المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أَنَّ التَّنْبِيهَ وَالِانْتِبَاهَ مِنْ النَّوْمِ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ أَمَّا التَّنْبِيهُ - التلويح على التوضيح لمتن التنقيح - جـ ٢

[السعد التفتازاني - المحبوبي صدر الشريعة الأصغر]

فهرس الكتاب

- ‌(الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ

- ‌[فَصْلٌ اتِّصَالُ الْخَبَرِ] [

- ‌التَّوَاتُرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ]

- ‌[فَصْلٌ] الرَّاوِي إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ وَإِمَّا مَجْهُولٌ

- ‌[فَصْلٌ شَرَائِطُ الرَّاوِي]

- ‌[فَصْلٌ فِي انْقِطَاعِ الْحَدِيثِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ]

- ‌[فَصْلٌ] فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي الطَّعْنِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي أَفْعَالِهِ عليه الصلاة والسلام

- ‌[فَصْلٌ فِي الْوَحْيِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ]

- ‌[بَابُ الْبَيَانِ]

- ‌(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَمُنْقَطِعٌ

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرَقُ

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ]

- ‌(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ التَّبْدِيلِ

- ‌[بَيَانُ النَّاسِخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كَوْنُ النَّاسِخِ أَشَقَّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الضَّرُورَةِ]

- ‌[الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ]

- ‌[الْأَمْرُ الْأَوَّلُ رُكْنُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي قَوْلَيْنِ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّانِي أَهْلِيَّةُ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّالِثُ شُرُوطُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْأَمْرُ الرَّابِعُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْإِجْمَاعُ عَلَى مَرَاتِبَ]

- ‌[الْأَمْرُ الْخَامِسُ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ]

- ‌[الْقِيَاسُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقِيَاسِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ]

- ‌[أَبْحَاثٌ فِي الْعِلَّة]

- ‌[الْأَوَّلُ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ عَدَمُ التَّعْلِيلِ]

- ‌[الثَّانِي كَوْنُ الْعِلَّة وَصْفًا لَازِمًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ]

- ‌[الثَّالِثُ تُعْرَفُ الْعِلَّةُ بِأُمُورٍ]

- ‌[الْأَوَّلُ وَالثَّانِي النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ]

- ‌[الثَّالِثُ الْمُنَاسَبَةُ]

- ‌(فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ

- ‌[فَصْلٌ الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ]

- ‌ لِلْقِيَاسِ الْخَفِيِّ(قِسْمَيْنِ:

- ‌[فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ]

- ‌[النَّقْضُ]

- ‌[وَدَفْعُ النَّقْض بِأَرْبَعِ طُرُقٍ]

- ‌[الْمُمَانَعَةُ]

- ‌الْمُعَارَضَةِ

- ‌(فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ)

- ‌ الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْعِلَّةِ الطَّرْدِيَّةِ

- ‌[فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ كَلَامٍ إلَى آخَرَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ]

- ‌[التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ]

- ‌(بَابُ) الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ

- ‌[فَصْلٌ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ]

- ‌[الْأُمُور الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ وُجُوهُ التَّرْجِيحِ]

- ‌[فَصْلٌ مِنْ التَّرَاجِيحِ الْفَاسِدَةِ التَّرْجِيحُ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ]

- ‌[بَابُ الِاجْتِهَادِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ فِي الْحُكْمِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ]

- ‌[بَابٌ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ قِسْمَانِ]

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ أَوْ يَكُونَ كَالْحُكْمِ]

- ‌[الْقَسْم الثَّانِي مِنْ الْحُكْمِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم بِهِ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءً]

- ‌[فَصْلٌ الْأُمُورُ الْمُعْتَرِضَةُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْعَوَارِضُ السَّمَاوِيَّةُ]

- ‌[الْجُنُونُ]

- ‌[الصِّغَرُ]

- ‌[الْعَتَهُ]

- ‌[النِّسْيَانُ]

- ‌[النَّوْمُ]

- ‌ الْإِغْمَاءُ)

- ‌[الرِّقُّ]

- ‌[الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ]

- ‌[الْمَرَضُ]

- ‌[الْمَوْتُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ نَفْسِهِ]

- ‌[الْجَهْلُ]

- ‌[السُّكْرُ]

- ‌ الْهَزْلُ

- ‌[السَّفَهُ]

- ‌ السَّفَرُ

- ‌[الْخَطَأُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ غَيْرِهِ]

- ‌[الْإِكْرَاهُ وَهُوَ إمَّا مُلْجِئٌ أَوْ غَيْرُ مُلْجِئٍ]

الفصل: أَنَّ التَّنْبِيهَ وَالِانْتِبَاهَ مِنْ النَّوْمِ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ أَمَّا التَّنْبِيهُ

أَنَّ التَّنْبِيهَ وَالِانْتِبَاهَ مِنْ النَّوْمِ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ أَمَّا التَّنْبِيهُ مِنْ الْإِغْمَاءِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ (، فَيُبْطِلُ الْعِبَادَاتِ وَيُوجِبُ الْحَدَثَ فِي كُلِّ حَالٍ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ مُتَّكِئًا أَوْ مُسْتَنِدًا بِخِلَافِ النَّوْمِ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قُوَّةِ سَبَبِ الْإِغْمَاءِ وَكَثَافَتِهِ، وَلَطَافَةِ سَبَبِ النَّوْمِ فَمُنَافَاةُ الْإِغْمَاءِ تَمَاسُكُ الْيَقَظَةِ أَشَدُّ مِنْ مُنَافَاةِ النَّوْمِ إيَّاهُ فَجُعِلَ الْإِغْمَاءُ حَدَثًا فِي كُلِّ حَالٍ لَا النَّوْمُ، وَأَيْضًا كَثْرَةُ وُقُوعِ النَّوْمِ وَقِلَّةُ الْإِغْمَاءِ تُوجِبُ ذَلِكَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ (وَلَمَّا كَانَ نَادِرًا فِي الصَّلَاةِ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَهُوَ فِي الْقِيَاسِ لَا يُسْقِطُ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ

ــ

[التلويح]

عَلَيْهِ قُوَّةٌ تَسْرِي بِسَرَيَانِهِ فِي الْأَعْصَابِ السَّارِيَةِ فِي أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ، فَيَنْتَشِرُ فِي كُلِّ عُضْوٍ قُوَّةٌ تَلِيقُ بِهِ، وَيَتِمُّ بِهَا مَنَافِعُهُ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى مُدْرِكَةٍ، وَمُحَرِّكَةٍ، أَمَّا الْمُدْرِكَةُ فَهِيَ: الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ، وَالْبَاطِنَةُ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَمَّا الْمُحَرِّكَةُ فَهِيَ الَّتِي تُحَرِّكُ الْأَعْضَاءَ بِتَمْدِيدِ الْأَعْصَابِ أَوْ إرْخَائِهَا لِيَنْبَسِطَ إلَى الْمَطْلُوبِ أَوْ يَنْقَبِضَ عَنْ الْمُنَافِي فَمِنْهَا مَا هِيَ مَبْدَأُ الْحَرَكَةِ إلَى جَلْبِ الْمَنَافِعِ، وَيُسَمَّى قُوَّةً شَهْوَانِيَّةً، وَمِنْهَا مَا هِيَ مَبْدَأُ الْحَرَكَةِ إلَى دَفْعِ الْمَضَارِّ، وَيُسَمَّى قُوَّةً غَضَبِيَّةً، وَأَكْثَرُ تَعَلُّقِ الْمُدْرِكَةِ بِالدِّمَاغِ، وَالْمُحَرِّكَةِ بِالْقَلْبِ فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْقَلْبِ أَوْ الدِّمَاغِ آفَةٌ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ تِلْكَ الْقُوَى عَنْ أَفْعَالِهَا أَوْ إظْهَارِ آثَارِهَا كَانَ ذَلِكَ إغْمَاءً فَهُوَ مَرَضٌ، وَلَيْسَ زَوَالًا لِلْعَقْلِ كَالْجُنُونِ، وَإِلَّا لَعُصِمَ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، ثُمَّ الْإِغْمَاءُ فَوْقَ النَّوْمِ فِي إيجَابِ تَأْثِيرِ الْخِطَابِ، وَإِبْطَالِ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ حَالَةٌ طَبِيعِيَّةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ حَتَّى عَدَّهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَوَانِ اسْتِرَاحَةً لِقُوَاهُ، وَالْإِغْمَاءُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ أَشَدَّ فِي الْعَارِضِيَّةِ، وَلِأَنَّ تَعَطُّلَ الْقُوَى، وَسَلْبَ الِاخْتِيَارِ فِي الْإِغْمَاءِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ مَوَادَّهُ غَلِيظَةٌ بَطِيئَةُ التَّحَلُّلِ، وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ فِيهِ التَّنْبِيهُ، وَيَبْطُؤُ الِانْتِبَاهُ بِخِلَافِ النَّوْمِ فَإِنَّ سَبَبَهُ تَصَاعُدُ أَبْخِرَةٍ لَطِيفَةٍ سَرِيعَةِ التَّحَلُّلِ إلَى الدِّمَاغِ فَلِذَا يَنْتَبِهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ، وَلِقِلَّةِ وُقُوعِ الْإِغْمَاءِ، وَنُدْرَتِهِ لَا سِيَّمَا فِي الصَّلَاةِ كَانَ مَانِعًا لِلْبِنَاءِ حَتَّى لَوْ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالْإِغْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ بِجَوَازِ الْبِنَاءِ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَدَثِ الْغَالِبِ الْوُقُوعِ

[الرِّقُّ]

. (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الرِّقُّ) هُوَ فِي اللُّغَةِ الضَّعْفُ، وَمِنْهُ رِقَّةُ الْقَلْبِ، وَثَوْبٌ رَقِيقٌ ضَعِيفُ النَّسْجِ، وَفِي الشَّرْعِ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْهُ أَهْلًا لِكَثِيرٍ مِمَّا يَمْلِكُهُ الْحُرُّ مِثْلَ الشَّهَادَةِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْوِلَايَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً بِمَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ جَزَاءً لِلْكُفْرِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا اسْتَنْكَفُوا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَلْحَقُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْبَهَائِمِ فِي عَدَمِ النَّظَرِ، وَالتَّأَمُّلِ فِي آيَاتِ التَّوْحِيدِ جَازَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِجَعْلِهِمْ عَبِيدَ عَبِيدِهِ مُتَمَلَّكِينَ مُبْتَذَلِينَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الرِّقُّ عَلَى الْمُسْلِمِ

ص: 338

كَالنَّوْمِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَسْقُطُ مَا فِيهِ حَرَجٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ يَمْتَدَّ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً) .

(وَمِنْهَا الرِّقُّ وَهُوَ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ جَزَاءً عَنْ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ فِي الْبَقَاءِ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ بِهِ يَصِيرُ الْمَرْءُ عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَقَّ الْعَبْدِ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ حَتَّى إنْ أَقَرَّ مَجْهُولُ النَّسَبِ أَنَّ نِصْفَهُ مِلْكُ فُلَانٍ يُجْعَلُ عَبْدًا فِي شَهَادَتِهِ، وَجَمِيعِ أَحْكَامِهِ وَكَذَا الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ) أَيْ: لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّي (لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَجَزِّيهِ تَجَزِّي الرِّقِّ، وَكَذَا الْإِعْتَاقُ عِنْدَهُمَا لِعَدَمِ تَجَزِّي لَازِمِهِ اتِّفَاقًا فَمُعْتَقُ الْبَعْضِ مُعْتَقُ الْكُلِّ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُتَجَزِّئٌ إذْ الْإِعْتَاقُ إزَالَةُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْ إزَالَةِ كُلِّهِ زَوَالُ الرِّقِّ، وَهُوَ الْعِتْقُ فَإِعْتَاقُ الْبَعْضِ إيجَادُ شَطْرِ الْعِلَّةِ، فَفِي الِابْتِدَاءِ ثُبُوتُ حَقِّ الْعَبْدِ يَتْبَعُ ثُبُوتَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْبَقَاءِ عَلَى الْعَكْسِ حَتَّى أَنَّ زَوَالَهُ يَتْبَعُ زَوَالَ حَقِّ الْعَبْدِ) أَيْ: زَوَالَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يَتْبَعُ زَوَالَ حَقِّ الْعَبْدِ (فَمُعْتَقُ الْبَعْضِ مُكَاتَبٌ عِنْدَهُ إلَّا فِي الرَّدِّ إلَى الرِّقِّ وَالرِّقُّ يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَالًا فَلَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ التَّسَرِّيَ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الْحَجُّ) أَيْ: مِنْ الرَّقِيقِ وَالْمُكَاتَبِ حَتَّى إذَا أُعْتِقَا وَوَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِمَا لَا يَقَعُ الْمُؤَدَّى قَبْلَ الْعِتْقِ مِنْ

ــ

[التلويح]

ابْتِدَاءً، ثُمَّ صَارَ حَقًّا لِلْعَبْدِ بَقَاءً بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الرَّقِيقَ مِلْكًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَعْنَى الْجَزَاءِ، وَجِهَةِ الْعُقُوبَةِ حَتَّى إنَّهُ يَبْقَى رَقِيقًا، وَإِنْ أَسْلَمَ، وَاتَّقَى.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ: الرِّقُّ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ بِأَنْ يَصِيرَ الْمَرْءُ بَعْضُهُ رَقِيقًا، وَيَبْقَى الْبَعْضُ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْكُفْرِ، وَنَتِيجَةُ الْقَهْرِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِمَا التَّجَزِّي وَكَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إيجَابُ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْبَعْضِ مَشَاعًا وَكَذَا الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الرِّقِّ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّي بِأَنْ يُعْتَقَ بَعْضُ الْعَبْدِ، وَيَبْقَى بَعْضُهُ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَجَزِّي الرِّقِّ ضَرُورَةً، وَقَدْ يُقَالُ: سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ تَجَزِّي الرِّقِّ ابْتِدَاءً لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَهُ بَقَاءً؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْمِلْكِ يَقْبَلُ التَّجَزِّيَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ الشَّرْعُ لِلْمَوْلَى حَقَّ الْخِدْمَةِ فِي الْبَعْضِ، وَيَعْمَلُ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ مُشَاعًا، وَلَا يُثْبِتُ الشَّهَادَةَ، وَالْوِلَايَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ التَّجَزِّيَ، وَلِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى كَمَالِ الْأَهْلِيَّةِ فَتَنْعَدِمُ بِرِقِّ الْبَعْضِ فَإِنْ قِيلَ الرِّقُّ، وَالْحُرِّيَّةُ مُتَضَادَّانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ بِالْحُرِّيَّةِ بِعَيْنِهِ مَوْصُوفًا بِالرِّقِّ، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ بَلْ الْمَحَلُّ مُتَّصِفٌ بِهِمَا مُشَاعًا كَمَا إذَا مَلَكَ زَيْدٌ نِصْفَ الْعَبْدِ مُشَاعًا فَإِنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ مِلْكِيَّةُ زَيْدٍ، وَعَدَمُ مِلْكِيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ النِّصْفَيْنِ.

(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْإِعْتَاقُ) اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ تَجَزِّي الْعِتْقِ فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إلَى عَدَمِ تَجَزِّيهِ بِمَعْنَى أَنَّ إعْتَاقَ الْبَعْضِ إعْتَاقٌ لِلْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَازِمُ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُطَاوَعَةٌ يُقَالُ أَعْتَقْتُهُ فَعَتَقَ مِثْلُ كَسَرْتُهُ فَانْكَسَرَ، وَالْمُطَاوَعَةُ هِيَ حُصُولُ الْأَثَرِ مِنْ تَعَلُّقِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي بِمَفْعُولِهِ، وَأَثَرُ

ص: 339

الْوَاجِبِ بِخِلَافِ الْفَقِيرِ (لِأَنَّ مَنَافِعَ بَدَنِهِمَا مِلْكُ الْمَوْلَى إلَّا مَا اسْتَثْنَى مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَيَصِحُّ مِنْ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْقُدْرَةِ ثَابِتٌ لَهُ، وَإِنَّمَا الزَّادُ، وَالرَّاحِلَةُ لِنَفْيِ الْحَرَجِ وَلَا يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ غَيْرِ الْمَالِ كَالنِّكَاحِ وَالدَّمِ وَالْحَيَاةِ، فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَبِالسَّرِقَةِ الْمُسْتَهْلِكَةِ) سَوَاءٌ كَانَ أَقَرَّ بِهَا الْمَأْذُونُ أَوْ الْمَحْجُورُ إذْ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْقَطْعُ (وَبِالْقَائِمَةِ الْمَأْذُونُ، وَأَمَّا مِنْ الْمَحْجُورِ، فَيَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُطْلَقًا) أَيْ: فِي الْقَطْعِ وَرَدِّ الْمَالِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

ــ

[التلويح]

الشَّيْءِ لَازِمٌ لَهُ، وَالْعِتْقُ لَيْسَ بِمُنْجَزٍ اتِّفَاقًا بَيْنَ عُلَمَائِنَا فَكَذَا الْإِعْتَاقُ إذْ لَوْ تَجَزَّأَ الْإِعْتَاقُ بِأَنْ يَقَعَ مِنْ الْمَحَلِّ عَلَى جُزْءٍ دُونَ جُزْءٍ لَزِمَ تَجَزِّي الْعِتْقِ ضَرُورَةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ الْإِعْتَاقِ، وَالْعِتْقِ هُوَ الْعَبْدُ، وَتَجَزِّيهُمَا إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ فَتَجَزِّي أَحَدِهِمَا تَجَزِّي الْآخَرِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ الْإِعْتَاقَ مُتَجَزِّي، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِتْقَ حَتَّى لَوْ أُعْتِقَ الْبَعْضُ لَا يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ الْحُرِّيَّةُ فِي الْبَعْضِ، وَلَا فِي الْكُلِّ بَلْ يَكُونُ رَقِيقًا فِي الشَّهَادَةِ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ إذْ لَوْ ثَبَتَ الْعِتْقُ لَثَبَتَ فِي الْكُلِّ لِعَدَمِ التَّجَزِّي، وَلَا سَبَبَ لِذَلِكَ مَعَ تَضَرُّرِ الْمَالِكِ بِهِ، فَيَتَوَقَّفُ فِي الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ، وَيَسْقُطُ الْمِلْكُ بِالْكُلِّيَّةِ فَيُعْتَقُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إزَالَةُ الْمِلْكِ إذْ لَا تَصَرُّفَ لِلْمَوْلَى فِي حَقِّهِ، وَحَقُّهُ فِي الرَّقِيقِ هُوَ الْمَالِيَّةُ، وَالْمِلْكُ، وَهُوَ مُتَجَزِّئٌ فَكَذَا إزَالَتُهُ كَمَا إذَا بَاعَ نِصْفَ الْعَبْدِ ثُمَّ زَوَالُ الْمِلْكِ بِالْكُلِّيَّةِ يَسْتَلْزِمُ زَوَالَ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَازِمٌ لَهُ إذْ الرِّقُّ إنَّمَا يَثْبُتُ جَزَاءً لِلْكُفْرِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِقِيَامِ مِلْكِ الْمَوْلَى، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ، وَزَوَالُ بَعْضِ الْمِلْكِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِتْقَ لِبَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ زَوَالُ بَعْضِ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ نَقْلِهِ إلَى مَالِكٍ آخَرَ يَكُونُ إيجَادًا لِلْبَعْضِ مِنْ عِلَّةِ ثُبُوتِ الْعِتْقِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْعِتْقَ كَالْقِنْدِيلِ لَا يَسْقُطُ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَسْكَةِ فَإِنْ قِيلَ فَفِي إزَالَةِ كُلِّ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقِيقِ إزَالَةُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ: أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ لِلْعَبْدِ إزَالَةُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى قَصْدًا، وَأَصْلًا لَا ضِمْنًا، وَتَبَعًا، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ أَصْلًا فِي ابْتِدَاءِ الرِّقِّ جَزَاءً عَلَى الْكُفْرِ لَكِنَّهُ تَبَعٌ بَقَاءً، فَإِنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمِلْكِيَّةُ، وَالْمَالِيَّةُ، وَلِهَذَا لَا يَزُولُ الرِّقُّ بِالْإِسْلَامِ فَفِي الْإِعْتَاقِ إزَالَةُ حَقِّ الْعَبْدِ قَصْدًا، وَأَصْلًا، وَلَزِمَ مِنْهُ زَوَالُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ضِمْنًا، وَتَبَعًا، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا، وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَفِي الِابْتِدَاءِ ثُبُوتُ حَقِّ الْعَبْدِ يَتْبَعُ ثُبُوتَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْبَقَاءِ بِالْعَكْسِ فَإِنْ قِيلَ، فَأَيُّ أَثَرٍ لِلْإِعْتَاقِ عِنْدَ إزَالَةِ بَعْضِ الْمِلْكِ أُجِيبَ بِأَنَّ أَثَرَهُ فَسَادُ الْمِلْكِ فِي الْبَاقِي حَتَّى لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى بَيْعَ مُعْتَقِ الْبَعْضِ، وَلَا إبْقَاءَ فِي مِلْكِهِ، وَيَصِيرُ هُوَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ، وَيَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ يَصِيرُ

ص: 340

يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ، وَيُنَافِي كَمَالَ أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ كَالذِّمَّةِ وَالْحِلِّ وَالْوِلَايَةِ فَيُضْعِفُ الذِّمَّةَ حَتَّى لَا يَحْتَمِلُ الدَّيْنَ إلَّا إذَا ضَمِنْت إلَيْهَا مَالِيَّةَ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبِ فَيُبَاعُ فِي دَيْنٍ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهِ كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ) أَيْ: اسْتِهْلَاكِ مَالِ الْإِنْسَانِ (وَالتِّجَارَةِ لَا فِيمَا كَانَ فِي ثُبُوتِهِ تُهْمَةٌ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْمَحْجُورُ أَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ، وَدَخَلَ بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى عِتْقِهِ، وَيُنَصَّفُ الْحِلُّ بِتَنْصِيفِ الْمَحَلِّ فِي حَقِّ الرِّجَالِ) أَيْ: يَحِلُّ لِلْحُرِّ أَرْبَعٌ، وَلِلرَّقِيقِ ثِنْتَانِ (وَبِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ كَمَا سَبَقَ) أَيْ: فِي فَصْلِ التَّرْجِيحِ أَيْ: تَحِلُّ الْأَمَةُ إذَا كَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى الْحُرَّةِ، وَلَا تَحِلُّ إذَا كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنْهَا أَوْ مُقَارِنَةً (وَيُنَصَّفُ الْحَدُّ

ــ

[التلويح]

كَالْمُكَاتَبِ إلَّا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ بِالْعَجْزِ عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَهَذَا لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ إزَالَةُ الْمِلْكِ لَا إلَى أَحَدٍ، وَهِيَ لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَمُعْتَقُ الْبَعْضِ مُكَاتَبٌ عِنْدَهُ أَيْ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا فِي الرَّدِّ إلَى الرِّقِّ.

(قَوْلُهُ:، وَالرِّقُّ يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ مَمْلُوكٌ مَالًا فَلَا يَكُونُ مَالِكًا؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ، وَالْمَالِيَّةَ تُنْبِئُ عَنْ الْعَجْزِ، وَالِابْتِذَالِ، وَالْمَالِكِيَّةِ عَنْ الْقُدْرَةِ، وَالْكَرَامَةِ، فَيَتَنَافَيَانِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ فَلَا يَصِيرُ مَالِكًا لِمَالٍ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَالٌ مُبْتَذَلٌ، وَمَالِكًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آدَمِيٌّ مُكَرَّمٌ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةَ، وَالْمَمْلُوكِيَّة بِالْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمَمْلُوكِيَّةِ مُتْعَةً، وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ مَالًا، وَبِالْعَكْسِ فَالرَّقِيقُ، وَإِنْ كَانَ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ مِلْكِ الْمَالِ، وَلَوْ بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَلَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ التَّسَرِّيَ لِابْتِنَائِهِ عَلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ دُونَ الْمُتْعَةِ، وَخُصَّ الْمُكَاتَبُ، وَالتَّسَرِّي بِالذِّكْرِ لِيُعْلَمَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الْمُكَاتَبِ الرِّقَّ نَاقِصٌ حَتَّى إنَّهُ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ، وَفِي التَّسَرِّي مَظِنَّةُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ كَالنِّكَاحِ، وَلِهَذَا صَحَّ عِنْدَ مَالِكٍ.

(قَوْلُهُ:، وَلَا يُبْطِلُ) أَيْ: الرِّقُّ مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ، وَالْحَيَاةِ، وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَلْ بِمَنْزِلَةِ الْمُبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي النِّكَاحِ إلَى إذْنِ الْمَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ الْمَالِيَّةِ بِوُجُوبِ الْمَهْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَالسَّرِقَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ، وَالدَّمَ حَقُّهُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِمَا فِي الْبَقَاءِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى إتْلَافَهُمَا، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالسَّرِقَةِ الْقَائِمَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ، فَيَصِحُّ إنْ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا فَيُقْطَعَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مِلْكُهُ، وَيُرَدُّ الْمَالُ لِوُجُودِ الْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ، وَرَدِّ الْمَالِ جَمِيعًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

ص: 341

وَالْعِدَّةُ وَالْقَسَمُ وَالطَّلَاقُ لَكِنَّ الْوَحْدَةَ لَا تَقْبَلُهُ) أَيْ: التَّنْصِيفَ (فَيَتَكَامَلُ، وَعَدَدُ الطَّلَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ فَاعْتُبِرَ بِالنِّسَاءِ فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ مِنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ اتِّسَاعُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا فَكَمَا يُعْتَبَرُ بِالنِّسَاءِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالرِّجَالِ أَيْضًا قُلْنَا قَدْ اُعْتُبِرَ مَالِكِيَّةُ الزَّوْجِ مَرَّةً حَتَّى انْتَقَصَ عَدَدُ الزَّوْجَاتُ فَإِنْ انْتَقَصَ مَالِكِيَّتُهُ فِي هَذَا الْعَدَدِ النَّاقِصِ يَلْزَمُ النُّقْصَانُ مِنْ الْمُنَصَّفِ، وَلَمَّا كَانَ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ وَهُوَ مِلْكُ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ ثَابِتًا لَهُ عَلَى الْكَمَالِ، وَالْمِلْكُ الْآخَرُ وَهُوَ مِلْكُ الْمَالِ نَاقِصًا غَيْرَ مُنْتَفٍ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْيَدَ لَا الرَّقَبَةَ أَوْجَبَ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي قِيمَتِهِ فَانْتَقَصَتْ دِيَتُهُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ بِشَيْءٍ هُوَ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا فِي الْمَهْرِ، وَالسَّرِقَةِ وَهُوَ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَالِكَةٌ لِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمَالُ دُونَ الْآخَرِ فَتُنَصَّفُ دِيَتُهَا) اعْلَمْ أَنَّ الْمِلْكَ نَوْعَانِ: مِلْكُ الْمَالِ

ــ

[التلويح]

يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ الْقَطْعِ، وَهُوَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ دَمَهُ، فَيَثْبُتُ، وَالْمَالِ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْلَى فَلَا يَصِحُّ وَلِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمَالِ بَاطِلٌ لِكَوْنِهِ عَلَى الْمَوْلَى، فَيَبْقَى الْمَالُ لِلْمَوْلَى، وَلَا قَطْعَ عَلَى الْعَبْدِ فِي سَرِقَةِ مَالِ مَوْلَاهُ، وَأَيْضًا الْمَالُ أَصْلٌ، وَالْقَطْعُ تَبَعٌ فَإِذَا بَطَلَ الْأَصْلُ لَمْ يَثْبُتْ التَّبَعُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْقَطْعِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ دَمَهُ، فَيَصِحُّ فِي حَقِّ الْمَالِ بِنَاءً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْقَطْعِ قَدْ لَاقَى حَالَةَ الْبَقَاءِ، وَالْمَالُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ تَابِعٌ لِلْقَطْعِ حَتَّى يَسْقُطَ عِصْمَةُ الْمَالِ بِاعْتِبَارِهِ، وَيُسْتَوْفَى الْقَطْعُ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَذَّبَهُ الْمَوْلَى، وَقَالَ: الْمَالُ مَالِي، وَإِنْ صَدَّقَهُ يُقْطَعُ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا.

(قَوْلُهُ: وَيُنَافِي) يَعْنِي: أَنَّ الرِّقَّ يُنْبِئُ عَنْ الْعَجْزِ، وَالْمَذَلَّةِ فَيُنَافِي كَمَالَ أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ الذِّمَّةِ، وَالْحِلِّ، وَالْوِلَايَةِ أَمَّا الذِّمَّةُ؛ فَلِأَنَّهَا صِفَةٌ بِهَا صَارَ الْإِنْسَانُ أَهْلًا لِلْإِيجَابِ، وَالِاسْتِيجَابِ دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَأَمَّا الْحِلُّ؛ فَلِأَنَّ اسْتِفْرَاشَ الْحَرَائِرِ، وَالسَّكَنَ، وَالِازْدِوَاجَ، وَالْمَحَبَّةَ، وَتَحْصِينَ النَّفْسِ، وَالتَّوْسِعَةَ فِي تَكْثِيرِ النَّسْلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُهُ إثْمٌ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ، وَلِهَذَا زَادَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام إلَى التِّسْعِ، وَجَازَ لَهُ مَا فَوْقَهَا، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَلِأَنَّ تَنْفِيذَ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ لَمْ يَشَأْ غَايَةُ الْكَرَامَةِ، وَنِهَايَةُ السَّلْطَنَةِ، وَإِذَا انْتَفَى كَمَالُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ ضَعُفَتْ ذِمَّةُ الرَّقِيقِ عَنْ احْتِمَالِ الدَّيْنِ حَتَّى لَا يُطَالَبَ بِهِ إلَّا إذَا انْضَمَّ إلَى الذِّمَّةِ مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ، وَالْكَسْبِ جَمِيعًا فَحِينَئِذٍ يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِهَا فَيُسْتَوْفَى مِنْ الرَّقَبَةِ، وَالْكَسْبِ بِأَنْ يُصْرَفَ أَوَّلًا إلَى الدَّيْنِ الْكَسْبُ الْمَوْجُودُ فِي يَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ لَمْ يَفِ يُصْرَفُ إلَيْهِ مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ بِأَنْ يُبَاعَ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا، فَيَسْتَسْعِي كَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ثُبُوتِ الدَّيْنِ تُهْمَةٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ كَالدَّيْنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمَحْجُورُ، وَالْعُقْرُ الَّذِي لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَلَا يُبَاعُ فِيهِ الرَّقِيقُ، وَلَا يُصْرَفُ

ص: 342

وَمِلْكُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَهُوَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ كَالنِّكَاحِ، وَالثَّانِي ثَابِتٌ لِلْعَبْدِ، وَالْأَوَّلُ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكَ الْيَدِ لَا مِلْكَ الرَّقَبَةِ فَتَكُونُ قِيمَتُهُ نَاقِصَةً عَنْ قِيمَةِ الْحُرِّ أَيْ: عَنْ دِيَتِهِ لَا نِصْفُهَا أَيْ: إذَا بَلَغَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ خَطَأً عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ قِيمَتِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ فَإِنَّ مِلْكَ الْمَالِ ثَابِتٌ لَهَا دُونَ مِلْكِ النِّكَاحِ فَدِيَتُهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ هَذَا مَا ذَكَرُوا، وَقَدْ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فِي خَاطِرِي اعْتِرَاضٌ فَقُلْت (لَكِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا تَخْتَصُّ بِالدِّيَةِ، وَأَيْضًا تُوجِبُ الْإِكْمَالَ فِيمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِازْدِوَاجِ) أَيْ: لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ لِنُقْصَانِ دِيَةِ الْعَبْدِ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ هَذَا الْأَمْرُ وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِالدِّيَةِ بَلْ يَكُونُ مُطَّرِدًا فِي

ــ

[التلويح]

إلَيْهِ كَسْبُهُ بَلْ يُؤَخَّرُ أَدَاؤُهُ إلَى أَنْ يُعْتَقَ، وَيَحْصُلَ لَهُ مَالٌ أَمَّا الدَّيْنُ فَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْعُقْرُ فَلِأَنَّهُ قِيمَةُ الْبُضْعِ بِشُبْهَةِ الْعَقْدِ، وَلَا شُبْهَةَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِعَدَمِ رِضَاهُ فَلَا يَظْهَرُ ثُبُوتُ الْعُقْرِ فِي حَقِّهِ فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ، وَلَا مِنْ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُمَا حَقُّ الْمَوْلَى.

(قَوْلُهُ: وَيُنَصَّفُ الْحَدُّ) ؛ لِأَنَّ تَغْلِيظَ الْعُقُوبَةِ بِتَغْلِيظِ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ الْمُنْعِمِ، وَذَلِكَ بِتَوَافُرِ النِّعَمِ، وَكَمَالِ الْكَرَامَةِ، وَهِيَ نَاقِصَةٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْحُرِّ فَيُنَصَّفُ حَدُّهُ الْقَابِلُ لِلتَّنْصِيفِ كَالْجَلْدِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَكَذَا الْعِدَّةُ تَعْظِيمٌ لِمِلْكِ النِّكَاحِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، فَتُنَصَّفُ، وَتَكُونُ عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَنْتَصِفُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّكَامُلِ احْتِيَاطِيًّا، وَكَذَا فِي الْقَسَمِ يَكُونُ لِلْأَمَةِ نِصْفُ الْحُرَّةِ، وَفِي الطَّلَاقِ يَكُونُ طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَنْصِيفُ الثَّلَاثَةِ عَلَى السَّوَاءِ فَجُعِلَ نِصْفُ الثَّلَاثَةِ ثِنْتَيْنِ اعْتِبَارًا لِجَانِبِ الْوُجُودِ، وَذَهَابًا إلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ بَقَاءِ الْحِلِّ، وَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَنْصِيفِ الطَّلَاقِ رِقُّ الزَّوْجِ حَتَّى كَأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ ثِنْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً أَوْ حُرَّةً لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» ، وَلِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِلطَّلَاقِ كَالنِّكَاحِ فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ. وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ رِقَّ الزَّوْجَةِ بِأَنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ يَعْنِي: أَنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوعٌ لِتَفْوِيتِ الْحِلِّ الَّذِي صَارَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ فَمَحَلُّ التَّصَرُّفِ حِلُّ الْمَحَلِّيَّةِ فَمَتَى كَانَ حِلُّ الْمَرْأَةِ أَزْيَدَ كَانَ مَحَلِّيَّةُ الطَّلَاقِ فِي حَقِّهَا أَوْسَعَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ حِلَّ الْأَمَةِ أَنْقَصُ مِنْ حِلِّ الْحُرَّةِ كَمَا أَنَّ حِلَّ الْعَبْدِ أَنْقَصُ مِنْ حِلِّ الْحُرِّ عَلَى التَّنَاصُفِ فَيَفُوتُ حِلُّ مَحَلِّيَّةُ الْأَمَةِ بِنِصْفِ مَا يَفُوتُ بِهِ حِلُّ مَحَلِّيَّةِ الْحُرَّةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنْ لَيْسَ عَدَدُ الطَّلَاقِ عِبَارَةً عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ تَعَدُّدَ الطَّلَاقِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ حَتَّى يَنْقُصَ بِطَلَاقٍ وَاحِدٍ شَيْءٌ مِنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ الْمُتَّسِعَةِ، وَبِالثِّنْتَيْنِ أَكْثَرُ، وَبِالثَّلَاثِ الْكُلُّ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي عَدَدِهِ رِعَايَةُ جَانِبِ الْمَمْلُوكِيَّةِ لَا الْمَالِكِيَّةِ، وَمَعْنَى الْمَمْلُوكِيَّةِ هَاهُنَا حِلُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي هُوَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ، وَالْأَمَةُ نَاقِصَةٌ فِيهِ لَا الْمَمْلُوكِيَّةُ الْمَالِيَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْأَمَةِ أَقْوَى فَإِنْ قِيلَ: الْمَمْلُوكِيَّةُ

ص: 343

جَمِيعِ الصُّوَرِ وَلَا يَكُونُ الرِّقُّ مُنَصِّفًا لِشَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بَلْ يُوجِبُ نُقْصَانًا، وَالْوَاقِعُ خِلَافُ هَذَا، وَأَيْضًا لَمَّا ذَكَرُوا أَنَّ أَحَدَ الْمِلْكَيْنِ ثَابِتٌ لِلرَّقِيقِ، وَهُوَ الِازْدِوَاجُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الِازْدِوَاجِ كَامِلًا فِي الْأَرِقَّاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلَّةَ لِنُقْصَانِ دِيَتِهِ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ لَيْسَتْ مَا ذَكَرُوا أَرَدْت أَنْ أُبَيِّنَ مَا هُوَ الْعِلَّةُ لِثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ فَقُلْت (وَإِنَّمَا انْتَقَصَ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْعَبْدِ (الْمَالِيَّةُ فَلَا تُنَصَّفُ لَكِنْ فِي الْإِكْمَالِ شُبْهَةُ الْمُسَاوَاةِ بِالْحُرِّ فَيُنْتَقَصُ وَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ حَتَّى أَنَّ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَلْ هُوَ كَالْوَكِيلِ) وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أُذِنَ الْعَبْدُ

ــ

[التلويح]

لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِكِيَّةِ فَكُلَّمَا زَادَتْ الْمَمْلُوكِيَّةُ زَادَتْ الْمَالِكِيَّةُ، فَيَكُونُ اتِّسَاعُ الْمَمْلُوكِيَّةِ مُسْتَلْزِمًا لِاتِّسَاعِ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ مَالِكِيَّةَ ثَلَاثَةِ عَبِيدٍ أَوْسَعُ مِنْ مَالِكِيَّةِ عَبْدَيْنِ، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالرِّجَالِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَالِكِيَّةَ الْحُرِّ أَوْسَعُ مِنْ مَالِكِيَّةِ الرَّقِيقِ، فَيَلْزَمُ تَنْصِيفُ الطَّلَاقِ بِرِقِّ الرَّجُلِ أَيْضًا لِنُقْصَانِ مَالِكِيَّتِهِ، فَيَكُونُ طَلَاقُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ ثِنْتَيْنِ كَطَلَاقِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْحُرِّ فَالْجَوَابُ أَنَّ حَالَ الزَّوْجِ فِي الِاتِّسَاعِ، وَالتَّضْيِيقِ قَدْ اُعْتُبِرَتْ مَرَّةً حَيْثُ تُنَصَّفُ عَدَدُ زَوْجَاتِ الرَّقِيقِ مِنْ الْأَرْبَعِ إلَى الثِّنْتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْ اُعْتُبِرَتْ فِي حَقِّ الطَّلَقَاتِ أَيْضًا لَزِمَ النُّقْصَانُ مِنْ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ طَلْقَةً بِحَسَبِ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدُ سِتَّ طَلَقَاتٍ يُوقِعُهَا عَلَى زَوْجَتَيْنِ تَحْقِيقًا لِلتَّنْصِيفِ، وَلَوْ تَنَصَّفَ الطَّلَاقُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَمْلِكَ إلَّا أَرْبَعَ تَطْلِيقَاتٍ، وَهَذَا أَقَلُّ مِنْ السِّتِّ الَّتِي هِيَ نِصْفُ اثْنَيْ عَشَرَ.

(قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ) يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَفَرَّغَ عَلَى مُنَافَاةِ الرِّقِّ لِكَمَالِ الْكَرَامَاتِ نُقْصَانُ دِيَةِ الرَّقِيقِ حَتَّى، لَوْ قُتِلَ خَطَأً يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي قِيمَتُهُ لِلْمَوْلَى بِشَرْطِ أَنْ تَنْقُصَ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَضْعَافَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجِبُ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الرَّقِيقِ جِهَةَ الْمَالِيَّةِ، وَجِهَةَ النَّفْسِيَّةِ؛ فَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جِهَةَ الْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَجِبُ لِلْمَوْلَى، وَمِلْكُهُ فِي الْعَبْدِ مِلْكُ مَالٍ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ النُّقُودُ دُونَ الْإِبِلِ، وَلِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ مِنْ الْحُسْنِ، وَالْأَخْلَاقِ، وَغَيْرِهِمَا، وَالصِّفَاتُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي ضَمَانِ الْأَمْوَالِ دُونَ النُّفُوسِ، وَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جِهَةَ النَّفْسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ، وَالْمَالِيَّةُ تَبَعٌ يَزُولُ بِزَوَالِ النَّفْسِيَّةِ كَمَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ دُونَ الْعَكْسِ كَمَا إذَا أُعْتِقَ، وَضَمَانُ النَّفْسِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ خَطَرِهَا، وَذَلِكَ بِالْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهَا كَمَالُ حَالِ الْإِنْسَانِ، وَالْمَالِكِيَّةُ نَوْعَانِ مَالِكِيَّةُ الْمَالِ، وَكَمَالُهَا بِالْحُرِّيَّةِ، وَمَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ، وَثُبُوتُهَا بِالذُّكُورَةِ فَالْمَرْأَةُ قَدْ انْتَفَتْ فِيهَا إحْدَى الْمَالِكِيَّتَيْنِ، وَثَبَتَتْ الْأُخْرَى بِكَمَالِهَا فَانْتَقَصَتْ دِيَتُهَا بِالتَّنْصِيفِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ مَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ بِكَمَالِهَا، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَتْ عَلَى إذْنِ الْمَوْلَى دَفْعًا

ص: 344

فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ فَعِنْدَنَا يَعُمُّ إذْنُهُ لِسَائِرِ الْأَنْوَاعِ، وَعِنْدَهُ لَا بَلْ يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِمَا أُذِنَ فِيهِ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ (لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِسَبَبِهِ، وَقُلْنَا هُوَ أَهْلٌ لِلتَّكَلُّمِ وَالذِّمَّةِ، فَيَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ مَا يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ وَأَدْنَى طُرُقِهِ الْيَدُ عَلَى أَنَّهَا) أَيْ: الْيَدَ (لَيْسَتْ بِمَالٍ) فَلَا يَكُونُ الرِّقُّ مُنَافِيًا لِمِلْكِ الْيَدِ لَكِنَّهُ مُنَافٍ لِمِلْكِ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا حَالَ كَوْنِهِ مَالًا (وَهِيَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ) أَيْ: الْيَدُ هِيَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجٌ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِبَقَائِهِ وَلَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ

ــ

[التلويح]

لِلضَّرَرِ فِي مَالِهِ لَا لِنُقْصَانٍ فِي مَالِكِيَّةِ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَنْتَفِ فِيهِ مَالِكِيَّةُ الْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يُنَاسِبَ تَنْصِيفَ دِيَتِهِ بَلْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ فِيهَا نُقْصَانٌ؛ لِأَنَّهَا بِشَيْئَيْنِ: مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ لِلْعَبْدِ، وَمِلْكُ الْيَدِ أَعْنِي: التَّصَرُّفَ، وَهُوَ ثَابِتٌ لَهُ فَلَزِمَ بِوَاسِطَةِ نُقْصَانِ مِلْكِ الْيَدِ نُقْصَانُ شَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهِ فَقَدَّرْنَاهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي أَقَلَّ مَا يُسْتَوْلَى بِهِ عَلَى الْحُرَّةِ اسْتِمْتَاعًا، وَهُوَ الْمَهْرُ، وَفِي أَقَلَّ مَا يُقْطَعُ بِهِ الْيَدُ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ نِصْفِ الْبَدَنِ.

وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ دِيَةُ الْحُرِّ، وَيُنْقَصُ مِنْهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَإِنْ قِيلَ: الْمُنْتَفَى فِي الْعَبْدِ هُوَ أَحَدُ شِقَّيْ مَالِكِيَّةِ الْمَالِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ الرُّبُعُ تَوْزِيعًا عَلَى مَا بِهِ خَطَرُ الْمَحَلِّ أَعْنِي: مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ، وَمَالِكِيَّةَ الْمَالِ رَقَبَةً، وَيَدًا قُلْنَا: مَالِكِيَّةُ الْيَدِ أَقْوَى مِنْ مَالِكِيَّةِ الرَّقَبَةِ إذْ الِانْتِفَاعُ وَالتَّصَرُّفُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَسِيلَةٌ إلَيْهِ بِخِلَافِ مِلْكِ الْمَالِ، وَمِلْكِ النِّكَاحِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْرٌ مُسْتَقِلٌّ، فَكَانَا عَلَى التَّنَاصُفِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِمْ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَزِمَ أَنْ لَا يَجْرِيَ التَّنْصِيفُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعَبْدِ إذْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي كَمَالِهِ إلَّا نُقْصَانُ مَا أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ بَلْ مِنْ الرُّبْعِ عَلَى مَا مَرَّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُهُ فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا: وَثَانِيهِمَا أَنَّ مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً لِلرَّقِيقِ بِكَمَالِهَا لَزِمَ، أَنْ لَا يَجْرِيَ النُّقْصَانُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ، وَالِازْدِوَاجِ كَعَدَدِ الزَّوْجَاتِ، وَالْعِدَّةِ، وَالْقَسَمِ، وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ، وَهِيَ كَامِلَةٌ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ: أَنَّ تَنْصِيفَ عَدَدِ الزَّوْجَاتِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ خَطَرِ النَّفْسِ أَعْنِي: الْمَالِكِيَّةَ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ النُّقْصَانُ بِأَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ كَمَا فِي الدِّيَةِ بَلْ بِاعْتِبَارِ الْحِلِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْكَرَامَةِ، وَالرَّقِيقُ نَاقِصٌ فِيهِ نُقْصَانًا لَا يَتَعَيَّنُ قَدْرُهُ فَقَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِالنِّصْفِ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا بِاعْتِبَارِ خَطَرِ النَّفْسِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ، وَنُقْصَانُ الرَّقِيقِ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّقْصَانَ فِي الشَّيْءِ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ لَا فِي حُكْمٍ لَا يُلَائِمُهُ فَالنُّقْصَانُ فِي الْمَالِكِيَّةِ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي الدِّيَةِ لَا فِي

ص: 345

فَشَرَعَ التَّصَرُّفَاتِ كَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ لِحُصُولِ مِلْكِ الْيَدِ ثُمَّ مِلْكُ الرَّقَبَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِيَكُونَ وَسِيلَةً إلَى مِلْكِ الْيَدِ فَإِنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ هُوَ اخْتِصَاصُ الْمَالِكِ بِالشَّيْءِ، فَيَقْطَعُ طَمَعَ الطَّامِعِينَ وَالْإِفْضَاءَ إلَى التَّنَازُعِ وَالتَّقَاتُلِ، وَنَحْوِهِمَا فَثَبَتَ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِلْكُ الْيَدِ، فَأَمَّا مِلْكُ الرَّقَبَةِ فَإِنَّمَا يُثْبِتُ ضَرُورَةَ إكْمَالِ مِلْكِ الْيَدِ، فَيَبْطُلُ مَا قَالَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ سَبَبِ الْمِلْكِ لَا تَكُونُ خَالِيَةً عَنْ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ، وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ حَاصِلٌ لِلْعَبْدِ (فَأَمَّا الْمِلْكُ) أَيْ: مِلْكُ الرَّقَبَةِ (فَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ ضَرُورِيٌّ) أَيْ: لَيْسَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا أَيْ: مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةَ أَنْ يَثْبُتَ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَعَدَمُ أَهْلِيَّتِهِ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ يُوجِبُ عَدَمَ أَهْلِيَّتِهِ لِمَا شُرِعَ لِأَجْلِهِ أَمَّا عَدَمُ أَهْلِيَّتِهِ

ــ

[التلويح]

عَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ، وَالنُّقْصَانُ فِي الْحِلِّ بِالْعَكْسِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ تَنْصِيفَ عَدَدِ الزَّوْجَاتِ لَيْسَ لِنُقْصَانِ الْمَالِكِيَّةِ بَلْ لِنُقْصَانِ الْحِلِّ، وَكَمَالُ مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ نُقْصَانَ عَدَدِ الزَّوْجَاتِ لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي أَنْ يُوجِبَهُ أَمْرٌ آخَرُ هُوَ نُقْصَانُ الْحِلِّ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ ثُبُوتَ كَمَالِ مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ فِي الرَّقِيقِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الِازْدِوَاجِ كَامِلًا فِي الْأَرِقَّاءِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ كَالطَّلَاقِ، وَالْعِدَّةِ، وَالْقَسَمِ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الزَّوْجَةِ، وَالْأَمَةُ لَا تَمْلِكُ النِّكَاحَ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ كَمَالِ الْمَالِكِيَّةِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا انْتَقَصَ) يُرِيدُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي نُقْصَانِ دِيَةِ الْعَبْدِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ جَانِبُ الْمَالِيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ التَّنْصِيفُ بَلْ الْقِيمَةُ لَكِنَّهَا إذَا بَلَغَتْ دِيَةَ الْحُرِّ أَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا يُنْتَقَصُ مِنْهَا شَيْءٌ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ احْتِرَازًا عَنْ شُبْهَةِ مُسَاوَاةِ الْعَبْدِ بِالْحُرِّ أَوْ زِيَادَتِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّ شُبْهَةَ الشَّيْءِ مُعْتَبَرَةٌ بِحَقِيقَتِهِ، وَكَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُسَاوَاةِ مُنْتَفِيَةٌ فَكَذَلِكَ شُبْهَتُهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ شُبْهَةَ الْمُسَاوَاةِ لَا حَقِيقَتَهَا؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ إنَّمَا تَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَالِابْتِذَالِ، وَدِيَةُ الْحُرِّ بِاعْتِبَارِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْكَرَامَةِ، وَالْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي حَقِيقَةً، وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ صُورَةً فَلَا مُسَاوَاةَ حَقِيقَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي نَفْسِهِ ضَمَانُ النَّفْسِ، وَلَكِنْ فِي جَانِبِ الْمُسْتَحِقِّ هُوَ ضَمَانُ مَالٍ، فَيَظْهَرُ حُكْمُ الْمَالِيَّةِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ وَإِلَّا فَنَفْسُ الْعَبْدِ مَعْصُومَةٌ مَصُونَةٌ عَنْ الْهَدَرِ مُعْتَبَرَةٌ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ بِالْقِصَاصِ، وَالْكَفَّارَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَالِيَّةُ قَائِمَةٌ بِهَا تَابِعَةٌ لَهَا تَزُولُ بِزَوَالِهَا كَمَا فِي الْمَوْتِ دُونَ الْعَكْسِ كَمَا فِي الْعِتْقِ، وَأَيْضًا الْمَقْصُودُ فِي الْإِتْلَافِ فِي الْقَتْلِ هُوَ النَّفْسِيَّةُ عَادَةً لَا الْمَالِيَّةُ، وَالضَّمَانُ لِلْمُتْلَفِ، وَأَيْضًا الضَّمَانُ يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ دُونَ الْجَانِي، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ النَّفْسِيَّةُ، وَكَوْنُ الدِّيَةِ لِلْمَوْلَى لَا يُنَافِي ذَلِكَ كَالْقِصَاصِ يَسْتَوْفِيهِ الْمَوْلَى، وَالْمَالُ يَجِبُ لِلْعَبْدِ، وَلِهَذَا تُقْضَى دُيُونُهُ

ص: 346

لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْغَيْرِ فَلَا يُوجِبُ عَدَمَ أَهْلِيَّتِهِ لِمَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَيْهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ الْمَقْصُودِ لِذَاتِهِ كَمِلْكِ الْيَدِ فِي مَسْأَلَتِنَا (فَالْيَدُ تَثْبُتُ لَهُ وَالْمِلْكُ لِلْمَوْلَى خِلَافَةٌ عَنْهُ) أَيْ: يَكُونُ الْمَوْلَى قَائِمًا مَقَامَ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لِلْمُبَاشِرِ (وَهُوَ كَالْوَكِيلِ فِي الْمِلْكِ) أَيْ: الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فِي الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ أَيْ: إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَقَعُ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى كَمَا يَقَعُ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ فِي شِرَاءِ الْوَكِيلِ (وَفِي بَقَاءِ الْإِذْنِ فِي مَسَائِلِ مَرَضِ الْمَوْلَى وَعَامَّةِ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ) أَيْ: الْمَأْذُونِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْإِذْنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَهُمَا مَرَضُ الْمَوْلَى، وَعَامَّةُ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ أَمَّا مَرَضُ الْمَوْلَى فَصُورَتُهُ أَنَّ الْمَأْذُونَ إنْ تَصَرَّفَ فِي حَالَ مَرَضِ الْمَوْلَى وَحَابَى مُحَابَاةً فَاحِشَةً وَعَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ أَصْلًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا

ــ

[التلويح]

مِنْهُ إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ فَهُوَ يَسْتَوْفِيهِ.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ) يَعْنِي: أَنَّ الرِّقَّ لَا يُنَافِيهِ مَالِكِيَّةُ الْيَدِ، وَالتَّصَرُّفُ حَتَّى إنَّ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْيَدُ عَلَى اكْتِسَابِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِذْنَ فَكُّ الْحَجْرِ الثَّابِتِ بِالرِّقِّ، وَرَفْعُ الْمَانِعِ مِنْ التَّصَرُّفِ حُكْمًا، وَإِثْبَاتُ الْيَدِ لِلْعَبْدِ فِي كَسْبِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ حَتَّى إنَّ الْإِذْنَ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ يَكُونُ إذْنًا فِي الْكُلِّ، وَلَا يَصِحُّ الْحَجْرُ فِي الْبَعْضِ بَعْدَ الْإِذْنِ الْعَامِّ أَوْ الْخَاصِّ، وَلَا يَقْبَلُ الْإِذْنُ التَّأْقِيتَ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِفَادَةِ عَنْ الْمَوْلَى كَالْوَكِيلِ، وَيَدُهُ فِي الِاكْتِسَابِ يَدُ نِيَابَةٍ كَالْمُودَعِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ لَكَانَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ، وَسِيلَةٌ إلَى الْمِلْكِ، وَسَبَبٌ لَهُ، وَالسَّبَبُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا لِحُكْمِهِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا فَكَذَا الْمَلْزُومُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ إذْ الْيَدُ إنَّمَا تُسْتَفَادُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ أَوْ التَّصَرُّفِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ التَّصَرُّفَ تَمْلِيكٌ، وَتَمَلُّكٌ، وَمَعْنَى التَّمَلُّكِ الصَّيْرُورَةُ مَالِكًا، وَمَعْنَى التَّمْلِيكِ الْإِخْرَاجُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، وَلَا مِلْكَ إلَّا لِلْمَوْلَى، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مِلْكُ الْيَدِ، وَهُوَ حَاصِلٌ لِلْعَبْدِ، وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَعَدَمُ أَهْلِيَّتِهِ لِلْوَسِيلَةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ أَهْلِيَّتِهِ لِلْمَقْصُودِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَى الْمَقْصُودِ طَرِيقٌ إلَّا بِتِلْكَ الْوَسِيلَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّقِيقَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَمِلْكِ الْيَدِ أَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّكَلُّمِ، وَالذِّمَّةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ تُقْبَلُ رِوَايَاتُهُ فِي الْأَخْبَارِ، وَالدِّيَانَاتِ، وَشَهَادَتُهُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْإِيجَابِ، وَالِاسْتِيجَابِ، وَلِذَا يُخَاطَبُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَالدَّيْنِ، وَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى ذِمَّتَهُ حَتَّى لَا يَجُوزَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا إقْرَارُهُ عَلَى الْعَبْدِ بِدَيْنٍ فَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ كَالْوَارِثِ يُقِرُّ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِالدَّيْنِ

ص: 347

يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ لَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَهُوَ فِي حَالِ مَرَضِ الْمَوْلَى كَالْوَكِيلِ وَلَوْ كَانَ هَذَا التَّصَرُّفُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ يَصِحُّ، وَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَفِي حَالِ صِحَّةِ الْمَوْلَى لَيْسَ كَالْوَكِيلِ وَأَمَّا عَامَّةُ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ فَكَمَا إذَا أَذِنَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ، وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ عَبْدًا اشْتَرَاهُ مِنْ كَسْبِهِ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ حَجَرَ الْمَوْلَى الْمَأْذُونَ الْأَوَّلَ لَا يَنْحَجِرُ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ، وَعَزَلَ الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ الْأَوَّلَ لَمْ يَنْعَزِلْ الثَّانِي، وَكَذَا إذَا مَاتَ الْمَأْذُونُ الْأَوَّلُ لَا يَنْحَجِرُ الثَّانِي كَالْوَكِيلِ إذَا مَاتَ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي بَقَاءِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ ابْتِدَاءِ الْإِذْنِ لَيْسَ كَالْوَكِيلِ عِنْدَنَا، فَإِنَّ الْوَكِيلَ لَا يَثْبُتُ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا فِيمَا وُكِّلَ بِهِ بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ لَكِنْ فِي بَقَاءِ الْإِذْنِ هُوَ (كَالْوَكِيلِ وَهُوَ مَعْصُومُ الدَّمِ كَالْحُرِّ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ: الْعِصْمَةَ وَقَدْ فُهِمَتْ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ مَعْصُومُ الدَّمِ (بِنَاءً عَلَى الْإِسْلَامِ وَدَارِهِ فَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالرِّقُّ يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الْجِهَادِ عَلَى مَا قُلْنَا

ــ

[التلويح]

وَإِذَا كَانَ أَهْلًا لِلتَّكَلُّمِ، وَالذِّمَّةِ صَحَّ أَنْ يَلْتَزِمَ شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ، فَيَجِبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ إلَى قَضَائِهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ اللَّازِمِ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْإِيجَابِ فِي الذِّمَّةِ بِدُونِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَأَدْنَى طُرُقِ الْقَضَاءِ مِلْكُ الْيَدِ، فَيَلْزَمُ ثُبُوتُهُ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فَإِنْ قِيلَ: الرَّقِيقُ مَمْلُوكٌ فَلَا يَكُونُ مَالِكًا لَا يَدًا، وَلَا رَقَبَةً أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَالًا فَلَا يَكُونُ مَالِكًا مَالًا، وَالْيَدُ لَيْسَتْ بِمَالٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَيَوَانَ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَةِ الْيَدِ كَمَا فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَمِثْلُهُ فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ فَلَا يَثْبُتُ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِنْ قِيلَ: مِلْكُ الرَّقَبَةِ حُكْمٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَمُسَبَّبٌ عَنْهُ فَإِذَا كَانَ تَصَرُّفُ الْعَبْدِ يَقَعُ لِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يَقَعُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لِلْمَوْلَى؟ أُجِيبَ بِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَنْعَقِدُ لِلْعَبْدِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ تَصَرُّفِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ بَعْدَمَا أُوقِعَ الْمِلْكُ لَهُ اسْتَحَقَّهُ الْمَوْلَى بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَالِكَ رَقَبَتِهِ فَالْمَوْلَى إنَّمَا يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ كَالْوَارِثِ مَعَ الْمُوَرِّثِ فَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ دَيْنَ الْعَبْدِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْمَوْلَى فِي كَسْبِهِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ الْإِذْنَ فَكُّ الْحَجْرِ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ مَالِكِيَّةُ الْعَبْدِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ مِنْ جِهَتِهِ، وَحُكْمُ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ الْمِلْكُ وَاقِعٌ لِلْعَبْدِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالنَّفَقَةِ، وَمَا اسْتَغْنَى عَنْهُ يَخْلُفُهُ الْمَالِكُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الْمَأْذُونَ كَالْوَكِيلِ فِي أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَقَعُ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى كَمَا يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ يَعْنِي: أَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلَى مَالًا كَمَا يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي بَقَاءِ الْإِذْنِ فَمَعْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَأْذُونَ كَالْوَكِيلِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْإِذْنِ فِي مَسَائِلِ مَرَضِ الْمَوْلَى، وَعَامَّةِ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ حَتَّى يَكُونَ تَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِهِ يَصِحُّ فِيمَا يَصِحُّ، وَيَبْطُلُ فِيمَا يَبْطُلُ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي حَالِ بَقَاءِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ ابْتِدَاءِ الْإِذْنِ لَيْسَ

ص: 348

فِي الْحَجِّ) إنَّ مَنَافِعَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، فَلَا يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ الْكَامِلَ (وَيُنَافِي الْوِلَايَاتِ كُلَّهَا فَلَا يَصْلُحُ أَمَانُ الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ عَلَى النَّاسِ ابْتِدَاءً وَأَمَّا أَمَانُ الْمَأْذُونِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَوَّلًا فِي حَقِّهِ إذْ هُوَ شَرِيكٌ فِي الْغَنِيمَةِ ثُمَّ يَتَعَدَّى كَمَا فِي شَهَادَتِهِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ) فَإِنَّ صَوْمَ رَمَضَانِ يَثْبُتُ أَوَّلًا فِي حَقِّهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى كَافَّةِ النَّاسِ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْوِلَايَةُ لِمِثْلِ هَذَا (وَيُنَافِي ضَمَانَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ بَلْ يَجِبُ دَفْعُهُ جَزَاءً) أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ ضَمَانُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ صِلَةٌ وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهَا حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمَحَارِمِ فَلَا يَجِبُ الدِّيَةُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ خَطَأً؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ صِلَةٌ فِي حَقِّ الْجَانِي كَأَنَّهُ يَهَبُ ابْتِدَاءً وَعُوِّضَ فِي حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَكَوْنُ الْمُتْلَفِ غَيْرَ مَالٍ يُنَافِي الْوُجُوبَ عَلَى الْعَبْدِ، وَكَوْنُ الدَّمِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْدَرَ يُوجِبُ الْحَقَّ لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ فَصَارَتْ رَقَبَتُهُ جَزَاءً (إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ، فَيَصِيرَ الْوُجُوبُ عَائِدًا إلَى الْأَصْلِ فَإِنَّ الْأَرْشَ أَصْلٌ فِي

ــ

[التلويح]

كَالْوَكِيلِ إذْ الْوَكَالَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، وَالْإِذْنُ يَعُمُّ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي حَالِ مَرَضِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ صِحَّةِ الْمَوْلَى لَيْسَ كَالْوَكِيلِ إذْ يَصِحُّ مِنْهُ الْمُحَابَاةُ الْفَاحِشَةُ، وَلَا تَصِحُّ مِنْ الْوَكِيلِ، وَإِنَّمَا قَالَ عَامَّةُ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْوَكِيلِ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالِاشْتِرَاءِ إذَا اشْتَرَى بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْمَأْذُونِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْوَكِيلِ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِذَلِكَ أَيْ: وَلِأَنَّ الْمَوْلَى خَلَفٌ عَنْ الْعَبْدِ فِي مِلْكِ الرَّقَبَةِ جَعَلْنَا الْعَبْدَ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ، وَفِي حُكْمِ بَقَاءِ الْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ فِي مَسَائِلِ مَرَضِ الْمَوْلَى، وَعَامَّةِ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ يَعْنِي: يَكُونُ لِلْمَوْلَى حَجْرُ الْمَأْذُونِ بِدُونِ رِضَاهُ كَمَا أَنَّ لَهُ عَزْلَ الْوَكِيلِ بِدُونِ رِضَاهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَالْوَكِيلِ فِي حُكْمِ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ إذْ لَيْسَ لِلْمَوْلَى عَزْلُهُ بِدُونِ تَعْجِيزِهِ نَفْسَهُ.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ: الرَّقِيقُ مَعْصُومُ الدَّمِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ بِالْإِتْلَافِ حَقًّا لَهُ، وَلِصَاحِبِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ: نَوْعَانِ مُؤَثِّمَةٌ تُوجِبُ الْإِثْمَ فَقَطْ عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَرُّضِ لِلدَّمِ، وَهِيَ بِالْإِسْلَامِ، وَمُقَوِّمَةٌ تُوجِبُ مَعَ الْإِثْمِ الضَّمَانَ أَيْ: الْقِصَاصَ أَوْ الدِّيَةَ، وَهِيَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْعَبْدُ يُسَاوِي الْحُرَّ فِي الْأَمْرَيْنِ فَيُسَاوِيهِ فِي الْعِصْمَتَيْنِ فَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ قِصَاصًا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الضَّمَانِ عَلَى الْعِصْمَتَيْنِ، وَالْمَالِيَّةُ لَا تُخِلُّ بِهِمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقِصَاصُ مُنْبِئٌ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْمُسَاوَاةِ، وَمَبْنِيٌّ عَلَى الْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةُ تُخِلُّ بِذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ.

(قَوْلُهُ:، وَالرِّقُّ يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الْجِهَادِ) ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مَالِكِيَّةَ مَنَافِعِ الْبَدَنِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْقِتَالُ بِدُونِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَإِذَا قَاتَلَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ الْكَامِلَ

ص: 349

الْبَابِ حَتَّى لَا يَبْطُلَ بِالْإِفْلَاسِ وَعِنْدَهُمَا يَصِيرُ كَالْحَوَالَةِ) أَيْ: الْأَرْشُ أَصْلٌ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ خَطَأً لَكِنْ الْعَبْدُ لَيْسَ أَهْلًا لَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ لِمَا قُلْنَا أَنَّهُ صِلَةٌ وَلَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْأَرْشُ لَا يُمْكِنُ تَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ عَنْهُ فَصَارَتْ رَقَبَتُهُ جَزَاءً لَكِنْ لَمَّا اخْتَارَ الْمَوْلَى الْأَرْشَ فِدَاءً عَنْ الْعَبْدِ لِئَلَّا يُفَوِّتَهُ الْعَبْدُ صَارَ وُجُوبُ الْفِدَاءِ عَائِدًا إلَى الْأَصْلِ لَا كَالْحَوَالَةِ حَتَّى إذَا أَفْلَسَ الْمَوْلَى بَعْدَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا يَكُونُ كَالْحَوَالَةِ حَتَّى يَعُودَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي الدَّفْعِ. .

(وَمِنْهَا الْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ وَهُمَا لَا يُعْدِمَانِ الْأَهْلِيَّةَ إلَّا أَنَّ الطَّهَارَةَ عِنْدَهُمَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَى مَا مَرَّ) .

(وَمِنْهَا الْمَرَضُ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ لَكِنَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَجْزِ شُرِعَتْ الْعِبَادَاتُ فِيهِ لِلْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ وَلَمَّا كَانَ سَبَبَ الْمَوْتِ وَهُوَ عِلَّةٌ لِلْخِلَافَةِ كَانَ سَبَبَ تَعَلُّقِ الْوَارِثِ وَالْغَرِيمِ فَيُوجِبُ الْحَجْرَ إذَا اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ) الضَّمِيرُ فِي، وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْمَوْتِ وَالضَّمِيرُ فِي كَانَ، وَفِي يُوجِبُ وَفِي اتَّصَلَ يَعُودُ إلَى الْمَرَضِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْتَ عِلَّةٌ لَأَنْ يَقُومَ الْغَيْرُ مَقَامَهُ (مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِهِ) أَيْ: أَوَّلُ الْمَرَضِ وَهُوَ حَالٌ عَنْ قَوْلِهِ فَيُوجِبُ الْحَجْرَ فَإِنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ

ــ

[التلويح]

بَلْ يُرْضَخُ لَهُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْغَنِيمَةِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَرَامَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ كَانَ عليه الصلاة والسلام يَرْضَخُ لِلْمَمَالِيكِ، وَلَا يُسْهِمُ لَهُمْ» ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ السَّلَبِ إنَّمَا هُوَ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْإِيجَابِ مِنْ الْإِمَامِ، وَالْعَبْدُ يُسَاوِي الْحُرَّ فِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَيُنَافِي الْوِلَايَاتِ كُلَّهَا) بِمَنْزِلَةِ التَّفْسِيرِ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ يُنَافِي كَمَالَ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْهُ أَنَّ لَهُ وِلَايَةً ضَعِيفَةً كَالذِّمَّةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّ أَمَانَهُ تَصَرُّفٌ عَلَى النَّاسِ ابْتِدَاءً بِإِسْقَاطِ حُقُوقِهِمْ فِي أَمْوَالِ الْكُفَّارِ، وَأَنْفُسِهِمْ اغْتِنَامًا، وَاسْتِرْقَاقًا، وَالتَّصَرُّفُ عَلَى الْغَيْرِ وِلَايَةٌ بِخِلَافِ أَمَانِ الْمَأْذُونِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بِوَاسِطَةِ الْإِذْنِ صَارَ شَرِيكًا لِلْغُزَاةِ فِي الْغَنِيمَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنْسَانٌ مُخَاطَبٌ يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى يَخْلُفُهُ فِي الْمِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ كَمَا فِي سَائِرِ أَكْسَابِهِ فَإِذَا أَمِنَ الْكَافِرُ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ فِي الْغَنِيمَةِ أَعْنِي: الرَّضْخَ فَصَحَّ فِي حَقِّهِ أَوَّلَا ثُمَّ تَعَدَّى إلَى الْغَيْرِ، وَلَزِمَ سُقُوطُ حُقُوقِهِمْ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الثُّبُوتِ، وَالسُّقُوطِ، وَهَذَا كَمَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى الْغَيْرِ ضَرُورَةً، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ضَرُورَةِ الْوِلَايَةِ فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَحْجُورُ أَيْضًا يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ أَمَانُهُ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَحْجُورَ يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ الِاكْتِسَابِ، وَعَمَّا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ فَإِذَا فَرَغَ عَنْ الْقِتَالِ سَالِمًا، وَزَالَ ضَرَرُ الْمَوْلَى، وَأُصِيبَتْ الْغَنِيمَةُ ثَبَتَ الْإِذْنُ مِنْ

ص: 350