المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ

- ‌[فَصْلٌ اتِّصَالُ الْخَبَرِ] [

- ‌التَّوَاتُرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ]

- ‌[فَصْلٌ] الرَّاوِي إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ وَإِمَّا مَجْهُولٌ

- ‌[فَصْلٌ شَرَائِطُ الرَّاوِي]

- ‌[فَصْلٌ فِي انْقِطَاعِ الْحَدِيثِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ]

- ‌[فَصْلٌ] فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي الطَّعْنِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي أَفْعَالِهِ عليه الصلاة والسلام

- ‌[فَصْلٌ فِي الْوَحْيِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ]

- ‌[بَابُ الْبَيَانِ]

- ‌(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَمُنْقَطِعٌ

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرَقُ

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ]

- ‌(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ التَّبْدِيلِ

- ‌[بَيَانُ النَّاسِخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كَوْنُ النَّاسِخِ أَشَقَّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الضَّرُورَةِ]

- ‌[الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ]

- ‌[الْأَمْرُ الْأَوَّلُ رُكْنُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي قَوْلَيْنِ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّانِي أَهْلِيَّةُ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّالِثُ شُرُوطُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْأَمْرُ الرَّابِعُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْإِجْمَاعُ عَلَى مَرَاتِبَ]

- ‌[الْأَمْرُ الْخَامِسُ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ]

- ‌[الْقِيَاسُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقِيَاسِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ]

- ‌[أَبْحَاثٌ فِي الْعِلَّة]

- ‌[الْأَوَّلُ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ عَدَمُ التَّعْلِيلِ]

- ‌[الثَّانِي كَوْنُ الْعِلَّة وَصْفًا لَازِمًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ]

- ‌[الثَّالِثُ تُعْرَفُ الْعِلَّةُ بِأُمُورٍ]

- ‌[الْأَوَّلُ وَالثَّانِي النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ]

- ‌[الثَّالِثُ الْمُنَاسَبَةُ]

- ‌(فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ

- ‌[فَصْلٌ الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ]

- ‌ لِلْقِيَاسِ الْخَفِيِّ(قِسْمَيْنِ:

- ‌[فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ]

- ‌[النَّقْضُ]

- ‌[وَدَفْعُ النَّقْض بِأَرْبَعِ طُرُقٍ]

- ‌[الْمُمَانَعَةُ]

- ‌الْمُعَارَضَةِ

- ‌(فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ)

- ‌ الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْعِلَّةِ الطَّرْدِيَّةِ

- ‌[فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ كَلَامٍ إلَى آخَرَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ]

- ‌[التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ]

- ‌(بَابُ) الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ

- ‌[فَصْلٌ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ]

- ‌[الْأُمُور الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ وُجُوهُ التَّرْجِيحِ]

- ‌[فَصْلٌ مِنْ التَّرَاجِيحِ الْفَاسِدَةِ التَّرْجِيحُ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ]

- ‌[بَابُ الِاجْتِهَادِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ فِي الْحُكْمِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ]

- ‌[بَابٌ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ قِسْمَانِ]

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ أَوْ يَكُونَ كَالْحُكْمِ]

- ‌[الْقَسْم الثَّانِي مِنْ الْحُكْمِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم بِهِ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءً]

- ‌[فَصْلٌ الْأُمُورُ الْمُعْتَرِضَةُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْعَوَارِضُ السَّمَاوِيَّةُ]

- ‌[الْجُنُونُ]

- ‌[الصِّغَرُ]

- ‌[الْعَتَهُ]

- ‌[النِّسْيَانُ]

- ‌[النَّوْمُ]

- ‌ الْإِغْمَاءُ)

- ‌[الرِّقُّ]

- ‌[الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ]

- ‌[الْمَرَضُ]

- ‌[الْمَوْتُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ نَفْسِهِ]

- ‌[الْجَهْلُ]

- ‌[السُّكْرُ]

- ‌ الْهَزْلُ

- ‌[السَّفَهُ]

- ‌ السَّفَرُ

- ‌[الْخَطَأُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ غَيْرِهِ]

- ‌[الْإِكْرَاهُ وَهُوَ إمَّا مُلْجِئٌ أَوْ غَيْرُ مُلْجِئٍ]

الفصل: ‌(فصل في الاستثناء)

الثَّانِي أَيْ: الْأَهْلُ قَرَابَةً يَتَنَاوَلُ الِابْنَ لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ الِابْنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: 40] فَخَرَجَ الِابْنُ بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا بِالتَّخْصِيصِ الْمُتَرَاخِي لِقَوْلِهِ: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] أَيْ: مِنْ الْأَهْلِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، وَالْمُرَادُ بِسَبْقِ الْقَوْلِ مَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِهْلَاكِ الْكُفَّارِ.

(وقَوْله تَعَالَى {وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 98] لَمْ يَتَنَاوَلْ عِيسَى عليه السلام حَقِيقَةً) ؛ لِأَنَّ مَا لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ (وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ تَعَنُّتًا بِالْمَجَازِ أَوْ التَّغْلِيبِ فَقَالَ {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ} [الأنبياء: 101] لِدَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَأَصْحَابُنَا قَالُوا كُلُّ مَا هُوَ تَفْسِيرٌ يَصِحُّ مُتَرَاخِيًا اتِّفَاقًا، وَمَا هُوَ تَغْيِيرٌ لَا يَصِحُّ إلَّا مَوْصُولًا اتِّفَاقًا كَالِاسْتِثْنَاءِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي التَّخْصِيصِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عِنْدَنَا بَيَانُ تَغْيِيرٍ، وَعِنْدَهُ بَيَانُ تَفْسِيرٍ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْعَامَّ عِنْدَهُ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَيَحْتَمِلُ الْكُلَّ وَالْبَعْضَ فَبَيَانُ إرَادَةِ الْبَعْضِ يَكُونُ تَفْسِيرًا فَيَصِحُّ مُتَرَاخِيًا كَبَيَانِ الْمُجْمَلِ وَعِنْدَنَا قَطْعِيٌّ فِي الْكُلِّ فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ تَغْيِيرَ مُوجَبِهِ) .

أَقُولُ لَا فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامَّ مُحْتَمِلٌ عِنْدَهُ فَعَلَى هَذَا كِلَاهُمَا يَكُونَانِ تَفْسِيرًا عِنْدَهُ لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ وَالتَّخْصِيصَ مُسْتَقِلٌّ فَيَجُوزُ فِيهِ التَّرَاخِي وَعِنْدَنَا كِلَاهُمَا تَغْيِيرٌ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا مَوْصُولًا.

(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)

، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الثَّنْيِ يُقَالُ: ثَنَى عَنَانَ

ــ

[التلويح]

لَكِنْ لَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ إلَّا بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ التَّخْصِيصِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بَيَانٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْبَعْضُ

[فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ]

(قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ) قَدْ اُشْتُهِرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُتَّصِلِ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِثْنَاءِ صِيَغُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَأَمَّا لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ فَحَقِيقَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ فِي الْقِسْمَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَسَّمَ أَوَّلًا إلَى الْقِسْمَيْنِ ثُمَّ يُعَرَّفَ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَهَبَ إلَى أَنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ فَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ أَقْسَامِ الِاسْتِثْنَاءِ ثُمَّ الْمُتَعَارَفُ فِي عِبَارَةِ الْقَوْمِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ الْإِخْرَاجُ مِنْ مُتَعَدِّدٍ بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا، وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ ذَلِكَ إلَى الْمَنْعِ عَنْ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْإِخْرَاجُ عَنْ الْحُكْمِ فَالْبَعْضُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ، وَإِنْ أُرِيدَ الْإِخْرَاجُ عَنْ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ إيَّاهُ وَانْفِهَامِهِ مِنْ اللَّفْظِ، فَلَا إخْرَاجَ؛ لِأَنَّ التَّنَاوُلَ بَاقٍ بَعْدُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْإِخْرَاجِ الْمَنْعُ عَنْ الدُّخُولِ فَهُوَ مَجَازٌ يَجِبُ صِيَانَةُ الْحُدُودِ عَنْهُ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ تَعْرِيفَاتِ الْأَدَاءِ مَشْحُونَةٌ بِالْمَجَازِ عَلَى أَنَّ الدُّخُولَ، وَالْخُرُوجَ هَاهُنَا مَجَازٌ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ هُوَ الْحَرَكَةُ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الدَّاخِلِ، وَالْمَخْرُوجُ بِالْعَكْسِ.

(قَوْلُهُ: بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا) احْتِرَازٌ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّخْصِيصِ أَعَنَى الشَّرْطَ، وَالصِّفَةَ، وَالْغَايَةَ وَبَدَلَ الْبَعْضِ، وَالتَّخْصِيصَ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَإِطْلَاقَ التَّخْصِيصِ عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارَاتِهَا قَصْرٌ لِلْعُمُومِ وَنَقْضٌ لِلشُّيُوعِ عَلَى مَا هُوَ مُصْطَلَحُ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ يَدْخُلُ

ص: 39

فَرَسِهِ إذَا مَنَعَهُ عَنْ الْمُضِيِّ فِي الصَّوْبِ الَّذِي هُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَسَّمُوا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ ثُمَّ عَرَّفُوا كُلًّا مِنْهُمَا بِمَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ بِهِ لَكِنِّي لَمْ أَفْعَلْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْمُتَّصِلُ، وَإِنَّمَا الْمُنْقَطِعُ يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَلَمْ أَجْعَلْ الْمُنْقَطِعَ قِسْمًا مِنْهُ لَكِنْ أَوْرَدْتُهُ فِي ذُنَابَةِ (الِاسْتِثْنَاءِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الْمَنْعُ عَنْ دُخُولِ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فِي حُكْمِهِ) .

أَيْ: فِي حُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَفِي مُتَعَلِّقٍ بِالدُّخُولِ، وَقَوْلُهُ: بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ لِيُخْرِجَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُسْتَغْرَقَ.

(بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْعِ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ سَائِرِ التَّخْصِيصَاتِ، وَهَذَا تَعْرِيفٌ تَفَرَّدْتُ بِهِ، وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ سَائِرِ التَّعْرِيفَاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ هُوَ إخْرَاجٌ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا إنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْإِخْرَاجِ فَمُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَيَكُونَ تَنَاقُضًا وَالِاسْتِثْنَاءُ وَاقِعٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ قَبْلَ الْحُكْمِ وَحَقِيقَةُ الْإِخْرَاجِ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ وَالْمُسْتَثْنَى غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ، فَيَمْتَنِعُ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَثْنَى دَاخِلٌ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفْهَمُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ صَدْرِ الْكَلَامِ وَضْعًا وَالْإِخْرَاجُ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ؛ لِأَنَّ التَّنَاوُلَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ بَاقٍ فَعُلِمَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِخْرَاجِ غَيْرُ مُرَادَةٍ عَلَى أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ.

فَعُلِمَ

ــ

[التلويح]

فِي التَّعْرِيفِ الْوَصْفُ بِإِلَّا وَغَيْرِ وَسِوَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ قُلْنَا إنْ تَحَقَّقَ تَنَاوُلُ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَعُمُومِهِ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ، وَإِلَّا، فَلَا انْتِقَاضَ لِعَدَمِ التَّنَاوُلِ.

(قَوْلُهُ: قَالُوا) تَحْقِيقُ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ بَيَانَ تَغْيِيرٍ أَمَّا التَّغْيِيرُ فَبِالنَّظَرِ إلَى شُمُولِ الْحُكْمِ لِلْجَمِيعِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَأَمَّا الْبَيَانُ فَبِالنَّظَرِ إلَى أَنَّهُ إظْهَارُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ الْبَعْضَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ مُخْتَارًا عِنْدَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: مُوجَبُ الْكَلَامِ بِدُونِ الِاسْتِثْنَاءِ هُوَ الثُّبُوتُ لِلْكُلِّ فَغُيِّرَ إلَى الثُّبُوتِ لِلْبَعْضِ وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِلْبَعْضِ، وَقَالَ فِي التَّقْوِيمِ هُوَ تَغْيِيرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ رَفْعُ الْبَعْضِ، وَبَيَانٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَرَّرَ الْبَاقِي

(قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ عَمَلِهِ) قَدْ سَبَقَ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ تَنَاقُضًا مِنْ حَيْثُ إنَّ قَوْلَكَ لِزَيْدٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إثْبَاتٌ لِلثَّلَاثَةِ فِي ضِمْنِ الْعَشَرَةِ وَنَفْيٌ لَهَا صَرِيحًا فَاضْطُرُّوا إلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ عَمَلِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرِدُ ذَلِكَ، وَحَاصِلُ أَقْوَالِهِمْ فِيهَا ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الْعَشَرَةَ مَجَازٌ عَنْ السَّبْعَةِ، وَإِلَّا ثَلَاثَةً قَرِينَةٌ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِعَشْرَةٍ مَعْنَاهَا أَيْ: عَشْرَةُ أَفْرَادٍ فَيَتَنَاوَلُ السَّبْعَةَ، وَالثَّلَاثَةَ مَعًا ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهَا ثَلَاثَةً حَتَّى بَقِيَتْ سَبْعَةٌ ثُمَّ أَسْنَدَ الْحُكْمَ إلَى الْعَشَرَةِ الْمُخْرَجِ مِنْهَا الثَّلَاثَةُ فَلَمْ يَقَعْ الْإِسْنَادُ إلَّا عَلَى سَبْعَةٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَجْمُوعَ أَعْنِي عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ سَبْعَةٍ حَتَّى كَأَنَّهُ وُضِعَ لَهَا اسْمَانِ مُفْرَدٌ هُوَ سَبْعَةٌ وَمُرَكَّبٌ هُوَ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً.

(قَوْلُهُ: مَعَ فَرْقٍ آخَرَ) هَذِهِ مَسْأَلَةُ

ص: 40

أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِخْرَاجِ الْمَنْعُ مِنْ الدُّخُولِ مَجَازًا، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِي الْحُدُودِ فَالتَّعْرِيفُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَوْلَى (قَالُوا هُوَ بَيَانُ تَغْيِيرٍ؛ لِأَنَّهُ يُغَيَّرُ مُوجَبُ صَدْرِ الْكَلَامِ إذْ لَوْلَاهُ لَشَمِلَ الْكُلَّ، وَمَعَ ذَلِكَ إنَّهُ بَيَانٌ لِمَعْنَى الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْبَعْضُ بِخِلَافِ النَّسْخِ فَإِنَّهُ تَغْيِيرٌ مَحْضٌ لِمَعْنَى الْكَلَامِ) .

(وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ عَمَلِهِ فَفِي قَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ أَطْلَقَ الْعَشَرَةَ عَلَى السَّبْعَةِ فَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ: إلَّا ثَلَاثَةً يَكُونُ بَيَانًا لِهَذَا فَهُوَ كَمَا قَالَ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فَيَكُونُ كَالتَّخْصِيصِ بِالْمُسْتَقِلِّ) فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ وَارِدٌ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَالْحُكْمُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ فِي الْبَعْضِ الْأَوَّلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، وَالتَّخْصِيصُ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ وَعِنْدَنَا هَذَا الْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَهُمَا مَعَ فَرْقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُثْبِتُ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَشَرَةَ يُرَادُ بِهَا السَّبْعَةُ إلَخْ هُوَ مَا قَالَ مَشَايِخُنَا: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ مِثْلَ دَلِيلِ الْخُصُوصِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُعَارَضَةِ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ.

وَإِنَّمَا قُلْتُ: إنَّ مُرَادَهُمْ بِالْمَنْعِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّ الْأَلْفَ اسْمُ عَلَمٍ لِلْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ

ــ

[التلويح]

اخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ هَلْ هُوَ نَفْيٌ أَمْ لَا فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَعَمْ حَتَّى يَكُونُ مَعْنَى إلَّا ثَلَاثَةً أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيَّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا حَتَّى يَكُونُ مَعْنَاهُ عَدَمَ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الثَّلَاثَةِ، وَجَعْلُهَا فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لَا إثْبَاتٌ، وَلَا نَفْيٌ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِالْمُسْتَقِلِّ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ اتِّفَاقًا.

(قَوْلُهُ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ) ذَكَرَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ عِنْدَنَا بِطَرِيقِ الْبَيَانِ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْبَعْضَ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ قِيلَ: عَلَيَّ سَبْعَةٌ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ التَّكَلُّمُ بِالْعَشَرَةِ فِي حَقِّ لُزُومِ الثَّلَاثَةِ فَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي الْكَلَامِ بِجَعْلِهِ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ بِمَعْنَى أَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ إيقَاعٌ لِلْكُلِّ لَكِنَّهُ لَا يَقَعُ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ، وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الدَّالُّ عَلَى النَّفْيِ عَنْ الْبَعْضِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا ثَلَاثَةً فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيَّ، فَلَا يَلْزَمُهُ الثَّلَاثَةُ لِلدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفًا فِي الْحُكْمِ فَأَجَابُوا بِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ بَعْدَ مَا انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ كَمَا فِي التَّخْصِيصِ.

وَقَدْ لَا يَنْعَقِدُ بِحُكْمِهِ كَمَا فِي طَلَاقِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ إلَّا أَنَّ إلْحَاقَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالثَّانِي أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْعَقَدَ الْكَلَامُ فِي نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعَشَرَةَ بَلْ السَّبْعَةَ فَقَطْ لَزِمَ إثْبَاتُ مَا لَيْسَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ إذْ السَّبْعَةُ لَا تَصْلُحُ مُسَمًّى لِلَفْظِ الْعَشَرَةِ لَا حَقِيقَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا مَجَازًا إلَّا أَنَّ اسْمَ الْعَدَدِ نَصٌّ فِي

ص: 41

وَلَا يَحْتَمِلُهُ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى تِسْعُمِائَةٍ أَلْفًا بِخِلَافِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ إذَا خُصَّ مِنْهُمْ نَوْعٌ كَانَ الِاسْمُ وَاقِعًا عَلَى الْبَاقِي بِلَا خَلَلٍ، وَهَذَا الْكَلَامُ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْعَشَرَةِ هُوَ السَّبْعَةُ أَوْ أَطْلَقَ الْعَشَرَةَ عَلَى عَشْرَةِ أَفْرَادٍ ثُمَّ أَخْرَجَ ثَلَاثَةً بَعْدَ الْحُكْمِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، وَإِنْكَارٌ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَلَا أَظُنُّهُ مَذْهَبَ أَحَدٍ أَوْ قَبْلَهُ ثُمَّ حَكَمَ عَلَى الْبَاقِي أَوْ أَطْلَقَ عَشْرَةً إلَّا ثَلَاثَةً عَلَى السَّبْعَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ سَبْعَةٌ فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ (فَعَلَى هَذَيْنِ) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ (يَكُونُ) أَيْ: الِاسْتِثْنَاءُ (تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي) فِي صَدْرِ الْكَلَامِ (بَعْدَ الثُّنْيَا) أَيْ: الْمُسْتَثْنَى فَفِي قَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً صَدْرُ الْكَلَامِ عَشْرَةٌ، وَالثُّنْيَا ثَلَاثَةٌ، وَالْبَاقِي فِي صَدْرِ الْكَلَامِ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى سَبْعَةٌ فَكَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالسَّبْعَةِ، وَقَالَ لَهُ عَلَيَّ سَبْعَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْأَخِيرَيْنِ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا أَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ فَلِأَنَّ عَشْرَةً إلَّا ثَلَاثَةً مَوْضُوعَةٌ لِلسَّبْعَةِ فَيَكُونُ تَكَلُّمًا بِالسَّبْعَةِ، وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ الْحُكْمِ مِنْ أَفْرَادِ الْعَشَرَةِ ثُمَّ حَكَمَ عَلَى السَّبْعَةِ فَالتَّكَلُّمُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ يَكُونُ بِالسَّبْعَةِ أَيْ: يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى السَّبْعَةِ فَقَطْ لَا عَلَى الثَّلَاثَةِ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ.

(إلَّا أَنَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ يَكُونُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَدَدِيًّا كَالتَّخْصِيصِ بِالْعَلَمِ، وَفِي غَيْرِ

ــ

[التلويح]

مَدْلُولِهِ لَا يُحْتَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَيَكُونُ مَرْجُوحًا.

فَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْجَوَابِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِكَوْنِهِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ هُوَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَدْرِ الْبَاقِي مَجَازًا، وَالِاسْتِثْنَاءُ قَرِينَةٌ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُتَكَلِّمِ لِلْعَشْرَةِ فِي التِّسْعَةِ مَجَازٌ، وَإِلَّا وَاحِدًا قَرِينَةُ الْمَجَازِ.

(قَوْلُهُ: أَوْ قَبْلَهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَعْدَ الْحُكْمِ أَيْ: أَطْلَقَ الْعَشَرَةَ عَلَى عَشْرَةِ أَفْرَادٍ ثُمَّ أَخْرَجَ ثَلَاثَةً قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ حَكَمَ عَلَى الْبَاقِي مِنْ الْعَشَرَةِ، وَهُوَ السَّبْعَةُ.

(قَوْلُهُ: حُجَّتُهُ) قَدْ احْتَجَّ الذَّاهِبُونَ إلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِعَشْرَةٍ كَمَالُهَا أَوْ سَبْعَةٌ إذْ لَا ثَالِثَ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ إلَّا بِسَبْعَةٍ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ عَشْرَةً بِكَمَالِهَا لَامْتَنَعَ مِنْ الصَّادِقِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] لِمَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ لَبْثِ خَمْسِينَ وَنَفْيِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الْكُلُّ، وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ إذْ الْكَلَامُ يَتِمُّ بِآخِرِهِ، فَلَا فَسَادَ، وَقَدْ أَوْرَدَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رحمه الله ثَلَاثَ حُجَجٍ مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ دُونَ الْبَيَانِ.

وَلَمَّا ذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ مَعْنَاهُ الْقَوْلُ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ جَعَلَهَا حُجَجًا عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ.

تَقْرِيرُ الْأُولَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى جَعْلِ الْمُسْتَثْنَى فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ إعْدَامَ التَّكَلُّمِ أَيْ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ الْمَوْجُودِ حَقِيقَةً غَيْرُ

ص: 42

الْعَدَدِيِّ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ كَأَنَّهُ قَالَ جَاءَنِي زَيْدٌ) لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى كِلَيْهِمَا تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْفَرْقَ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إذَا كَانَ عَدَدِيًّا كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ سَبْعَةٌ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْعَلَمِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ.

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدَدِيٍّ كَجَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فَهُوَ كَقَوْلِهِ: جَاءَنِي مِنْ الْقَوْمِ غَيْرُ زَيْدٍ فَيَكُونُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ زَيْدٍ صِفَةٌ، فَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ غَيْرَ عَدَدِيٍّ بَيْنَ إلَّا وَغَيْرِ صِفَةً.

(وَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي آكَدُ مِنْ هَذَا) أَيْ: الْمَذْهَبِ الثَّانِي هُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَشَرَةِ عَشَرَةُ أَفْرَادٌ، وَالْإِخْرَاجُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ آكَدُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْعَلَمِ وَالْوَصْفِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُمَا.

(لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَجْمُوعِ أَوَّلًا ثُمَّ إخْرَاجَ الْبَعْضِ ثُمَّ الْإِسْنَادَ إلَى الْبَاقِي يُشِيرُ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَثْنَى خِلَافُ حُكْمِ الصَّدْرِ بِخِلَافِ جَاءَنِي غَيْرُ زَيْدٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ (يَكُونُ إثْبَاتًا وَنَفْيًا بِالْمَنْطُوقِ)

ــ

[التلويح]

مَعْقُولٍ بَلْ هُوَ إنْكَارٌ لِلْحَقَائِقِ بِخِلَافِ وُجُودِ التَّكَلُّمِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ أَيْ: الْأَثَرِ الثَّابِتِ بِهِ بِنَاءً عَلَى مَانِعٍ فَإِنَّهُ شَائِعٌ مُسْتَفِيضٌ كَالْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ يَمْتَنِعُ حُكْمُهُ فِي الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ فَهَاهُنَا يَثْبُتُ التَّكَلُّمُ بِالْكُلِّ، وَيَنْعَقِدُ الْكَلَامُ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ، وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ.

وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الصَّدْرِ فَيَكُونُ مُعَارِضًا لَهُ لَا فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَتَقْرِيرُ الثَّالِثَةِ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ تَوْحِيدٍ أَيْ: إقْرَارٍ بِوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَمَلُ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، وَإِثْبَاتِهِ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ لَمَا لَزِمَ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ بِنَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ مَا سِوَاهُ، وَالتَّوْحِيدُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِهَا عَمَّا سِوَاهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ دَهْرِيٌّ، مُنْكِرٌ لِوُجُودِ الصَّانِعِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَرُجُوعِهِ عَنْ مُعْتَقَدِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمٍ مُخَالِفٍ لِلصَّدْرِ هَذَا تَقْرِيرُ الْحُجَجِ عَلَى وَفْقِ مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ احْتِجَاجًا بِهَا عَلَى أَنَّ عَمَلَ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، وَأَنَّهُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ.

وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ حُجَجًا عَلَى إثْبَاتِهِ، وَأَيْضًا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ

ص: 43

أَيْ: يَكُونُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ جُمْلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُثْبَتَةٌ، وَالْأُخْرَى مَنْفِيَّةٌ، وَالْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ يَكُونَانِ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ لَا الْمَفْهُومِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ يَكُونُ كَالتَّخْصِيصِ بِالْعَلَمِ أَوْ الْوَصْفِ، فَلَا دَلَالَةَ لَهُمَا عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُمَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَكُونُ دَلَالَتُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي يَكُونُ آكَدَ مِنْ هَذَا فَدَلَالَتُهُ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى تَكُونُ إشَارَةً لَا مَنْطُوقًا.

(حُجَّتُهُ) أَيْ: حُجَّةُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ (أَنَّ وُجُودَ التَّكَلُّمِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ فِي الْبَعْضِ شَائِعٌ كَالتَّخْصِيصِ فَأَمَّا إعْدَامُ التَّكَلُّمِ الْمَوْجُودِ، فَلَا، وَإِجْمَاعُهُمْ) أَيْ: إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَنَّ وُجُودَ التَّكَلُّمِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ فِي الْبَعْضِ شَائِعٌ.

(عَلَى أَنَّهُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ، وَأَيْضًا لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ تَوْحِيدًا تَامًّا فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْبَعْضَ يَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ مِنْ النِّصْفِ فِي اشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ إلَّا النِّصْفَ أَوْ التَّسَلْسُلَ) هَذَا دَلِيلٌ أَوْرَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى نَفْيِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَإِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُ وَلَمَّا وَجَدْتُهُ زَيْفًا أَوْرَدْتُهُ عَلَى طَرِيقِ الْإِشْكَالِ وَبَيَّنْت فَسَادَهُ وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْعَشَرَةِ سَبْعَةً كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ فَإِذَا قُلْت اشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ إلَّا النِّصْفَ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ النِّصْفَ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الْمُسْتَثْنَى نِصْفَ الْجَارِيَةِ فَقَدْ اسْتَثْنَيْت نِصْفَ الْجَارِيَةِ مِنْ نِصْفِ الْجَارِيَةِ

ــ

[التلويح]

عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا نَفْيٌ، وَالْآخَرُ إثْبَاتٌ بَلْ حُكْمٌ وَاحِدٌ فَقَطْ أَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالصَّدْرِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ مِنْهُ، فَلَا حُكْمَ فِيهِ إلَّا عَلَى الْبَاقِي.

وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ فَلِأَنَّ مَجْمُوعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمُسْتَثْنَى وَآلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي، وَلَا حُكْمَ إلَّا عَلَيْهِ هَذَا، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُجَّةَ الْأُولَى لَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إعْدَامٌ لِلتَّكَلُّمِ بَلْ قَوْلٌ بِأَنَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً اسْمٌ لِلسَّبْعَةِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْعُدُولُ عَنْ التَّكَلُّمِ بِالْأَخْصَرِ إلَى التَّكَلُّمِ بِالْأَطْوَلِ.

1 -

(قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ تَقْرِيرُ السُّؤَالِ) ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ وَتَوْجِيهِ الْجَوَابِ مَنْعُ الْمُلَازَمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الْمُسْتَثْنَى نِصْفُ الْجَارِيَةِ لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ نِصْفِ الْجَارِيَةِ مِنْ نِصْفِ الْجَارِيَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ النِّصْفُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمُرَادِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمُتَنَاوِلِ أَيْ: مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، وَهُوَ الْجَارِيَةُ بِكَمَالِهَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ دُخُولِ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فِي حُكْمِهِ، وَفِيهِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ اللَّفْظُ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ، وَقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ لَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ الْأَفْرَادِ الْحَقِيقِيِّ عَنْ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ إذَا كَانَ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا مِثْلَ {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [نوح: 7] إلَّا أُصُولَهَا بِأَنْ يُرَادَ بِالْأَصَابِعِ الْأَنَامِلُ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا الْأُصُولُ عَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

ص: 44

وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الْمُسْتَثْنَى نِصْفَ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ فَالْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ كَانَ النِّصْفَ ثُمَّ نِصْفُ هَذَا النِّصْفِ مُسْتَثْنًى مِنْ النِّصْفِ.

فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِيَةِ لَمْ يَكُنْ نِصْفًا بَلْ رُبْعًا وَالْمَفْرُوضُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى نِصْفُ مَا هُوَ الْمُرَادُ فَيَكُونُ نِصْفُ الرُّبْعِ مُسْتَثْنًى فَيَتَسَلْسَلُ هَذَا حِكَايَةُ مَا أَوْرَدَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْجَوَابُ الَّذِي خَطَرَ بِبَالِي هُوَ قَوْلُهُ:.

(قُلْنَا هُوَ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْبَعْضُ لَا أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ هُوَ الْبَعْضُ فَإِنَّ اللَّفْظَ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُلِّ ثُمَّ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمُتَنَاوَلِ لَا مِنْ الْمُرَادِ) أَيْ: الِاسْتِثْنَاءُ هُوَ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْبَعْضُ لَا أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ هُوَ الْبَعْضُ فَإِنَّ اللَّفْظَ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُلِّ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْمُتَنَاوِلِ إلَّا مِنْ الْمُرَادِ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ مِنْ الْكُلِّ.

(وَالْجَوَابُ) أَيْ: عَنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ (أَنَّ الْعَشَرَةَ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: أَنَّ وُجُودَ التَّكَلُّمِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ فِي الْبَعْضِ شَائِعٌ.

(لَفْظٌ خَاصٌّ لِلْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ لَا عَامٌّ كَالْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ إرَادَةُ الْبَعْضِ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِالتَّخْصِيصِ، وَلَوْ صَحَّتْ مَجَازًا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَقَوْلُهُمْ هُوَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَبِالْعَكْسِ مَجَازٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الصَّدْرِ لَا أَنَّهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ حُكْمِ الصَّدْرِ وَقَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» هُوَ كَقَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ» وَلَوْ كَانَ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا يَلْزَمُ صَلَاةٌ طَهُورٌ ثَابِتَةٌ فَيَصِحُّ كُلُّ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ لِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ فَرْدٍ) وَقَوْلُهُمْ هُوَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ إلَخْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: وَإِجْمَاعُهُمْ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى

ــ

[التلويح]

مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَارِيَةِ نِصْفَهَا مَجَازًا، وَأَخْرَجَ النِّصْفَ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِحَسَبِ الْوَضْعِ، أَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ غَيَّرَ اعْتِرَاضَ ابْنِ الْحَاجِبِ هَرَبًا عَنْ إشْكَالِ الضَّمِيرِ وَتَقْرِيرُ اعْتِرَاضِهِ أَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ مَنْ قَالَ اشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ إلَّا نِصْفَهَا لَمْ يُرِدْ بِالْجَارِيَةِ نِصْفَهَا، وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ نِصْفِهَا مِنْ نِصْفِهَا، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَأَيْضًا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ النِّصْفِ مِنْ الْجَارِيَةِ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ بِهَا النِّصْفُ، وَإِخْرَاجُ النِّصْفِ مِنْ النِّصْفِ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ بِهِ الرُّبُعُ، وَإِخْرَاجُ النِّصْفِ مِنْ الرُّبْعِ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ بِهِ الثُّمُنُ، وَهَكَذَا إلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ.

وَأَيْضًا إنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلَى الْجَارِيَةِ بِكَمَالِهَا لَا إلَى نِصْفِهَا مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ مَدْلُولَ الْجَارِيَةِ وَضَمِيرَهَا وَاحِدٌ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُ أَنْ يُرَادَ بِالْجَارِيَةِ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيُّ وَبِضَمِيرِهَا مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيُّ عَلَى عَكْسِ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي صَنْعَةِ الِاسْتِخْدَامِ.

(قَوْلُهُ: وَالْجَوَابُ) أَجَابَ عَنْ الْحُجَّةِ الْأُولَى بِأَنَّ الْقَوْلَ بَلْ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَعْضُ مِمَّا لَا يَصِحُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهُوَ إذَا كَانَ اسْمَ عَدَدٍ فَإِنَّهُ لَفْظٌ خَاصٌّ فِي مَدْلُولِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَمِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ حَقِيقَةً، وَلَا مَجَازًا وَلَمَّا كَانَ هَذَا ضَعِيفًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ شَائِعٌ حَتَّى يَجْرِيَ فِي الْأَعْلَامِ بِأَنْ يُطْلَقَ زَيْدٌ

ص: 45

الْمُسْتَثْنَى، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا قَوْلَهُمْ عَلَى الْمَجَازِ؛ لِأَنَّا لَمَّا أَبْطَلْنَا الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ فَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ وَوَجْهُ الْمَجَازِ إطْلَاقُ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ حُكْمِ الصَّدْرِ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِنَا حُكْمُ (الصَّدْرِ مُنْتَفٍ عَنْهُ وَقَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا، وَهُوَ لَا صَلَاةَ) بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَيْسَ هُوَ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَا صَلَاةَ ثَابِتَةً إلَّا صَلَاةٌ مُلْصَقَةٌ بِطَهُورٍ فَلَوْ كَانَ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا فَالْجُمْلَةُ الْإِثْبَاتِيَّةُ هِيَ صَلَاةٌ مُلْصَقَةٌ بِطَهُورٍ ثَابِتَةٌ، وَصَلَاةٌ مُلْصَقَةٌ بِطَهُورٍ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِعُمُومِ الصِّفَةِ عَلَى مَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي فَصْلِ الْعَامِّ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: كُلُّ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ ثَابِتَةٌ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الشَّرَائِطَ الْأُخَرَ إنْ كَانَتْ مَفْقُودَةً وَالطَّهُورُ مَوْجُودًا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ، وَأَيْضًا صَدْرُ الْكَلَامِ يُوجِبُ السَّلْبَ الْكُلِّيَّ أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا يَلْزَمُ جَوَازُ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ بِلَا طَهُورٍ، وَإِذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَعَلِّقًا بِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَكُونُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا يَلْزَمُ تَعَلُّقُ الْإِثْبَاتِ بِكُلِّ وَاحِدٍ فَيَلْزَمُ كُلُّ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ جَائِزَةٌ مَعْنَاهُ

ــ

[التلويح]

وَيُرَادَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ قَالَ وَلَوْ صَحَّتْ الْإِرَادَةُ مَجَازًا فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَهَاهُنَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ الْكُلُّ، وَيَكُونَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى نَفْيِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَلَا بُدَّ فِي جَعْلِهِ جَوَابًا عَنْ الْحُجَّةِ الْأُولَى مِنْ تَكَلُّفٍ.

وَأَجَابَ عَنْ الثَّانِيَةِ بِأَنَّ قَوْلَ أَهْلِ اللُّغَةِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَبِالْعَكْسِ مَجَازٌ لِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ اسْتِخْرَاجٌ وَتَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا أَيْ: يُسْتَخْرَجُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا وَيُجْعَلُ الْكَلَامُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنَى فَظَاهِرُ الْإِجْمَاعَيْنِ مُتَنَافٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَجَازِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ هَذَا الْوَجْهِ لِضَعْفِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بِحَسْبِ وَضْعِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَإِثْبَاتٌ وَنَفْيٌ بِحَسْبِ إشَارَتِهِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ كَوْنَهُ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ اللُّغَةِ كَصَدْرِ الْكَلَامِ إلَّا أَنَّ مُوجِبَ صَدْرِ الْكَلَامِ ثَابِتٌ قَصْدًا، وَكَوْنُ الِاسْتِثْنَاءِ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا ثَابِتٌ إشَارَةً، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّابِتَ بِالْإِشَارَةِ ثَابِتٌ بِنَفْسِ الصِّيغَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّوْقُ لِأَجْلِهِ.

الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَبِالْعَكْسِ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَا الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ بِمَا سَبَقَ مِنْ الدَّلِيلِ فَبَطَلَ صِحَّةُ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَبِالْعَكْسِ

ص: 46

كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي حَالٍ إلَّا فِي حَالِ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ فَالْجُمْلَةُ الْإِثْبَاتِيَّةُ قَوْلُنَا كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ جَائِزَةٌ فِي حَالِ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» يَشْكُلُ عَلَيْكُمْ لَا عَلَيْنَا؛ لِأَنَّكُمْ قَدْ ذَكَرْتُمْ فِي فَصْلِ الْعَامِّ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ عَامَّةٌ لِعُمُومِ الصِّفَةِ وَأَوْرَدْتُمْ لِلْمِثَالِ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا، لَهُ أَنْ يُجَالِسَ كُلَّ عَالِمٍ فَقَوْلُهُ:

ــ

[التلويح]

فَوَجَبَ تَأْوِيلُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ.

الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِهِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَبِالْعَكْسِ لَا يَصِحُّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ كَقَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» عَلَى مَا سَيَأْتِي وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَبِالْعَكْسِ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ عَيْنُهُ، وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، فَلَا حُكْمَ عَلَى الْمُسْتَثْنَى أَصْلًا لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ جُمْهُورَ الْقَائِلِينَ بِالْمَذْهَبِ الثَّانِي كَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ قَائِلُونَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَبِالْعَكْسِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أُخْرِجَتْ مِنْ الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ تَعَلَّقَ بِالْعَشَرَةِ الْمُخْرَجِ مِنْهَا الثَّلَاثَةُ الْحُكْمُ بِالثُّبُوتِ وَبِالثَّلَاثَةِ الْحُكْمُ بِعَدَمِ الثُّبُوتِ.

(قَوْلُهُ: وَوَجْهُ الْمَجَازِ) أَيْ: طَرِيقُ هَذَا الْمَجَازِ إطْلَاقُ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ، وَالْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ حُكْمِ الصَّدْرِ لَازِمٌ لِلْحُكْمِ بِخِلَافِ حُكْمِ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا تَحَقَّقَ الْحُكْمُ بِنَقِيضِ حُكْمِ الصَّدْرِ انْتَفَى حُكْمُ الصَّدْرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ:«لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» فَإِنَّ حُكْمَ الصَّدْرِ، وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُنْتَفٍ عَنْ الصَّلَاةِ بِطُهُورٍ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْحُكْمُ بِنَقِيضِهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ كُلِّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ فَعَبَّرُوا عَنْ انْتِفَاءِ حُكْمِ الصَّدْرِ بِالْحُكْمِ بِنَقِيضِ حُكْمِ الصَّدْرِ تَعْبِيرًا عَنْ اللَّازِمِ بِالْمَلْزُومِ فَقَالُوا: هُوَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ قَالَ فِي التَّقْوِيمِ: إنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ إطْلَاقٌ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ مَجَازًا؛ لِأَنَّكَ إذَا قُلْت لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةً لَمْ يَجِبْ الْعَشَرَةُ كَمَا لَوْ نَفَيْتهَا، وَلَكِنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ عَلَى الْمُقِرِّ لَيْسَ بِنَصٍّ نَافٍ لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِ بَلْ لِعَدَمِ دَلِيلِ الْوُجُوبِ.

(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا) أَوْرَدَ دَلِيلَيْنِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي مِثْلِ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّفْيِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ إثْبَاتًا لَكَانَ مَعْنَاهُ صَلَاةٌ بِطُهُورٍ ثَابِتَةٌ أَيْ: صَحِيحَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ تَعُمُّ بِعُمُومِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى كُلُّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ صَحِيحَةٌ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الصَّلَاةِ الْمُلْصَقَةِ بِالطَّهُورِ بَاطِلَةٌ كَالصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَبِدُونِ النِّيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مِثْلَ قَوْلِنَا أَكْرَمْت رَجُلًا عَالِمًا لَا يَدُلُّ عَلَى إكْرَامِ كُلِّ عَالِمٍ وَكَوْنُ الْوَصْفِ عِلَّةً تَامَّةً لِلْحُكْمِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ غَيْرَ مُسَلَّمٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَالْقَوْلُ بِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ مِمَّا قَدَحَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فَضْلًا عَنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ

ص: 47

«لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» عَامٌّ فِي زَعْمِكُمْ فَيَلْزَمَ عَلَيْكُمْ فَسَادَانِ.

أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ جَائِزَةً. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ، إثْبَاتًا، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَيْنَا لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ لَا تَعُمُّ عِنْدَنَا فَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا يَصِيرُ كَقَوْلِهِ: بَعْضُ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ جَائِزَةٌ، وَهَذَا حَقٌّ قُلْت الْمُسْتَثْنَى فِي كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ

ــ

[التلويح]

إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ، وَلَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَأُكْرِمَنَّ رَجُلًا عَالِمًا يَبَرُّ بِإِكْرَامِ عَالِمٍ وَاحِدٍ.

وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَإِنَّمَا لَا يَحْنَثُ بِمُجَالَسَةِ عَالِمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ قَرِينَةُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى هُوَ النَّوْعُ لَا الْفَرْدُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَلَى أَنَّ الْقَائِلِينَ بِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ لَا يَشْتَرِطُونَ فِي الْعُمُومِ الِاسْتِغْرَاقَ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام لَا صَلَاةَ سَلْبٌ كُلِّيٌّ بِمَعْنَى لَا شَيْءَ مِنْ الصَّلَاةِ بِجَائِزَةٍ، وَالسَّلْبُ الْكُلِّيُّ عِنْدَ وُجُوبِ الْمَوْضُوعِ فِي قُوَّةِ الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ الْمَعْدُولِ الْمَحْمُولِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ غَيْرُ جَائِزٍ إلَّا فِي حَالِ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِكُلِّ صَلَاةٍ؛ إذْ لَوْ تَعَلَّقَ بِالْبَعْضِ لَزِمَ جَوَازُ الْبَعْضِ الْآخَرِ بِلَا طُهُورٍ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ الطَّهُورُ إلَّا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِذَا تَعَلَّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِكُلِّ فَرْدٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ لَزِمَ تَعَلُّقُ إثْبَاتِ مَا نُفِيَ عَنْ الصَّدْرِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ جَائِزٌ حَالَ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا مَرَّ.

فَإِنْ قُلْت مَعْنَى تَعَلُّقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِكُلِّ وَاحِدٍ أَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي هُوَ الْمُسْتَثْنَى قَدْ أُخْرِجَ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِكُلِّ وَاحِدٍ، وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ وَأُثْبِتَ لَهُ حُكْمٌ مُخَالِفٌ لَهُ، وَهُوَ الْجَوَازُ، فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ كُلِّ صَلَاةٍ مُلْتَصِقَةٍ بِالطَّهُورِ قُلْتُ الْمُخْرَجُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بَعْضُ الْأَحْوَالِ لَا بَعْضُ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ إذْ الدَّلِيلُ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إلَّا بِطُهُورٍ حَالًا، وَالْمَعْنَى لَا صَلَاةَ جَائِزَةً فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالِ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ فَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ إلَّا فِي تِلْكَ الْحَالِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ حِينَئِذٍ كَمَا تَقُولُ: مَا جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا رَاكِبِينَ بِمَعْنَى جَاءُوا رَاكِبِينَ لَا مَاشِينَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُثْبَتَ عَلَى الْحَالَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ يَكُونُ بِعَيْنِهِ هُوَ الْمَنْفِيَّ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ وَبِالْعَكْسِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَعَلُّقَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْبَعْضِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِلَا طُهُورٍ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً كَيْفَ، وَالْحُكْمُ الْكُلِّيُّ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوطَ بِالطَّهُورِ هُوَ جَوَازُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ.

وَالدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، وَالْمَعْنَى لَا صَلَاةَ إلَّا صَلَاةٌ مُلْتَصِقَةٌ بِالطَّهُورِ نَعَمْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمَوْضُوعَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ نَكِرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى فَرْدٍ مَا، وَإِنَّمَا جَاءَ عُمُومُهَا مِنْ ضَرُورَةِ وُقُوعِهَا فِي

ص: 48

أَيْ: فِي قَوْلِهِ: لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا، عَالِمًا وَقَوْلُهُ:«لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» عَامٌّ عِنْدَنَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ لَيْسَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا فِي كِلْتَيْهِمَا لَكِنْ فِي قَوْلِهِ: لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا لَا يَدْخُلُ فِي الْخُلْفِ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَالِمِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُجَالَسَةُ كُلِّ عَالِمٍ فَإِبَاحَةُ الْمُجَالَسَةِ لِكُلِّ عَالِمٍ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ:«لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» كُلُّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ إلَّا أَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالْجَوَازِ عِنْدَنَا، فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ الْفَسَادَيْنِ عَلَيْنَا بَلْ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَأَيْضًا يَجِيءُ فِي بَابِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْفَرْقَ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْمُسْتَثْنَى فَتَكُونُ الصَّلَاةُ الْخَالِيَةُ عَنْ الطَّهُورِ عِلَّةً؛ لِعَدَمِ جَوَازِهَا فَكُلَّمَا خَلَتْ عَنْهُ لَا تَجُوزُ فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا يَكُونُ كَوْنُهَا مُقَارِنَةً لِلطَّهُورِ عِلَّةً لِلْجُمْلَةِ الْإِثْبَاتِيَّةِ فَتَعُمُّ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ.

(وقَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً} [النساء: 92] هُوَ كَقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا عَمْدًا إلَّا أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ خَطَأً؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ إذْنَ

ــ

[التلويح]

سِيَاقِ النَّفْيِ فَفِي جَانِبِ الِاسْتِثْنَاءِ يُوجَدُ أَيْضًا ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ، وَلَا يَعُمُّ لِكَوْنِهِ فِي الْإِثْبَاتِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا صَلَاةَ جَائِزَةٌ إلَّا فِي حَالِ الِاقْتِرَانِ بِالطَّهُورِ فَإِنَّ فِيهَا يَنْتَفِي هَذَا الْحُكْمُ، وَيَثْبُتُ نَقِيضُهُ، وَهُوَ جَوَازُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إذْ نَقِيضُ السَّلْبِ الْكُلِّيِّ إيجَابٌ جُزْئِيٌّ كَمَا يُقَالُ: مَا جَاءَنِي أَحَدٌ إلَّا رَاكِبًا.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ) حَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّكُمْ قَائِلُونَ بِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُمْ فِي مِثْلِ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا أَنَّ لَهُ أَنْ يُجَالِسَ كُلَّ عَالِمٍ فَيَلْزَمُ هَاهُنَا أَيْضًا أَنْ تَصِحَّ كُلُّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ، وَهَذَا قَوْلٌ بِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّا قَائِلُونَ بِالْعُمُومِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُنَا الْحُكْمُ بِجَوَازِ كُلِّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ بَلْ يَلْزَمُنَا عَدَمُ الْحُكْمِ بِعَدَمِ جَوَازِ كُلِّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالْجَوَازِ، وَالْعَامُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْخَاصَّ، وَأَمَّا جَوَازُ مُجَالَسَةِ كُلِّ عَامٍّ فَإِنَّمَا هِيَ بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَا بِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِالْيَمِينِ إنَّمَا حَرَّمَ مُجَالَسَةَ غَيْرِ الْعَالِمِ فَبِالِاسْتِثْنَاءِ أَخْرَجَ الْعَالِمَ عَنْ تَحْرِيمِ الْمُجَالَسَةِ فَبَقِيَ مُبَاحَ الْمُجَالَسَةِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ.

(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا) لَمَّا لَمْ يُسَلِّمْ الْخَصْمُ قَاعِدَةَ عُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ أَثْبَتَ لُزُومَ الْعُمُومِ فِي مِثْلِ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ بِطَرِيقٍ إلْزَامِيٍّ، وَهُوَ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ، أَنَّ مِنْ مَرَاتِبِ إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِوَصْفَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] فَإِنَّ الْعَفْوَ عِلَّةٌ لِسُقُوطِ الْمَفْرُوضِ فَهَاهُنَا لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ إثْبَاتًا لَكَانَ الِاقْتِرَانُ بِالطَّهُورِ عِلَّةَ الْجَوَازِ، وَالْخُلُوُّ عَنْهُ عِلَّةَ عَدَمِ الْجَوَازِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ كُلِّ صَلَاةٍ مُقْتَرِنَةٍ بِالطَّهُورِ ضَرُورَةَ وُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ ظَنِّيٌّ، وَقَدْ عَارَضَهُ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الطَّهُورِ لَيْسَ عِلَّةً لِلْجَوَازِ بَلْ يَفْتَقِرُ إلَى أَشْيَاءَ أُخْرَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْعِلِّيَّةُ لَمْ

ص: 49

الشَّرْعِ بِهِ) ، وَلَا يَجُوزُ إذْنُ الشَّرْعِ بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْحُرْمَةِ ثَابِتَةٌ فِيهِ بِنَاءً عَلَى تَرْكِ التَّرَوِّي، وَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا مَحْضًا لَمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، وَهَذَا دَلِيلٌ تَفَرَّدْت بِإِيرَادِهِ، وَهَذَا أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ.

وَالشَّافِعِيَّةُ حَمَلُوا الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ: {إِلا خَطَأً} [النساء: 92] عَلَى الْمُنْقَطِعِ فِرَارًا عَنْ هَذَا لَكِنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُتَّصِلُ (وَأَمَّا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَأَيْضًا لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ تَوْحِيدًا تَامًّا (فَلِأَنَّ مُعْظَمَ الْكُفَّارِ كَانُوا أَشْرَكُوا، وَفِي عُقُولِهِمْ وُجُودُ الْإِلَهِ ثَابِتٌ فَسِيقَ لِنَفْيِ الْغَيْرِ ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُهُ تَعَالَى إشَارَةً عَلَى الثَّانِي) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجٌ قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ حُكْمٌ عَلَى الْبَاقِي، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ وُجُودَهُ تَعَالَى يَثْبُتُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْإِلَهَ ثُمَّ أَخْرَجَ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ حَكَمَ عَلَى الْبَاقِي بِالنَّفْيِ يَكُونُ إشَارَةً إلَى

ــ

[التلويح]

يَضُرَّ لِجَوَازِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ جَوَازُ كُلِّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّ مِثْلَ قَوْلِنَا مَا كَتَبْت إلَّا بِالْقَلَمِ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْكِتَابَةِ بِالْقَلَمِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ الْكِتَابَةُ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ.

(قَوْلُهُ: وَهَذَا أَقْوَى دَلِيلٍ) لِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَهُ دَلِيلًا إذْ لَا دَلَالَةَ مَعَ احْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ وَكَوْنُ الْأَصْلِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ هُوَ الِاتِّصَالُ لَا يُفِيدُ لِجَوَازِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ الْأَصْلِ بِقَرِينَةِ عَدَمِ ظُهُورِ مَا يَصْلُحُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ إلَّا خَطَأً مَفْعُولٌ أَوْ حَالٌ أَوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ فَيَكُونُ مُفَرَّغًا، وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ عَلَى حَسَبِ الْعَوَامِلِ فَيَكُونُ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، وَيَفْتَقِرُ إلَى تَقْدِيرِ مُسْتَثْنًى مِنْهُ عَامٍّ مُنَاسِبٍ لَهُ فِي جِنْسِهِ وَوَصْفِهِ.

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا كِلْمَةُ التَّوْحِيدِ) جَوَابٌ عَنْ الْحُجَّةِ الثَّالِثَةِ وَتَقْرِيرُهُ ظَاهِرٌ فَإِنْ قِيلَ لُزُومُ وُجُودِهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ اعْتِرَافٌ بِمَذْهَبِ الْخَصْمِ فَإِنَّهُ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ يُفِيدُ الْإِثْبَاتَ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ السَّوْقُ لِأَجْلِهِ بَلْ يَدَّعِي أَنَّهُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَلُزُومُ وُجُودِهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِيرَ الدَّهْرِيُّ النَّافِي لِلصَّانِعِ مُؤْمِنًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.

أُجِيبَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ اطِّرَادُ هَذَا الْحُكْمِ أَعْنِي كَوْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا، وَثُبُوتُهُ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُوجِبُ الِاطِّرَادَ لِانْتِفَائِهِ فِي مِثْلِ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ مَبْنَى الْأَمْرِ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» الْحَدِيثَ.

(قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ) حَاوَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْمُسْتَثْنَى، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَآلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مَعْنَاهُ الْإِفْرَادِيِّ، وَالْمُفْرَدُ لَا يُقْصَدُ بِجُزْءٍ مِنْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى جُزْءٍ مَعْنَاهُ الثَّانِي أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قَانُونِ لُغَةِ الْعَرَبِ إذْ لَمْ يُعْهَدْ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ، وَلَا مُرَكَّبٌ أُعْرِبَ

ص: 50

أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُسْتَثْنَى خِلَافُ حُكْمِ الصَّدْرِ، وَإِلَّا لَمَا أُخْرِجَ مِنْهُ.

(وَضَرُورَةً عَلَى الْأَخِيرِ) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَشَرَةَ إلَّا ثَلَاثَةً مَوْضُوعَةٌ لِلسَّبْعَةِ فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ وُجُودُهُ تَعَالَى يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْإِلَهِ لَمَّا كَانَ ثَابِتًا فِي عُقُولِهِمْ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ غَيْرِهِ وُجُودُهُ ضَرُورَةً؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ مَوْجُودٌ فَيَكُونُ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ، وَلَيْسَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ عِنْدَنَا، فَلَا دَلَالَةَ لِلْكَلَامِ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى مَنْطُوقًا، وَمَفْهُومًا بَلْ ضَرُورَةً فَقَطْ.

(وَمَا قِيلَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ هَذَا دَلِيلٌ حَاوَلَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ نَفْيَ الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ (إنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَرَبِيَّةِ لَفْظٌ

ــ

[التلويح]

جُزْؤُهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى جُزْءِ الِاسْمِ فِي مِثْلِ اشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ إلَّا نِصْفَهَا. الرَّابِعُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً اسْمًا لِلسَّبْعَةِ لَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى مَنْعِ الْوَجْهِ الثَّانِي وَنَقْضِهِ وَحَلِّهِ عَلَى وَجْهٍ يَنْدَفِعُ بِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ أَمَّا الْمَنْعُ فَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْلَامِ كَذَلِكَ مِثْلَ شَابَ قَرْنَاهَا وَبَرَقَ نَحْرُهُ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.

وَأَمَّا النَّقْضُ فَهُوَ أَنَّ مِثْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَمٌ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ مَعَ أَنَّ الْإِعْرَابَ فِي وَسَطِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِنَا جَاءَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَمَرَرْت بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْحَلُّ فَهُوَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ تَرَكُّبُ الْمَوْضُوعِ الشَّخْصِيِّ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمُسْتَثْنَى، وَأَدَاةَ الِاسْتِثْنَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي لَمْ يُرِيدُوا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بِالشَّخْصِ بِمَنْزِلَةِ بَعْلَبَكَّ وَمَعْدِي كَرِبَ بَلْ أَرَادُوا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بِالنَّوْعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ الْوَاضِعِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ ذَلِكَ فُهِمَ مِنْهُ الْبَاقِي كَمَا ثَبَتَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا غَيَّرَ صِيغَةَ فَعَلَ بِالْفَتْحِ إلَى فُعِلَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ يُفْهَمُ مِنْهَا مَعْنَى الْمَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ، وَإِذَا رُكِّبَ زَيْدٌ مَعَ قَائِمٍ وَجُعِلَا مَرْفُوعَيْنِ فُهِمَ مِنْهُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الصَّرْفِيَّةِ، وَالنَّحْوِيَّةِ فَإِنَّهَا أَوْضَاعٌ كُلِّيَّةٌ.

وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ تَرَكُّبُ الْمَوْضُوعِ النَّوْعِيِّ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَظَاهِرُ الْفَسَادِ فَإِنَّ جَمِيعَ الْمُرَكَّبَاتِ مَوْضُوعَةٌ بِالنَّوْعِ سَوَاءٌ تَرَكَّبَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِثْلَ قَوْلِنَا حَيَوَانٌ ذُو نُطْقٍ، وَقَوْلِنَا جِسْمٌ نَامٍ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ وَنُطْقٌ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِنْسَانِ بِالنَّوْعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ الْوَاضِعِ أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ اسْمُ جِنْسٍ وَوُصِفَ بِمَا يَخُصُّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ فُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ النَّوْعُ فَالْمَوْضُوعُ النَّوْعِيُّ كَثِيرًا مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ، وَيَكُونُ الْإِعْرَابُ فِي وَسَطِهِ كَمَا تَرَى، وَيَكُونُ لِأَجْزَائِهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَعَانِيهَا الْإِفْرَادِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَلِمَاتٌ، وَلَا يَصِيرُ الْمَجْمُوعُ كَلِمَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَكُونَ كُلٌّ مِنْ

ص: 51

مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ) أَيْ: الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَأَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى بَلْ عُهِدَ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ كَبَعْلَبَكَّ (وَمُرَكَّبٌ أُعْرِبَ فِي وَسَطِهِ ضَعِيفٌ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مَوْضُوعٌ مِثْلَ بَعْلَبَكَّ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَاهُ مُطَابِقٌ لِمَعْنَى السَّبْعَةِ مَثَلًا فَيَكُونُ هُنَاكَ وَضْعٌ كُلِّيٌّ) أَيْ: وَضْعُ الْوَاضِعِ اللَّفْظَ الَّذِي اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ الْبَاقِي وَضْعًا كُلِّيًّا لَا وَضْعًا جُزْئِيًّا.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَضْعَ عَلَى نَوْعَيْنِ وَضْعٌ جُزْئِيٌّ كَوَضْعِ اللُّغَاتِ وَوَضْعٌ كُلِّيٌّ كَالْأَوْضَاعِ التَّصْرِيفِيَّةِ وَالنَّحْوِيَّةِ فَفِي الْأَوْضَاعِ الْجُزْئِيَّةِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَرَبِيَّةِ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ مَعَ أَنَّهُ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ نَحْوَ شَابَ قَرْنَاهَا، وَبَرَقَ نَحْرُهُ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ الْعَبْدِ وَاللَّامِ وَرَحْمَنِ لَكِنْ فِي الْأَوْضَاعِ الْكُلِّيَّةِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ فِي مَعْنَى الْمُرَكَّبِ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ يُطَابِقُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّ مَنْ لَهُ يَدٌ فِي الْإِيجَازِ وَالْإِطْنَابِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يُفِيدَ مَعْنَى الْكَلِمَاتِ الْكَثِيرَةِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُفِيدَ مَعْنَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بِكَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ فَإِنَّ لَفْظَ إنْسَانٍ وَحَيَوَانٍ

ــ

[التلويح]

الْمُفْرَدَاتِ جُزْءًا مِنْ الْكَلِمَةِ فَيَمْتَنِعُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ بَلْ يَكُونُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ عَوْدِهِ إلَى الْمُبْتَدَأِ فِي مِثْلِ زَيْدٌ أَبُوهُ قَائِمٌ مَعَ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُرَكَّبِ الْمَوْضُوعِ بِالنَّوْعِ.

وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِي فِي الْإِخْرَاجِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُفِيدُهُ أَدَاةُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمَعَانِي الْإِفْرَادِيَّةُ لَيْسَتْ مَهْجُورَةً فِي الْمَوْضُوعَاتِ النَّوْعِيَّةِ، وَأَقُولُ أَمَّا الْمَنْعُ فَجَوَابُهُ الِاسْتِقْرَاءُ وَنَقْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَأَمَّا النَّقْضُ بِمِثْلِ شَابَ قَرْنَاهَا فَمَدْفُوعٌ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكَشَّافِ جَوَابًا عَمَّا قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ التَّسْمِيَةُ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ فَصَاعِدًا فَكَيْفَ تَكُونُ الْكَلِمَاتُ الْمُتَهَجَّى بِهَا أَسْمَاءً لِلصُّوَرِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ التَّسْمِيَةَ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ فَصَاعِدًا مُسْتَنْكَرَةٌ لَعَمْرِي وَخُرُوجٌ عَنْ كَلَامِ الْعَرَبِ لَكِنْ إذَا جُعِلَتْ اسْمًا وَاحِدًا عَلَى طَرِيقَةِ حَضْرَمَوْتَ، وَأَمَّا غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ مَنْثُورَةٌ نَثْرَ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ، فَلَا اسْتِنْكَارَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ التَّسْمِيَةِ بِمَا حَقُّهُ أَنْ يُحْكَى حِكَايَةً كَمَا سُمُّوا بِتَأَبَّطَ شَرًّا وَبَرَقَ نَحْرُهُ وَشَابَ قَرْنَاهَا وَكَمَا لَوْ سُمِّيَ بِزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَبِبَيْتٍ مِنْ الشِّعْرِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مِثْلَ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً لَيْسَ مَحْكِيًّا بَلْ مُعْرَبًا بِحَسْبِ الْعَوَامِلِ.

وَأَمَّا النَّقْضُ بِمِثْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ أُعْرِبَ فِي وَسَطِهِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ قَدْ احْتَرَزَ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ، وَلَا يُعْرَبُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ خَفِيَ هَذَا عَلَى الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

وَأَمَّا الْحَلُّ فَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ التَّنَاقُضِ الْمُتَوَهَّمِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ حَيْثُ أُسْنِدَ الْحُكْمُ إلَى الْكُلِّ وَأُخْرِجَ الْبَعْضُ فَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الْمُرَكَّبِ مَوْضُوعًا لِلْبَاقِي وَضْعًا كُلِّيًّا لَيْسَ مِمَّا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَقَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَوْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا لِلْمَذْهَبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَكِنَّهُ لَا يَفِي بِالْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ الْمُفْرَدَاتِ حِينَئِذٍ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا الْإِفْرَادِيَّةِ فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْعَشَرَةِ فِي قَوْلِنَا لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً

ص: 52

ذِي نُطْقٍ كُلٌّ مِنْهَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ، وَكَذَا لَفْظُ فَرَسٍ وَحَيَوَانٍ ذِي صَهِيلٍ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

(وَأَيْضًا مَنْقُوضٌ بِنَحْوِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَالْإِعْرَابُ فِي وَسَطِهِ (وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ عُلَمَائِنَا، وَبَعْضُهُمْ) أَيْ: بَعْضُ مَشَايِخِنَا كَالْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (مَالُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْغَيْرِ الْعَدَدِيِّ إلَى الثَّانِي بِحُكْمِ الْعُرْفِ) أَيْ: إلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُ إخْرَاجٌ قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ حُكْمٌ عَلَى الْبَاقِي.

(وَقَدْ فُهِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ إثْبَاتَ الْإِلَهِ بِالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْأَخِيرِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ بَلْ شَبَّهُوا الِاسْتِثْنَاءَ بِالْغَايَةِ) .

اعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمْ

ــ

[التلويح]

عَشْرَةُ أَفْرَادٍ وَيُحْكَمَ بِإِثْبَاتِهَا، وَهُوَ التَّنَاقُضُ أَوْ يُرَادَ سَبْعَةُ أَفْرَادٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ أَوْ يُرَادَ عَشْرَةُ أَفْرَادٍ لَكِنْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهَا بَعْدَ إخْرَاجِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الثَّانِي.

فَمُجَرَّدُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَجْمُوعَ مَوْضُوعٌ لِلسَّبْعَةِ بِالنَّوْعِ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا بَلْ التَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ أَنَّ عَشْرَةً أُخْرِجَتْ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مَجَازٌ لِلسَّبْعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ الَّتِي أُخْرِجَتْ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ عَشْرَةٌ، وَلَا شَيْءَ مِنْ السَّبْعَةِ بِعَشْرَةٍ، وَالْعَشَرَةُ بَعْدَ إخْرَاجِ الثَّلَاثَةِ وَقَبْلَهُ مَفْهُومٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَتْ السَّبْعَةُ بِعَشْرَةٍ عَلَى حَالٍ أَطْلَقْتهَا أَوْ قَيَّدْتهَا إنَّمَا هِيَ الْبَاقِي مِنْ الْعَشَرَةِ بَعْدَ إخْرَاجِ الثَّلَاثَةِ كَمَا يُقَالُ: إنَّهَا أَرْبَعَةٌ ضُمَّتْ إلَيْهَا ثَلَاثَةٌ وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَرْبَعَةٍ أَصْلًا.

وَإِنَّمَا هِيَ الْحَاصِلُ مِنْ ضَمِّ الْأَرْبَعَةِ إلَى الثَّلَاثَةِ ثُمَّ إنَّ السَّبْعَةَ مُرَادَةٌ فِي مِثْلِ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً فَإِنْ قُلْنَا: هَذَا التَّرْكِيبُ حَقِيقَةٌ فِي عَشْرَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِأَنَّهَا أُخْرِجَتْ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ، فَكَانَ مَجَازًا فِي السَّبْعَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْبَاقِي مِنْ الْعَشَرَةِ بَعْدَ إخْرَاجِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا ذَلِكَ، وَلَيْسَ مَدْلُولُهَا عَشْرَةً مُقَيَّدَةً فَهُوَ مَوْضُوعٌ لِلسَّبْعَةِ لَا عَلَى أَنَّهُ وُضِعَ لَهُ وَضْعًا وَاحِدًا كَمَا يُتَصَوَّرُ بَلْ عَلَى أَنَّهُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَازِمٍ مُرَكَّبٍ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِمُرَكَّبٍ يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ لَوَازِمِهِ، وَذَلِكَ فِي الْعَدَدِ ظَاهِرٌ فَإِنَّكَ قَدْ تَنْقُضُ عَدَدًا مِنْ عَدَدٍ حَتَّى يَبْقَى الْمَقْصُودُ كَمَا تَنْقُضُ ثَلَاثَةً مِنْ عَشْرَةٍ حَتَّى تَبْقَى سَبْعَةٌ، وَقَدْ يُضَمُّ عَدَدٌ إلَى عَدَدٍ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

بِنْتُ سَبْعٍ وَأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ

هِيَ حُبُّ الْمُتَيَّمِ الْمُشْتَاقِ

وَالْمُرَادُ مِنْهُ بِنْتُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِغَيْرِهِمَا كَمَا يُقَالُ: الْعَشَرَةُ جِذْرُ الْمِائَةِ وَضِعْفُ الْخَمْسَةِ وَرُبْعُ الْأَرْبَعِينَ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْمَذْهَبُ الْأَخِيرُ، وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي يَرْجِعُ إلَى أَحَدِهِمَا، وَأَنْتَ بَعْدَ ذَلِكَ خَبِيرٌ بِمَا يَرِدُ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي أَبْطَلُوا بِهَا الْمَذْهَبَيْنِ.

(قَوْلُهُ: شَبَّهُوا الِاسْتِثْنَاءَ بِالْغَايَةِ) حَيْثُ قَالُوا: إنَّ مُوجَبَ صَدْرِ الْكَلَامِ يَنْتَهِي بِالِاسْتِثْنَاءِ انْتِهَاءَ الْإِثْبَاتِ

ص: 53