المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فَيُوجِبُ الْمَالَ كَالْخَطَأِ فَنَقُولُ لَيْسَ كَالْخَطَأِ إذْ لَا قُدْرَةَ فِيهِ - التلويح على التوضيح لمتن التنقيح - جـ ٢

[السعد التفتازاني - المحبوبي صدر الشريعة الأصغر]

فهرس الكتاب

- ‌(الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ

- ‌[فَصْلٌ اتِّصَالُ الْخَبَرِ] [

- ‌التَّوَاتُرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ]

- ‌[فَصْلٌ] الرَّاوِي إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ وَإِمَّا مَجْهُولٌ

- ‌[فَصْلٌ شَرَائِطُ الرَّاوِي]

- ‌[فَصْلٌ فِي انْقِطَاعِ الْحَدِيثِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ]

- ‌[فَصْلٌ] فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي الطَّعْنِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي أَفْعَالِهِ عليه الصلاة والسلام

- ‌[فَصْلٌ فِي الْوَحْيِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ]

- ‌[بَابُ الْبَيَانِ]

- ‌(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَمُنْقَطِعٌ

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرَقُ

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ]

- ‌(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ التَّبْدِيلِ

- ‌[بَيَانُ النَّاسِخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كَوْنُ النَّاسِخِ أَشَقَّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الضَّرُورَةِ]

- ‌[الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ]

- ‌[الْأَمْرُ الْأَوَّلُ رُكْنُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي قَوْلَيْنِ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّانِي أَهْلِيَّةُ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّالِثُ شُرُوطُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْأَمْرُ الرَّابِعُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْإِجْمَاعُ عَلَى مَرَاتِبَ]

- ‌[الْأَمْرُ الْخَامِسُ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ]

- ‌[الْقِيَاسُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقِيَاسِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ]

- ‌[أَبْحَاثٌ فِي الْعِلَّة]

- ‌[الْأَوَّلُ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ عَدَمُ التَّعْلِيلِ]

- ‌[الثَّانِي كَوْنُ الْعِلَّة وَصْفًا لَازِمًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ]

- ‌[الثَّالِثُ تُعْرَفُ الْعِلَّةُ بِأُمُورٍ]

- ‌[الْأَوَّلُ وَالثَّانِي النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ]

- ‌[الثَّالِثُ الْمُنَاسَبَةُ]

- ‌(فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ

- ‌[فَصْلٌ الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ]

- ‌ لِلْقِيَاسِ الْخَفِيِّ(قِسْمَيْنِ:

- ‌[فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ]

- ‌[النَّقْضُ]

- ‌[وَدَفْعُ النَّقْض بِأَرْبَعِ طُرُقٍ]

- ‌[الْمُمَانَعَةُ]

- ‌الْمُعَارَضَةِ

- ‌(فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ)

- ‌ الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْعِلَّةِ الطَّرْدِيَّةِ

- ‌[فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ كَلَامٍ إلَى آخَرَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ]

- ‌[التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ]

- ‌(بَابُ) الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ

- ‌[فَصْلٌ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ]

- ‌[الْأُمُور الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ وُجُوهُ التَّرْجِيحِ]

- ‌[فَصْلٌ مِنْ التَّرَاجِيحِ الْفَاسِدَةِ التَّرْجِيحُ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ]

- ‌[بَابُ الِاجْتِهَادِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ فِي الْحُكْمِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ]

- ‌[بَابٌ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ قِسْمَانِ]

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ أَوْ يَكُونَ كَالْحُكْمِ]

- ‌[الْقَسْم الثَّانِي مِنْ الْحُكْمِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم بِهِ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءً]

- ‌[فَصْلٌ الْأُمُورُ الْمُعْتَرِضَةُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْعَوَارِضُ السَّمَاوِيَّةُ]

- ‌[الْجُنُونُ]

- ‌[الصِّغَرُ]

- ‌[الْعَتَهُ]

- ‌[النِّسْيَانُ]

- ‌[النَّوْمُ]

- ‌ الْإِغْمَاءُ)

- ‌[الرِّقُّ]

- ‌[الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ]

- ‌[الْمَرَضُ]

- ‌[الْمَوْتُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ نَفْسِهِ]

- ‌[الْجَهْلُ]

- ‌[السُّكْرُ]

- ‌ الْهَزْلُ

- ‌[السَّفَهُ]

- ‌ السَّفَرُ

- ‌[الْخَطَأُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ غَيْرِهِ]

- ‌[الْإِكْرَاهُ وَهُوَ إمَّا مُلْجِئٌ أَوْ غَيْرُ مُلْجِئٍ]

الفصل: فَيُوجِبُ الْمَالَ كَالْخَطَأِ فَنَقُولُ لَيْسَ كَالْخَطَأِ إذْ لَا قُدْرَةَ فِيهِ

فَيُوجِبُ الْمَالَ كَالْخَطَأِ فَنَقُولُ لَيْسَ كَالْخَطَأِ إذْ لَا قُدْرَةَ فِيهِ عَلَى الْمِثْلِ) أَيْ فِي الْخَطَأِ عَلَى الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ جَزَاءٌ كَامِلٌ فَلَا يَجِبُ مَعَ قُصُورِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ الْخَطَأُ فَإِنْ أُورِدَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ رُبَّمَا لَا يَقْبَلُهُ الْجَدَلِيُّ فَنُورِدُهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ

(فَتَوْجِيهُ هَذَا) أَيْ تَوْجِيهُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ

(أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ) وَهُوَ الْخَطَأُ

(شَرْعُ الْمَالِ خَلَفًا عَنْ الْقَوَدِ وَفِي الْفَرْعِ مُزَاحَمَتُهُ إيَّاهُ) يَعْنِي أَنَّ الْمَالَ شُرِعَ خَلَفًا عَنْ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وُجُوبُ الْقَوَدِ لَكِنْ لَمْ يَجِبْ لِمَا قُلْنَا فَوَجَبَ خَلَفُهُ وَفِي الْفَرْعِ وَهُوَ الْعَمْدُ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُزَاحَمَةُ الْمَالِ الْقَوَدَ فَلَا يَكُونُ الْحُكْمَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ.

(وَمِنْهُ الْمُمَانَعَةُ فَهِيَ إمَّا فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُتَمَسِّكًا بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا كَالطَّرْدِ وَالتَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ الْعِلَّةُ هَذَا بَلْ غَيْرَهُ كَمَا ذَكَرْنَا

ــ

[التلويح]

قُتِلَ عَبْدٌ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ كَالْمُكَاتَبِ فَقِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ أَعْنِي الْمُكَاتَبِ كَوْنُهُ عَبْدًا بَلْ جَهَالَةُ الْمُسْتَحَقِّ أَنَّهُ السَّيِّدُ أَوْ الْوَارِثُ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْعِلَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُمَانَعَةَ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ هِيَ أَسَاسُ الْمُنَاظَرَةِ لِعُمُومِ وُرُودِهَا عَلَى الْقِيَاسِ إذْ قَلَّمَا تَكُونُ الْعِلَّةُ قَطْعِيَّةً وَعِنْدَ إيرَادِهَا يَرْجِعُ الْمُعَلَّلُ فِي التَّقَصِّي عَنْهَا إلَى مَسَالِكِ الْعِلَّةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهَا أَبْحَاثٌ فَيُطَوِّلُ الْقِيلَ وَالْقَالَ وَيُكْثِرُ الْجَوَابَ وَالسُّؤَالَ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْمَانِعَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَطَلَبِ الدَّلِيلِ لَا عَلَى وَجْهِ الدَّعْوَى وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْمُمَانَعَةُ بَعْدَ ظُهُورِ تَأْثِيرِهَا لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ تَأْثِيرُ الْوَصْفِ بِمَعْنَى اعْتِبَارِ نَوْعِهِ أَوْ جِنْسِهِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ وَتَكُونُ عِلَّةُ الْحُكْمِ غَيْرَهُ أَوْ يَكُونُ مُقْتَصِرًا عَلَى الْأَصْلِ بِخِلَافِ فَسَادِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بَعْدَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ وَلِهَذَا جَعَلَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رحمه الله دَفْعَ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِالْمُمَانَعَةِ وَ‌

‌الْمُعَارَضَةِ

صَحِيحًا وَبِالنَّقْضِ وَفَسَادِ الْوَضْعِ فَاسِدًا نَعَمْ قَدْ يُورِدُ النَّقْضَ وَفَسَادَ الْوَضْعِ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ وَبَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

[الْمُعَارَضَةُ]

(قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَرْجِعَ جَمِيعِ الِاعْتِرَاضَاتِ إلَى الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُسْتَدِلِّ الْإِلْزَامُ بِإِثْبَاتِ مُدَّعَاهُ بِدَلِيلِ الْمُعْتَرِضِ، عَدَمُ الِالْتِزَامِ بِمَنْعِهِ عَنْ إثْبَاتِهِ بِدَلِيلِهِ، وَالْإِثْبَاتُ يَكُونُ بِصِحَّةِ مُقَدِّمَاتِهِ لِيَصْلُحَ لِلشَّهَادَةِ وَبِسَلَامَتِهِ عَنْ الْمُعَارِضِ لِتَنْفُذَ شَهَادَتُهُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَالدَّفْعُ يَكُونُ بِهَدْمِ أَحَدِهِمَا فَهَدْمُ شَهَادَةِ الدَّلِيلِ يَكُونُ بِالْقَدْحِ فِي صِحَّتِهِ بِمَنْعِ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَطَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا، وَهَدْمُ سَلَامَتِهِ يَكُونُ بِفَسَادِ شَهَادَتِهِ فِي الْمُعَارَضَةِ بِمَا يُقَابِلُهَا وَبِمَنْعِ ثُبُوتِ حُكْمِهَا فَمَا لَا يَكُونُ مِنْ الْقَبِيلَيْنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَقْصُودِ الِاعْتِرَاضِ فَالنَّقْضُ وَفَسَادُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْعِ وَالْقَلْبُ وَالْعَكْسُ وَالْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله مِنْ تَخْصِيصِ الْمُنَاقَضَةِ بِالْمَنْعِ مَعَ السَّنَدِ يُبْطِلُ حَصْرَ الِاعْتِرَاضِ فِي الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُعَارَضَةِ

ص: 180

فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَأَمَّا فِي وُجُودِهَا فِي الْأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ كَمَا مَرُّوا فِي شُرُوطِ التَّعْلِيلِ وَأَوْصَافِ الْعِلَّةِ كَكَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً)

(وَمِنْهُ الْمُعَارَضَةُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إمَّا أَنْ يُبْطِلَ دَلِيلَ الْمُعَلِّلِ وَيُسَمَّى مُنَاقَضَةً أَوْ يُسَلِّمُهُ لَكِنْ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى نَفْيِ مَدْلُولِهِ وَيُسَمَّى مُعَارَضَةً وَتَجْرِي فِي الْحُكْمِ وَفِي عِلَّتِهِ وَالْأُولَى تُسَمَّى مُعَارَضَةً فِي الْحُكْمِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ) فَقَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ هَذَا تَقْسِيمُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُعَارَضَةِ لَا تَقْسِيمُ الْمُعَارَضَةِ فَإِذَا عَلَّلَ الْمُعَلِّلُ فَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَمْنَعَ مُقَدَّمَاتِ دَلِيلِهِ وَيُسَمَّى هَذَا مُمَانَعَةً فَإِذَا ذَكَرَ لِمَنْعِهِ سَنَدًا يُسَمَّى مُنَاقَضَةً كَمَا يَقُولُ مَا ذَكَرْت لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ طَرْدٌ مُجَرَّدٌ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ إلَى آخِرِ مَا عَرَفْت فِي الْمُمَانَعَةِ وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ دَلِيلَهُ

ــ

[التلويح]

لِخُرُوجِ الْمَنْعِ الْمُجَرَّدِ عَنْهُمَا وَعِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ: الْمُنَاقَضَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ مُقَدِّمَةِ الدَّلِيلِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ السَّنَدِ أَوْ بِدُونِهِ وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ النَّقْضِ وَمَرْجِعُهَا إلَى الْمُمَانَعَةِ؛ لِأَنَّهَا امْتِنَاعٌ عَنْ تَسْلِيمِ بَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ السَّنَدِ لَهُ فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَكُونُ الْمُعَارَضَةُ مِنْ أَقْسَامِ الِاعْتِرَاضِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ الْخَصْمِ قَدْ ثَبَتَ بِتَمَامِ دَلِيلِهِ قُلْنَا هِيَ فِي الْمَعْنَى نَفْيٌ لِتَمَامِ الدَّلِيلِ وَنَفَاذِ شَهَادَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ حَيْثُ قُوبِلَ بِمَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ مَدْلُولِهِ وَلَمَّا كَانَ الشُّرُوعُ فِيهَا بَعْدَ تَمَامِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ ظَاهِرًا لَمْ يَكُنْ غَصْبًا؛ لِأَنَّ السَّائِلَ قَدْ قَامَ عَنْ مَوْقِفِ الْإِنْكَارِ إلَى مَوْقِفِ الِاسْتِدْلَالِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَدْحَ الْمُعْتَرِضِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَالْقَصْدِ فِي الدَّلِيلِ أَوْ فِي الْمَدْلُولِ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَنْعِ شَيْءٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ وَالْمَمْنُوعُ إمَّا مُقَدَّمَةٌ مُعَيَّنَةٌ مَعَ ذِكْرِ السَّنَدِ أَوْ بِدُونِهِ وَيُسَمَّى مُنَاقَضَةً، وَإِمَّا مُقَدِّمَةٌ لَا بِعَيْنِهَا وَهُوَ النَّقْدُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الدَّلِيلُ بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ لَمَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ وَذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ إقَامَةِ الْمُعَلِّلِ دَلِيلًا عَلَى إثْبَاتِهَا وَهُوَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَيَدْخُلُ فِي أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَهَا وَهُوَ الْغَصْبُ الْغَيْرُ الْمَسْمُوعِ لِاسْتِلْزَامِهِ الْخَيْطَ فِي الْبَحْثِ بِوَاسِطَةٍ بَعْدَ كُلٍّ مِنْ الْمُعَلِّلِ وَالسَّائِلِ عَمَّا كَانَا فِيهِ وَضَلَالُهُمَا عَمَّا هُوَ طَرِيقُ التَّوْجِيهِ وَالْمَقْصُودِ بِنَاءً عَلَى انْقِلَابِ حَالِهِمَا وَاضْطِرَابِ مَقَالِهِمَا كُلَّ سَاعَةِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْقَدْحُ فِي الْمَدْلُولِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلدَّلِيلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَنْعِ الْمَدْلُولِ وَهُوَ مُكَابَرَةٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَإِمَّا بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ وَتَجْرِي فِي الْحُكْمِ بِأَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلَى نَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ وَفِي عِلَّتِهِ بِأَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِهِ وَالْأَوَّلُ يُسَمَّى مُعَارَضَةً فِي الْحُكْمِ وَالثَّانِيَةُ الْمُعَارَضَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَتَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَمَامِ الدَّلِيلِ مُنَاقَضَةً وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْحُكْمِ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِدَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَلَوْ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وَهُوَ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فَمِنْ

ص: 181

فَيَقُولُ مَا ذَكَرْت مِنْ الدَّلِيلِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ الْمَدْلُولِ لَكِنْ عِنْدِي مَا يَنْفِي ذَلِكَ الْمَدْلُولَ وَيُقِيمُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ مَدْلُولِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَدْلُولُ هُوَ الْحُكْمَ أَوْ مُقَدِّمَةً مِنْ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِهِ، الْأَوَّلِ يُسَمَّى مُعَارَضَةً فِي الْحُكْمِ وَالثَّانِي يُسَمَّى مُعَارَضَةً فِي الْمُقَدِّمَةِ كَمَا إذَا أَقَامَ الْمُعَلِّلُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لِلْحُكْمِ هِيَ الْوَصْفُ الْفُلَانِيُّ فَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ لَا يَنْقُضَ دَلِيلَهُ بَلْ يُثْبِتُ بِدَلِيلٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ فَهَذَا مُعَارَضَةٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ ثُمَّ شَرَعَ فِي تَقْسِيمِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْحُكْمِ فَقَالَ

(أَمَّا الْأُولَى فَإِمَّا بِدَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَإِنْ كَانَ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وَهِيَ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ فَإِنْ دَلَّ عَلَى نَقِيضِ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَقَلْبٌ كَقَوْلِهِ: صَوْمُ رَمَضَانَ صَوْمُ فَرْضٍ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ كَالْقَضَاءِ فَنَقُولُ صَوْمُ فَرْضٍ فَيُسْتَغْنَى عَنْ التَّعْيِينِ بَعْدَ تَعْيِينِهِ كَالْقَضَاءِ لَكِنْ هُنَا

ــ

[التلويح]

حَيْثُ إثْبَاتُ نَقِيضِ الْحُكْمِ، وَأَمَّا الْمُنَاقَضَةُ فَمِنْ حَيْثُ إبْطَالُ دَلِيلِ الْمُعَلِّلِ إذْ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ لَا يَقُومُ عَلَى النَّقِيضَيْنِ فَإِنْ قُلْت فِي الْمُعَارَضَةِ تَسْلِيمُ دَلِيلِ الْخَصْمِ وَفِي الْمُنَاقَضَةِ إنْكَارُهُ فَكَيْفَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ يَكْفِي فِي الْمُعَارَضَةِ التَّسْلِيمُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ بِأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلْإِنْكَارِ قَصْدًا فَإِنْ قُلْتَ فَفِي كُلِّ مُعَارَضَةٍ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ وَإِبْطَالَهُ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ دَلِيلِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ. قُلْتُ عِنْدَ تَغَايُرِ الدَّلِيلَيْنِ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْبَاطِلُ دَلِيلَ الْمُعَارِضِ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّحَدَ الدَّلِيلُ ثُمَّ دَلِيلُ الْمُعَارِضُ إنْ كَانَ عَلَى نَقِيضِ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَقَلْبٌ وَإِنْ كَانَ مَا يَسْتَلْزِمُهُ فَعَكْسٌ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهِيَ الْمُنَاقَضَةُ الْخَالِصَةُ وَإِثْبَاتُهُ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِهِ أَوْ بِتَغْيِيرِ مَا وُكِّلَ مِنْهُمَا صَرِيحًا أَوْ الْتِزَامًا وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ إنْ كَانَتْ بِجَعْلِ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ مَعْلُولًا وَالْمَعْلُولِ عِلَّةً فَمُعَارَضَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ وَإِلَّا فَمُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ لِنَفْيِ عِلِّيَّةِ مَا أَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ، وَقَدْ تَكُونُ لِإِثْبَاتِ عِلِّيَّةِ عِلَّةٍ أُخْرَى إمَّا قَاصِرَةٍ وَإِمَّا مُتَعَدِّيَةٍ إلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَوْ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَرْدُودٌ وَأَمْثِلَتُهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْكِتَابِ فَإِنْ قُلْت بَعْدَ مَا ظَهَرَ تَأْثِيرُ الْعِلَّةِ كَيْفَ يَصِحُّ مُعَارَضَتُهَا خُصُوصًا بِطَرِيقِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ جَعْلُ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا عِلَّةً لِنَقِيضِ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ قُلْتُ رُبَّمَا يُظَنُّ ظُهُورُ التَّأْثِيرِ، وَلَا تَأْثِيرَ وَرُبَّمَا يُورَدُ عَلَى الْمُؤَثِّرِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ أَوْ قَلْبٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْمُنَافَاةُ إنَّمَا هِيَ بَيْنَ تَأْثِيرٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَتَمَامِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى الْقَطْعِ، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ وَهَكَذَا حُكْمُ فَسَادِ الْوَضْعِ فَتَخْصِيصُهُ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ ثُبُوتِ التَّأْثِيرِ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ عَلَيْهِ) يَعْنِي زِيَادَةً تُفِيدُ تَقْرِيرًا وَتَفْسِيرًا لَا تَبْدِيلًا وَتَغْيِيرًا لِيَكُونَ قَلْبًا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَلْبِ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ كَقَلْبِ الْجِرَابِ يُسَمَّى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ جَعَلَ الْعِلَّةَ شَاهِدًا لَهُ بَعْدَ مَا كَانَ شَاهِدًا عَلَيْهِ أَوْ عَكْسًا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَكَسْتُ الشَّيْءَ رَدَدْته إلَى وَرَائِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْأَوَّلِ وَقِيلَ

ص: 182

التَّعْيِينُ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَفِي الْقَضَاءِ بِالشُّرُوعِ) أَيْ تَعْيِينُ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ تَعْيِينٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ بِتَعْيِينِ اللَّهِ وَفِي الْقَضَاءِ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ

(وَكَقَوْلِهِ: مَسْحُ الرَّأْسِ رُكْنٌ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَغَسْلِ الْوَجْهِ فَنَقُولُ رُكْنٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ كَغَسْلِ الْوَجْهِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى حُكْمٍ آخَرَ يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ النَّقِيضُ يُسَمَّى عَكْسًا كَقَوْلِهِ: فِي صَلَاةِ النَّفْلِ عِبَادَةٌ لَا تَمْضِي فِي فَاسِدِهَا فَلَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَنَقُولُ لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ النَّذْرُ وَالشُّرُوعُ كَالْوُضُوءِ) اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَجِبُ بِالشَّرْعِ لَا بُدَّ أَنْ يَجِبَ الْمُضِيُّ فِيهَا إذَا فَسَدَتْ كَمَا فِي الْحَجِّ فَيَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ إذَا فَسَدَتْ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهَا لَا تَجِبُ بِالشُّرُوعِ فَنَقُولُ لَوْ كَانَ عَدَمُ وُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي الْفَاسِدِ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ

ــ

[التلويح]

رَدُّ أَوَّلِ الشَّيْءِ إلَى آخِرِهِ وَآخِرِهِ إلَى أَوَّلِهِ نَظِيرُ الْعَكْسِ مَا إذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَلَاةُ النَّفْلِ عِبَادَةٌ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهَا إذَا فَسَدَتْ فَلَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَنَقُولُ لَمَّا كَانَ الْمَذْكُورُ وَهُوَ صَلَاةُ النَّفْلِ مِثْلَ الْوُضُوءِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ النَّذْرُ وَالشُّرُوعُ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَذَلِكَ إمَّا بِشُمُولِ الْعَدَمِ أَوْ بِشُمُولِ الْوُجُودِ وَالْأَوَّلِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ الثَّانِي وَهُوَ الْوُجُوبُ بِالنَّذْرِ وَالشُّرُوعِ جَمِيعًا وَهُوَ نَقِيضُ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ فَالْمُعْتَرِضُ أَثْبَتَ بِدَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وُجُوبَ الِاسْتِوَاءِ الَّذِي لَزِمَ مِنْهُ وُجُوبُ صَلَاةِ النَّفْلِ بِالشُّرُوعِ وَهُوَ نَقِيضُ مَا أَثْبَتَهُ الْمُعَلِّلُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِهَا بِالشُّرُوعِ.

(قَوْلُهُ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ) يَعْنِي ادَّعَى الْمُعَلِّلُ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَجِبُ بِالشُّرُوعِ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهَا عِنْدَ الْفَسَادِ وَيَلْزَمُهَا بِحُكْمِ عَكْسِ النَّقِيضِ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا لَا تَجِبُ بِالشُّرُوعِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي الْفَاسِدِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ فَاعْتَرَضَ السَّائِلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ لَكَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ لِمَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الشُّرُوعَ مَعَ النَّذْرِ فِي الْإِيجَابِ بِمَنْزِلَةِ تَوْأَمَيْنِ لَا يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ النَّاذِرَ عَهِدَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وَكَذَا الشَّارِعُ عَزَمَ عَلَى الْإِيقَاعِ فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ صِيَانَةً لِمَا أَدَّى إلَى الْبُطْلَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ اسْتِوَاءُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعُ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَعْنِي فِي عَدَمِ وُجُوبِ صَلَاةِ النَّفْلِ بِهِمَا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِوُجُوبِهَا بِالنَّذْرِ إجْمَاعًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّقْرِيرَ غَيْرُ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ كَوْنُ الِاعْتِرَاضِ مِنْ قَبِيلِ الْعَكْسِ إلَّا أَنَّ فِيهِ تَقْرِيبًا إلَى أَنَّ هَذِهِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ لِتَضَمُّنِهَا إبْطَالَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي الْفَاسِدِ لَوْ كَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ لَكَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ.

(قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ) يَعْنِي أَنَّ الْقَلْبَ أَقْوَى مِنْ

ص: 183

لَكَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهِ فَلَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ فَيَلْزَمُ اسْتِوَاءُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعِ فِي هَذَا الْحُكْمِ

(وَالْأَوَّلُ أَقْوَى مِنْ هَذَا) أَيْ الْقَلْبُ أَقْوَى مِنْ الْعَكْسِ

(لِأَنَّهُ جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ وَبِحُكْمٍ مُجْمَلٍ وَهُوَ الِاسْتِوَاءُ) أَيْ الْمُعْتَرِضُ جَاءَ فِي الْعَكْسِ بِحُكْمٍ آخَرَ وَفِي الْقَلْبِ جَاءَ بِنَقِيضِ حُكْمٍ يَدَّعِيهِ الْمُعَلِّلُ فَالْقَلْبِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْعَكْسِ اشْتَغَلَ بِمَا لَيْسَ هُوَ بِصَدَدِهِ وَهُوَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ الْآخَرِ، وَفِي الْقَلْبِ لَمْ يُشْغَلْ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا جَاءَ بِحُكْمٍ مُجْمَلٍ وَهُوَ الِاسْتِوَاءُ إذْ الِاسْتِوَاءُ يَكُونُ بِطَرِيقَيْنِ وَالْمُعْتَرِضُ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَيُّهُمَا وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ الْمُبَيَّنِ أَقْوَى مِنْ إثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُجْمَلِ وَأَيْضًا الِاسْتِوَاءُ الَّذِي فِي الْفَرْعِ غَيْرُ الِاسْتِوَاءِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْلِ وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُ

(وَلِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فَفِي الْوُضُوءِ بِطَرِيقِ شُمُولِ الْعَدَمِ وَفِي الْفَرْعِ بِطَرِيقِ شُمُولِ الْوُجُودِ وَإِمَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ)

ــ

[التلويح]

الْعَكْسِ بِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ بِالْعَكْسِ جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ غَيْرِ نَقِيضِ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ وَهُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِيهِ بِخِلَافِ الْمُعْتَرِضِ بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجِئْ إلَّا بِنَقِيضِ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَاكِسَ جَاءَ بِحُكْمٍ مُجْمَلٍ وَهُوَ الِاسْتِوَاءُ الْمُحْتَمِلُ لِشُمُولِ الْوُجُودِ وَشُمُولِ الْعَدَمِ وَالْقَالِبُ جَاءَ بِحُكْمٍ مُفَسِّرٍ هُوَ نَفْيُ دَعْوَى، الْمُعَلِّلُ الثَّالِثُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ إثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ وَلَمْ يُرَاعِ هَذَا فِي الْعَكْسِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ وَاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ فِي الْأَصْلِ أَعْنِي الْوُضُوءَ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ شُمُولِ الْعَدَمِ أَعْنِي عَدَمَ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ، وَلَا بِالشُّرُوعِ، وَفِي الْفَرْعِ أَعْنِي صَلَاةَ النَّفْلِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ شُمُولِ الْوُجُودِ أَعْنِي الْوُجُوبَ بِالنَّذْرِ وَالشُّرُوعِ جَمِيعًا فَلَا مُمَاثَلَةَ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِيهِ بَعْضُ الْمُخَالَفَةِ لِكَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ الْمُعَارَضَةُ نَوْعَانِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ وَمُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ أَمَّا الْأُولَى فَالْقَلْبُ وَيُقَابِلُهُ الْعَكْسُ وَالْقَلْبُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْعَلَ الْمَعْلُولَ عِلَّةً وَالْعِلَّةَ مَعْلُولًا مِنْ قَلَبْتُ الشَّيْءَ جَعَلْته مَنْكُوسًا، وَثَانِيهِمَا أَنْ تَجْعَلَ الْوَصْفَ شَاهِدًا لَك بَعْدَ مَا كَانَ شَاهِدًا عَلَيْك مِنْ قَلَبَ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَأَمَّا الْعَكْسُ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا اُسْتُعْمِلَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلْبِ أُلْحِقَ بِهَذَا الْبَابِ وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى رَدِّ الشَّيْءِ عَلَى سَنَنِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ الْعِلَلِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ زِيَادَةُ تَعَلُّقٍ بِالْعِلَّةِ حَيْثُ يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا وَذَلِكَ كَقَوْلِنَا مَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ، وَعَكْسُهُ الْوُضُوءُ بِمَعْنَى أَنَّ مَا لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ وَثَانِيهِمَا بِمَعْنَى رَدِّ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ سَنَنِهِ كَمَا يُقَالُ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهَا فَلَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَيُقَالُ لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ عَمَلُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعُ كَالْوُضُوءِ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْقَلْبِ ضَعِيفٌ

ص: 184

عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَأَمَّا بِدَلِيلِ الْمُعَلِّلِ

(وَهُوَ مُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ وَهُوَ إمَّا أَنْ يُثْبِتَ نَقِيضَ حُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ حُكْمًا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ النَّقِيضُ كَقَوْلِهِ: الْمَسْحُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالْغُسْلِ فَنَقُولُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ، وَهَذَا) أَيْ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ

(أَقْوَى الْوُجُوهِ) فَقَوْلُهُ الْمَسْحُ رُكْنٌ نَظِيرُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ

(وَكَقَوْلِنَا فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا: صَغِيرَةٌ فَتُنْكَحُ كَاَلَّتِي لَهَا أَبٌ فَيُقَالُ صَغِيرَةٌ فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا بِوِلَايَةِ الْأُخُوَّةِ كَالْمَالِ فَلَمْ يَنْفِ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ بَلْ وِلَايَةً بِعَيْنِهَا لَكِنْ إذَا انْتَفَتْ هِيَ يَنْتَفِي سَائِرُهَا بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْفِي الْإِجْبَارَ بِوِلَايَةِ الْإِخْوَةِ يَنْفِي الْإِجْبَارَ بِوِلَايَةِ الْعُمُومَةِ وَنَحْوِهَا فَهَذَا نَظِيرُ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ الْمُعَارَضَةِ

(وَكَالَتِي) نَظِيرُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ

(نُعِيَ إلَيْهَا زَوْجُهَا فَنُكِحَتْ وَوَلَدَتْ ثُمَّ جَاءَ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فِرَاشٍ صَحِيحٍ فَيُقَالُ الثَّانِي صَاحِبُ فِرَاشٍ فَاسِدٍ فَيَسْتَحِقُّ النَّسَبَ كَمَنْ

ــ

[التلويح]

لِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ ذَهَبَتْ الْمُنَاقَضَةُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَمْ يَنْفِ التَّسْوِيَةَ لِيَكُونَ إثْبَاتُهَا دَفْعًا لِدَعْوَاهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ حُكْمٌ مُجْمَلٌ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَلِفٌ فِي الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ أَعْنِي الْمُعَارَضَةُ الْخَالِصَةُ فَخَمْسَةُ أَنْوَاعٍ اثْنَانِ فِي الْفَرْعِ وَثَلَاثَةٌ فِي الْأَصْلِ وَجَعَلَ أَحَدَ أَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ الْمُعَارَضَةَ بِزِيَادَةٍ هِيَ تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَتَقْرِيرٌ لَهُ كَمَا يُقَالُ الْمَسْحُ رُكْنٌ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالْغُسْلِ فَيُقَالُ رُكْنٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ كَالْغُسْلِ وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْ الْقَلْبِ فَأُورِدُهُ تَارَةً فِي الْمُعَارَضَةِ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ نَظَرًا إلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ تَقْرِيرٌ فَيَكُون مِنْ قَبِيلِ جَعْلِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ دَلِيلًا عَلَى نَقِيضِ مُدَّعَاهُ فَيَلْزَمُ إبْطَالُهُ وَتَارَةً فِي الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ نَظَرًا إلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّهُ مَعَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ لَيْسَ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ بِعَيْنِهِ وَأَيْضًا جَعَلَ أَحَدَ الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ، الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ الْعَكْسِ.

(قَوْلُهُ: وَهَذَا أَقْوَى الْوُجُوهِ) لِدَلَالَتِهِ صَرِيحًا عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْمُعَارَضَةِ وَهُوَ إثْبَاتُ نَقِيضِ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ بِعَيْنِهِ.

(قَوْلُهُ وَكَقَوْلِنَا فِي صَغِيرَةٍ) يَعْنِي مِثَالَ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ الَّتِي تُثْبِتُ نَقِيضَ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ بِتَغَيُّرٍ مَا، قَوْلُنَا فِي إثْبَاتِ وِلَايَةِ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا، وَلَا جَدَّ لِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ صَغِيرَةً فَيَثْبُتُ عَلَيْهَا وِلَايَةُ النِّكَاحِ كَاَلَّتِي لَهَا أَبٌ بِعِلَّةِ الصِّغَرِ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ صَغِيرَةٌ فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا بِوِلَايَةِ الْأُخُوَّةِ كَالْمَالِ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَخِ عَلَى مَالِ الصَّغِيرَةِ لِقُصُورِ الشَّفَقَةِ فَالْعِلَّةُ هِيَ قُصُورُ الشَّفَقَةِ لَا الصِّغَرِ عَلَى مَا يُفْهَمْ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُعَارَضَةً خَالِصَةً بَلْ قَلْبًا فَالْمُعَلِّلُ أَثْبَتَ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ وَالْمُعَارِضُ لَمْ يَنْفِهَا بَلْ نَفَى وِلَايَةَ الْأَخِ فَوَقَعَ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ تَغْيِيرٌ هُوَ التَّقْيِيدُ بِالْأَخِ وَلَزِمَ نَفْيُ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَخَ أَقْرَبُ الْقَرَابَاتِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ

ص: 185

تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شُهُودِ فَوَلَدَتْ فَالْمُعَارِضُ وَإِنْ أَثْبَتَ حُكْمًا آخَرَ) وَهُوَ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ لِلثَّانِي نَفْيُهُ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِذَا ثَبَتَ الْمُعَارَضَةُ فَالسَّبِيلُ التَّرْجِيحُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ صَاحِبُ فِرَاشٍ صَحِيحٍ وَهُوَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ كَوْنِ الثَّانِي حَاضِرًا وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَمِنْهَا مَا فِيهِ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ وَهُوَ أَنْ تُجْعَلَ الْعِلَّةُ مَعْلُولًا وَالْمَعْلُولُ عِلَّةً وَهِيَ قَلْبٌ أَيْضًا وَإِنَّمَا يَرِدُ هَذَا إذَا

(كَانَتْ الْعِلَّةُ حُكْمًا لَا وَصْفًا) ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ وَصْفًا لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مَعْلُولًا وَالْحُكْمَ عِلَّةً

(نَحْوُ: الْكُفَّارُ جِنْسٌ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً فَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّ جَلْدَ الْمِائَةِ غَايَةُ حَدِّ الْبِكْرِ وَالرَّجْمُ غَايَةُ حَدِّ الثَّيِّبِ فَإِذَا وَجَبَ فِي الْبِكْرِ غَايَتُهُ وَجَبَ فِي الثَّيِّبِ غَايَتُهُ أَيْضًا فَإِنَّ النِّعْمَةَ كُلَّهَا كَانَتْ أَكْمَلَ فَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا تَكُونُ أَفْحَشَ فَجَزَاؤُهَا يَكُونُ أَغْلَظَ فَإِذَا وَجَبَ فِي الْبِكْرِ الْمِائَةُ يَجِبُ فِي الثَّيِّبِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا إلَّا الرَّجْمَ فَإِنَّ الشَّرْعَ مَا أَوْجَبَ فَوْقَ جَلْدِ الْمِائَةِ إلَّا الرَّجْمَ

(وَالْقِرَاءَةُ تَكَرَّرَتْ فَرْضًا فِي الْأُولَيَيْنِ فَكَانَتْ فَرْضًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَنَقُولُ الْمُسْلِمُونَ إنَّمَا يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً؛ لِأَنَّهُ يُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ) يَعْنِي لَوْ جَعَلَ الْمُعَلِّلُ جَلْدَ الْبِكْرِ عِلَّةً لِرَجْمِ الثَّيِّبِ، فَنَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ هَذَا بَلْ رَجْمُ الثَّيِّبِ عِلَّةٌ لِجَلْدِ الْبِكْرِ وَإِنَّمَا تَكَرَّرَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَرْضًا فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ فَرْضًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَالْمُخْلَصُ

ــ

[التلويح]

فَنَفْيُ وِلَايَتِهِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ وِلَايَةِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِيرُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ وَجْهُ صِحَّةٍ.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ الْأَوَّلِ صَاحِبَ فِرَاشٍ صَحِيحٍ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ كَوْنِ الثَّانِي حَاضِرًا مَعَ فَسَادِ الْفِرَاشِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْفِرَاشِ تُوجِبُ حَقِيقَةَ النَّسَبِ وَالْفَاسِدُ شُبْهَتُهُ وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ شُبْهَتِهِ وَرُبَّمَا يُقَالُ بَلْ فِي الْحُضُورِ حَقِيقَةُ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ مَائِهِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ قَلْبٌ أَيْضًا) مِنْ إذَا قَلَبْت الْإِنَاءَ وَجَعَلْت أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلٌ وَهُوَ أَعْلَى وَالْمَعْلُولُ فَرْعٌ وَهُوَ أَسْفَلُ فَتَبْدِيلُهُمَا بِمَنْزِلَةِ جَعْلِ الْكُوزِ مَنْكُوسًا لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ مُعَارَضَةً إذَا أَقَامَ الْمُعْتَرِضُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ عِلِّيَّةِ مَا ادَّعَاهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً وَإِلَّا فَهُوَ مُمَانَعَةٌ مَعَ السَّنَدِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَعَمْ لَوْ أَثْبَتَ كَوْنَ الْعِلَّةِ مَعْلُولًا لَزِمَ نَفْيُ عِلِّيَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَعْلُولَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ لَهُ عِلَّةٌ وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ فِي الْحُكْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ السَّائِلَ عَارَضَ تَعْلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ بِتَعْلِيلٍ آخَرَ لَزِمَ مِنْهُ بُطْلَانُ تَعْلِيلُهُ فَلَزِمَ بُطْلَانُ حُكْمِهِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ التَّعْلِيلِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى.

(قَوْلُهُ وَالْمُخَلِّصُ) لَا يُرِيدُ بِالْمُخْلِصِ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا الْقَلْبِ وَدَفَعَهُ بَلْ الِاحْتِرَازُ عَنْ وُرُودِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُورِدَ الْحُكْمَيْنِ بِطَرِيقِ تَعْلِيلِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ بِثُبُوتِ أَحَدِهِمَا عَلَى ثُبُوتِ الْآخَرِ إذْ لَا امْتِنَاعَ فِي جَعْلِ الْمَعْلُولِ دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّةِ بِأَنْ يُفِيدَ التَّصْدِيقَ بِثُبُوتِهِ كَمَا يُقَالُ هَذِهِ الْخَشَبَةُ

ص: 186

عَنْ هَذَا أَيْ التَّعْلِيلِ بِوَجْهٍ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَلْبُ

(أَنْ لَا يُذْكَرَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ بَلْ يُسْتَدَلُّ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا عَلَى وُجُودِ الْآخَرِ إذَا ثَبَتَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا نَحْوُ: مَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إذَا صَحَّ كَالْحَجِّ) فَتَجِبُ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ بِالشُّرُوعِ تَطَوُّعًا وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالُوا الْحَجُّ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَنَقُولُ الْغَرَضُ الِاسْتِدْلَال مِنْ لُزُومِ الْمَنْذُورِ عَلَى لُزُومِ مَا شَرَعَ لِثُبُوتِ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا بَلْ الشُّرُوعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ رِعَايَةُ مَا هُوَ سَبَبُ الْقُرْبَةِ وَهُوَ النَّذْرُ

(فَلَأَنْ يَجِبَ رِعَايَةُ مَا هُوَ الْقُرْبَةُ أَوْلَى وَنَحْوُ الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَكَذَا فِي نَفْسِهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ) فَيَثْبُتُ إجْبَارُ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ عَلَى النِّكَاحِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

(فَقَالُوا إنَّمَا يُوَلَّى عَلَى الْبِكْرِ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ يُوَلَّى فِي نَفْسِهَا فَنَقُولُ الْوِلَايَةُ شُرِعَتْ لِلْحَاجَةِ، وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ فِيهَا سَوَاءٌ) أَيْ لَا نَقُولُ إنَّ الْوِلَايَةَ فِي الْمَالِ عِلَّةٌ لِلْوِلَايَةِ فِي النَّفْسِ بَلْ نَقُولُ كِلْتَاهُمَا شُرِعَتَا لِلْحَاجَةِ فَتَكُونَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ فَإِذَا ثَبَتَتْ إحْدَاهُمَا ثَبَتَتْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ وَاحِدٌ

(وَهَذِهِ الْمُسَاوَاةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرُوا) وَهُمَا مَسْأَلَتَا رَجْمِ الْكُفَّارِ وَالْقِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الْأَخِيرِ فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ يُمْكِنُ لَنَا فِي مَسْأَلَةِ

ــ

[التلويح]

قَدْ مَسَّتْهَا النَّارُ؛ لِأَنَّهَا مُحْتَرِقَةٌ وَهَذَا الشَّخْصُ مُتَعَفِّنُ الْأَخْلَاطِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُومٌ وَهَذَا الْمُخَلِّصُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَسَاوِي الْحُكْمَيْنِ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ الْآخَرِ لِيَصِحَّ الِاسْتِدْلَال كَمَا فِي النَّذْرِ وَالشُّرُوعِ وَكَالْوِلَايَةِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ بِخِلَافِ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ وَبِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ وَالْأُخْرَيَيْنِ فَإِنْ قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالْمُسَاوَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَغَيْرُ مُتَصَوَّرٍ كَيْفَ وَالْمَالُ مُبْتَذَلٌ وَالنَّفْسُ مُكَرَّمَةٌ وَإِنْ أُرِيدَ الْمُسَاوَاةُ مِنْ وَجْهٍ فَالْفَرْقُ لَا يَضُرُّ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بُنِيَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ كَالْحَاجَةِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْوِلَايَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَحَقَّقَ الْحَاجَةُ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ كَيْ لَا تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ بِخِلَافِ النَّفْسِ فَإِنَّهَا تَتَأَخَّرُ إلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ أُجِيبُ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ فَيُحْتَاجُ فِي النَّفْسِ لِعَدَمِ الْكُفْءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي الْمَالِ لِكَثْرَتِهِ فَتَسَاوَيَا.

(قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ قَاصِرَةً لَا يُقْبَلُ) لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ التَّعْلِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلتَّعْدِيَةِ وَذَلِكَ كَمَا إذَا قُلْنَا الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ مَوْزُونٌ مُقَابَلٌ بِالْجِنْسِ فَلَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيُعَارَضُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلَ هِيَ الثَّمَنِيَّةُ دُونَ الْوَزْنِ وَيُقْبَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُعْتَرِضِ إبْطَالُ عِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ فَإِذَا بَيَّنَ عِلِّيَّةَ وَصْفٍ آخَرَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا بِالْعِلِّيَّةِ فَلَا يُقْبَلُ وَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا جُزْءَ عِلَّةٍ فَلَا يَصِحُّ الْجَزْمُ بِالِاسْتِقْلَالِ حَتَّى قَالُوا إنَّ الْوَصْفَ الَّذِي ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ عِلِّيَّتَهُ لَوْ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُعْتَرِضِ إثْبَاتُهُ

ص: 187

الشُّرُوعِ فِي النَّفْلِ وَفِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ الْمُخَلِّصُ عَنْ الْقَلْبِ وَلَوْ يُمْكِنُ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْمِ وَالْقِرَاءَةِ أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْمِ فَلِأَنَّ الرَّجْمَ وَالْجَلْدَ لَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَتْلٌ وَالْآخَر ضَرْبٌ وَلَا فِي شُرُوطِهِمَا حَيْثُ يُشْتَرَطُ لِأَحَدِهِمَا مَا لَا يُشْتَرَطُ لَلْآخَرِ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا عَلَى وُجُودِ الْآخَرِ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْقِرَاءَةِ فَلِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ لَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ سَاقِطَةٌ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَأَيْضًا الْجَهْرُ سَاقِطٌ فِيهِ فَقَوْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرُوا إشَارَةٌ إلَى هَذَا وَمِنْهَا خَالِصَةٌ فَإِنْ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى نَفْيِ عِلِّيَّةِ مَا أَثْبَتَهُ الْمُعَلِّلُ فَمَقْبُولَةٌ وَإِنْ أَقَامَ عَلَى عِلِّيَّةِ شَيْءٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَتْ قَاصِرَةً لَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا وَكَذَا إنْ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً إلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَمَا يُعَارِضُنَا مَالِكٌ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الطَّعْمُ وَالِادِّخَارُ، وَهُوَ

ــ

[التلويح]

فِي مَحَلٍّ آخَر وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ فِي بُطْلَانِ الْمُعَارَضَةِ بِإِثْبَاتِ عِلَّةٍ مُتَعَدِّيَةٍ إلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِعِلَلٍ شَتَّى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْمُعَلِّلِ حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جُزْءَ عِلَّةٍ وَهَذَا كَافٍ فِي غَرَضِ الْمُعْتَرِضِ أَعْنِي الْقَدْحَ فِي عِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ لَا يُقَالُ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ عِلِّيَّةُ الْوَصْفِ وَظَهَرَ تَأْثِيرُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ نَعَمْ وَلَكِنْ لَا قَطْعًا بَلْ ظَنًّا وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ عِلِّيَّةِ وَصْفٍ آخَرَ مُوجِبًا لِزَوَالِ الظَّنِّ بِعِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ اسْتِقْلَالًا.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَعَدَّى) أَيْ الشَّيْءُ الْآخَرُ الَّذِي ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ عِلِّيَّتَهُ إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ كَمَا إذَا قِيلَ الْجَصُّ مَكِيلٌ قُوبِلَ بِجِنْسِهِ فَيَحْرُمُ مُتَفَاضِلًا كَالْحِنْطَةِ فَيُعَارِضُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الطَّعْمُ فَيَتَعَدَّى إلَى الْفَوَاكِهِ وَمَا دُونِ الْكَيْلِ كَبَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَجَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِمَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمِثْلُ هَذَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ وَالْمُعْتَرِضَ قَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا هِيَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ فَقَطْ إذْ لَوْ اسْتَقَلَّ كُلٌّ بِالْعِلِّيَّةِ لَمَا وَقَعَ نِزَاعٌ فِي الْفَرْعِ الْمُخْتَلِفِ فِيهِ فَإِثْبَاتُ عِلِّيَّةِ أَحَدِهِمَا تُوجِبُ نَفْيَ عِلِّيَّةِ الْآخَرِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَلْتَزِمَ الْمُعَلِّلُ عَلَيْهِ وَصْفَ الْمُعْتَرِضِ أَيْضًا؛ قَوْلًا بِتَعَدُّدِ الْعِلَّةِ كَمَا إذَا ادَّعَى أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا هِيَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ ثُمَّ الْتِزَامُ أَنَّ الِاقْتِيَاتَ وَالِادِّخَارَ أَيْضًا عِلَّةٌ لِيَتَعَدَّى إلَى الْأَرُزِّ لَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَلْتَزِمَ أَنَّ الطَّعْمَ أَيْضًا عِلَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ جَرَيَانَ الرِّبَا فِي التُّفَّاحِ مَثَلًا فَإِنْ قُلْت الْكَلَامُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ عِلِّيَّةُ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ وَتَأْثِيرُهُ فَانْتِفَاؤُهُ بِثُبُوتِ عِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعْتَرِضِ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ قُلْتُ: الْمُرَادُ أَنَّ ثُبُوتَ عِلِّيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ عِلِّيَّةِ الْآخَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدٌ لَا غَيْرُ، وَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِعِلِّيَّةِ أَحَدِهِمَا مَا لَمْ يُرَجَّحْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُبْطِلُ عِلِّيَّةَ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ وَيُثْبِتُ صِحَّةَ عِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعْتَرِضِ لِمُجَرَّدِ الْمُعَارَضَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَلَا يُقْبَلُ مِثْلُ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِصِحَّةِ عِلِّيَّةِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ تَأْثِيرٌ فِي فَسَادِ عِلِّيَّةِ الْآخَرِ نَظَرًا إلَى ذَاتِهِمَا لِجَوَازِ اسْتِقْلَالِ الْعِلَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا

ص: 188