ مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ تَلَقَّوْهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ كَانَ مُبْتَدِعًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ، وَمُتَنَازِعُونَ فِي إِجْمَاعِ مَنْ بَعْدِهِمْ.
[أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ومحنة خلق القرآن]
وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اشْتُهِرَ بِإِمَامَةِ السُّنَّةِ (8) وَالصَّبْرِ فِي
(1) هَذَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (م) .
(2)
ب، أ، ن، م: فَإِنَّكَ تَتَكَلَّمُ بِأَلْفَاظٍ لَا يُفْهَمُ (ن: لَا تُفْهَمُ) مَعَانِيهَا.
(3)
عَلَيْهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4)
ع: بِالْمُشَبِّهَةِ الْحَشْوِيَّةِ.
(5)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (ع) فَقَطْ.
(6)
ب، أ: وَمِنْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(7)
مَعْرُوفٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(8)
ب: بِأُمَّةِ السُّنَّةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ ; ن: بِإِمَامَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَالْمُثْبَتُ عَنْ (أ) ، (م) .
الْمِحْنَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِقَوْلٍ أَوِ ابْتَدَعَ قَوْلًا، بَلْ لِأَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً مَعْرُوفَةً قَبْلَهُ عَلِمَهَا وَدَعَا إِلَيْهَا وَصَبَرَ عَلَى مَنِ امْتَحَنَهُ لِيُفَارِقَهَا (1) ، وَكَانَ الْأَئِمَّةُ قَبْلَهُ (2) قَدْ مَاتُوا قَبْلَ الْمِحْنَةِ، فَلَمَّا وَقَعَتْ مِحْنَةُ الْجَهْمِيَّةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ (3) - عَلَى عَهْدِ الْمَأْمُونِ وَأَخِيهِ الْمُعْتَصِمِ ثُمَّ الْوَاثِقِ - وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى التَّجَهُّمِ وَإِبْطَالِ صِفَاتِ اللَّهِ
(1) ب: عَلَى مَا امْتُحِنَ بِهِ لِيُفَارِقَهَا ; أ: عَلَى مَا امْتَحَنَهُ لِيُفَارِقَهَا.
(2)
ب، أ: قَبْلَ.
(3)
ع: فِي أَوَّلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ. وَفِي (ع) فَوْقَ عِبَارَةِ " فِي أَوَّلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ " إِشَارَةٌ إِلَى الْهَامِشِ حَيْثُ كُتِبَ التَّعْلِيقُ التَّالِي: " قُلْتُ: وَالْعَجَبُ أَنَّ الشَّارِحَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ مَعَ تَبَحُّرِهِ وَتَتَبُّعِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَخْطَأَ بِهَذَا، إِذِ التَّجَهُّمُ كَانَ أَقْدَمَ مِنْ هَذَا التَّارِيخِ بِكَثِيرٍ. وَكَانَ مِنْ وِلَادَةِ إِمَامِنَا أَبِي حَنِيفَةَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَوَفَاتِهِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَقَدِ اشْتُهِرَ مَذْهَبُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ التِّرْمِذِيِّ فِي عَهْدِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه، وَتَصَدَّى الْمُنَاظَرَةَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضُ مُتَّبِعِي جَهْمٍ وَالْمُوَافِقَةُ مَعَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَظَنِّي أَنَّهُ فَشَا هَذَا الْمَذْهَبُ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الْأُولَى، فَمَذْهَبُ الْخَوَارِجِ وَالِاعْتِزَالِ ظَهَرَا وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي الْحَيَاةِ، مِثْلُ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، حَتَّى تَصَدَّى لِرَدِّ الْخَوَارِجِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَتَصَدَّى لِرَدِّ الِاعْتِزَالِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا. فَبَعْدَ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ فَشَا هَذَا الْمَذْهَبُ، لَعَلَّ ذَلِكَ سَنَةَ سِتِّينَ، إِذْ ظَهَرَ لَهُ أَشْيَاعٌ وَأَتْبَاعٌ حَتَّى تَصَدَّى الْمُنَاظَرَةَ وَالْمُوَافَقَةُ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضُ مُتَّبِعِيهِ، حَتَّى ذُكِرَ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ وَاحِدَةً مِنَ النِّسْوَةِ مِنْ شِيعَتِهِ تَصَدَّتْ لِإِلْزَامِ الْإِمَامِ ادِّعَاءَ الِاسْتِقَامَةِ لِمَذْهَبِ جَهْمٍ وَفَسَادَ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، فَأَظْهَرَتْ تَشْنِيعَاتٍ قَبِيحَةً عَلَى وَجْهِ الْإِمَامِ، وَنُسِبَتْ إِيَّاهُ رضي الله عنه إِلَى الْعَظَائِمِ. وَغَايَةُ الْكَلَامِ مِنْ طَرَفِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مُوَافِقَةٌ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ لَهُمْ، مَعَ مَا يُخَالِفُهُمْ مُخَالَفَةً بَيِّنَةً فِي الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَكَذَا يُخَالِفُهُمْ فِي أَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى مُعَلَّلَةٌ بِالْأَغْرَاضِ، إِذِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى الْجَبْرِ الْمَحْضِ وَعَلَى نَفْيِ الْعِلَلِ وَالْأَغْرَاضِ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى ". قُلْتُ: وَابْنُ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ حَدَثَتْ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ وَإِنَّ أَوَّلَ الْجَهْمِيَّةِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ (الْمَقْتُولُ نَحْوَ سَنَةِ 118) وَإِنَّمَا صَارَ لِلْجَهْمِيَّةِ ظُهُورٌ وَشَوْكَةٌ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ. وَانْظُرْ كَلَامَهُ فِي " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " 5/244 - 245.
تَعَالَى، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُتَأَخِّرُو الرَّافِضَةِ، وَكَانُوا قَدْ أَدْخَلُوا مَعَهُمْ مَنْ أَدْخَلُوهُ مِنْ [وُلَاةِ الْأُمُورِ (1) ، فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، حَتَّى تَهَدَّدُوا (2) بَعْضَهُمْ بِالْقَتْلِ، وَقَيَّدُوا بَعْضَهُمْ، وَعَاقَبُوهُمْ (وَأَخَذُوهُمْ) (3) بِالرَّهْبَةِ وَالرَّغْبَةِ، وَثَبَتَ](4) الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (5) عَلَى ذَلِكَ [الْأَمْرِ](6) حَتَّى حَبَسُوهُ مُدَّةً، ثُمَّ طَلَبُوا أَصْحَابَهُمْ لِمُنَاظَرَتِهِ، فَانْقَطَعُوا مَعَهُ فِي الْمُنَاظَرَةِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَلَمْ يَأْتُوا (7) بِمَا يُوجِبُ مُوَافَقَتَهُ لَهُمْ، [بَلْ] بَيَّنَ خَطَأَهُمْ (8) فِيمَا ذَكَرُوهُ (9) مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَكَانُوا قَدْ طَلَبُوا لَهُ (10) أَئِمَّةَ الْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهِمْ، مِثْلِ أَبِي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بُرْغُوثٍ صَاحِبِ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ (11) وَأَمْثَالِهِ، وَلَمْ تَكُنِ الْمُنَاظَرَةُ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَطْ، بَلْ كَانَتْ
(1) ب، أ: الْأَمْرِ.
(2)
ب، أ: هَدَّدُوا.
(3)
وَأَخَذُوهُمْ: فِي (ع) فَقَطْ.
(4)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) إِلَّا كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةً هِيَ: مِنْ وَلِيٍّ فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ.
(5)
ب، أ: وَثَبَتَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ; ع: وَثَبَتَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رضي الله عنه وَأَرْضَاهُ ; ن، م: الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
(6)
الْأَمْرِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) ، (ن) ، (م) .
(7)
ب، أ: وَلَمَّا لَمْ يَأْتُوا ; ن: وَلَمَّا يَأْتُوا، م: وَلَمَّا وَلَمَّا يَأْتُوا.
(8)
ب، أ، ن، م: وَبَيَّنَ خَطَأَهُمْ.
(9)
ب، أ: فِيمَا ذَكَرُوا ; ن: فِيمَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(10)
لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .
(11)
ن، م: أَبِي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ بُرْغُوثٍ. . إِلَخْ وَهُوَ خَطَأٌ. وَلَمْ أَجِدْ فِيمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ مَرَاجِعَ شَيْئًا عَنْ تَارِيخِ مَوْلِدِهِ وَوَفَاتِهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَتْ كُتُبُ الْفِرَقِ الْكَثِيرَ عَنْ آرَائِهِ وَمَذْهَبِهِ. فَالْأَشْعَرِيُّ يَذْكُرُ آرَاءَهُ (الْمَقَالَاتِ 1/316) وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُتَوَلِّدَةَ فِعْلُ اللَّهُ بِإِيجَابِ الطَّبْعِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي التَّوْحِيدِ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَّا فِي بَابِ الْإِرَادَةِ وَالْجُودِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُخَالِفُهُمْ فِي الْقَدَرِ وَيَقُولُ بِالْإِرْجَاءِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ غَيْرَ عَاجِزٍ عَنِ الْكَلَامِ وَلَكِنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ وَمَخْلُوقٌ. وَانْظُرْ عَنْ آرَائِهِ وَمَذْهَبِهِ أَيْضًا: الْمَقَالَاتِ 2/198، 207 - 208 ; الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/81 - 82 ; الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص 126 - 127 ; التَّبْصِيرَ فِي الدِّينِ ص 62 ; الْفِصَلَ لِابْنِ حَزْمٍ 3/33 ; الِانْتِصَارَ لِلْخَيَّاطِ، ص 98 ; دَائِرَةَ الْمَعَارِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ مَادَّةَ " الْبُرْغُوثِيَّةِ " ; الْمُنْيَةَ وَالْأَمَلَ لِابْنِ الْمُرْتَضَى، ص 27. watt (.) free will، pp -) 111، 110 128 - 129. London، 1948.
مَعَ جِنْسِ الْجَهْمِيَّةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ [وَالنَّجَّارِيَّةِ](1) وَالضِّرَارِيَّةِ وَأَنْوَاعِ الْمُرْجِئَةِ، فَكُلُّ مُعْتَزِلِيٍّ جَهْمِيٌّ وَلَيْسَ كُلُّ جَهْمِيٍّ مُعْتَزِلِيًّا، [لَكِنْ جَهْمٌ أَشَدُّ تَعْطِيلًا؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ تَنْفِي الصِّفَاتِ دُونَ الْأَسْمَاءِ](2) .
وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ كَانَ مِنَ الْمُرْجِئَةِ، لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، بَلْ كَانَ مِنْ كِبَارِ (3) .
(1) وَالنَّجَّارِيَّةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2)
دُونَ الْأَسْمَاءِ: فِي (ع) فَقَطْ. وَسَقَطَ مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ مِنْ (ن) ، (م) .
(3)
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِشْرُ بْنُ غِيَاثِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَرِيسِيُّ، الْعَدَوِيُّ بِالْوَلَاءِ، كَانَ جَدُّهُ مَوْلًى لِزَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَقِيلَ إِنَّ أَبَاهُ كَانَ يَهُودِيًّا قَصَّارًا صَبَّاغًا بِالْكُوفَةِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ:" تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فَبَرَعَ، وَأَتْقَنَ عِلْمَ الْكَلَامِ، ثُمَّ جَرَّدَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَاظَرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُدْرِكِ الْجَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ إِنَّمَا أَخَذَ مَقَالَتَهُ وَاحْتَجَّ لَهَا وَدَعَا إِلَيْهَا ". وَهُوَ رَأْسُ طَائِفَةِ الْمَرِيسِيَّةِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ وَأَنَّ التَّصْدِيقَ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ جَمِيعًا، وَقَالَ الشَّهْرَسْتَانِيُّ إِنَّ مَذْهَبَ الْمَرِيسِيِّ كَانَ قَرِيبًا مِنْ مَذْهَبِ النَّجَّارِ وَبُرْغُوثٍ وَأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا كَوْنَهُ تَعَالَى مُرِيدًا لَمْ يَزَلْ لِكُلِّ مَا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَحْدُثُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ. وَقَدْ تُوُفِّيَ بِشْرٌ سَنَةَ 218 وَقِيلَ: 219، وَاخْتُلِفَ فِي نِسْبَتِهِ فَقِيلَ إِنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى قَرْيَةَ مَرِيسٍ بِصَعِيدِ مِصْرَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ وَمَذْهَبَهُ فِي: لِسَانِ الْمِيزَانِ 2/29 - 31 ; وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 1/251 - 252 ; تَارِيخِ بَغْدَادَ 7/56 - 67 ; الْأَعْلَامِ 2/27 - 28 ; الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص 124 ; التَّبْصِيرِ فِي الدِّينِ، ص 61 ; الْخِطَطِ لِلْمَقْرِيزِيِّ 2/350 ; الْفِصَلِ لِابْنِ حَزْمٍ 3/33، 4/80 ; دَائِرَةِ الْمَعَارِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ، مَقَالَةِ كَارَادِي فُو عَنْ " بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ ". وَانْظُرْ كِتَابَ " الرَّدِّ عَلَى بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ " لِلدَّارِمِيِّ ; تَارِيخِ الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ 4/27 - 28 ; سِزْكِينَ م [0 - 9] ، ج [0 - 9]، ص 65 - 66 وَكَتَبَ مُسْتَجِي زَادَهْ فِي هَامِشِ (ع) :" وَقَدْ شَاعَ عَنْهُ أَنَّهُ (كَانَ) يَلْعَنُ الْمُعْتَزِلَةَ لِقَوْلِهِمْ بِخَلْقِ الْأَفْعَالِ ".
وَظَهَرَ لِلْخَلِيفَةِ الْمُعْتَصِمِ أَمْرَهُمْ، وَعَزَمَ عَلَى رَفْعِ الْمِحْنَةِ، حَتَّى أَلَحَّ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ (1) يُشِيرُ عَلَيْهِ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَضْرِبْهُ [وَإِلَّا] انْكَسَرَ (2) نَامُوسُ الْخِلَافَةِ، فَضَرَبَهُ (3) ، فَعَظُمَتِ الشَّنَاعَةُ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، فَأَطْلَقُوهُ.
ثُمَّ صَارَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ سَبَبًا فِي الْبَحْثِ عَنْ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ، وَمَا فِيهَا مِنَ النُّصُوصِ وَالْأَدِلَّةِ وَالشُّبُهَاتِ مِنْ جَانِبَيِ الْمُثْبِتَةِ وَالنُّفَاةِ لِلصِّفَاتِ (4) ، وَصَنَّفَ (5) النَّاسُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ.
وَأَحْمَدُ (6) وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ (7) السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مَا زَالُوا يَعْرِفُونَ فَسَادَ
(1) ن، م:. . دَاوُدَ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ بْنِ جَرِيرِ بْنِ مَالِكٍ الْإِيَادِيِّ الْقَاضِي، وُلِدَ سَنَةَ 160 وَقَدِمَ بِهِ أَبُوهُ وَهُوَ حَدَثٌ مِنْ بَلْدَتِهِمْ قِنَّسْرِينَ إِلَى دِمَشْقَ فَطَلَبَ الْعِلْمَ وَصَحِبَ هَيَّاجِ بْنِ الْعَلَاءِ السُّلَمِيِّ مِنْ أَصْحَابِ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ فَصَارَ إِلَى الِاعْتِزَالِ. اتَّصَلَ بِالْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ وَالْوَاثِقِ وَكَانَ مُقَرَّبًا عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى امْتِحَانِ النَّاسِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَتُوُفِّيَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ سَنَةَ 240 بِبَغْدَادَ مَفْلُوجًا. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 1/63 - 75 ; تَارِيخِ بَغْدَادَ 4/141 - 156 ; لِسَانِ الْمِيزَانِ 1/171 ; الْمُنْيَةِ وَالْأَمَلِ لِابْنِ الْمُرْتَضَى، ص [0 - 9] 8 - 36 ; الْأَعْلَامِ 1/120.
(2)
ن، م: بِأَنَّكَ إِنْ لَمْ تَضْرِبْهُ انْكَسَرَ.
(3)
انْظُرْ خَبَرَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَعَ الْمُعْتَصِمِ فِي " مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ " لِابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْبَابُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ " ص 397 - 420، وَفِيهِ (ص 405 - 406) أَنَّ الْمُعْتَصِمَ رَقَّ فِي أَمْرِ أَحْمَدَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: إِنْ تَرَكْتَهُ قِيلَ إِنَّكَ تَرَكْتَ مَذْهَبَ الْمَأْمُونِ وَسَخِطْتَ قَوْلَهُ، فَهَاجَهُ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبِهِ.
(4)
لِلصِّفَاتِ: زِيَادَةٌ فِي (م) . وَفِي (ن) : الْمُثْبِتَةِ وَالصِّفَاتِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(5)
ب، أ: وَصَنَّفَتِ.
(6)
ع: وَأَحْمَدُ رضي الله عنه.
(7)
أَهْلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) ، (م) .
مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَلَكِنْ بِسَبَبِ الْمِحْنَةِ كَثُرَ الْكَلَامُ، وَرَفَعَ اللَّهُ قَدْرَ هَذَا الْإِمَامِ، فَصَارَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ (1) ، وَعَلَمًا مِنْ أَعْلَامِهَا، [لِقِيَامِهِ بِإِعْلَامِهَا](2) وَإِظْهَارِهَا، وَاطِّلَاعِهِ عَلَى نُصُوصِهَا وَآثَارِهَا، وَبَيَانِهِ لِخَفِيِّ أَسْرَارِهَا (3) ، لَا لِأَنَّهُ أَحْدَثَ مَقَالَةً أَوِ ابْتَدَعَ رَأْيًا (4) .
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَغْرِبِ (5) : الْمَذْهَبُ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَالظُّهُورُ لِأَحْمَدَ ; يَعْنِي أَنَّ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُصُولِ (6) مَذْهَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ فَتَخْصِيصُ (7) الْكَلَامِ مِنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ فِي مَسَائِلِ الْإِمَامَةِ وَالِاعْتِزَالِ، كَتَخْصِيصِهِ (8) بِالْكَلَامِ مَعَهُ فِي مَسَائِلِ الْخَوَارِجِ الْحَرُورِيَّةِ، بَلْ فِي نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم وَالرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَالْخِطَابُ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ فِيمَا أَخْبَرَ [بِهِ](9) ، وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ [بِهِ](10) ، قَدْ شَمِلَ جَمِيعَ الْعِبَادِ، وَوَجَبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَأَسْعَدُهُمْ أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ وَأَتْبَعُهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ (11) ، وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ فِي الْحَنْبَلِيَّةِ - أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ طَوَائِفِ
(1) ب (فَقَطْ) : مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السَّلَفِ.
(2)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(3)
ب، أ: وَبَيَانِ خَفِيِّ أَسْرَارِهَا ; ن، م: وَبَيَانِ حُسْنِ أَسْرَارِهَا.
(4)
ب، أ: لَا أَنَّهُ أَحْدَثَ مَقَالَةً وَلَا ابْتَدَعَ رَأْيًا ; ن، م: لَا لِأَنَّهُ أَحْدَثَ مَقَالَةً وَلَا ابْتَدَعَ رَأْيًا.
(5)
ب، أ: الْغَرْبِ.
(6)
عَلَّقَ مُسْتَجِي زَادَهْ فِي هَامِشِ (ع) بِقَوْلِهِ: " يَعْنِي فِي الْأُصُولِ الدِّينِيَّةِ وَالِاعْتِقَادَاتِ ".
(7)
ب، أ: فَتَخْصِيصُهُ ; ن: فَتَخَصُّصُ.
(8)
ن: الْمُتَخَصِّصَةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(9)
بِهِ: فِي (ع) فَقَطْ.
(10)
بِهِ: فِي (ع) فَقَطْ.
(11)
ب، أ: عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فَاسْقُهُمْ وَأَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
أَهْلِ السُّنَّةِ - مَنْ قَالَ أَقْوَالًا بَاطِلَةً، لَمْ يَبْطُلْ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ، بَلْ يُرَدُّ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْبَاطِلَ، وَتُنْصَرُ السُّنَّةُ بِالدَّلَائِلِ (1) .
وَلَكِنَّ الرَّافِضِيَّ أَخَذَ يَنْكُتُ (2) عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ بِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يُجَرِّحُهَا بِهِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، ظَانًّا أَنَّ طَائِفَتَهُ هِيَ السَّلِيمَةُ مِنَ الْجَرْحِ (3) .
وَقَدِ اتَّفَقَ عُقَلَاءُ (4) الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي [طَائِفَةٍ مِنْ](5) طَوَائِفِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَكْثَرُ جَهْلًا وَضَلَالًا وَكَذِبًا وَبِدَعًا، وَأَقْرَبُ إِلَى كُلِّ شَرٍّ، وَأَبْعَدُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ مِنْ طَائِفَتِهِ. وَلِهَذَا لَمَّا صَنَّفَ الْأَشْعَرِيُّ كِتَابَهُ فِي " الْمَقَالَاتِ " ذَكَرَ أَوَّلًا مَقَالَتَهُمْ، وَخَتَمَ بِمَقَالَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ بِكُلِّ مَا ذَكَرَ مِنْ أَقْوَالِ (6) أَهْلِ السُّنَّةِ [وَالْحَدِيثِ](7) يَقُولُ، وَإِلَيْهِ يَذْهَبُ (8) .
وَتَسْمِيَةُ هَذَا الرَّافِضِيِّ - وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ مُعَطِّلَةِ الصِّفَاتِ - لِأَهْلِ الْإِثْبَاتِ مُشَبِّهَةً كَتَسْمِيَتِهِمْ لِمَنْ أَثْبَتَ خِلَافَةَ [الْخُلَفَاءِ](9) الثَّلَاثَةَ نَاصِبِيًّا (10) بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا (11) أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِعَلِيٍّ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ
(1) ن، م: بِالدَّلِيلِ.
(2)
ن، م: يُنْكِرُ.
(3)
ن، م: مِنَ الْجُرُوحِ.
(4)
ن: عُلَمَاءُ.
(5)
طَائِفَةٍ مِنْ: فِي (ع) فَقَطْ.
(6)
ن: مِنْ قَوْلِ ; م: مِنْ أُصُولِ.
(7)
وَالْحَدِيثِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8)
انْظُرِ الْمَقَالَاتِ 1/65 وَمَا بَعْدَهَا، 320 - 225.
(9)
الْخُلَفَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(10)
انْظُرْ مَا سَبَقَ فِي شَرْحِ مَعْنَى كَلِمَةِ " نَاصِبِيَّةٍ " 2/53 (ت 1) .
(11)
ب، أ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا. . . إِلَخْ.
هَؤُلَاءِ، جَعَلُوا كُلَّ مَنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ هَؤُلَاءِ نَاصِبِيًّا، كَمَا أَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ الْقَدَمَيْنِ (1) مُتَمَاثِلَانِ، أَوْ أَنَّ الْجِسْمَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالُوا: إِنَّ مُثْبِتَةَ الصِّفَاتِ مُشَبِّهَةٌ.
فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ هَذَا (2) : إِنْ كَانَ مُرَادُكَ بِالنَّصْبِ وَالتَّشْبِيهِ بُغْضَ عَلِيٍّ وَأَهْلِ الْبَيْتِ، وَجَعْلَ صِفَاتِ الرَّبِّ مِثْلَ صِفَاتِ الْعَبْدِ (3) ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَيْسُوا نَاصِبِيَّةً وَلَا مُشَبِّهَةً.
وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ (4) بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يُوَالُونَ الْخُلَفَاءَ (5) ، وَيُثْبِتُونَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَسَمِّ هَذَا بِمَا شِئْتَ، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.
وَالْمَدْحُ وَالذَّمُّ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَسْمَاءِ إِذَا كَانَ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، كَلَفْظِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ. ثُمَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَمْدَحَ أَوْ يَذُمَّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ دُخُولَ الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ فِي تِلْكَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا الْمَدْحَ وَالذَّمَّ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الِاسْمُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ وَدُخُولُ الدَّاخِلِ فِيهِ مِمَّا يُنَازَعُ فِيهِ الْمَدْخَلُ، بَطَلَتْ كُلٌّ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَكَانَ (6) هَذَا الْكَلَامُ مِمَّا لَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
(1) ب، أ، ن، م: الْقَدِيمَيْنِ.
(2)
ب: ذَلِكَ، وَسَقَطَتْ " هَذَا " مِنْ (أ) .
(3)
ب، أ، ن، م: صِفَاتِ الْعَبْدِ مِثْلَ صِفَاتِ الرَّبِّ.
(4)
ن، م: وَإِنْ أَنْتَ تُرِيدُ. .
(5)
ن، م: الْخُلَفَاءَ الثَّلَاثَةَ.
(6)
ب، أ، ن، م: فَكَانَ.
وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ " نَاصِبِيَّةٍ "(1) وَلَا " مُشَبِّهَةٍ " وَلَا " حَشْوِيَّةٍ " وَلَا فِيهِ أَيْضًا لَفْظُ " رَافِضَةٍ ". وَنَحْنُ إِذَا قُلْنَا " رَافِضَةً " نَذْكُرُهُ لِلتَّعْرِيفِ، لِأَنَّ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمَ يَدْخُلُ فِيهِ أَنْوَاعٌ مَذْمُومَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَكْذِيبِ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ، وَمُعَادَاةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ - بَلْ خِيَارِ أَوْلِيَائِهِ - وَمُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ، كَمَا تُبَيِّنُ وُجُوهُ الذَّمِّ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّهُمْ مَعْنًى مَذْمُومٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِحَالٍ كَمَا يَعُمُّ الرَّافِضَةَ. نَعَمْ يُوجَدُ فِي بَعْضِهِمْ مَا هُوَ مَذْمُومٌ، وَلَكِنْ هَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَمُّهُمْ، كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مَذْمُومٌ لِذَنْبٍ رَكِبَهُ، لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ (2) ذَمُّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ الْقَائِمِينَ (3) بِوَاجِبَاتِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ (4) أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ جِسْمٌ أَوْ لَيْسَ بِجِسْمٍ، فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ أَهْلُ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّاسَ فَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، وَوَقْفٍ، وَتَفْصِيلٍ (5) ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ.
وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ أَبُو عِيسَى بُرْغُوثٌ لِأَحْمَدَ هَذَا فِي مُنَاظَرَتِهِ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قُلْتَ إِنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جِسْمًا ; لِأَنَّ
(1) ب، أ: نَاصِبَةٍ.
(2)
ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .
(3)
ب، أ: الْقَائِلِينَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4)
ب، أ: الثَّالِثُ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَبَدَأَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، ص 594.
(5)
ن: وَتَفْضِيلٍ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
الْقُرْآنَ صِفَةٌ وَعَرَضٌ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِفِعْلٍ، وَالصِّفَاتُ وَالْأَعْرَاضُ وَالْأَفْعَالُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْأَجْسَامِ، أَجَابَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُدْرَى مَقْصُودُ صَاحِبِهِ بِهِ، فَلَا نُطْلِقُهُ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. أَمَّا (1) مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَلِأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (2) وَسَلَفَ الْأُمَّةِ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِذَلِكَ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، فَلَا قَالُوا (3) : هُوَ جِسْمٌ، وَلَا قَالُوا:[هُوَ](4) لَيْسَ بِجِسْمٍ.
وَلَمَّا سَلَكَ مَنْ سَلَكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَدَخَلُوا فِي هَذَا الْكَلَامِ، ذَمَّ السَّلَفُ (5) الْكَلَامَ وَأَهْلَهُ، حَتَّى قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَنْ طَلَبَ الدِّينِ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ (6)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَيُقَالُ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ (7)، وَقَالَ: لَقَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى شَيْءٍ مَا ظَنَنْتُ مُسْلِمًا يَقُولُهُ،
(1) ب، أ: إِلَّا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2)
ب، أ: فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ.
(3)
ب: فَمَا قَالُوا ; أ: فَلَمَّا قَالُوا ; ن، م: وَلَا قَالُوا.
(4)
هُوَ: سَاقِطَةٌ مَنَّ (ن) ، (م) .
(5)
السَّلَفُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .
(6)
وَرَدَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ بِنَصِّهَا هَذَا فِي كِتَابِ " ذَمِّ الْكَلَامِ " لِلْهَرَوِيِّ الْأَنْصَارِيِّ وَنَقَلَهَا عَنْهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ " صَوْنِ الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ عَنْ فَنِّ الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ "، ص 60، وَسَبَقَ وُرُودُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنْ قَبْلُ 2/142. وَلَكِنْ جَاءَ فِيهَا: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ، وَانْظُرْ (ت 2) .
(7)
سَبَقَ وُرُودُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ 2/142 وَذُكِرَتْ فِي (ت 3) مَكَانِهَا فِي الْمَرْجِعِ السَّابِقِ. وَوَرَدَتْ فِيهِ أَيْضًا، ص 35. وَهِيَ وَارِدَةٌ كَذَلِكَ فِي " تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ " لِابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص 82 - 83.
وَلَأَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (1) مَا خَلَا الشِّرْكَ بِاللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلَامِ (2) . وَقَدْ صُنِّفَتْ (3) فِي ذَمِّهِمْ مُصَنَّفَاتٌ مِثْلُ كِتَابِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ (4) ، وَكِتَابِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيِّ (5) وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُجْمَلٌ يُدْخِلُ فِيهِ نَافِيهِ (6) مَعَانِيَ يَجِبُ إِثْبَاتُهَا لِلَّهِ، وَيُدْخِلُ فِيهِ مُثْبِتُهُ (7) مَا يُنَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يُدْرَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ [بِهِ لَمْ يُنْفَ وَلَمْ يُثْبَتْ، وَإِذَا فُسِّرَ](8) مُرَادُهُ قُبِلَ الْحَقُّ وَعُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَرُدَّ الْبَاطِلُ، وَإِنْ تَكَلُّمَ بِلَفْظٍ لَمْ يَرِدْ عَنِ الشَّارِعِ
(1) م: وَلَأَنْ يَبْتَلِي اللَّهُ الْعَبْدَ بِكُلِّ مَا نَهَاهُ عَنْهُ.
(2)
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ " جَامِعِ بَيَانِ الْعَلَمِ وَفَضْلِهِ "، 2/95:" وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَوْمَ نَاظَرَهُ حَفْصٌ الْفَرْدُ قَالَ لِي: يَا أَبَا مُوسَى لَأَنْ يَلْقَى اللَّهُ عز وجل الْعَبْدَ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ، لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ حَفْصٍ كَلَامًا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَحْكِيَهُ ". وَنَقَلَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ عَنْهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْمَرْجِعِ السَّابِقِ، ص [0 - 9]36. كَمَا نَقَلَ بَعْضَ هَذَا الْكَلَامِ (ص [0 - 9] 6) عَنِ الْأَنْصَارِيِّ الْهَرَوِيُّ فِي كِتَابِهِ " ذَمِّ الْكَلَامِ ". وَوَرَدَ جُزْءٌ مِنْ عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ، ص 82.
(3)
ب، أ، م: صُنِّفَ. وَفِي (ن) : وَهُوَ صُنِّفَ.
(4)
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 2/469 وَذَكَرَ سِزْكِينُ م [0 - 9] ، ج [0 - 9] ، ص [0 - 9] 84 مِنْ كُتُبِهِ كِتَابَ " الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ " وَقَالَ إِنَّ نُسْخَةً خَطِّيَّةً مِنْهُ فِي الظَّاهِرِيَّةِ بِدِمَشْقَ.
(5)
هُوَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَرَوِيُّ الْأَنْصَارِيُّ. وَسَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 1/435. وَالْكِتَابُ الَّذِي يَقْصِدُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُنَا كِتَابُ " ذَمِّ الْكَلَامِ وَأَهْلِهِ " وَقَدْ لَخَّصَهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِ " صَوْنِ الْمَنْطِقِ. . . ص [0 - 9] 3 - 81 ". وَمِنْهُ نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ فِي مَكْتَبَةِ الظَّاهِرِيَّةِ رَقْمَ 337 حَدِيثٌ وَصُوِّرَتِ الْمَخْطُوطَةُ فِي مَعْهَدِ الْمَخْطُوطَاتِ بِالْجَامِعَةِ الْعَرَبِيَّةِ (رَقْمِ 97 تَوْحِيدٌ) .
(6)
ب، أ، ن، م: مَا فِيهِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(7)
ب، أ: مُثْبِتَتُهُ.
(8)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، وَسَقَطَتْ وَلَمْ يَنْفِ مِنْ (م) .
لِلْحَاجَةِ إِلَى إِفْهَامِ الْمُخَاطَبِ بِلُغَتِهِ مَعَ ظُهُورِ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ [بَأْسٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ](1) تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لِلْحَاجَةِ إِلَى الْإِفْهَامِ، وَكَثِيرٌ مِمَّنْ قَدْ تَعَوَّدَ عِبَارَةً مُعَيَّنَةً إِنْ لَمْ يُخَاطَبْ بِهَا لَمْ يَفْهَمْ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ (2) صِحَّةُ الْقَوْلِ وَفَسَادُهُ، وَرُبَّمَا نَسَبَ الْمُخَاطِبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ مَا يَقُولُ.
وَأَكْثَرُ الْخَائِضِينَ فِي الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ: تَرَى أَحَدَهُمْ يَذْكُرُ لَهُ (3) الْمَعَانِيَ الصَّحِيحَةَ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يَقْبَلُونَهَا لِظَنِّهِمْ أَنَّ فِي عِبَارَتِهِمْ مِنَ الْمَعَانِي مَا لَيْسَ فِي تِلْكَ، فَإِذَا أَخَذَ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَصِيغَ (4) بِلُغَتِهِمْ، وَبُيِّنَ بِهِ (5) بُطْلَانُ قَوْلِهِمُ الْمُنَاقِضِ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، خَضَعُوا لِذَلِكَ (6) وَأَذْعَنُوا لَهُ، كَالتُّرْكِيِّ وَالْبَرْبَرِيِّ [وَالرُّومِيِّ](7) وَالْفَارِسِيِّ الَّذِي يُخَاطِبُهُ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَيُفَسِّرُهُ فَلَا يَفْهَمُهُ حَتَّى يُتَرْجِمَ لَهُ شَيْئًا بِلُغَتِهِ (8) فَيَعْظُمَ سُرُورُهُ وَفَرَحُهُ، وَيَقْبَلَ الْحَقَّ وَيَرْجِعَ عَنْ بَاطِلِهِ، لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ أَكْمَلُ الْمَعَانِي وَأَحْسَنُهَا وَأَصَحُّهَا، لَكِنْ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى كَمَالِ الْمَعْرِفَةِ لِهَذَا وَلِهَذَا، كَالتُّرْجُمَانِ الَّذِي [يُرِيدُ أَنْ] يَكُونَ حَاذِقًا فِي فَهْمِ اللُّغَتَيْنِ (9) .
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(2)
وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ: سَقَطَتِ الْعِبَارَةُ كُلُّهَا مِنْ (ب) وَسَقَطَتْ عِبَارَةُ " وَلَمْ يَظْهَرْ " مِنْ (أ) .
(3)
لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .
(4)
ب، أ: وَسِعَ ; ن: وَضُيِّعَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَالْكَلِمَةُ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ فِي (م) .
(5)
بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .
(6)
ع: خَضَعُوا لَهُ.
(7)
وَالرُّومِيِّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8)
ب: الَّذِي تُخَاطِبُهُ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَتَفْسِيرِهِ فَلَا يَفْهَمُ حَتَّى تُتَرْجِمَ لَهُ شَيْئًا بِلُغَتِهِ ; أ: الَّذِي يُخَاطِبُهُ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَتَفْسِيرِهِ فَلَا يَفْهَمُ حَتَّى يُتَرْجِمَ لَهُ شَيْئًا بِلُغَتِهِ ; ن، م: الَّذِي يُخَاطِبُهُ بِالْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَتَفْسِيرِهِ وَلَا يَفْهَمُهُ حَتَّى يُتَرْجِمَ لَهُ شَيْئًا بِلُغَتِهِ.
(9)
ن، م: الَّذِي يَكُونُ حَاذِقًا فِي فَهْمِ اللُّغَتَيْنِ.
وَهَذَا الْإِمَامِيُّ يُنَاظِرُ فِي ذَلِكَ أَئِمَّتَهُ كَهِشَامِ [بْنِ الْحَكَمِ](1) وَأَمْثَالِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْطَعَهُمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، كَمَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْطَعَ الْخَوَارِجَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِنْ كَانَ فِي قَوْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُجَسِّمَةِ مِنَ الْفَسَادِ مَا فِيهِ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَّا أَهْلُ السُّنَّةِ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِثَالًا (2) فَنَقُولُ: أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا وَيُرَى فِي الْآخِرَةِ، [لَمْ يَتَنَازَعْ أَهْلُ السُّنَّةِ إِلَّا فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مَعَ أَنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ بِعَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا مُطْلَقًا](3) ] ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ (4) يُرَى فِي الدُّنْيَا، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَرُدُّونَ عَلَى هَذَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِثْلُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ مُوسَى [عليه السلام](5) مُنِعَ مِنْهَا، فَمَنْ هُوَ دُونَهُ أَوْلَى، وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:" «وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» "[رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَرُوِيَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ](6)، وَبِطُرُقٍ عَقْلِيَّةٍ: كَبَيَانِهِمْ عَجْزَ الْأَبْصَارِ فِي الدُّنْيَا عَنِ الرُّؤْيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(1) ابْنِ الْحَكَمِ: فِي (ع) فَقَطْ.
(2)
عِبَارَةُ " نَذْكُرُ مِثَالًا ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .
(3)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4)
ب، أ: إِنَّهُ.
(5)
عليه السلام: فِي (ع) فَقَطْ.
(6)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) . وَكَلِمَةُ " مُتَعَدِّدَةٍ ": فِي (ع) فَقَطْ. وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَنِ الْحَدِيثِ 2/520. وَقَدْ وَجَدْتُهُ مَرْوِيًّا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الْمُسْنَدِ 5/324. وَنَصُّهُ: " حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، قَالَا: ثَنَا بَقِيَّةُ. . عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قَالَ: إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لَا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلَا حَجْرَاءَ، فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ - قَالَ يَزِيدُ: رَبُّكُمْ - فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ تبارك وتعالى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَأَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ تبارك وتعالى حَتَّى تَمُوتُوا - قَالَ يَزِيدُ: تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا ". وَالْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ص 138 (ط. الْمَطْبَعَةِ السَّلَفِيَّةِ، مَكَّةَ، 1349) وَمَرْوِيٌّ فِيهِ (ص 138 - 139) عَنْ أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ " التَّوْحِيدِ " ص 121 - 122.
وَأَمَّا هَذَا وَأَمْثَالُهُ فَلَيْسَتْ لَهُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ (1) حُجَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ وَلَا شَرْعِيَّةٌ، فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ فِي نَفْيِ الرُّؤْيَةِ أَنَّهُ لَوْ رُئِيَ لَكَانَ فِي جِهَةٍ وَلَكَانَ جِسْمًا (2)، وَهَؤُلَاءِ [يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا، بَلْ] (3) يَقُولُونَ: إِنَّهُ فِي جِهَةٍ (4) وَهُوَ جِسْمٌ.
فَإِنْ أَخَذُوا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى نَفْيِ الْجِهَةِ وَنَفْيِ الْجِسْمِ، كَانَ مُنْتَهَاهُمْ مَعَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ (5)، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ. فَإِنِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ، كَانَ مُنْتَهَاهُمْ مَعَهُمْ إِلَى أَنَّ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ، وَمَا قَامَتْ بِهِ الْأَعْرَاضُ مُحْدَثٌ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، وَهُوَ قَدِيمٌ وَالْأَعْرَاضُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ تَقُومُ بِالْقَدِيمِ.
فَإِنْ قَالُوا: الْجِسْمُ لَا يَخْلُو عَنِ الْحَرَكَةِ أَوِ السُّكُونِ (6) ، وَمَا لَا يَخْلُو
(1) ن: عَلَى هَذَا.
(2)
ب، أ، ن، م: أَوْ لَكَانَ جِسْمًا.
(3)
ع (فَقَطْ) : وَلِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا، بَلْ يَقُولُونَ. . . إِلَخْ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَا أَثْبَتُّهُ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ.
(4)
ب، أ، ن، م: هُوَ فِي جِهَةٍ.
(5)
ب: إِلَى أَنَّهُ تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ ; أ: إِلَى أَنْ تَقُومَ بِهِ الصِّفَاتُ، وَهُوَ خَطَأٌ ; ن، م: إِلَى أَنَّهُ لَا تَقُومُ الصِّفَاتُ.
(6)
ب، أ، ن، م: وَالسُّكُونِ.
عَنْهُمَا فَهُوَ مُحْدَثٌ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، فَهَذَا مُنْتَهَى مَا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنَ الشِّيعَةِ.
قَالَ لَهُمْ أُولَئِكَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجِسْمَ لَا يَخْلُوَا عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ [الْوُجُودِيَّيْنِ](1) ، بَلْ يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنِ الْحَرَكَةِ، لِأَنَّ السُّكُونَ عَدَمُ الْحَرَكَةِ [مُطْلَقًا (2) ، وَعَدَمُ الْحَرَكَةِ](3) عَمَّا مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَقْبَلَهَا، فَيَجُوزُ ثُبُوتُ (4) جِسْمٍ قَدِيمٍ سَاكِنٍ لَا يَتَحَرَّكُ.
وَقَالُوا لَهُمْ (5) : لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نَفْيِ ذَلِكَ بِالْمَطَاعِنِ الْمَعْرُوفَةِ، حَتَّى حُذَّاقُ الْمُتَأَخِّرِينَ (6) كَالرَّازِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الْآمِدِيِّ وَأَبِي الثَّنَاءِ الْأُرْمَوِيِّ (7) وَغَيْرِهِمْ طَعَنُوا فِي ذَلِكَ (* كُلِّهِ، وَطَعَنَ الرَّازِيُّ فِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ وَإِنْ كَانَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ *)(8) فِي
(1) الْوُجُودِيَّيْنِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2)
ب، أ: عَدَمُ الْحَرَكَةِ إِمَّا مُطْلَقًا.
(3)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4)
ن، م: إِثْبَاتُ.
(5)
ب، أ، ن، م: أَوْ قَالُوا لَهُمْ.
(6)
ب، أ: الْمُسْلِمِينَ.
(7)
أَبُو الثَّنَاءِ سِرَاجُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدُ الْأُرْمَوِيُّ، صَاحِبُ التَّحْصِيلِ مُخْتَصَرِ الْمَحْصُولِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَاللُّبَابِ مُخْتَصَرِ الْأَرْبَعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْبَيَانِ وَالْمَطَالِعِ فِي الْمَنْطِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ شَرَحَ الْوَجِيزَ فِي الْفِقْهِ لِلرَّافِعِيِّ، كَانَ الْأُرْمَوِيُّ شَافِعِيًّا قَرَأَ بِالْمَوْصِلِ عَلَى كَمَالِ الدِّينِ بْنِ يُونُسَ، وَوُلِدَ الْأُرْمَوِيُّ سَنَةَ 594 وَتُوُفِّيَ بِمَدِينَةِ قُونِيَةَ سَنَةَ 682. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ 8/371 ; مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ وَمِصْبَاحِ السِّيَادَةِ لِطَاشْ كُبْرَى زَادَهْ 1/245، ط. حَيْدَرَ آبَادَ ; الْأَعْلَامِ 8/41 - 42. وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ 1/323 أَنَّ الْأُرْمَوِيَّ صَاحِبَ " لُبَابِ الْأَرْبَعِينَ " قَدِ اعْتَرَضَ عَلَى إِنْكَارِ الرَّازِيِّ لِلْقَوْلِ بِحَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. وَمِنْ كِتَابِ " لُبَابِ الْأَرْبَعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ " تُوجَدُ مُصَوَّرَةٌ فِي مَعْهَدِ الْمَخْطُوطَاتِ بِالْجَامِعَةِ الْعَرَبِيَّةِ، رَقْمِ 201 تَوْحِيدٌ.
(8)
مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) .
مَوَاضِعَ (1) . وَالْآمِدِيُّ طَعَنَ (2) فِي طُرُقِ النَّاسِ إِلَّا طَرِيقَةً ارْتَضَاهَا (3) ، وَهِيَ (4) أَضْعَفُ مِنْ غَيْرِهَا طَعَنَ فِيهَا غَيْرُهُ.
فَهَذَانِ مَقَامَانِ مِنَ الْمَقَامَاتِ الْعَقْلِيَّةِ لَا يَقْدِرُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَغْلِبُوا فِيهَا شُيُوخَهُمُ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِذَا كَانُوا لَا يَنْفُونَ (5) رُؤْيَتَهُ فِي الدُّنْيَا (6) إِلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ إِلَّا عَلَى مَنْ يَقُولُ (7) : إِنَّهُ يُرَى وَيُصَافَحُ وَأَمْثَالَ
(1) سَبَقَ أَنْ تَعَرَّضَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِالتَّفْصِيلِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ (انْظُرْ ص 150 وَمَا بَعْدَهَا) لِلْكَلَامِ عَنْ إِمْكَانِ الْقَوْلِ بِحَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، وَذَكَرَ (ص 178) أَنَّ الْقَوْلَ بِدَوَامِ الْحَوَادِثِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ هُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ. كَمَا تَعَرَّضَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِهَذِهِ الْمُشْكِلَةِ فِي كِتَابِهِ " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " 1/321 وَمَا بَعْدَهَا، وَذَكَرَ فِيهِ تَنَاقُضَ الرَّازِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كُتُبِهِ الْمُخْتَلِفَةِ مِثْلِ " الْأَرْبَعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ " وَ " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ "، وَقَالَ (1/379) إِنَّ الْأُرْمَوِيَّ اسْتَفَادَ مُعَارَضَتَهُ لِلرَّازِيِّ مِنْ كَلَامِ الرَّازِيِّ نَفْسِهِ فِي " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ ".
(2)
عِبَارَةُ " وَالْآمِدِيُّ طَعَنَ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3)
ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ مُحَمَّد خَلِيل هَرَّاس فِي كِتَابِهِ " ابْنُ تَيْمِيَّةَ السَّلَفِيُّ "، ص 141 (ط. طَنْطَا 1372/1952) أَنَّ الْآمِدِيَّ فِي كِتَابِهِ " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ " 1/476، (مَخْطُوطٌ بِدَارِ الْكُتُبِ رَقْمَ 1954 كَلَامٌ) :" عَارَضَ الرَّازِيَّ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ لُزُومِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِجَمِيعِ الطَّوَائِفِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَادِثِ الَّذِي يَقْصِدُ نَفْيَ قِيَامِهِ بِذَاتِهِ تَعَالَى هُوَ الْمَوْجُودُ بَعْدَ عَدَمٍ، وَأَمَّا مَا لَا يُوصَفُ بِالْوُجُودِ كَالْأَعْدَامِ الْمُتَجَدِّدَةِ وَالْأَحْوَالِ - عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا - وَكَذَلِكَ النَّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ فَهَذِهِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْحَادِثِ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُتَجَدِّدِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَجَدُّدِ الْإِضَافَاتِ وَالْأَحْوَالِ فِي ذَاتِ الْبَارِي أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ ". وَأَشَارَ الْأُسْتَاذُ هَرَّاسٌ إِلَى أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَدَّ عَلَى كَلَامِ الْآمِدِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُوَافَقَةِ "(عَلَى هَامِشِ مِنْهَاجِ السُّنَّةِ 2/119 - 122) . انْظُرْ دَرْءَ. . 2/232 - 251.
(4)
ب، أ: هِيَ.
(5)
ن، م: لَا يَقَدِرُونَ يَنْفُونَ.
(6)
ب، أ: فِي الصِّفَاتِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(7)
ن، م: حُجَّةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ.
ذَلِكَ مِنَ الْمَقَالَاتِ مَعَ أَنَّ هَذَا [مِنْ](1) أَشْنَعِ الْمَقَالَاتِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ (2) قَائِلٌ [مَعْدُودٌ](3) مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ.
وَبَيَانُ هَذَا: بِالْوَجْهِ الْخَامِسِ (4)[وَهُوَ](5) أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ حَكَاهَا النَّاسُ عَنْ شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ أَكْثَرُهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ غُلَاةِ النُّسَّاكِ، وَدَاوُدَ الْجَوَارِبِيِّ (6) . (* قَالَ الْأَشْعَرِيُّ فِي " الْمَقَالَاتِ " (7) : وَقَالَ دَاوُدُ الْجَوَارِبِيُّ (8) *) (9) وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، وَأَنَّهُ جُثَّةٌ وَأَعْضَاءٌ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ (10) : لَحْمٌ (11) وَدَمٌ وَشَعْرٌ وَعَظْمٌ، لَهُ
(1) مِنْ: فِي (ع) فَقَطْ.
(2)
ن، م: لَهَا.
(3)
مَعْدُودٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(4)
ب، أ، ن، م: الرَّابِعُ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَبَدَأَ الْكَلَامَ عَنِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ ص 612.
(5)
وَهُوَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(6)
ب، أ: وَدَاوُدَ الْجَوَاهِرِيِّ ; ن: وَدَاوُدَ الْحِوَارِيِّ ; م: وَدَاوُدَ الْحَوَارِبِيِّ. وَكَذَا فِي هَذِهِ النُّسَخِ فِيمَا بَعْدُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ (لِسَانَ الْمِيزَانِ 2/427) : " رَأْسٌ فِي الرَّافِضَةِ وَالتَّجْسِيمِ مِنْ مَرَامِي جَهْمٍ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَوْفٍ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ: الْحَوَارِبِيُّ وَالْمَرِيسِيُّ كَافِرَانِ ". وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ دَاوُدَ لَا تُعْلَمُ لَهُ رِوَايَةٌ لِحَدِيثٍ. وَنَقَلَ الشَّيْخُ مُحَمَّد مُحْيِي الدِّينِ عَبْد الْحَمِيد فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمَقَالَاتِ 1/258 عَنِ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْأَنْسَابِ " أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ الْجَوَالِيقِيِّ مَا نَصُّهُ: " وَعَنْهُ أَخَذَ دَاوُدُ الْجَوَارِبِيُّ قَوْلَهُ إِنَّ مَعْبُودَهُ لَهُ جَمِيعُ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ إِلَى الْفَرْجِ وَاللِّحْيَةِ " وَنَقَلَ نَفْسَ الْعِبَارَةِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي اللُّبَابِ 2/291. وَانْظُرْ عَنْ دَاوُدَ الْجَوَارِبِيِّ وَمَذْهَبِهِ فِي التَّجْسِيمِ: الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/167 ; الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص 140 ; التَّبْصِيرَ فِي الدِّينِ، ص 71 ; الِانْتِصَارَ لِلْخَيَّاطِ، ص 54 ; تَلْبِيسَ إِبْلِيسَ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص 87 ; أُصُولَ الدِّينِ لِابْنِ طَاهِرٍ، ص 74.
(7)
فِي " الْمَقَالَاتِ " 1/258 - 259، وَسَنُقَابِلُ كَلَامَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ عَلَيْهِ.
(8)
ن: الْحِوَارِيُّ، م: الْحَوَارِبِيُّ.
(9)
مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(10)
وَرَدَ نَصٌّ آخَرُ مُشَابِهٌ فِي الْمَقَالَاتِ 1/214 فِيهِ: " أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ وَإِنَّ لَهُ جَمَّةً وَأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ ".
(11)
ب (فَقَطْ) : لَهُ لَحْمٌ.
جَوَارِحُ (1) وَأَعْضَاءٌ مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ (2) وَلِسَانٍ (3) وَرَأْسٍ وَعَيْنَيْنِ (4) وَهُوَ مَعَ هَذَا (5) لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ وَلَا يُشْبِهُهُ غَيْرُهُ (6) . وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ الْجَوَارِبِيِّ (7) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ (8) أَجْوَفُ مِنْ فِيهِ إِلَى صَدْرِهِ وَمُصْمَتٌ مَا سِوَى ذَلِكَ ".
" وَقَالَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ الْجَوَالِيقِيُّ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى صُورَةِ [الْإِنْسَانِ] (9) ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَحْمًا وَدَمًا، وَإِنَّهُ نُورٌ سَاطِعٌ يَتَلَأْلَأُ بَيَاضًا (10) ، وَإِنَّهُ ذُو حَوَاسَّ خَمْسٍ كَحَوَاسِّ الْإِنْسَانِ: سَمْعُهُ غَيْرُ بَصَرِهِ (11) ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ حَوَاسِّهِ: لَهُ يَدٌ وَرِجْلٌ [وَأُذُنٌ] (12) وَعَيْنٌ وَأَنْفٌ وَفَمٌ، وَإِنَّ لَهُ وَفْرَةً سَوْدَاءَ ".
قُلْتُ: أَمَّا دَاوُدُ الْجَوَارِبِيُّ فَقَدْ عُرِفَ عَنْهُ الْقَوْلُ الْمُنْكَرُ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ. وَأَمَّا مُقَاتِلٌ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ حَالِهِ. وَالْأَشْعَرِيُّ يَنْقُلُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ مِنْ كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَفِيهِمُ انْحِرَافٌ عَلَى (13) مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ،
(1) ب، ن، م: وَلَهُ جَوَارِحُ.
(2)
وَرِجْلٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(3)
ن، م: وَأَسْنَانٍ.
(4)
ع، ن، م: وَعَيْنٍ.
(5)
ب، أ: وَمَعَ هَذَا.
(6)
عِبَارَةُ " وَلَا يُشْبِهُهُ غَيْرُهُ " سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ. وَفِي " الْمَقَالَاتِ " 1/259: وَلَا يُشْبِهُهُ.
(7)
ب، أ: دَاوُدَ الْجَوَاهِرِيِّ ; ن: دَاوُدَ الْحِوَارِيِّ ; ع: دَاوُدَ ; م: الْحَوَارِبِيِّ.
(8)
إِنَّهُ: لَيْسَتْ فِي " الْمَقَالَاتِ ".
(9)
الْإِنْسَانِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(10)
بَيَاضًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) .
(11)
ب، أ: سَمْعُهُ غَيْرُهُ وَبَصَرُهُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(12)
وَأُذُنٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .
(13)
ب، أ، ن، م: عَنْ.
فَلَعَلَّهُمْ زَادُوا فِي النَّقْلِ عَنْهُ، أَوْ نَقْلُوا عَنْهُ، أَوْ نَقَلُوا عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، وَإِلَّا فَمَا أَظُنُّهُ يَصِلُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ (1) . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ أَرَادَ التَّفْسِيرَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مُقَاتِلٍ، وَمَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ (2) .
وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْحَدِيثِ - بِخِلَافِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ (3) فَإِنَّهُ ثِقَةٌ - لَكِنْ لَا رَيْبَ (4) فِي عِلْمِهِ بِالتَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ وَاطِّلَاعِهِ (5) ، كَمَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ خَالَفُوهُ فِي أَشْيَاءَ
(1) عَلَّقَ مُسْتَجِي زَادَهْ فِي هَامِشِ (ع) بِقَوْلِهِ: " قُلْتُ: لَكِنَّ الْخَطِيبَ الْبَغْدَادِيَّ ذَكَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ: هَذَانِ رَجُلَانِ خَبِيثَانِ: أَعْنِي جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ وَمُقَاتِلَ بْنَ سُلَيْمَانَ، أَفْرَطَ جَهْمٌ فِي التَّنْزِيهِ فَجَعَلَهُ تَعَالَى لَا مِنْ قَبِيلِ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي فَوَقَعَ فِي التَّعْطِيلِ، وَأَفْرَطَ مُقَاتِلٌ فِي التَّشْبِيهِ حَتَّى جَعَلَ لَهُ تَعَالَى لَحْمًا وَدَمًا وَشَعْرًا وَعَظْمًا، انْتَهَى. فَالَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي شَأْنِ مُقَاتِلٍ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ رضي الله عنه فِي شَأْنِ مُقَاتِلٍ ".
(2)
فِي وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 4/341 فِي تَرْجَمَةِ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ: " حُكِيَ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ: عَلَى مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فِي التَّفْسِيرِ، وَعَلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى فِي الشِّعْرِ، وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْكَلَامِ ".
(3)
ب، أ: مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَهُوَ عَالِمُ خُرَاسَانَ الْحَافِظُ أَبُو بِسِطَامٍ - وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَبُو مَعَانٍ - مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ الْبَلْخِيُّ الْخَزَّازُ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: " كَانَ إِمَامًا صَادِقًا نَاسِكًا خَيِّرًا كَبِيرَ الْقَدْرِ صَاحِبَ سُنَّةٍ وَاتِّبَاعٍ، هَرَبَ فِي أَيَّامِ خُرُوجِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ إِلَى كَابُلَ وَدَعَا خَلْقًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا. وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ". وَانْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ 1/174 ; طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ 7/374 ; تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ لِلنَّوَوِيِّ، ق [0 - 9] ، ج [0 - 9] ، ص [0 - 9] 10 - 111 ; الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، ج [0 - 9] ، ق [0 - 9] ، ص [0 - 9] 53 - 354.
(4)
ن، م: ثِقَةٌ، وَلَا رَيْبَ.
(5)
أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ، الْأَزْدِيُّ بِالْوَلَاءِ، الْبَلْخِيُّ، الْخُرَاسَانِيُّ، الْمَرْوَزِيُّ. أَصْلُهُ مِنْ بَلْخٍ، وَانْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا. ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ ابْنِ حَيَّانَ (تَذْكِرَةَ الْحُفَّاظِ 1/174) فَقَالَ:" فَأَمَّا مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُفَسِّرُ فَكَانَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ لُطِّخَ بِالتَّجْسِيمِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ بَحْرًا مِنَ التَّفْسِيرِ ". وَقَدْ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ 150. وَانْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، ج [0 - 9] ، ق [0 - 9] ، ص [0 - 9] 54 - 355 ; تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ، ق [0 - 9] ، ج [0 - 9] ، ص [0 - 9] 11، طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ 7/373 ; تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 10/279 - 285 ; مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 3/196 - 197 ; تَارِيخِ بَغْدَادَ 13/160 - 169 ; وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 4/341 - 343 ; الْفِهْرِسْتِ لِابْنِ النَّدِيمِ، ص [0 - 9] 79 (ذَكَرَهُ ضِمْنَ الزَّيْدِيَّةِ فَقَالَ: مِنَ الزَّيْدِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْقُرَّاءِ) ; الْأَعْلَامِ 8 (وَنُقِلَ عَنْ مَخْطُوطَةِ " قَبُولِ الْأَخْبَارِ " لِلْبَلْخِيِّ عَنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُذِبَ عَلَى مُقَاتِلٍ فِي التَّفْسِيرِ) ; سِزْكِينَ م [0 - 9] ج [0 - 9] ، ص [0 - 9] 5 - 87. وَأَمَّا عَنْ مَذْهَبِهِ فِي التَّجْسِيمِ وَالْإِرْجَاءِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ 5: " وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُرْجِئَةِ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ سَيِّئَةٌ جَلَّتْ أَوْ قَلَّتْ أَصْلًا، وَلَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ حَسَنَةٌ أَصْلًا. وَكَانَ مُقَاتِلٌ هَذَا مَعَ جَهْمٍ بِخُرَاسَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَكَانَ يُخَالِفُهُ فِي التَّجْسِيمِ. . وَكَانَ مُقَاتِلٌ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ وَلَحْمٌ وَدَمٌ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ. وَانْظُرْ عَنْ مَذْهَبِهِ أَيْضًا: الْمَقَالَاتِ لِلْأَشْعَرِيِّ 1/213 ; الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/167 ; الِانْتِصَارَ لِلْخَيَّاطِ، ص 54.
وَأَنْكَرُوهَا عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَرِيبُ أَحَدٌ فِي فِقْهِهِ وَفَهْمِهِ وَعِلْمِهِ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ يَقْصِدُونَ بِهَا الشَّنَاعَةَ عَلَيْهِ، وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا، مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْخِنْزِيرِ الْبَرِّيِّ وَنَحْوِهَا، وَمَا يَبْعُدُ (1) أَنْ يَكُونَ النَّقْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَهَذَا الْإِمَامِيُّ (2) نَقَلَ النَّقْلَ الْمَذْكُورَ عَنْ دَاوُدَ الطَّائِيِّ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ، أَوْ مِنْ نَقْلِهِ [هُوَ](3) عَنْهُ، فَإِنَّ دَاوُدَ الطَّائِيَّ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا زَاهِدًا عَابِدًا
(1) ب، أ، ن، م: وَمَا أَبْعَدَ.
(2)
ع: وَهَذَا الرَّافِضِيُّ.
(3)
هُوَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
فَقِيهًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَشَرِيكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى (1) وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ ثُمَّ انْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ، وَأَخْبَارُهُ وَسِيرَتُهُ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ (2) الْعُلَمَاءِ (3) ، وَلَمْ يَقُلِ الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْقَائِلُ لِذَلِكَ دَاوُدُ الْجَوَارِبِيُّ، فَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى شُيُوخِهِ الْجَوَارِبِيُّ بِالطَّائِيِّ (4) ، إِنْ لَمْ يَكُنِ (5) الْغَلَطُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي أُحْضِرَتْ [إِلَيَّ] ، وَدَاوُدُ الْجَوَارِبِيُّ أَظُنُّهُ (6)
(1) سَبَقَتْ تَرْجَمَةُ الثَّوْرِيِّ (2) وَشَرِيكِ بْنِ أَبِي لَيْلَى (2/471) . .
(2)
ب، أ: عَنْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3)
أَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ نُصَيْرٍ الطَّائِيُّ الْكُوفِيُّ الزَّاهِدُ. قَالَ الذَّهَبِيُّ (الْعِبَرَ 1/238)" كَانَ أَحَدَ مَنْ بَرَعَ فِي الْفِقْهِ ثُمَّ اعْتَزَلَ. رَوَى عَنْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ وَجَمَاعَةٍ، وَكَانَ عَدِيمَ النَّظِيرِ زُهْدًا وَصَلَاحًا ". وَرَجَّحَ الذَّهَبِيُّ أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُ سَنَةَ 162 وَأَغْلَبُ الْمَرَاجِعِ تَجْعَلُهَا 160 أَوْ 165. وَانْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ 6/367 ; تَارِيخِ بَغْدَادَ 8/347 - 355 ; حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ 7/335 - 367 ; وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 2/29 - 31 ; تَقْرِيبِ التَّهْذِيبِ لِابْنِ حَجَرٍ (ط. دَارِ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ) ص 234، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى لِلشَّعْرَانِيِّ 1/65 ; الْأَعْلَامِ 3/11.
(4)
عَلَّقَ مُسْتَجِي زَادَهْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ عَنْ دَاوُدَ الطَّائِيِّ بِقَوْلِهِ: " قُلْتُ: نُقِلَ عَنْهُ - يَعْنِي دَاوُدَ الطَّائِيِّ - أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي اجْتَهَدَ وَسَعَى فِي الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ وَمَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ مَعْذُورٌ عِنْدَ اللَّهِ يُرْجَى لَهُ الْعَفْوُ، وَهُوَ خَارِقٌ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَقَدْ مَالَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ وَالْقَاضِي بَيْضَاوِيٌّ فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي كِتَابِهِ الْمَوْسُومِ بِالطَّوَالِعِ، وَمِمَّنْ (فِي الْأَصْلِ: مَنْ) ذَهَبَ إِلَى هَذَا مِنْ قُدَمَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ قَاضِي بَصْرَةَ الْمُسَمَّى بِالْعَنْبَرِيِّ مَعَ مُخَالَفَةِ تَلَامِذَتِهِ لَهُ. وَمِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ دَاوُدُ الطَّائِيُّ أَنَّ دَلِيلَ الشَّرْعِ اثْنَانِ فَقَطِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَكَانَ يُنْكِرُ الْقِيَاسَ وَالْإِجْمَاعَ أَنْ يَكُونَا حُجَّةً شَرْعِيَّةً وَهُوَ (مُخَالِفٌ) لِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَابْنُ حَزْمٍ الْأَنْدَلُسِيِّ مِمَّنْ تَبِعَهُ فِي إِنْكَارِ الْقِيَاسِ وَالْإِجْمَاعِ. وَأَبُو حَيَّانَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ " وَ " النَّهْرِ " مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ أَيْضًا مِنْ شِيعَةِ دَاوُدَ ". وَظَاهِرٌ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ مُسْتَجِي زَادَهْ يَخْلِطُ بَيْنَ دَاوُدَ الطَّائِيِّ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ.
(5)
ن، م: أَوْ لَمْ يَكُنِ. .
(6)
أ: فِي النُّسْخَةِ الَّتِي أُحْضِرَتْ إِلَى دَاوُدَ الْحِوَارِيِّ وَأَظُنُّهُ. . . إِلَخْ ; ب: فِي النُّسْخَةِ الَّتِي أُحْضِرَتْ إِلَى دَاوُدَ الْجَوَاهِرِيِّ وَأَظُنُّهُ. . إِلَخْ ; ن: فِي النُّسْخَةِ الَّتِي أُحْضِرَتْ إِلَى دَاوُدَ الْحِوَارِيِّ وَأَظُنُّهُ. . ; م: فِي النُّسْخَةِ الَّتِي أُحْضِرَتْ إِلَى دَاوُدَ الْجَوَارِبِيِّ وَأَظُنُّهُ. . .
كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذَا، وَقِصَّتُهُ مَعْرُوفَةٌ (1) .
قَالَ الْأَشْعَرِيُّ (2) : " وَفِي الْأُمَّةِ (3) قَوْمٌ يَنْتَحِلُونَ النُّسُكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ جَائِزٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (4) الْحُلُولُ فِي الْأَجْسَامِ (5)، وَإِذَا رَأَوْا شَيْئًا يَسْتَحْسِنُونَهُ قَالُوا: لَا نَدْرِي، لَعَلَّهُ، رُبَّمَا هُوَ (6) .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ الْأَعْمَالِ (7) ، فَمَنْ كَانَ عَمَلُهُ أَحْسَنَ رَأَى مَعْبُودَهُ أَحْسَنَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمُعَانَقَةَ وَالْمُلَامَسَةَ وَالْمُجَالَسَةَ فِي الدُّنْيَا (8)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذُو أَعْضَاءٍ وَجَوَارِحَ وَأَبْعَاضٍ: لَحْمٍ وَدَمٍ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ، لَهُ مَا لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْجَوَارِحِ.
وَكَانَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأَبِي شُعَيْبٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُسَرُّ وَيَفْرَحُ بِطَاعَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَيَغْتَمُّ وَيَحْزَنُ إِذَا عَصَوْهُ.
(1) م: مَشْهُورَةٌ.
(2)
فِي الْمَقَالَاتِ 1/319، وَسَنُقَابِلُ النَّصَّ التَّالِيَ عَلَيْهِ.
(3)
ب: فِي الْإِبَانَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ ; أ: وَفِي الْآيَةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4)
الْمَقَالَاتِ: اللَّهِ سُبْحَانَهُ ; ب، أ، م: اللَّهِ ; ن: عَنِ اللَّهِ.
(5)
م: الْأَجْسَادِ.
(6)
لَعَلَّهُ رُبَّمَا هُوَ: كَذَا فِي (ع) ، (أ) ، (ن)، (م) ; وَفِي (ب) لَعَلَّهُ رَبَّنَا هُوَ ; وَفِي الْمَقَالَاتِ: لَعَلَّهُ رَبَّنَا.
(7)
ب: عَلَى حَسَبِ الْأَعْمَالِ ; أ: عَلَى الْأَعْمَالِ (بِسُقُوطِ: قَدْرِ) ; ن، م: إِنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ الْأَعْمَالِ.
(8)
فِي " الْمَقَالَاتِ " بَعْدَ كَلِمَةِ " الدُّنْيَا ": وَجَوَّزُوا مَعَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ - أَنْ نَلْمِسَهُ.
وَفِي النُّسَّاكِ قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَبْلُغُ بِهِمْ إِلَى مَنْزِلَةٍ (1) تَزُولُ عَنْهُمُ الْعِبَادَاتُ، وَتَكُونُ الْأَشْيَاءُ الْمَحْظُورَاتُ عَلَى غَيْرِهِمْ - مِنَ الزِّنَا وَغَيْرِهِ - مُبَاحَاتٍ لَهُمْ.
وَفِيهِمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَبْلُغُ بِهِمْ إِلَى أَنْ يَرَوُا اللَّهَ (2) ، وَيَأْكُلُوا (3) مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَيُعَانِقُوا (4) الْحُورَ الْعِينَ فِي الدُّنْيَا وَيُحَارِبُوا الشَّيَاطِينَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَبْلُغُ بِهِمْ [إِلَى](5) أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ".
[قُلْتُ: هَذِهِ الْمَقَالَاتُ الَّتِي (6) حَكَاهَا الْأَشْعَرِيُّ - وَذَكَرُوا أَعْظَمَ مِنْهَا - مَوْجُودَةٌ فِي النَّاسِ قَبْلَ هَذَا الزَّمَانِ. وَفِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِحُلُولِهِ فِي الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ، وَيَقُولُ إِنَّهُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَمْرَدِ يُشَاهِدُ مَعْبُودَهُ أَوْ صِفَاتِ مَعْبُودِهِ أَوْ مَظَاهِرَ جَمَالِهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَسْجُدُ لِلْأَمْرَدِ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ، لَكِنَّهُ يَتَعَبَّدُ بِمَظَاهِرِ الْجَمَالِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ اللَّذَّةِ لَهُ، فَيَتَّخِذُ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفَقْرِ وَالتَّصَوُّفِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ يَرَى اللَّهَ مُطْلَقًا وَلَا يُعَيِّنُ الصُّورَةَ الْجَمِيلَةَ. بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمَوَاضِعَ الْمُخْضَرَّةَ خَطَا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اخْضَرَّتْ مِنْ وَطْئِهِ عَلَيْهَا، وَفِي
(1) ع، ن، م: مَنْزِلٍ.
(2)
الْمَقَالَاتِ: تَبْلُغُ بِهِمْ أَنْ يَرَوُا اللَّهَ سُبْحَانَهُ.
(3)
ع: وَيَأْكُلُونَ. وَانْظُرِ الْمَقَالَاتِ (ط. رُيْتَرَ) 1/289 (ت 4) .
(4)
ع: وَيُعَانِقُونَ.
(5)
إِلَى: فِي (ع) ، " الْمَقَالَاتِ ".
(6)
فِي الْأَصْلِ (ع) : الَّذِي.
ذَلِكَ حِكَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَطُولُ وَصْفُهَا، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ وَحِلِّ الْمُحَرَّمَاتِ - أَوْ بَعْضِهَا - لِلْكَامِلِينَ فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ فَهَذَا أَكْثَرُ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْقَرَامِطَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَغَيْرِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَلِهَذَا يُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلُ فَيُقَالُ: فُلَانٌ يَسْتَحِلُّ دَمِي كَاسْتِحْلَالِ الْفَلَاسِفَةِ مَحْظُورَاتِ الشَّرَائِعِ. وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى التَّصَوُّفِ وَالْكَلَامِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُفَضِّلُ نَفْسَهُ أَوْ مَتْبُوعَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، مَوْجُودٌ كَثِيرٌ فِي الْبَاطِنِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَغُلَاةِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَبَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ] (1) .
فَفِي الْجُمْلَةِ هَذِهِ مَقَالَاتٌ مُنْكَرَةٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهِيَ وَأَشْنَعُ مِنْهَا - مَوْجُودَةٌ (2) فِي الشِّيعَةِ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النُّسَّاكِ يَظُنُّونَ (3) أَنَّهُمْ يَرَوْنَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا بِأَعْيُنِهِمْ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ (4) يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمْ فِي قَلْبِهِ بِسَبَبِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ مِنَ الْأَنْوَارِ (5) مَا يَغِيبُ [بِهِ](6) عَنْ حِسِّهِ الظَّاهِرِ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ [هُوَ] شَيْءٌ (7) يَرَاهُ بِعَيْنِهِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي قَلْبِهِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تُخَاطِبُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ (8) الَّتِي يَرَاهَا خِطَابَ الرُّبُوبِيَّةِ
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (ع) فَقَطْ.
(2)
ب، أ: مَوْجُودٌ.
(3)
ب: يَزْعُمُونَ وَيَظُنُّونَ ; أ: يَزْعُمُونَ يَظُنُّونَ.
(4)
ب، أ: أَنْ.
(5)
ن، م: مِنَ الْأُمُورِ.
(6)
بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7)
ب، أ: أَنَّ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ. وَسَقَطَتْ " هُوَ " مِنْ (ن) ، (م) .
(8)
ع: تِلْكَ الصُّوَرُ.
وَيُخَاطِبُهَا أَيْضًا بِذَلِكَ، وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي نَفْسِهِ، كَمَا يَحْصُلُ لِلنَّائِمِ إِذَا رَأَى رَبَّهُ فِي صُورَةٍ بِحَسَبِ حَالِهِ. فَهَذِهِ الْأُمُورُ تَقَعُ كَثِيرًا فِي زَمَانِنَا وَقَبْلِهِ، وَيَقَعُ الْغَلَطُ مِنْهُمْ حَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ.
[وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَتَمَثَّلُ لَهُ الشَّيْطَانُ، وَيَرَى نُورًا أَوْ عَرْشًا أَوْ نُورًا عَلَى الْعَرْشِ وَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَنَا نَبِيُّكَ، وَهَذَا قَدْ وَقَعَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَخَاطُبِهِ الْهَوَاتِفُ بِخِطَابٍ عَلَى لِسَانِ الْإِلَهِيَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْمُخَاطِبُ لَهُ جِنِّيًّا، كَمَا قَدْ وَقَعَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ. لَكِنَّ بَسْطَ (الْكَلَامِ) (1) عَلَى مَا يُرَى وَيُسْمَعُ وَمَا هُوَ فِي النَّفْسِ وَالْخَارِجِ، وَتَمْيِيزِ حَقِّهِ مِنْ بَاطِلِهِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ](2) .
وَكَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ أَهْلِ الْحَالِ (3) وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَ اللَّهَ عِيَانًا فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ يَخْطُوَا خَطَوَاتٍ (4) .
[وَقَدْ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَالَاتِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُفْرِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: كُلُّ رِزْقٍ لَا يَرْزُقُنِيهِ الشَّيْخُ فُلَانٍ لَا أُرِيدُهُ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّ شَيْخَهُمْ هُوَ شَيْخُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَاتِ الْغُلَاةِ فِي الشُّيُوخِ، لَكِنْ يُوجَدُ فِي جِنْسِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الشِّيعَةِ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالْغُلَاةِ مِنَ
(1) الْكَلَامِ: سَاقِطَةٌ مِنَ الْأَصْلِ (ع) ، وَبِزِيَادَتِهَا يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ.
(2)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (ع) فَقَطْ.
(3)
ع: وَكَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ أَهْلِ الْخَيَالِ ; ن، م: وَكَثِيرٌ مِنْ جُهَّالِ أَهْلِ الْحَالِ.
(4)
عِبَارَةُ " وَأَنَّهُ يَخْطُو خَطَوَاتٍ " سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) .
النُّصَيْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ غُلُوًّا وَكُفْرًا مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ، فَلَا يَكَادُ يُوجَدُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ مَقَالَةٌ خَبِيثَةٌ إِلَّا وَفِي جِنْسِ الشِّيعَةِ مَا هُوَ أَخْبَثُ مِنْهَا] (1) .
وَأَهْلُ الْوَحْدَةِ (2) الْقَائِلُونَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، كَأَصْحَابِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَابْنِ سَبْعِينَ (3)(4) يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يُشَاهِدُونَ اللَّهَ دَائِمًا، فَإِنَّ [عِنْدَهُمْ](5) مُشَاهَدَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، إِذْ كَانَتْ ذَاتُهُ (6) الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ السَّارِيَ فِي الْكَائِنَاتِ.
فَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ وَأَمْثَالُهَا مَوْجُودَةٌ فِي النَّاسِ، وَلَكِنَّ الْمَقَالَاتِ الْمَوْجُودَةَ فِي الشِّيعَةِ أَشْنَعُ وَأَقْبَحُ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْغَالِيَةِ مِنَ النُّصَيْرِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَلِهَذَا كَانَ النُّصَيْرِيَّةُ يُعَظِّمُونَ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ [الْوُجُودِ](7) . وَكَانَ التِّلِمْسَانِيُّ (8) شَيْخُ الْقَائِلِينَ بِالْوَحْدَةِ [الَّذِي شَرَحَ " مَوَاقِفَ "
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (ع) فَقَطْ.
(2)
ع (فَقَطْ) : وَأَهْلُ الْحُلُولِ وَالْوَحْدَةِ.
(3)
سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُمَا 1/378. وَابْنِ الْفَارِضِ
(4)
أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُرْشِدِ بْنِ عَلِيٍّ، شَرَفُ الدِّينِ ابْنُ الْفَارِضِ، الْحَمَوِيُّ الْأَصْلِ، الْمِصْرِيُّ الْمَوْلِدِ وَالدَّارِ وَالْوَفَاةِ، يُلَقَّبُ بِسُلْطَانِ الْعَاشِقِينَ. وُلِدَ سَنَةَ 576 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 632. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 3/126 - 127 ; مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 2/266 ; شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 5/149 - 153 ; لِسَانِ الْمِيزَانِ 4/317 - 319 ; الْأَعْلَامِ 5/216 - 217. وَانْظُرْ لِلْأُسْتَاذِ مُحَمَّد مُصْطَفَى حِلْمِي كِتَابَ " ابْنِ الْفَارِضِ وَالْحُبِّ الْإِلَهِيِّ "، الْقَاهِرَةَ، 1364/1945، وَكِتَابَ " سُلْطَانِ الْعَاشِقِينَ "، سِلْسِلَةَ أَعْلَامِ الْعَرَبِ، مَارِسَ 1963.
(5)
عِنْدَهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6)
ب، أ: وَإِذَا كَانَتْ ذَاتُهُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(7)
ع: الْقَائِلِينَ بِالْوَحْدَةِ ; ن، م: الْقَائِلَ بِالْوَحْدَةِ.
(8)
عَفِيفُ الدِّينِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُومِيُّ التِّلِمْسَانِيُّ سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 1/378. وَانْظُرْ فِي تَرْجَمَتِهِ أَيْضًا: فَوَاتَ الْوَفَيَاتِ 1/363 - 366 (وَفِيهِ: " قَالَ قُطْبُ الدِّينِ الْيُونِينِيُّ: رَأَيْتُ جَمَاعَةً يَنْسُبُونَهُ إِلَى رِقَّةٍ فِي الدِّينِ وَالْمَيْلِ إِلَى مَذْهَبِ النُّصَيْرِيَّةِ) ; الْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ 13/326، النُّجُومَ الزَّاهِرَةَ 8/29 - 31 ; الْأَعْلَامَ 3/193 (وَذَكَرَ مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ " شَرْحَ مَوَاقِفِ النِّفَّزِيِّ " وَالصَّوَابُ: النِّفَّرِيُّ) .