الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلَى قَوْلِهِ «مِثْلًا بِمِثْلٍ» ) أَيْ: يُصْرَفُ الْإِيجَابُ إلَى قَوْلِهِ «مِثْلًا بِمِثْلٍ» كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] يُصْرَفُ الْإِيجَابُ إلَى الْقَبْضِ حَتَّى يَصِيرَ الْقَبْضُ شَرْطًا لِلرَّهْنِ.
(فَتَكُونُ هَذِهِ الْحَالَةُ شَرْطًا وَالْمُرَادُ بِالْمِثْلِ الْقَدْرُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَيْضًا «كَيْلًا بِكَيْلٍ» ثُمَّ قَالَ عليه الصلاة والسلام «وَالْفَضْلُ رِبًا» أَيْ: الْفَضْلُ عَلَى الْقَدْرِ بِأَنَّهُ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ فَحُكْمُ النَّصِّ وُجُوبُ الْمُسَاوَاةِ ثُمَّ الْحُرْمَةُ بِنَاءً عَلَى فَوْتِهَا وَالدَّاعِي إلَى هَذَا الْحُكْمِ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ إذْ بِهِمَا يُثْبِتُ الْمُسَاوَاةَ صُورَةً وَمَعْنًى، فَإِذَا وَجَدْنَا هَذِهِ الْعِلَّةَ فِي سَائِرِ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ اعْتَبَرْنَاهَا بِالْحِنْطَةِ، وَأَيْضًا حَدِيثُ مُعَاذٍ رضي الله عنه) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ فَاعْتَبِرُوا وَحَدِيثُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ بِمَ تَقْضِي؟ قَالَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ أَقْضِي بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي. قَالَ: عليه السلام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ بِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُهُ» .
(وَقَدْ رَوَيْنَا مَا هُوَ
ــ
[التلويح]
الزِّئْبَقِ مَعَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوُجُودِ هُوَ الْوُجُودُ حَتَّى يَظْهَرَ دَلِيلُ الْعَدَمِ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَعْدُومِ هُوَ الْعَدَمُ حَتَّى يَظْهَرَ دَلِيلُ الْوُجُودِ وَبِالْجُمْلَةِ الْحُكْمُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ شَائِعٌ، فِيمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ إنْكَارُهُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقِيَاسِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) فِي شَرَائِطِ الْقِيَاسُ عِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ رضي الله عنه فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ مَخْصُوصًا بِحُكْمِهِ بِنَصٍّ آخَرَ أَيْ: لَا يَكُونَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا بِحُكْمِهِ بِسَبَبِ نَصٍّ آخَرَ دَالٍّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَذَلِكَ كَمَا اُخْتُصَّ خُزَيْمَةُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، يُقَالُ خُصَّ زَيْدٌ بِالذِّكْرِ إذَا ذُكِرَ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ، وَفِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ خُصَّ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام بِكَذَا وَكَذَا وَفِي الْكَشَّافِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] مَعْنَاهُ نَخُصُّكَ بِالْعِبَادَةِ لَا نَعْبُدُ غَيْرَكَ.
وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْبَاءِ فِي الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ فَقَلِيلٌ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ فِي مَا زَيْدٌ إلَّا قَائِمٌ أَنَّهُ لِتَخْصِيصِ زَيْدٍ بِالْقِيَامِ لَكِنَّهُ مِمَّا يَتَبَادَرُ إلَيْهِ الْوَهْمُ كَثِيرًا حَتَّى إنَّهُ يَحْمِلُ الِاسْتِعْمَالَ الشَّائِعَ عَلَى الْقَلْبِ فَلِذَا غَيَّرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عِبَارَةَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ رضي الله عنه إلَى قَوْلِهِ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَخْصُوصًا بِهِ كَاخْتِصَاصِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ بِخُزَيْمَةَ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ فَحَسْبُهُ» وَذَلِكَ أَنَّهُ شَهِدَ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ أَدَّى الْأَعْرَابِيَّ ثَمَنَ نَاقَتِهِ أَوْ أَنَّهُ بَاعَ نَاقَتَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَذَلِكَ التَّخْصِيصُ ثَبَتَ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ بَيْنِ الْحَاضِرِينَ جَوَازَ الشَّهَادَةِ لِلرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام بِنَاءً عَلَى أَنَّ خَبَرَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَايَنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) أَيْ: مَعْدُولًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعُدُولِ وَهُوَ لَازِمٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الْعَدْلِ وَهُوَ الصَّرْفُ فَيَكُونُ مُعْتَدِيًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْفِي رُكْنَ الصَّوْمِ) فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ صَحَّ قِيَاسُ الْوِقَاعِ نَاسِيًا عَلَى الْآكِلِ فِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ قُلْنَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ بَلْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ بَقَاءَ صَوْمِ النَّاسِي فِي الْأَكْلِ إنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ غَيْرُ جَانٍ لَا بِاعْتِبَارِ
قِيَاسٌ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام) فِي آخِرِ رُكْنِ السُّنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه السلام «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» الْحَدِيثَ وَحَدِيثُ قُبْلَةِ الصَّائِمِ. (وَعَمَلُ الصَّحَابَةِ وَمُنَاظَرَتُهُمْ فِيهِ) أَيْ: فِي الْقِيَاسِ (أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى) ثُمَّ شَرَعَ فِي جَوَابِ الدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ فَقَالَ: (وَيَكُونُ الْكِتَابُ تِبْيَانًا بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ التِّبْيَانَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى، وَالْبَيَانَ بِاللَّفْظِ) وَلَمَّا كَانَ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ ثَابِتًا بِمَعْنَى النَّصِّ يَكُونُ النَّصُّ دَالًّا عَلَى حُكْمِ الْمَقِيسِ بِطَرِيقِ التِّبْيَانِ.
(وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ} [الأنعام: 59] الْآيَةَ. فَكُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بَعْضُهُ لَفْظًا وَبَعْضُهُ مَعْنًى) فَالْحُكْمُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ لَفْظًا، وَالْحُكْمُ فِي الْمَقِيسِ يَكُونُ مَوْجُودًا فِيهِ مَعْنًى. (وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمُ شَأْنِ الْكِتَابِ، وَالْعَمَلُ لَفْظًا وَمَعْنًى) أَيْ: فِي الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ تَعْظِيمُ شَأْنِ الْكِتَابِ وَاعْتِبَارُ نَظْمِهِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَاعْتِبَارُ مَعْنَاهُ فِي الْمَقِيسِ.
وَأَمَّا مُنْكِرُو الْقِيَاسِ فَإِنَّهُمْ عَمِلُوا بِنَظْمِ الْكِتَابِ فَقَطْ وَأَعْرَضُوا عَنْ اعْتِبَارَ فَحْوَاهُ، وَإِخْرَاجِ الدُّرَرِ الْمَكْنُونَةِ مِنْ بِحَارٍ مَعْنَاهُ وَجَهِلُوا أَنَّ لِلْقُرْآنِ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَأَنَّ لِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعًا وَقَدْ وَفَّقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعُلَمَاءَ الرَّاسِخِينَ الْعَارِفِينَ دَقَائِقَ التَّأْوِيلِ لِكَشْفِ قِنَاعِ الْأَسْتَارِ عَنْ جَمَالِ مَعَانِي التَّنْزِيلِ، وَإِنْكَارُهُ عليه الصلاة والسلام لِقِيَاسِ بَنِي إسْرَائِيلَ بِنَاءً عَلَى جَهْلِهِمْ وَتَعَصُّبِهِمْ لَا يَقْدَحُ فِي قِيَاسِنَا
ــ
[التلويح]
خُصُوصِيَّةِ الْأَكْلِ.
(قَوْلُهُ: وَكَتَقَوُّمِ الْمَنَافِعِ) جَعَلَهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَعْدُولِ عَنْ سَنَنِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ تَقَوُّمِ الْمَعْدُومِ إذْ الْقِيمَةُ تُنْبِئُ عَنْ التَّعَادُلِ، وَلَا تَعَادُلَ بَيْنَ مَا يَبْقَى، وَبَيْنَ مَا لَا يَبْقَى لَكِنَّهُ ثَبَتَ فِي الْإِجَارَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 25] وقَوْله تَعَالَى إخْبَارًا {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27] وَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَعْطُوا الْأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» وَجَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رضي الله عنه مِنْ أَمْثِلَةِ كَوْنِ الْأَصْلِ مَخْصُوصًا بِحُكْمِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مُسْتَقِيمٌ بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّ الشَّرْطَ الثَّانِيَ يُغْنِي عَنْ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَقْسَامِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ أَنَّ الْمَعْدُولَ بِهِ عَنْ سَنَنِ الْقِيَاسِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ كَقَبُولِ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَحْدَهُ أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ مُبْتَدَأً بِهِ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ. وَثَانِيهِمَا: مَا شُرِعَ ابْتِدَاءً وَلَا نَظِيرَ لَهُ فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ لِعَدَمِ النَّظِيرِ سَوَاءٌ عُقِلَ مَعْنَاهُ كَرُخَصِ السَّفَرِ أَوْ لَا كَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ الْمُعَدَّى) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَنْسُوخًا إذْ لَا تَعْدِيَةَ لِمَا لَيْسَ بِثَابِتٍ قَوْلُهُ.
(بِأَحَدِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ فِي الْقِيَاسَيْنِ، فَذِكْرُ الْوَاسِطَةِ ضَائِعٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَّحِدْ بَطَلَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ لِابْتِنَائِهِ عَلَى غَيْرِ الْعِلَّةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فِي الْحُكْمِ مَثَلًا إذَا
(وَالْعَمَلُ بِالْأَصْلِ) أَيْ: فِي الِاسْتِصْحَابِ (عَمَلٌ بِلَا دَلِيلٍ) ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ أَيْ: عَدَمَهُ فِي زَمَانٍ لَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِ، فَإِنَّ الْمُمْكِنَاتِ تُوجَدُ بَعْدَ الْعَدَمِ وَتُعْدَمُ بَعْدَ الْوُجُودِ.
(وَ {قُلْ لا أَجِدُ} [الأنعام: 145] لَيْسَ أَمْرًا بِهِ) أَيْ: بِالْعَمَلِ بِالْأَصْلِ (بَلْ الْعَمَلُ بِالنَّصِّ) أَيْ: بَلْ هُوَ أَمْرٌ بِالْعَمَلِ بِالنَّصِّ (وَهُوَ {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] فَكُلُّ مَا لَمْ يُوجَدْ حُرْمَتُهُ فِيمَا أُوحِيَ إلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام يَكُونُ حَلَالًا بِقَوْلِهِ {خَلَقَ لَكُمْ} [البقرة: 29] الْآيَةَ، وَنَحْنُ نَقُولُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُحَرِّمَ شَيْئًا مِمَّا فِي الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ.
(وَالظَّنُّ كَافٍ لِلْعَمَلِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُهُ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ (وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بِإِذْنِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ) أَيْ: بِالْقِيَاسِ (فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ) ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِي دَرْكِهَا.
(فَصْلٌ فِي شَرْطِهِ) أَيْ: شَرْطِ الْقِيَاسِ. اعْلَمْ أَنَّ لِلْقِيَاسِ أَرْبَعَةَ شَرَائِطَ أَوَّلَهَا: (أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ) أَيْ: الْمَقِيسِ عَلَيْهِ (مَخْصُوصًا بِهِ) أَيْ: بِالْأَصْلِ بِنَصٍّ آخَرَ (كَشَهَادَةِ) خُزَيْمَةَ (وَالْأَحْكَامِ الْمَخْصُوصَةِ بِالنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام كَتَحْلِيلِ تِسْعِ زَوْجَاتٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ) أَيْ: حُكْمُ الْأَصْلِ (مَعْدُولًا عَنْ الْقِيَاسِ) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي (وَهُوَ إمَّا بِأَنْ لَا يُدْرِكَهُ الْعَقْلُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، أَوْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِهِ كَأَكْلِ النَّاسِي فَإِنَّهُ يُنَافِي رُكْنَ الصَّوْمِ)
ــ
[التلويح]
قِيسَ الذُّرَةُ عَلَى الْحِنْطَةِ فِي حُرْمَةِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ ثُمَّ أُرِيدَ قِيَاسُ شَيْءٍ آخَرَ عَلَى الذُّرَةِ، فَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ أَعْنِي: الْكَيْلَ وَالْجِنْسَ كَانَ ذِكْرُ الذُّرَةِ ضَائِعًا وَلَزِمَ قِيَاسُهُ عَلَى الْحِنْطَةِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَى الذُّرَةِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ) أَيْ: لَا يُغَيَّرُ فِي الْفَرْعِ حُكْمُ الْأَصْلِ مِنْ إطْلَاقِهِ أَوْ تَقْيِيدِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّغْيِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ وَبِاعْتِبَارِ صَيْرُورَتِهِ ظَنِّيًّا فِي الْفَرْعِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا فَرْعٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: وَأَنْ يَكُونَ الْمُعَدَّى حُكْمًا مَوْصُوفًا بِمَا ذُكِرَ مُعَدًّى إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ تَعَلُّقُهُ بِالْمُعَدَّى الْمَذْكُورِ.
أَمَّا لَفْظًا فَلِلْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ، وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْفَرْعِ نَظِيرَ الْأَصْلِ، وَالِاشْتِرَاطُ كَوْنُ الْأَصْلِ حُكْمًا مَوْصُوفًا بِمَا ذُكِرَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُعَدَّى إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ حُكْمًا شَرْعِيًّا ثَابِتًا بِأَحَدِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ) يَعْنِي: إذَا وُضِعَ لَفْظٌ لِمُسَمًّى مَخْصُوصٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ لَا يَصِحُّ لَنَا أَنْ نُطْلِقَ ذَلِكَ اللَّفْظَ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ حَقِيقَةً سَوَاءٌ كَانَ الْوَضْعُ لُغَوِيًّا أَوْ شَرْعِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا، وَذَلِكَ كَإِطْلَاقِ الْخَمْرِ عَلَى الْعَقَارِ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ. احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِالدَّوَرَانِ، وَالْإِلْحَاقِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدَّوْرَانِ صُلُوحُ الْعِلِّيَّةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ هَاهُنَا فَإِنَّ عِلَّةَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى حَقِيقَةً هُوَ الْوَضْعُ
أَيْ: الْعُدُولُ عَنْ الْقِيَاسِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا بِأَنْ لَا يُدْرِكَ الْعَقْلُ حُكْمَ الْأَصْلِ أَيْ: لَا يُدْرِكَ عِلَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَات أَوْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ أَيْ: عَلَى طَرِيقَتِهِ الْمَسْلُوكَةِ، وَقَاعِدَتِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَأَكْلِ النَّاسِي فَإِنَّهُ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ تَحَقُّقُ الْفِطْرِ مِنْ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي الْجَوْفِ، وَإِذَا كَانَ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِهِ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْأَكْلِ خَطَأً عَلَى الْأَكْلِ نَاسِيًا (وَكَتَقَوُّمِ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ) فَإِنَّهُ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ (لِأَنَّهُ) أَيْ: التَّقَوُّمَ (يَعْتَمِدُ الْإِحْرَازَ، وَالْإِحْرَازُ يَعْتَمِدُ الْبَقَاءَ وَلَا بَقَاءَ لِلْأَعْرَاضِ) .
وَإِنْ مُنِعَ اسْتِحَالَةُ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ فَمِثْلُ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ أَيْ: الْمَنَافِعِ لَا شَكَّ فِي اسْتِحَالَةِ بَقَائِهَا فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَقَوُّمِ كُلِّ مَا لَا يَبْقَى فَإِذَا كَانَ تَقَوُّمُهَا مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ لَا يُقَاسُ تَقَوُّمُ الْمَنَافِعِ فِي الْغَصْبِ عَلَى تَقَوُّمِهَا فِي الْإِجَارَةِ.
(وَأَنْ يَكُونَ الْمُعَدَّى حُكْمًا شَرْعِيًّا) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ، وَهُوَ وَاحِدٌ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ هَذِهِ (ثَابِتًا بِأَحَدِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ) أَيْ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ إلَى فَرْعٍ) مُتَعَلِّقٍ بِالْمُعَدَّى (هُوَ نَظِيرُهُ) أَيْ: الْفَرْعُ يَكُونُ نَظِيرًا لِلْأَصْلِ فِي الْحُكْم (وَلَا نَصَّ فِيهِ) أَيْ: فِي الْفَرْعِ وَالْمُرَادُ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى الْحُكْمِ الْمُعَدَّى أَوْ عَدَمِهِ لَا مُطْلَقُ النَّصِّ (فَلَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ) هَذَا تَفْرِيعُ قَوْلِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا
ــ
[التلويح]
لَا غَيْرُ، وَبِأَنَّ الْعُمْدَةَ فِي حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ هُوَ الْإِجْمَاعُ وَلَا إجْمَاعَ هَاهُنَا وَيَرُدُّ عَلَى الْمُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ دَلَالَةِ النَّصِّ.
وَجَوَابُهُ إنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رِعَايَةَ الْمَعْنَى سَبَبٌ لِلْإِطْلَاقِ بَلْ هِيَ سَبَبٌ لِلْوَضْعِ وَتَرْجِيحُ الِاسْمِ عَلَى الْغَيْرِ عَلَى مَا سَبَقَ وَلَا نِزَاعَ فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ مَجَازًا عِنْدَ وُجُودِ الْعَلَاقَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ اسْتِعْمَالِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ فِي الْعَتَاقِ وَبِالْعَكْسِ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى إزَالَةِ الْمِلْكِ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى اللَّائِطِ قِيَاسًا عَلَى الزَّانِي فَإِنَّمَا هُوَ بِقِيَاسٍ فِي الشَّرْعِ دُونَ اللُّغَةِ، أَوْ هُوَ قَوْلٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَكَذَا إيجَابُ الْحَدِّ بِغَيْرِ الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَمْثَالَ ذَلِكَ قَوْلٌ بِجَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ اشْتِرَاطَ كَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُطْلَقِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ السَّمَاءِ عَلَى الْبَيْتِ فِي الْحُدُوثِ بِجَامِعِ التَّأْلِيفِ وَقِيَاسَ كَثِيرٍ مِنْ الْأَغْذِيَةِ عَلَى الْعَسَلِ فِي الْحَرَارَةِ بِجَامِعِ الْحَلَاوَةِ.
وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَتْ بِأَقْيِسَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَحِينَئِذٍ لَا مَعْنَى لِتَفْرِيعِ عَدَمِ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِلْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ حُكْمِ الْأَصْلِ حُكْمًا شَرْعِيًّا إذْ لَوْ كَانَ حِسِّيًّا أَوْ لُغَوِيًّا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ
وَإِنَّمَا لَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَنَّ فِي الْوَضْعِ قَدْ لَا يُرَاعَى الْمَعْنَى كَوَضْعِ الْفَرَسِ وَالْإِبِلِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ يُرَاعَى الْمَعْنَى كَمَا فِي الْقَارُورَةِ وَالْخَمْرِ لَكِنَّ رِعَايَةَ الْمَعْنَى إنَّمَا هِيَ لِلْوَضْعِ لَا لِصِحَّةِ الْإِطْلَاقِ حَتَّى لَا تُطْلَقُ الْقَارُورَةَ عَلَى الدَّنِّ لِقَرَارِ الْمَاءِ فِيهِ، فَرِعَايَةُ الْمَعْنَى لِأَوْلَوِيَّةِ وَضْعِ هَذَا اللَّفْظِ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ.
(كَالْخَمْرِ وُضِعَ لِشَرَابٍ مَخْصُوصٍ بِمَعْنًى، وَهُوَ الْمُخَامَرَةُ فَلَا يُطْلَقُ عَلَى سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ لِأَنَّهُ إنْ أُطْلِقَ مَجَازًا فَلَا نِزَاعَ فِيهِ لَكِنْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَعَ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ أُطْلِقَ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْعَرَبِ، وَكَذَا الزِّنَا عَلَى اللِّوَاطَةِ وَلَا يُقَالُ الذِّمِّيُّ أَهْلٌ لِلطَّلَاقِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلظِّهَارِ كَالْمُسْلِمِ) هَذَا تَفْرِيعُ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ (لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ (حُرْمَةٌ تَنْتَهِي بِالْكَفَّارَةِ وَفِي الذِّمِّيِّ حُرْمَةٌ لَا تَنْتَهِي بِهَا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لَهَا. وَكَذَا تَعْلِيلُ الرِّبَا بِالطُّعْمِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ فِي الْعَدَدِيَّاتِ حُرْمَةً مُطْلَقَةً، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّسَاوِي)
حَتَّى لَوْ رُوعِيَ التَّسَاوِي لَا تَبْقَى
ــ
[التلويح]
لِلْمُسَاوَاةِ فِي عِلَّةٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِذَلِكَ فَلَوْ قَالَ: النَّبِيذُ شَرَابٌ مُشْتَدٌّ فَيُوجِبُ الْحَدَّ كَمَا يُوجِبُ الْإِسْكَارَ أَوْ كَمَا يُسَمَّى خَمْرًا كَانَ بَاطِلًا مِنْ الْقَوْلِ خَارِجًا عَنْ الِانْتِظَامِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَجْرِي فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ مِنْ الصِّفَاتِ، وَالْأَفْعَالِ.
وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَاسَ النَّفْيَ بِالنَّفْيِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُقْتَضِي ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ كَانَ نَفْيًا أَصْلِيًّا، وَالنَّفْيُ الْأَصْلِيُّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ النَّفْيُ الطَّارِئُ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا النَّفْيُ الْأَصْلِيُّ لِثُبُوتِهِ بِدُونِ الْقِيَاسِ وَبِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ يُذْكَرُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْمُنَاظِرُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمُقْتَضِي فِي الْأَصْلِ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِيَكُونَ النَّفْيُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَقَدْ سَبَقَ نُبَذٌ مِنْ ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ لَا يُحْمَلُ) أَيْ: لَفْظُ الْخَمْرِ عَلَى سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ مَجَازًا عِنْدَ إرَادَةِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فِي ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُطْلَقَ مَجَازًا عَلَى شَرَابٍ يُخَامِرُ الْعَقْلَ فَيَشْمَلُ الْعَقَارَ وَغَيْرَهُ بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّسَاوِي) يَعْنِي: أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ حُرْمَةٌ تَنْتَهِي بِالتَّسَاوِي بِالْكَيْلِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ أَثْبَتَ الْحُرْمَةَ فِي بَيْعِ الْمَقْلِيِّ بِغَيْرِهِ وَبَيْعِ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَنْتَهِي بِالْكَيْلِ.
قُلْنَا بُطْلَانُ الِانْتِهَاءِ بِالْكَيْلِ إنَّمَا جَاءَ مِنْ صُنْعِ الْعَبْدِ وَهُوَ الْقَلْيُ، وَالطَّحْنُ لَا بِإِثْبَاتِ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا أَثْبَتَهَا مُتَنَاهِيَةً بِالْمُسَاوَاةِ كَيْلًا أَعْنِي: قَبْلَ الْقَلْيِ وَالطَّحْنِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّسَاوِي بِالْعَدَدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا) قِيلَ عَلَيْهِ: أَنَّ التَّسَاوِيَ بِالْوَزْنِ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا وَهُوَ كَافٍ فِي انْتِهَاءِ الْحُرْمَةِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ) أَيْ: عُذْرَ الْخَطَأِ دُونَ عُذْرِ النِّسْيَانِ لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَطَأِ بِالتَّثَبُّتِ وَالِاحْتِيَاطِ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ سَمَاوِيٌّ مَحْضٌ جُبِلَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ)
الْحُرْمَةُ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ، وَلَا يُمْكِنُ رِعَايَةُ التَّسَاوِي فِي الْعَدَدِيَّاتِ؛ لِأَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ بِالْكَيْلِ، وَالْعَدَدِيَّاتُ لَيْسَتْ بِمَكِيلَةٍ وَالتَّسَاوِي بِالْعَدَدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا.
(وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْخَطَأِ عَلَى النِّسْيَانِ فِي عَدَمِ الْإِفْطَارِ) هَذَا تَفْرِيعُ قَوْلِهِ إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ. (لِأَنَّهُ لَيْسَ نَظِيرُهُ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ دُونَ عُذْرِ النِّسْيَانِ وَلَا يَصِحُّ إنْ كَانَ فِي الْفَرْعِ نَصٌّ) هَذَا بَيَانُ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ وَلَا نَصَّ فِيهِ. (لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ يَبْطُلُ) وَالضَّمَائِرُ فِي قَوْلِهِ إنْ كَانَ وَفِي قَوْلِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ يَبْطُلُ تَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ (وَأَنْ لَا يُغَيِّرَ) أَيْ: الْقِيَاسُ (حُكْمَ النَّصِّ) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ (فَلَا يَصِحُّ شَرْطِيَّةُ التَّمْلِيكِ فِي طَعَامِ الْكَفَّارَةِ قِيَاسًا عَلَى الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّهَا تُغَيِّرُ حُكْمَ قَوْله تَعَالَى {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] وَكَذَا شَرْطُ الْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ يُخَالِفُ إطْلَاقَ النَّصِّ، وَكَذَا السَّلَمُ الْحَالُّ قِيَاسًا عَلَى الْمُؤَجَّلِ يُخَالِفُ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَيْضًا لَمْ) يَعُدَّهُ أَيْ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (كَمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ) فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ فِي قِيَاسِ جَوَازِ السَّلَمِ الْحَالِّ عَلَى الْمُؤَجَّلِ فَسَادَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ مُغَيِّرٌ لِلنَّصِّ. وَالثَّانِيَ: أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يُعَدَّ كَمَا هُوَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بَلْ عُدِّيَ بِنَوْعِ تَغْيِيرٍ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ بُطْلَانَ هَذَا (إذْ فِي الْأَصْلِ جُعِلَ الْأَجَلُ
ــ
[التلويح]
اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ عَدَمَ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْقِيَاسِ لَا يُنَافِي صِحَّتَهُ وَالِاسْتِدْلَالَ بِهِ قَصْدًا إلَى تَعَاضُدِ الْأَدِلَّةِ كَالْإِجْمَاعِ عَنْ قَاطِعٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ، وَكَثُرَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ الِاسْتِدْلَال فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا مُخَالِفًا لَهُ يَبْطُلُ) كَقِيَاسِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ عَلَى الْخَطَأِ، وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ عَلَى الْمُنْعَقِدَةِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ» وَعَدَّ مِنْهَا الْغَمُوسَ وَقَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يُغَيِّرَ حُكْمَ النَّصِّ) فَالْإِطْعَامُ هُوَ جَعْلُ الْغَيْرِ طَاعِمًا سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ أَوْ التَّمْلِيكِ فَاشْتِرَاطُ التَّمْلِيكِ قِيَاسًا عَلَى الْكِسْوَةِ تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ النَّصِّ، وَكَذَا تَقْيِيدُ رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ بِالْمُؤْمِنَةِ تَغْيِيرٌ لِلْإِطْلَاقِ الْمَفْهُومِ مِنْ النَّصِّ، وَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ تَغْيِيرُ حُكْمِ نَصٍّ فِي الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا النَّصُّ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] وقَوْله تَعَالَى {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] ، لَيْسَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْأَصْلِ بَلْ حُكْمِ الْفَرْعِ فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ مُغْنٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عَدَمُ نَصٍّ دَالٍّ عَلَى الْحُكْمِ الْمُعَدَّى أَوْ عَدَمِهِ وَهَاهُنَا النَّصُّ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ الْمُعَدَّى فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ مُجَرَّدِ الْإِطْعَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ، وَعَلَى إجْزَاءِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّمْلِيكُ وَالْإِيمَانُ، وَقَدْ يُقَالُ يَجُوزُ أَنْ يُغَيِّرَ الْقِيَاسُ حُكْمَ نَصٍّ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ
خَلَفًا عَنْ وُجُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِيُمْكِنَ تَحْصِيلُهُ فِيهِ، وَهُنَا أُسْقِطَ فَإِنْ قِيلَ: أَنْتُمْ غَيَّرْتُمْ أَيْضًا قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فَخَصَّصْتُمْ الْقَلِيلَ) مِنْ هَذَا النَّصِّ الْعَامِّ فَجَوَّزْتُمْ بَيْعَ الْقَلِيلِ بِالْقَلِيلِ مَعَ عَدَمِ التَّسَاوِي (بِالتَّعْلِيلِ بِالْقَدْرِ) أَيْ: قُلْتُمْ إنَّ عِلَّةَ الرِّبَا هِيَ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ، وَالْقَدْرُ أَيْ: الْكَيْلُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَهَذَا التَّعْلِيلُ مُغَيِّرٌ لِلنَّصِّ.
(وَكَذَا فِي دَفْعِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ) أَيْ: غَيَّرْتُمْ النَّصَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ» وَغَيْرُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى دَفْعِ عَيْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ دُونَ الْقِيمَةِ (وَفِي صَرْفِهَا إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ) أَيْ: غَيَّرْتُمْ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى صَرْفِهَا إلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ (بِالتَّعْلِيلِ بِالْحَاجَةِ) أَيْ: قُلْتُمْ: إنَّ الْعِلَّةَ وُجُوبُ دَفْعِ الْحَاجَةِ عَنْ الْفَقِيرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي دَفْعِ الْقِيَمِ بَلْ أَكْمَلُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ خُلِقَتَا لِتَحْصِيلِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَمَسُّ بِهَا الْحَاجَةُ إلَى دَفْعِ عَيْنِ الْوَاجِبِ تَنْدَفِعُ الْحَاجَةُ الْوَاحِدَةُ، وَرُبَّمَا لَا يَحْتَاجُ الْفَقِيرُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ وَقَدْ قُلْتُمْ: عَدُّ الْأَصْنَافِ لِبَيَانِ مَوَاقِعِ الْحَاجَةِ وَالْعِلَّةُ هِيَ دَفْعُ الْحَاجَةِ فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ تُوجَدُ فِيهِ الْحَاجَةُ، فَالتَّعْلِيلُ بِالْحَاجَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ مُغَيِّرٌ لِحُكْمِ النَّصِّ.
(وَفِي جَوَازِ غَيْرِ لَفْظِ تَكْبِيرَةِ
ــ
[التلويح]
الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَلَا عَلَى عَدَمِهِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَعَبَّرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ هَذَا الشَّرْطِ بِأَنْ يَبْقَى الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ حُكْمِ النَّصِّ فِي نَفْسِهِ بِالرَّأْيِ بَاطِلٌ ثُمَّ مَثَّلَ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ وَغَيْرِهَا قَصْدًا إلَى أَنَّ فِيهَا تَغْيِيرَ النَّصِّ بِالرَّأْيِ فَفَهِمَ الشَّارِحُونَ أَنَّهَا أَمْثِلَةٌ لِعَدَمِ بَقَاءِ حُكْمِ النَّصِّ الْمُعَلَّلِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيلِ، فَاعْتَرَضُوا بِأَنَّ الْمُغَيَّرَ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ إنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ لَا فِي الْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا السَّلَمُ الْحَالُّ) فِي الْحَدِيثِ «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُسْلِمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - السَّلَمَ الْحَالَّ قِيَاسًا عَلَى الْمُؤَجَّلِ بِجَامِعِ دَفْعِ الْحَرَجِ بِإِحْضَارِ الْمَبِيعِ مَكَانَ الْعَقْدِ، وَرَدَّ هَذَا الْقِيَاسَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَمِ الْحَالِّ بِحُكْمٍ مَفْهُومِ الْغَايَةِ اتِّفَاقًا أَوْ إلْزَامًا وَلَا عِبْرَةَ بِالْقِيَاسِ الْمُغَيِّرِ لِحُكْمِ النَّصِّ إلَّا أَنَّ مُخَالَفَةَ الْمَفْهُومِ سِيَّمَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَثَانِيهِمَا: أَنَّ مَحَلَّ الْبَيْعِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَوْجُودٍ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ رَخَّصَ فِيهِ بِإِقَامَةِ مَا هُوَ سَبَبُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَهُوَ الْأَجَلُ مُقَامَ حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ، وَجَعْلِهِ خَلَفًا عَنْهَا، فَحُكْمُ الْأَصْلِ أَعْنِي: السَّلَمَ الْمُؤَجَّلَ يَشْتَمِلُ عَلَى جَعْلِ الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ خَلَفًا عَنْ وُجُودِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَعَنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَفِي قِيَاسِ السَّلَمِ الْحَالِّ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ لِهَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ جَعْلُ الْأَجَلِ خَلَفًا عَنْ الْوُجُودِ وَقَدْ سَبَقَ
الِافْتِتَاحِ) أَيْ: غَيَّرْتُمْ النَّصَّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] بِالتَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ نَحْوَ اللَّهُ أَجَلُّ وَنَحْوَهُ (وَفِي إزَالَةِ الْخَبَثِ بِغَيْرِ الْمَاءِ) أَيْ: غَيَّرْتُمْ النَّصَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «الْمَاءُ طَهُورٌ» وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «حُتِّيهِ وَاقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» .
(قُلْنَا الْمُرَادُ التَّسْوِيَةُ بِالْكَيْلِ، وَهِيَ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْكَثِيرِ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّسْوِيَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالتَّسْوِيَةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا فِي الْمَطْعُومَاتِ التَّسْوِيَةُ بِالْكَيْلِ، وَهِيَ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْكَثِيرِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَعُمُّ الْقَلِيلَ، وَالْكَثِيرَ كَمَا يُقَالُ لَا تَقْتُلُ حَيَوَانًا إلَّا بِالسِّكِّينِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا تَقْتُلْ حَيَوَانًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْتَلَ بِالسِّكِّينِ إلَّا بِالسِّكِّينِ فَقَتْلُ حَيَوَانٍ لَا يُقْتَلُ بِالسِّكِّينِ كَالْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ.
(وَإِنَّمَا كَانَ تَغْيِيرًا إذَا كَانَ الْأَصْلُ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ حَلَّتْ مَعَ وَسَخِهَا ضَرُورَةَ دَفْعِ الْحَاجَةِ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ جَوَازِ دَفْعِ الْقِيَمِ) أَيْ: إنَّمَا كَانَ التَّعْلِيلُ فِي دَفْعِ الْقِيَمِ تَغْيِيرًا لِلنَّصِّ إذَا كَانَ الْأَصْلُ وَهُوَ الشَّاةُ مَثَلًا وَاجِبًا لِلْفَقِيرِ لِعَيْنِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ لَا حَقَّ لِلْعِبَادِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ سَقَطَ حَقُّهُ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ بِإِذْنِهِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ أَرْزَاقَ الْفُقَرَاءِ بِقَوْلِهِ {إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]
ــ
[التلويح]
أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ تَعْدِيَةَ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مَعْنَى إقَامَةِ الْخَلَفِ مَقَامَ الْأَصْلِ هُوَ جَعْلُ الْخَلَفِ كَأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فَبِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الْأَصْلِ يَكُونُ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ لَا تَغْيِيرًا أَوْ يَكُونَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِكَوْنِهِ مَصِيرًا إلَى الْأَصْلِ دُونَ الْخَلَفِ وَعُدُولًا عَمَّا هُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ أَعْنِي الْأَجَلَ، وَرُبَّمَا يُجَابُ بِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى عَقْدِ السَّلَمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا عِنْدَهُ مُسْتَحَقٌّ لِحَاجَةٍ أُخْرَى فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَحَقِّ لِلشُّرْبِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ رُبَّمَا يَكُونُ لِدَفْعِ الْحَرَجِ فِي إحْضَارِ الْمَبِيعِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْرَاضِ فَلَا تَتَعَيَّنُ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ تَغْيِيرًا) وَجْهُ السُّؤَالِ أَنَّكُمْ جَوَّزْتُمْ دَفْعَ قِيمَةِ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ قِيَاسًا عَلَى الْعَيْنِ بِعِلَّةِ دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ عَيْنِ الشَّاةِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ تَغْيِيرَ هَذَا النَّصِّ لَيْسَ بِالتَّعْلِيلِ بَلْ بِدَلَالَةِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ضَمَانِ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ، وَإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ، وَصَرْفِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَةُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَجِبُ لِلْفُقَرَاءِ ابْتِدَاءً.
وَإِنَّمَا تُصْرَفُ إلَيْهِمْ إيفَاءً لِحُقُوقِهِمْ، وَإِنْجَازًا لِعِدَةِ أَرْزَاقِهِمْ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ حَوَائِجَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ لَا تَنْدَفِعُ بِنَفْسِ الشَّاةِ مَثَلًا، وَإِنَّمَا تَنْدَفِعُ بِمُطْلَقِ الْمَالِيَّةِ فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّرْفِ إلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ حَقَّهُمْ فِي مُطْلَقِ الْمَالِيَّةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ، وَإِلْغَاءِ اسْمِ الشَّاةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِالتَّعْلِيلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ
ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مَالًا مُسَمًّى ثُمَّ أَمَرَ بِأَدَاءِ تِلْكَ الْمَوَاعِيدِ وَهِيَ الْأَرْزَاقُ الْمُخْتَلِفَةُ مِنْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ الْأَدَاءُ إلَّا بِالِاسْتِبْدَالِ فَيَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِبْدَالِ كَالسُّلْطَانِ يَعِدُ مَوَاعِيدَ مُخْتَلِفَةً، ثُمَّ يَأْمُرُ بَعْضَ وُكَلَائِهِ بِأَدَائِهَا مِنْ مَالٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَهُ يَكُونُ إذْنًا بِالِاسْتِبْدَالِ.
فَكَذَا هَاهُنَا مُثْبِتٌ هُنَاكَ حُكْمَانِ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ، وَصَلَاحِيَةُ عَيْنِ الشَّاةِ لَأَنْ تَكُونَ مَصْرُوفَةً إلَى الْفَقِيرِ، فَالْحُكْمُ الْأَوَّلُ يَثْبُتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ» فَقَدْ عَلَّلْنَاهُ بِالْحَاجَةِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ مَعَ وَسَخِهَا حَلَّتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَإِذَا كَانَتْ عَيْنُ الشَّاةِ صَالِحَةً لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ قِيمَتُهَا صَالِحَةً أَيْضًا بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَالتَّعْلِيلُ وَقَعَ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ النَّصِّ بَلْ يَكُونُ التَّغْيِيرُ فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ فَيَكُونُ تَغْيِيرُ النَّصِّ بِالنَّصِّ مُجْتَمِعًا مَعَ التَّعْلِيلِ فِي حُكْمٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ النَّصِّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ رحمه الله فَصَارَ
ــ
[التلويح]
ذِكْرَ اسْمِ الشَّاةِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهَا أَيْسَرَ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الْإِيتَاءَ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ أَسْهَلُ وَيَدُهُ إلَيْهِ أَوْصَلُ؛ وَلِكَوْنِهَا مِعْيَارًا لِمِقْدَارِ الْوَاجِبِ إذْ بِهَا تُعْرَفُ الْقِيمَةُ فَإِنْ قِيلَ: إذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الشَّاةِ بِعِبَارَةِ النَّصِّ، وَجَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ بِدَلَالَتِهِ فَمَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ بِالْحَاجَةِ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ إنَّمَا وَقَعَ بِحُكْمٍ آخَرَ وَهُوَ كَوْنُ الشَّاةِ صَالِحَةً لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ حَتَّى يَمْتَنِعَ تَعْلِيلُهُ بَلْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَلَاحِيَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَمَا كَانَتْ بَاطِلَةً فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْأَوْسَاخِ وَلِهَذَا كَانَ تَقَبُّلُ الْقَرَابِينَ بِالْإِحْرَاقِ، وَأَيْضًا مَحَالُّ التَّصَرُّفَاتِ إنَّمَا تُعْرَفُ شَرْعًا كَصَلَاحِيَةِ الْخَلِّ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ دُونَ الْخَمْرِ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا حُكْمًا شَرْعِيًّا عَلَّلْنَاهُ بِالْحَاجَةِ أَيْ: بِحَاجَةِ الْفَقِيرِ إلَى الشَّاةِ أَوْ بِكَوْنِهَا دَافِعَةً لِحَاجَتِهِ لِنُعَدِّيَ الْحُكْمَ إلَى قِيمَةِ الشَّاةِ، وَنَجْعَلَهَا صَالِحَةً لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْقِيمَةِ أَشَدُّ وَهِيَ لِلْحَاجَةِ أَدْفَعُ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ هَاهُنَا حُكْمًا هُوَ وُجُوبُ الشَّاةِ، وَآخَرَ هُوَ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ. وَثَالِثًا هُوَ صَلَاحِيَةُ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ، وَالتَّعْلِيلُ إنَّمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَيْ: صَلَاحِيَةِ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْ: فِي هَذَا الْحُكْمِ تَغْيِيرٌ بَلْ تَغْيِيرُ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الشَّاةِ إنَّمَا يَكُونُ بِالنَّصِّ أَيْ: بِدَلَالَةِ النَّصِّ الْآمِرِ بِإِيفَاءِ حَقِّ الْفَقِيرِ وَهَذَا التَّغْيِيرُ مُقَارِنٌ لِلتَّعْلِيلِ فِي حُكْمٍ آخَرَ هُوَ صَلَاحِيَةُ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْ: فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الْآخَرِ تَغْيِيرُ النَّصِّ أَصْلًا إذْ لَا نَصَّ يَدُلُّ عَلَى
التَّغْيِيرُ مُجَامِعًا لِلتَّعْلِيلِ بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ وَقَدْ قَالَ: أَيْضًا فَصَارَ صَلَاحُ الصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لِلَّهِ بِابْتِدَاءِ الْيَدِ لِيَصِيرَ مَصْرُوفًا إلَى الْفَقِيرِ بِدَوَامِ يَدِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا فِي الشَّاةِ فَعَلَّلْنَاهُ بِالتَّقْوِيمِ وَعَدَّيْنَاهُ إلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ لِلَّهِ تَعَالَى بِابْتِدَاءِ يَدِ الْفَقِيرِ. قَالَ عليه الصلاة والسلام «الصَّدَقَةُ تَقَعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ الْفَقِيرِ» .
فَفِي حَالِ ابْتِدَاءِ يَدِ الْفَقِيرِ تَقَعُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي حَالِ بَقَاءِ يَدِ الْفَقِيرِ تَصِيرُ لِلْفَقِيرِ، فَقَوْلُهُ صَلَاحُ الصَّرْفِ أَيْ: صَلَاحُ الْمَحَلِّ، وَهُوَ عَيْنُ الشَّاةِ مَثَلًا لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ، وَقَوْلُهُ لِيَصِيرَ مَصْرُوفًا عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ لِلصَّلَاحِ أَيْ: صَلَاحِيَةُ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ لِيَصِيرَ مَصْرُوفًا إلَيْهِ بِدَوَامِ يَدِهِ فَقَوْلُهُ إلَى الْفَقِيرِ يَتَعَلَّقُ بِالصَّرْفِ، وَبِابْتِدَاءِ الْيَدِ يَتَعَلَّقُ بِالْوُقُوعِ، وَلِيَصِيرَ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاحِ، وَبِدَوَامِ يَدِهِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ مَصْرُوفًا، وَقَوْلُهُ حُكْمًا شَرْعِيًّا خَبَرُ صَارَ فَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ الْحُكْمُ الثَّانِي الْمَذْكُورُ وَفِي قَوْلِهِ إنَّ الصَّدَقَةَ وَاقِعَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ لِلَّهِ، وَفِي الْبَقَاءِ مَصْرُوفٌ إلَى الْفَقِيرِ بَيَانُ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَيْسَتْ فِي الِابْتِدَاءِ حَقَّ الْفَقِيرِ حَتَّى يَلْزَمَ تَغْيِيرُ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنْ مُشْكِلَاتِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا فِي الْأُصُولِ.
(وَذِكْرُ الْأَصْنَافِ لِعَدِّ الْمَصَارِفِ) فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} [التوبة: 60] الْآيَةَ ذَكَرُوا أَنَّ اللَّامَ لِلْعَاقِبَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَغْيِيرُ النَّصِّ لَوْ كَانَ اللَّامُ لِلتَّمَلُّكِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ دَفْعُ مِلْكِ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَاتِ وَالْفُقَرَاءَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْجَمِيعُ لِمَا عَرَفْت
ــ
[التلويح]
عَدَمِ صَلَاحِيَةِ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ فَصَارَ التَّغْيِيرُ مَعَ التَّعْلِيلِ لَا بِالتَّعْلِيلِ.
وَالْمُمْتَنِعُ هُوَ التَّغْيِيرُ بِالتَّعْلِيلِ لَا مَعَهُ فَقَوْلُهُ بِالنَّصِّ خَبَرُ صَارَ، وَمُجَامِعًا حَالٌ أَوْ هُوَ خَبَرُ صَارَ وَبِالنَّصِّ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَارَ الْأَصْلُ هُوَ الشَّاةُ، وَالْفَرْعُ الْقِيمَةُ، وَالْحُكْمُ الصَّلَاحِيَةُ، وَالْعِلَّةُ الْحَاجَةُ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مُخَالِفًا لِظَاهِرِ عِبَارَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ جَعَلَ الْفَرْعَ هُوَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ، وَالْعِلَّةُ وَالتَّقَوُّمُ أَوْرَدَهَا وَشَرَحَهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ تُعْتَبَرُ مِنْ جَانِبِ الْمَصْرِفِ وَهِيَ الْحَاجَةُ، وَقَدْ تُعْتَبَرُ مِنْ جَانِبِ الْوَاجِبِ، وَهِيَ التَّقَوُّمُ، وَأَنَّ الْمُسْتَبْدَلَ بِهِ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِنَفْسِ الْقِيمَةِ وَحِينَئِذٍ لَا مَعْنَى لِلتَّعْلِيلِ بِالتَّقَوُّمِ.
وَأَنْ يُعْتَبَرَ مَالَهُ الْقِيمَةُ فَتَعَلَّلَ بِالتَّقَوُّمِ وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ، وَهُوَ صَلَاحُ صَرْفِ الشَّاةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ قُلْت كَمَا أَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى وُجُوبِ الشَّاةِ دَلَّ عَلَى صَلَاحِهَا لِلصَّرْفِ كَذَلِكَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ دَالٌّ عَلَى صَلَاحِ غَيْرِ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْلِيلِ قُلْتُ لَا مَعْنَى لِجَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ إلَّا سُقُوطُ اعْتِبَارِ اسْمِ الشَّاةِ وَجَوَازُ إيفَاءِ حَقِّ الْفَقِيرِ مِنْ كُلِّ مَا يَصْلُحُ لِلصَّرْفِ إلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى صَلَاحِيَةِ الْقِيمَةِ وَكُلِّ مُتَقَوِّمٌ لِلصَّرْفِ بَعْدَمَا كَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاحِيَةُ بَاطِلَةً فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ بِخِلَافِ إيجَابِ الشَّاةِ بِعَيْنِهَا فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِصَرْفِهَا إلَى الْفَقِيرِ.
وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى الصَّلَاحِيَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ كَوْنِ الْقِيمَةِ أَوْ كُلِّ مُتَقَوِّمٍ صَالِحًا لِلصَّرْفِ وَذَلِكَ بِالتَّعْلِيلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ
أَنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ إذَا دَخَلَ عَلَى الْجَمِيعِ تَبْطُلُ الْجَمْعِيَّةُ وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ.
وَأَيْضًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَوْ أُرِيدَ الْجَمْعُ لَكَانَ الْمُرَادُ جَمْعًا مُسْتَغْرِقًا فَمَعْنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ لِجَمِيعِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ إجْمَاعًا إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ أَنْ يُوَزِّعَ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ عَلَى جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ بِحَيْثُ لَا يُحْرَمُ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ هَذَا يَبْطُلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْجَمْعُ مُرَادًا كَانَ الْمُرَادُ الْجِنْسَ فَيُرَادُ أَنَّ جِنْسَ الصَّدَقَةِ لِجِنْسِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَادَ الْإِفْرَادُ فَتَكُونُ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ الَّذِي يُوجِبُ التَّوْزِيعَ عَلَى الْأَفْرَادِ فَيَكُونُ لِعَدِّ الْمَصَارِفِ.
(وَالتَّكْبِيرَ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَدَاءُ الْقِيمَةِ، وَذِكْرُ لَفْظٍ آخَرَ يَكُونَانِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ) اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ فَرَّقُوا بَيْنَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي» فَالْكِبْرِيَاءُ صِفَةٌ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ الرِّدَاءِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْعَظَمَةُ بِمَنْزِلَةِ الْإِزَارِ فَالْأَوَّلُ أَدَلُّ عَلَى الظُّهُورِ، وَالثَّانِي عَلَى الْبُطُونِ فَلَا يَكُونُ اللَّهُ أَعْظَمَ وَأَجَلَّ بِمَعْنَى أَكْبَرَ لَكِنَّا نَقُولُ قَوْله تَعَالَى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] لَا يُرَادُ بِهِ قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ وَرَبَّكَ قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا يُفِيدُ مَعْنًى فَمَعْنَاهُ وَرَبَّكَ فَعَظِّمْ أَيْ: قُلْ أَوْ افْعَلْ مَا فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ، وَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرُوا بَيْنَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْعَبْدِ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بَلْ فِي وَسْعِهِ
ــ
[التلويح]
الْإِشْعَارِ بِأَنَّ الِاسْتِبْدَالَ إنَّمَا يَجُوزُ بِمَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي دَفْعِ الْحَاجَةِ حَتَّى لَوْ أَسْكَنَ الْفَقِيرَ دَارِهِ مُدَّةً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَمْ يُجْزِهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ لِلَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَلِلْفَقِيرِ بَقَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهَا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوَّلًا وَمِنْ صُلُوحِهَا لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ ثَانِيًا فَفِي الشَّاةِ مَثَلًا ثَبَتَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ بِالنَّصِّ، وَفِي الْقِيمَةِ ثَبَتَ الْأَوَّلُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَالثَّانِي بِالتَّعْلِيلِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الشَّاةِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى ثُبُوتِ جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي جِنْسِ الْوَاجِبِ مَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَخْلُوقَةُ ثَمَنًا لِلْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَوَسِيلَةً إلَى الْأَرْزَاقِ.
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ الْأَصْنَافَ) وَجْهُ السُّؤَالِ إنَّكُمْ جَوَّزْتُمْ صَرْفَ الزَّكَاةِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ قِيَاسًا عَلَى صَرْفِهَا إلَى الْكُلِّ بِعِلَّةِ الْحَاجَةِ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ تَغْيِيرٌ لِلنَّصِّ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ الزَّكَاةِ حَقًّا لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْكُلِّ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا تَصِيرُ لِلْفُقَرَاءِ بَقَاءً بِدَوَامِ الْيَدِ فَتَكُونُ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا أَحَالَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ اللَّامِ لِلْعَاقِبَةِ مَجَازٌ بَعِيدٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ الْقَرَائِنِ، وَقَدْ أَمْكَنَ عَلَى حَمْلِ اللَّامِ الِاخْتِصَاصُ وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمَصَارِفَ إنَّمَا هِيَ هَذِهِ الْأَصْنَافُ لَا غَيْرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الصَّالِحُونَ لِلصَّرْفِ إلَيْهِمْ
ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَإِثْبَاتُ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بَيْنِ التَّكْبِيرِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِبَعْضِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مَزِيَّةٌ عَلَى الْبَعْضِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ التَّعْظِيمَ فَكُلُّ لَفْظٍ فِيهِ التَّعْظِيمُ يَكُونُ فِي مَعْنَى اللَّهُ أَكْبَرُ.
وَقَوْلُهُ فَأَدَاءُ الْقِيمَةِ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ دَفْعِ الْقِيَمِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ فِيهِ وَفِي مَسْأَلَةِ التَّكْبِيرِ مَعْنًى مُشْتَرَكًا، وَهُوَ كَوْنُهُمَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ فَلِذَلِكَ جَمَعَهُمَا فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ.
(وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَيَجُوزُ بِكُلِّ مَا يَصْلُحُ لَهَا) اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ أُورِدَ الْإِشْكَالُ عَلَى قَوْله تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] وَقَوْلِهِ عليه السلام «الْمَاءُ طَهُورٌ» فَغَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَيْسَ بِطَهُورٍ، وَإِنْ أُورِدَ عَلَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «حُتِّيهِ وَاقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» فَوَارِدٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَلْقَى الثَّوْبَ النَّجِسَ أَوْ قَطَعَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِالْمِقْرَاضِ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ لَمْ يَسْقُطْ بِدُونِ الْعُذْرِ لَكِنَّ الْوَاجِبَ إزَالَةُ الْعَيْنِ النَّجِسَةِ.
(وَإِنَّمَا لَا يَزُولُ الْحَدَثُ) بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْقُولٍ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْمَاءُ بِخِلَافِ الْخَبَثِ فَإِنَّ إزَالَتَهُ مَعْقُولَةٌ وَلَا يَضُرُّ أَنْ يَلْزَمَهَا أَمْرٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَتَنَجَّسَ كُلُّ مَا يَصِلُ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ طَبْعًا فَيَزُولُ بِهِ كِلَاهُمَا وَغَيْرُهُ كَالْخَلِّ مَثَلًا قَالِعٌ يَزُولُ بِهِ الْخَبَثُ لَا الْحَدَثُ، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا كَانَ إزَالَةُ الْحَدَثِ غَيْرَ
ــ
[التلويح]
سَوَاءٌ صَرَفَ أَوْ لَمْ يَصْرِفْ فَبِالصَّرْفِ إلَى الْبَعْضِ لَا يَتَغَيَّرُ كَوْنُ الْكُلِّ مَصَارِفَ.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ التَّغْيِيرُ لَوْ كَانَ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ فَيُفِيدُ أَنَّ الزَّكَاةَ مِلْكٌ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ فَيَكُونُ صَرْفُهَا إلَى الْبَعْضِ صَرْفَ مِلْكِ الشَّخْصِ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ تَقْرِيرُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ بُطْلَانَ الْجَمْعِيَّةِ وَثُبُوتَ الْحَمْلِ عَلَى الْجِنْسِيَّةِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِغْرَاقِ فَلَا مَعْنَى لِتَعْلِيلِ عَدَمِ إمْكَانِ أَنْ يُرَادَ بِالْفُقَرَاءِ الْجَمِيعُ بِبُطْلَانِ الْجَمْعِيَّةِ أَوَّلًا وَبِتَعَذُّرِ الِاسْتِغْرَاقِ ثَانِيًا فَفِي الْعِبَارَةِ تَسَامُحٌ، وَأَيْضًا الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا جَوَازُ الصَّرْفِ إلَى بَعْضِ الْأَصْنَافِ وَهَذَا لَا يَتَفَاوَتُ بِكَوْنِ الْفُقَرَاءِ لِلْجَمْعِيَّةِ أَوْ لِلْجِنْسِيَّةِ فَلَا مَدْخَلَ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْفُقَرَاءَ لِلْجِنْسِ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ اللَّامِ لِلْعَاقِبَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ لِجَوَازِ أَنْ يَلْتَزِمَ الْخَصْمُ بُطْلَانَ الْجَمْعِيَّةِ لِلْجِنْسِ، وَيَدَّعِيَ كَوْنَ الزَّكَاةِ مِلْكًا لِلْأَجْنَاسِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا مَدْفَعَ لَهُ إلَّا مَا ذَكَرْنَا.
(قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ هَذَا) أَيْ: تَوْزِيعُ جَمِيعِ الصَّدَقَاتِ عَلَى جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ يَلْزَمُ بُطْلَانُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ الصَّرْفِ إلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ كُلِّ صِنْفٍ بَلْ إلَى جَمْعٍ مِنْهَا فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ لِلِاسْتِغْرَاقِ كَانَ الْمَعْنَى كُلَّ صَدَقَةٍ لِكُلِّ فَقِيرٍ، وَهَذَا أَظْهَرُ بُطْلَانًا فَلِمَ عَدَلَ إلَى تَوْزِيعِ الْجَمْعِ عَلَى الْجَمْعِ قُلْتُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَدَّعِي أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ الشُّمُولُ وَالْإِحَاطَةُ بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ فَإِنَّ
مَعْقُولَةٍ وَجَبَتْ النِّيَّةُ كَالتَّيَمُّمِ قُلْنَا يَأْتِي الْجَوَابُ فِي فَصْلِ الْمُنَاقَضَةِ.
(فَصْلٌ الْعِلَّةُ قِيلَ الْمُعَرِّفُ وَيُشْكِلُ بِالْعَلَامَةِ) اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ فَقَالَ الْبَعْضُ هِيَ الْمُعَرِّفُ أَيْ: مَا يَكُونُ دَالًّا عَلَى وُجُودِ الْحُكْمِ وَقَالُوا الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا مُعَرِّفَاتٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ بِمُؤَثِّرَةٍ بَلْ الْمُؤَثِّرُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْنَا تَدْخُلُ الْعَلَامَةُ فِي تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ، وَلَا يَبْقَى الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا مُضَافَةٌ إلَى الْعِلَلِ كَالْمِلْكِ إلَى الشِّرَاءِ وَالْقِصَاصِ إلَى الْقَتْلِ، وَلَيْسَتْ الْأَحْكَامُ مُضَافَةً إلَى الْعَلَامَاتِ كَالرَّجْمِ إلَى الْإِحْصَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْعَلَامَةِ.
(وَقِيلَ: الْمُؤَثِّرُ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِمُؤَثِّرَةٍ) اعْلَمْ أَنَّ الْبَعْضَ عَرَّفُوا الْعِلَّةَ بِالْمُؤَثِّرِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُؤَثِّرِ مَا بِهِ وُجُودُ الشَّيْءِ كَالشَّمْسِ لِلضَّوْءِ وَالنَّارِ لِلْإِحْرَاقِ، وَالْبَعْضُ أَبْطَلُوا تَعْرِيفَ الْعِلَّةِ بِالْمُؤَثِّرِ بِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِمُؤَثِّرَةٍ بَلْ الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا مُعَرِّفَاتٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَادِثُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحُكْمَ الْمُصْطَلَحَ هُوَ أَثَرُ حُكْمِ اللَّهِ الْقَدِيمُ فَإِنَّ إيجَابَ اللَّهِ قَدِيمٌ، وَالْوُجُوبَ حَادِثٌ فَالْمُرَادُ مِنْ الْمُؤَثِّرِ فِي الْحُكْمِ لَيْسَ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ الْقَدِيمِ بَلْ فِي الْوُجُوبِ الْحَادِثِ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ بِالْإِيجَابِ الْقَدِيمِ الْوُجُوبَ
ــ
[التلويح]
مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ إلَى الْآحَادِ فَأَبْطَلَ ذَلِكَ أَيْضًا وَسَكَتَ عَمَّا هُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
(قَوْلُهُ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ) يَعْنِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ لَا الِاسْتِعْمَالُ بِدَلِيلِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى قَطْعِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ أَوْ حَرْقِهِ،، وَكَوْنُ الْمَاءِ آلَةً صَالِحَةً لِلْإِزَالَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِ مُزِيلًا فَيُعَدَّى إلَى كُلِّ مَائِعٍ يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ، وَكَوْنُهُ مُزِيلًا يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ: طَهَارَةَ الْمَحَلِّ، وَعَدَمَ تَنَجُّسِ الْآلَةِ بِالْمُلَاقَاةِ، وَإِلَّا لَمَا وُجِدَتْ وَالْإِزَالَةُ بَلْ الزِّيَادَةُ، فَإِنْ قِيلَ بَلْ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ لِخَاصِّيَّةٍ فِي الْمَاءِ إذْ لَوْ كَانَ لِإِزَالَتِهِ لَوَجَبَ أَنْ يُشَارِكَهُ جَمِيعُ الْمَائِعَاتِ الْمُزِيلَةِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ. قُلْنَا الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ بِمَعْنَى زَوَالِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِمَعْقُولٍ إذْ الْعُضْوُ طَاهِرٌ لَا يَنْجُسُ بِهِ شَيْءٌ، وَمِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ كَوْنُ الْمَعْنَى مَعْقُولًا قِيلَ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ مَعْقُولٌ فَالْمَاءُ يُوجَدُ مُبَاحًا لَا يُبَالَى بِخَبَثِهِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ حَرَجٌ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْفَرْقِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْإِزَالَةُ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِرَفْعِ الْخَبَثِ فَإِنْ قُلْت قَدْ ذَكَرَ فِي بَحْثِ الْمُنَاقَضَةِ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالْمَاءِ مَعْقُولٌ وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْقُولِ هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَمَّا إزَالَةُ الْحَدَثِ فَمَعْقُولٌ.
قُلْتُ يَأْتِي جَوَابُهُ فِي بَحْثِ الْمُنَاقَضَةِ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رحمه الله أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِطَبْعِهِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ مَعْنَى لَا يُعْقَلُ فَلَا يَحْتَاجُ فِي صَيْرُورَتِهِ مُطَهِّرًا إلَى النِّيَّةِ بِخِلَافِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ مُلَوِّثٌ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ مُطَهِّرًا عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ، فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَإِنْ قِيلَ هَبْ أَنَّ قَلْعَ الْخَبَثِ وَإِزَالَتَهُ بِالْمَاءِ