المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ

- ‌[فَصْلٌ اتِّصَالُ الْخَبَرِ] [

- ‌التَّوَاتُرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ]

- ‌[فَصْلٌ] الرَّاوِي إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ وَإِمَّا مَجْهُولٌ

- ‌[فَصْلٌ شَرَائِطُ الرَّاوِي]

- ‌[فَصْلٌ فِي انْقِطَاعِ الْحَدِيثِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ]

- ‌[فَصْلٌ] فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي الطَّعْنِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي أَفْعَالِهِ عليه الصلاة والسلام

- ‌[فَصْلٌ فِي الْوَحْيِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ]

- ‌[بَابُ الْبَيَانِ]

- ‌(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَمُنْقَطِعٌ

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرَقُ

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ]

- ‌(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ التَّبْدِيلِ

- ‌[بَيَانُ النَّاسِخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كَوْنُ النَّاسِخِ أَشَقَّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الضَّرُورَةِ]

- ‌[الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ]

- ‌[الْأَمْرُ الْأَوَّلُ رُكْنُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي قَوْلَيْنِ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّانِي أَهْلِيَّةُ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّالِثُ شُرُوطُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْأَمْرُ الرَّابِعُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْإِجْمَاعُ عَلَى مَرَاتِبَ]

- ‌[الْأَمْرُ الْخَامِسُ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ]

- ‌[الْقِيَاسُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقِيَاسِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ]

- ‌[أَبْحَاثٌ فِي الْعِلَّة]

- ‌[الْأَوَّلُ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ عَدَمُ التَّعْلِيلِ]

- ‌[الثَّانِي كَوْنُ الْعِلَّة وَصْفًا لَازِمًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ]

- ‌[الثَّالِثُ تُعْرَفُ الْعِلَّةُ بِأُمُورٍ]

- ‌[الْأَوَّلُ وَالثَّانِي النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ]

- ‌[الثَّالِثُ الْمُنَاسَبَةُ]

- ‌(فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ

- ‌[فَصْلٌ الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ]

- ‌ لِلْقِيَاسِ الْخَفِيِّ(قِسْمَيْنِ:

- ‌[فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ]

- ‌[النَّقْضُ]

- ‌[وَدَفْعُ النَّقْض بِأَرْبَعِ طُرُقٍ]

- ‌[الْمُمَانَعَةُ]

- ‌الْمُعَارَضَةِ

- ‌(فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ)

- ‌ الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْعِلَّةِ الطَّرْدِيَّةِ

- ‌[فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ كَلَامٍ إلَى آخَرَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ]

- ‌[التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ]

- ‌(بَابُ) الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ

- ‌[فَصْلٌ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ]

- ‌[الْأُمُور الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ وُجُوهُ التَّرْجِيحِ]

- ‌[فَصْلٌ مِنْ التَّرَاجِيحِ الْفَاسِدَةِ التَّرْجِيحُ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ]

- ‌[بَابُ الِاجْتِهَادِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ فِي الْحُكْمِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ]

- ‌[بَابٌ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ قِسْمَانِ]

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ أَوْ يَكُونَ كَالْحُكْمِ]

- ‌[الْقَسْم الثَّانِي مِنْ الْحُكْمِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم بِهِ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءً]

- ‌[فَصْلٌ الْأُمُورُ الْمُعْتَرِضَةُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْعَوَارِضُ السَّمَاوِيَّةُ]

- ‌[الْجُنُونُ]

- ‌[الصِّغَرُ]

- ‌[الْعَتَهُ]

- ‌[النِّسْيَانُ]

- ‌[النَّوْمُ]

- ‌ الْإِغْمَاءُ)

- ‌[الرِّقُّ]

- ‌[الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ]

- ‌[الْمَرَضُ]

- ‌[الْمَوْتُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ نَفْسِهِ]

- ‌[الْجَهْلُ]

- ‌[السُّكْرُ]

- ‌ الْهَزْلُ

- ‌[السَّفَهُ]

- ‌ السَّفَرُ

- ‌[الْخَطَأُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ غَيْرِهِ]

- ‌[الْإِكْرَاهُ وَهُوَ إمَّا مُلْجِئٌ أَوْ غَيْرُ مُلْجِئٍ]

الفصل: ‌(باب) المعارضة والترجيح

الْمَشْفُوعَ بِهَا ثَابِتٌ بِالِاسْتِصْحَابِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُشْتَرِي فَتَجِبُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشَّفِيعِ عَلَى مِلْكِ الْمَشْفُوعِ بِهَا لَا عِنْدَهُ

(وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ دَخَلَ أَمْ لَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى عِنْدَنَا) فَإِنَّ الْعَبْدَ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدُّخُولِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِاسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ عَلَى الْمَوْلَى.

(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ

(التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ) أَيْ فِي الْمُمَانَعَةِ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ وَالْأَخُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْوُجُودُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ لَهُ عِلَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي وَلَدِ الْغَصْبِ إنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ الْوَلَدَ وَمِنْهَا الِاحْتِجَاجُ بِتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ كَقَوْلِ زُفَرَ إنَّ غَسْلَ الْمَرَافِقِ لَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الْغَايَاتِ مَا يَدْخُلُ وَمَا لَا يَدْخُلُ فَلَا يَدْخُلُ بِالشَّكِّ فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَيِّ الْقِسْمَيْنِ.

(بَابُ) الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ

إذَا وَرَدَ دَلِيلَانِ يَقْتَضِي أَحَدُهُمْ عَدَمَ مَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فَإِنْ تَسَاوَيَا قُوَّةً، أَوْ

ــ

[التلويح]

وُجُودِ الْمَلْزُومِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ أَوْ مِنْ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ أَوْ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِ الْمُتَنَافِيَيْنِ عَلَى انْتِفَاءِ الْآخَرِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ فَإِنَّهُ تَرْجِيحٌ فَاسِدٌ لِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ لَا حُجَّةٌ بِرَأْسِهَا.

[بَابُ الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ]

(قَوْلُهُ: بَابُ الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ) لَمَّا كَانَتْ الْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ قَدْ تَتَعَارَضُ، فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ بِهَا إلَّا بِالتَّرْجِيحِ ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ جِهَاتِهِ عَقِبَ مَبَاحِثِ الْأَدِلَّةِ بِمَبَاحِثِ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ تَتْمِيمًا لِلْمَقْصُودِ، وَتَعَارُضُ الدَّلِيلَيْنِ كَوْنُهُمَا بِحَيْثُ يَقْتَضِي أَحَدُهُمَا ثُبُوتَ أَمْرٍ وَالْآخَرُ انْتِفَاءَهُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ بِشَرْطِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقُوَّةِ، أَوْ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا بِوَصْفٍ هُوَ تَابِعٌ. وَاحْتَرَزَ بِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ عَمَّا يَقْتَضِي حِلَّ الْمَنْكُوحَةِ وَحُرْمَةَ أُمِّهَا وَبِاتِّحَادِ الزَّمَانِ عَنْ مِثْلِ حِلِّ وَطْءِ الْمَنْكُوحَةِ قَبْلَ الْحَيْضِ وَحُرْمَتِهِ عِنْدَ الْحَيْضِ وَبِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ عَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى بِالذَّاتِ كَالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ إذْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا.

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أُرِيدَ اقْتِضَاءُ أَحَدِهِمَا عَدَمَ مَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ بِعَيْنِهِ حَتَّى يَكُونَ الْإِيجَابُ وَارِدًا عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ لِتَغَايُرِ حِلِّ الْمَنْكُوحَةِ وَحِلِّ أُمِّهَا، وَكَذَا الْحِلُّ قَبْلَ الْحَيْضِ، وَعِنْدَهُ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ أُمُورٍ أُخْرَى مِثْلَ اتِّحَادِ الْمَكَانِ وَالشَّرْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحَقُّقِ التَّنَاقُضِ.

وَجَوَابُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ زِيَادَةُ تَوْضِيحٍ وَتَنْصِيصٍ عَلَى مَا هُوَ مِلَاكُ الْأَمْرِ فِي بَابِ التَّنَاقُضِ، فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْدَفِعُ التَّرْجِيحُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ، ثُمَّ التَّعَارُضُ لَا يَقَعُ بَيْنَ الْقَطْعِيَّيْنِ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ الْمُتَنَافِيَيْنِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّرْجِيحُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ التَّفَاوُتِ فِي احْتِمَالِ النَّقِيضِ، فَلَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ الظَّنِّيَّيْنِ. وَفِي قَوْلِهِ: فَإِنْ تَسَاوَيَا قُوَّةً إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ تَحَقُّقِ التَّعَارُضِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ

ص: 205

يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَقْوَى بِوَصْفٍ هُوَ تَابِعٌ فَبَيْنَهُمَا الْمُعَارَضَةُ وَالْقُوَّةُ الْمَذْكُورَةُ رُجْحَانٌ، وَإِنْ كَانَ أَقْوَى بِمَا هُوَ غَيْرُ تَابِعٍ لَا يُسَمَّى رُجْحَانًا، فَلَا يُقَالُ النَّصُّ رَاجِحٌ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ قَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام «زِنْ وَأَرْجِحْ» .

(وَالْمُرَادُ الْفَضْلُ الْقَلِيلُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الرِّبَا فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ عَفْوًا) ؛ لِأَنَّهُ لِقِلَّتِهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقَابِلِ.

(وَالْعَمَلُ بِالْأَقْوَى وَتَرْكُ الْآخَرِ وَاجِبٌ فِي الصُّورَتَيْنِ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى بِوَصْفٍ هُوَ تَابِعٌ وَفِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى بِمَا هُوَ غَيْرُ تَابِعٍ (وَإِذَا تَسَاوَيَا قُوَّةً) وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ:

الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ بِمَا هُوَ غَيْرُ تَابِعٍ كَالنَّصِّ مَعَ الْقِيَاسِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى يُوصَفُ بِمَا هُوَ تَابِعٌ كَمَا

ــ

[التلويح]

إذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ هُوَ التَّوَقُّفُ وَجَعْلُ الدَّلِيلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ لَا يُلْزِمُ اجْتِمَاعَ النَّقِيضَيْنِ، أَوْ ارْتِفَاعَهُمَا، أَوْ التَّحَكُّمَ كَمَا لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ شَيْءٍ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ.

وَالتَّرْجِيحُ فِي اللُّغَةِ جَعْلُ الشَّيْءِ رَاجِحًا أَيْ فَاضِلًا زَائِدًا وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى اعْتِقَادِ الرُّجْحَانِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ بَيَانُ الرُّجْحَانِ أَيْ الْقُوَّةِ الَّتِي لِأَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: هُوَ اقْتِرَانُ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ بِأَمْرٍ يَقْوَى بِهِ عَلَى مُعَارِضِهِ وَاشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا حَتَّى لَوْ قَوِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا هُوَ غَيْرُ تَابِعٍ لَهُ لَا يَكُونُ رُجْحَانًا، فَلَا يُقَالُ: النَّصُّ رَاجِحٌ عَلَى الْقِيَاسِ لِعَدَمِ التَّعَارُضِ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ إظْهَارُ زِيَادَةِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَصْفًا لَا أَصْلًا مِنْ قَوْلِك رَجَّحْت الْوَزْنَ إذَا زِدْت جَانِبَ الْمَوْزُونِ حَتَّى مَالَتْ كِفَّتُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ التَّمَاثُلِ أَوَّلًا، ثُمَّ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ بِمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ وَالْوَصْفِ بِحَيْثُ لَا تَقُومُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ ابْتِدَاءً، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَزْنِ مُنْفَرِدًا عَنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ قَصْدًا فِي الْعَادَةِ. قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا تُسَمَّى زِيَادَةُ دِرْهَمٍ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ رُجْحَانًا؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَقُومُ بِهِ لَا أَصْلًا وَتُسَمَّى زِيَادَةُ الْحَبَّةِ وَنَحْوِهَا رُجْحَانًا؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ لَا تَقُومُ بِهَا عَادَةً، وَهَذَا مِنْ «قَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام لِلْوَزَّانِ حِينَ اشْتَرَى سَرَاوِيلَ بِدِرْهَمَيْنِ: زِنْ وَأَرْجِحْ، فَإِنَّا مَعَاشِرُ الْأَنْبِيَاءِ هَكَذَا نَزِنُ» فَمَعْنَى أَرْجِحْ زِدْ عَلَيْهِ فَضْلًا قَلِيلًا يَكُونُ تَابِعًا لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَوْصَافِ كَزِيَادَةِ الْجَوْدَةِ لَا قَدْرًا يُقْصَدُ بِالْوَزْنِ عَادَةً لِلُزُومِ الرِّبَا فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هِبَةً لِبُطْلَانِ هِبَةِ الْمُشَاعِ فَظَهَرَ أَنَّ جَعْلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَوْدَةِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بِتَحْقِيقِ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ.

(قَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ بِالْأَقْوَى) يَعْنِي إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ شَيْءٍ وَالْآخَرُ عَلَى انْتِفَائِهِ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْقُوَّةِ، أَوْ لَا وَعَلَى الثَّانِي إمَّا أَنْ تَكُونَ زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا بِمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ، أَوْ لَا فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى مُعَارَضَةٌ، وَلَا تَرْجِيحَ. وَفِي الثَّانِيَةِ مُعَارَضَةٌ مَعَ تَرْجِيحٍ. وَفِي الثَّالِثَةِ لَا مُعَارَضَةَ حَقِيقَةً، فَلَا تَرْجِيحَ لِابْتِنَائِهِ عَلَى

ص: 206

فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَرْوِيهِ عَدْلٌ فَقِيهٌ مَعَ خَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَرْوِيهِ عَدْلٌ غَيْرُ فَقِيهٍ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ قُوَّةً فَفِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الْعَمَلُ بِالْأَقْوَى وَتَرْكُ الْآخَرِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيَأْتِي حُكْمُهُ هُنَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ، وَإِذَا تَسَاوَيَا قُوَّةً فَالْمُعَارَضَةُ تَخْتَصُّ بِالْقِسْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِمَعْزِلٍ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْأَقْوَى وَاجِبًا لَكِنْ لَا يُسَمَّى هَذَا تَرْجِيحًا فَالتَّرْجِيحُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمُعَارَضَةِ فَيَخْتَصُّ بِالْقِسْمِ الثَّانِي.

(فَفِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) أَيْ فِي مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةِ السُّنَّةَ (يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى فَسْخِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ إذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْجَهْلِ) .

وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَقِيقَةَ التَّعَارُضِ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ

ــ

[التلويح]

التَّعَارُضِ الْمُنْبِئِ عَنْ التَّمَاثُلِ، وَحُكْمُ الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْأَقْوَى وَيُتْرَكَ الْأَضْعَفُ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَقْوَى، وَأَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى أَعْنِي تَعَارُضَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقُوَّةِ سَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الْعَدَدِ كَالتَّعَارُضِ بَيْنَ آيَةٍ وَآيَةٍ، أَوْ لَا كَالتَّعَارُضِ بَيْنَ آيَةٍ وَآيَتَيْنِ، أَوْ سُنَّةٍ وَسُنَّتَيْنِ، أَوْ قِيَاسَ وَقِيَاسَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ إذْ لَا تَرْجِيحَ، وَلَا قُوَّةَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ حَتَّى لَا يُتْرَكَ الدَّلِيلُ الْوَاحِدُ بِالدَّلِيلَيْنِ فَحُكْمُهَا أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ قِيَاسَيْنِ يُعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ آيَتَيْنِ، أَوْ قِرَاءَتَيْنِ، أَوْ سُنَّتَيْنِ قَوْلِيَّيْنِ، أَوْ فِعْلِيَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَوْ آيَةٍ وَسُنَّةٍ فِي قُوَّتِهَا كَالْمَشْهُورِ وَالْمُتَوَاتِرِ، فَإِنْ عَمَّ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا فَنَاسِخٌ إذْ لَوْ لَمْ يَصْلُحْ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا كَخَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْكِتَابِ، أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، فَهُوَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ تَعَارُضِ التَّسَاوِي بَلْ الْمُتَقَدِّمُ رَاجِحٌ وَإِلَّا فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ مُخَلِّصٍ مِنْ الْحُكْمِ، أَوْ الْمَحَلِّ، أَوْ الزَّمَانِ فَذَاكَ وَإِلَّا يُتْرَكْ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلَيْنِ وَحِينَئِذٍ إنْ أَمْكَنَ الْمَصِيرُ مِنْ الْكِتَابِ، إلَى السُّنَّةِ، وَمِنْهَا إلَى الْقِيَاسِ وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ يُصَارُ إلَيْهِ وَإِلَّا تَقَرَّرَ الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الدَّلِيلَيْنِ، وَهَذَا مَعْنَى تَقْرِيرِ الْأُصُولِ. وَفِي الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يَجْرِي بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِمَا التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْإِجْمَاعِ وَبَيْنَ دَلِيلٍ آخَرَ قَطْعِيٍّ مِنْ نَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ إذْ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ مُخَالِفٌ لِقَطْعِيٍّ، وَأَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ بَلْ هُمَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ يُعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَرْطِ التَّحَرِّي كَمَا فِي الْقِيَاسَيْنِ، وَعِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ، وَلَوْ لَمْ يُدْرَكْ بِالْقِيَاسِ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، أَوَّلًا، ثُمَّ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ مِنْ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ سُنَّتَيْنِ فَالْمَيْلُ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابِيِّ، وَإِنْ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فَالْمَيْلُ إلَى الْقِيَاسِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَبَيْنَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ.

مِثَالُ الْمَصِيرِ إلَى السُّنَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وقَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204]

ص: 207

لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ إذَا اتَّحَدَ زَمَانُ وُرُودِهِمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّارِعَ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ مُنَزَّهٌ عَنْ تَنْزِيلِ دَلِيلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ بَلْ يُنَزِّلُ أَحَدَهُمَا سَابِقًا وَالْآخَرَ مُتَأَخِّرًا نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ لَكِنَّا لَمَّا جَهِلْنَا الْمُتَقَدِّمَ وَالْمُتَأَخِّرَ تَوَهَّمْنَا التَّعَارُضَ لَكِنْ فِي الْوَاقِعِ لَا تَعَارُضَ. فَقَوْلُهُ: يُحْمَلُ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ تَرْجِعُ إلَى التَّعَارُضِ وَالْمُرَادُ صُورَةُ التَّعَارُضِ وَهِيَ وُرُودُ دَلِيلَيْنِ يَقْتَضِي أَحَدُهُمَا عَدَمَ مَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ.

(فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ) جَوَابٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ يَكُونُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ (وَإِلَّا يُطْلَبْ الْمُخَلِّصُ) أَيْ يَدْفَعُ الْمُعَارَضَةَ (وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ وَيُسَمَّى عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ فَإِنْ تَيَسَّرَ فِيهَا وَإِلَّا يُتْرَكْ وَيُصَارُ مِنْ الْكِتَابِ إلَى السُّنَّةِ وَمِنْهَا إلَى الْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ وَإِلَّا يَجِبُ تَقْرِيرُ الْأَصْلِ عَلَى مَا كَانَ فِي سُؤْرِ

ــ

[التلويح]

تَعَارَضَا فَصِرْنَا إلَى قَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» .

وَمِثَالُ الْمَصِيرِ إلَى الْقِيَاسِ عِنْدَ تَعَارُضِ السُّنَّتَيْنِ مَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ كَمَا تُصَلُّونَ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ وَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» تَعَارَضَا فَصِرْنَا إلَى الْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ بَلْ بِقُوَّتِهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ فِي جَانِبٍ آيَةٌ وَفِي جَانِبٍ آيَتَانِ، أَوْ فِي جَانِبٍ حَدِيثٌ وَفِي الْآخَرِ حَدِيثَانِ لَا يُتْرَكُ الْآيَةُ الْوَاحِدَةُ، أَوْ الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ بَلْ يُصَارُ مِنْ الْكِتَابِ إلَى السُّنَّةِ، وَمِنْ السُّنَّةِ إلَى الْقِيَاسِ إذْ لَا تَرْجِيحَ بِالْكَثْرَةِ وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَرْجِيحُ الْآيَةِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْآيَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ الْحَدِيثُ مُوَافِقًا لِلْآيَةِ الْوَاحِدَةِ، وَكَذَا تَرْجِيحُ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ عَلَى حَدِيثَيْنِ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ تَقَوِّي الْآيَةِ بِالسُّنَّةِ، أَوْ تَقَوِّي السُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ، فَإِذَا جَازَ تَقَوِّي الدَّلِيلِ بِمَا هُوَ دُونَهُ فَلِمَ لَا يَجُوزُ تَقَوِّيهِ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ تَسَاقُطِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَوُقُوعِ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ، أَوْ الْقِيَاسِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ تَسَاقُطُ الْآيَتَيْنِ وَوُقُوعُ الْعَمَلِ بِالْآيَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَكَذَا فِي السُّنَّةِ. وَغَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَدْنَى يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ لِلْأَقْوَى فَيُرَجِّحُهُ بِخِلَافِ الْمُمَاثِلِ، أَوْ يُقَالَ: إنَّ الْقِيَاسَ يُعْتَبَرُ مُتَأَخِّرًا عَنْ السُّنَّةِ وَالسُّنَّةَ عَنْ الْكِتَابِ فَالْمُتَعَارَضَانِ يَتَسَاقَطَانِ وَيَقَعُ الْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلَامُ السَّرَخْسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ إذَا اتَّحَدَ زَمَانُ وُرُودِهِمَا) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ تَعَارُضَ الدَّلِيلَيْنِ وَتَنَاقُضَ الْقَضِيَّتَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى اتِّحَادِ زَمَانِ وُرُودِهِمَا وَالتَّكَلُّمِ بِهِمَا عَلَى مَا سَبَقَ إلَى بَعْضِ الْأَوْهَامِ الْعَامِّيَّةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِاتِّحَادِ الزَّمَانِ فِي التَّنَاقُضِ زَمَانُ التَّكَلُّمِ بِالْقَضِيَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ زَمَانُ نِسْبَةِ الْقَضِيَّتَيْنِ حَتَّى لَوْ قِيلَ فِي زَمَانٍ

ص: 208

الْحِمَارِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْآثَارِ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ نَجِسٌ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَأَيْضًا قَدْ تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ فِي حُرْمَةِ لَحْمِهِ وَحِلِّهِ، فَلَمَّا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ طَاهِرًا فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَلَا يُزِيلُ الْحَدَثَ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي زَوَالِ الْحَدَثِ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.

(وَهُوَ) أَيْ التَّعَارُضُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (إمَّا بَيْنَ آيَتَيْنِ، أَوْ قِرَاءَتَيْنِ، أَوْ سُنَّتَيْنِ، أَوْ آيَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ وَالْمُخَلِّصُ إمَّا مِنْ قِبَلِ الْحُكْمِ وَالْمَحَلِّ، أَوْ الزَّمَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ يُوَزَّعَ الْحُكْمُ كَقِسْمَةِ الْمُدَّعَى بَيْنَ الْمُدَّعِينَ، أَوْ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَغَايُرِ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] الْآيَةَ اللَّغْوُ فِي الْأُولَى ضِدُّ كَسْبِ الْقَلْبِ) أَيْ السَّهْوُ.

(بِدَلِيلِ اقْتِرَانِهِ بِهِ) أَيْ بِكَسْبِ الْقَلْبِ حَيْثُ قَالَ: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]

ــ

[التلويح]

وَاحِدٍ: زَيْدٌ قَائِمٌ الْآنَ زَيْدٌ لَيْسَ بِقَائِمٍ غَدًا لَمْ يَكُنْ تَنَاقُضًا، وَلَوْ قِيلَ: زَيْدٌ قَائِمٌ وَقْتَ كَذَا، ثُمَّ قِيلَ: بَعْدَ سَنَةٍ: إنَّهُ لَيْسَ بِقَائِمٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ تَنَاقُضًا بَلْ الْمَقْصُودُ أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ إنَّمَا يَتَعَارَضَانِ بِحَيْثُ يُحْتَاجُ إلَى مُخَلِّصٍ إذَا لَمْ يُعْلَمْ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إذْ لَوْ عُلِمَ لَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَدَافِعَيْنِ لَا يَصْدُرَانِ مِنْ الشَّارِعِ إلَّا كَذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: كَمَا فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ) قِيلَ: الشَّكُّ فِي الطَّهَارَةِ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ كَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام سُئِلَ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتْ الْحُمُرُ؟ قَالَ نَعَمْ. وَبِمَا أَفْضَلَتْ السِّبَاعُ؟» قَالَ لَا وَرَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ» ، وَهَذَا يُوجِبُ نَجَاسَةَ السُّؤْرِ لِمُخَالَطَةِ اللُّعَابِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ اللَّحْمِ النَّجِسِ، فَإِنْ أُوثِرَتْ الطَّهَارَةُ قِيَاسًا عَلَى الْعَرَقِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أُوثِرَتْ النَّجَاسَةُ قِيَاسًا عَلَى اللَّبَنِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَقِيلَ: الشَّكُّ فِي الطَّهُورِيَّةِ لِاخْتِلَافِ الْأَخْبَارِ فِي حُرْمَةِ لَحْمِ الْحِمَارِ وَإِبَاحَتِهِ وَالِاشْتِبَاهُ فِي اللَّحْمِ يُورِثُ الِاشْتِبَاهَ فِي السُّؤْرِ لِمُخَالَطَتِهِ اللُّعَابَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْهُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْإِبَاحَةِ لَا تُسَاوِي أَدِلَّةَ الْحُرْمَةِ فِي الْقُوَّةِ حَتَّى أَنَّ حُرْمَتَهُ مِمَّا يَكَادُ يُجْمَعُ عَلَيْهِ، كَيْفَ وَلَوْ تَعَارَضَتَا لَكَانَ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ رَاجِحًا كَمَا فِي الضَّبُعِ حَيْثُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ سُؤْرِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الطَّهُورِيَّةِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ اخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ فَالرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ هُوَ أَنْ يُحْكَمَ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَعَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا بِيَقِينٍ وَالْمُتَوَضِّئُ مُحْدِثٌ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ طَهَارَةُ الْمَاءِ وَلَا حَدَثُ الْمُتَوَضِّئِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْكَمْ بِبَقَاءِ الطَّهُورِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِزَوَالِ الْحَدَثِ بِالشَّكِّ إذْ لَا مَعْنَى لِلطَّهُورِيَّةِ إلَّا هَذَا فَيَكُونُ إهْدَارًا لِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ لَا تَقْرِيرًا لِلْأُصُولِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَدْنَى عُدُولٍ عَنْ الْأَصْلِ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ الْحُكْمِ بِبَقَاءِ الطَّهُورِيَّةِ فِي الْمَاءِ وَالْحَدَثِ فِي الْمُتَوَضِّئِ أُخِذَ بِالْأَقَلِّ

ص: 209

(وَفِي الثَّانِيَةِ ضِدُّ الْعَقْدِ) أَيْ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ: قَوْله تَعَالَى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] بِاللَّغْوِ ضِدِّ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ اقْتِرَانِهِ بِالْعَقْدِ.

(وَالْعَقْدُ قَوْلٌ يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] فَاللَّغْوُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَخْلُو عَنْ الْفَائِدَةِ وَقَدْ جَاءَ اللَّغْوُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ فَاللَّغْوُ يَكُونُ شَامِلًا لِلْغَمُوسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَتَقْتَضِي هَذِهِ الْآيَةُ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْغَمُوسِ وَالْآيَةُ الْأُولَى تَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّ الْغَمُوسَ مِنْ كَسْبِ

ــ

[التلويح]

وَالْتُزِمَ الْحُكْمُ بِسَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إهْدَارُ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا حُكِمَ بِبَقَاءِ الطَّهُورِيَّةِ وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقَارُبِ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، أَوْ الطَّهُورِيَّةِ وَعَدَمِهَا يُشِيرُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ صَرَّحَ أَوَّلًا بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَأَشَارَ ثَانِيًا إلَى أَنَّ الشَّكَّ فِي الطَّهُورِيَّةِ حَيْثُ قَالَ وَلَا يُزِيلُ الْحَدَثَ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي زَوَالِ الْحَدَثِ فَظَهَرَ أَنَّ لَيْسَ مَعْنَى الشَّكِّ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَا مَظْنُونٍ بَلْ مَعْنَاهُ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ وَوُجُوبُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ حَيْثُ لَا مَاءَ سِوَاهُ، ثُمَّ ضَمَّ التَّيَمُّمَ إلَيْهِ، وَهَذَا حُكْمٌ مَعْلُولٌ، وَكَذَا الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ لَا يُورِثُ الِاشْتِبَاهَ كَمَا إنْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِطَهَارَتِهِ وَآخَرُ بِنَجَاسَتِهِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ، وَلَا إشْكَالَ فِي حُرْمَةِ لَحْمِهِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْحُرْمَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى إذْ الْحِمَارُ يُرْبَطُ فِي الدُّورِ وَالْأَفْنِيَةِ فَيَشْرَبُ مِنْ الْأَوَانِي إلَّا أَنَّ الْهِرَّةَ تَدْخُلُ الْمَضَايِقَ فَتَكُونُ الضَّرُورَةُ فِيهَا أَشَدَّ فَالْحِمَارُ لَمْ يَبْلُغْ فِي الضَّرُورَةِ حَدَّ الْهِرَّةِ حَتَّى يُحْكَمَ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهِ، وَلَا فِي عَدَمِ الضَّرُورَةِ حَدَّ الْكَلْبِ حَتَّى يُحْكَمَ بِنَجَاسَةِ سُؤْرِهِ فَبَقِيَ أَمْرُهُ مُشْكِلًا، وَهَذَا أَحْوَطُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُضَمُّ إلَى التَّيَمُّمِ فَيَلْزَمُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الطَّهُورِ احْتِمَالًا.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ إمَّا بَيْنَ آيَتَيْنِ، أَوْ قِرَاءَتَيْنِ) يَعْنِي فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ كَقِرَاءَتَيْ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] ، فَإِنَّ الْأُولَى تَقْتَضِي مَسْحَ الرِّجْلِ وَالثَّانِيَةَ غَسْلَهَا عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ.

فَإِنْ قِيلَ: الْجَرُّ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الْمَغْسُولِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ وَمَاءُ شَنٍّ بَارِدٍ وَقَوْلِ زُهَيْرٍ:

لَعِبَ الرِّيَاحُ بِهَا وَغَيَّرَهَا

بَعْدِي سَوَافِي الْمَوْرِ وَالْقَطْرِ

، فَإِنَّ الْقَطْرَ مَعْطُوفٌ عَلَى سَوَافِي وَالْجَرُّ بِالْجِوَارِ وَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:

فَهَلْ أَنْتَ إنْ مَاتَتْ أَتَانُكَ رَاكِبٌ

إلَى آلِ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ فَخَاطِبٍ

بِخَفْضِ خَاطِبٍ عَلَى الْجِوَارِ مَعَ عَطْفِهِ عَلَى رَاكِبٍ عُورِضَ بِأَنَّ النَّصْبَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى

ص: 210

الْقَلْبِ وَالْمُؤَاخَذَةُ ثَابِتَةٌ فِي كَسْبِ الْقَلْبِ فَوَقَعَ التَّعَارُضُ فِي الْغَمُوسِ، وَهَذَا مَا قَالَهُ فِي الْمَتْنِ.

(فَاللَّغْوُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ يَشْمَلُ الْغَمُوسَ إذْ هُوَ مَا يَخْلُو عَنْ الْفَائِدَةِ كَقَوْلِهِ: تَعَالَى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا} [مريم: 62] : وقَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ} [القصص: 55] فَأَوْجَبَ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ فَوَقَعَ التَّعَارُضُ فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْأُولَى فِي الْآخِرَةِ بِدَلِيلِ اقْتِرَانِهِ بِكَسْبِ الْقَلْبِ وَفِي الثَّانِيَةِ فِي الدُّنْيَا أَيْ بِالْكَفَّارَةِ فَقَالَ فَكَفَّارَتُهُ. وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْمِلُ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ فِي الثَّانِيَةِ أَيْ فِي الدُّنْيَا)

أَيْ يَحْمِلُ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ. (وَالْعَقْدَ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْأُولَى) أَيْ يَحْمِلُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْعَقْدَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ حَتَّى يَكُونَ اللَّغْوُ هُوَ عَيْنُ اللَّغْوِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى، وَهُوَ السَّهْوُ، فَلَا يَكُونُ التَّعَارُضُ وَاقِعًا لَكِنْ مَا قُلْنَا أَوْلَى مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ عَلَى مَذْهَبِهِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَقْدُ مُجْرًى عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ

ــ

[التلويح]

الْمَحَلِّ جَمْعًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ كَمَا قَوْلُهُ:

يَذْهَبْنَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرًا

عَلَى مَا هُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ النُّحَاةِ، وَهُوَ إعْرَابٌ شَائِعٌ مُسْتَفِيضٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَطْفِ عَلَى الْأَقْرَبِ وَعَدَمِ وُقُوعِ الْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ. وَالْوَجْهُ أَنَّهُ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ مَعْطُوفٌ عَلَى رُءُوسِكُمْ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْحِ فِي الرِّجْلِ هُوَ الْغَسْلُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ:{إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] إذْ الْمَسْحُ يُضْرَبُ لَهُ غَايَةٌ فِي الشَّرْعِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ:

قُلْت اُطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصًا

وَفَائِدَتُهُ التَّحْذِيرُ عَنْ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إذْ الْأَرْجُلُ مَظِنَّةُ الْإِسْرَافِ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا فَعُطِفَتْ عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِتُمْسَحَ لَكِنْ لِيُنَبِّهَ عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَارِ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ غَسْلًا خَفِيفًا شَبِيهًا بِالْمَسْحِ فَالْمَسْحُ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْغَسْلِ هُوَ الْمُقَدَّرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَاوُ، فَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ فِي الْوُضُوءِ مَعَ أَنَّ فِي الْغَسْلِ مَسْحًا وَزِيَادَةً إذْ لَا إسَالَةَ بِدُونِ الْإِصَابَةِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوُضُوءِ هُوَ التَّطْهِيرُ وَذَلِكَ فِي الْغَسْلِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ خَلَفٌ عَنْهُ تَخْفِيفًا فَفِي إيثَارِ الْغَسْلِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَمُوَافَقَةٌ لِلْجَمَاعَةِ وَتَحْصِيلٌ لِلطَّهَارَةِ وَخُرُوجٌ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ.

(قَوْلُهُ: وَالْمُخَلِّصُ) يَعْنِي قَدْ اُعْتُبِرَ فِي التَّعَارُضِ اتِّحَادُ الْحُكْمِ وَالْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ، فَإِذَا تَسَاوَى الْمُتَعَارِضَانِ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَقْوِيَةُ أَحَدِهِمَا يُطْلَبُ الْمُخَلِّصُ مِنْ قِبَلِ الْحُكْمِ، أَوْ الْمَحَلِّ، أَوْ الزَّمَانِ بِأَنْ يُدْفَعَ اتِّحَادُهُ أَمَّا الْأَوَّلُ أَيْ الْمُخَلِّصُ مِنْ قِبَلِ الْحُكْمِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: التَّوْزِيعُ بِأَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ أَفْرَادِ الْحُكْمِ ثَابِتًا بِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ وَبَعْضَهَا مَنْفِيًّا بِالْآخَرِ كَقِسْمَةِ الْمُدَّعَى بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ بِحُجَّتَيْهِمَا.

وَثَانِيهِمَا: التَّغَايُرُ بِأَنْ يُبَيِّنَ مُغَايَرَةَ مَا ثَبَتَ بِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ لِمَا انْتَفَى

ص: 211

وَأَيْضًا الدَّلِيلُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى هِيَ الْمُؤَاخَذَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ بِدَلِيلِ اقْتِرَانِهَا بِكَسْبِ الْقَلْبِ، وَهُوَ يَحْمِلُهَا عَلَى الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فَإِنَّ اللَّغْوَ جَاءَ لِمَعْنَيَيْنِ فَيُحْمَلُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا هُوَ أَلْيَقُ بِهِ وَتُحْمَلُ الْمُؤَاخَذَةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا هُوَ أَلْيَقُ بِهِ مِنْ الدُّنْيَوِيَّةِ، أَوْ الْأُخْرَوِيَّةِ.

(وَأَقُولُ لَا تَعَارُضَ هُنَا وَاللَّغْوُ فِي الصُّورَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ ضِدُّ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ مِنْ الشَّارِعِ أَنْ يَقُولَ: لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِالْغَمُوسِ وَالْمُؤَاخَذَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ فِي الْآخِرَةِ لَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ سَكَتَ عَنْ الْغَمُوسِ وَذَكَرَ الْمُنْعَقِدَةَ وَاللَّغْوَ وَقَالَ الْإِثْمُ الَّذِي فِي الْمُنْعَقِدَةِ يُسْتَرُ بِالْكَفَّارَةِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ الْكَفَّارَةُ) هَذَا وَجْهٌ وَقَعَ فِي خَاطِرِي لِدَفْعِ التَّعَارُضِ.

وَاللَّغْوُ فِي الْآيَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ السَّهْوُ أَمَّا فِي الْآيَةِ الْأُولَى فَبِدَلِيلِ

ــ

[التلويح]

بِالْآخَرِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] فَالْأُولَى تُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى الْيَمِينِ الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِ الْقَلْبِ أَيْ الْقَصْدِ وَالثَّانِيَةُ تُوجِبُ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ اللَّغْوِ، وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ وَفَائِدَةٌ إذْ فَائِدَةُ الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ تَحْقِيقُ الْبِرِّ وَالصِّدْقِ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْغَمُوسِ وَالْمُخَلِّصُ أَنْ يُقَالَ: الْمُؤَاخَذَةُ الَّتِي تُوجِبُهَا الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى الْغَمُوسِ هِيَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْآخِرَةِ وَاَلَّتِي تَنْفِيهَا الثَّانِيَةُ هِيَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الدُّنْيَا أَيْ لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِالْكَفَّارَةِ فِي اللَّغْوِ وَيُؤَاخِذُكُمْ بِهَا فِي الْمَعْقُودَةِ، ثُمَّ فَسَّرَ الْكَفَّارَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] الْآيَةَ، وَلَمَّا تَغَايَرَتْ الْمُؤَاخَذَتَانِ انْدَفَعَ التَّعَارُضُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحْمَلُ الْعَقْدُ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ مِنْ عَقَدْت عَلَى كَذَا عَزَمْت عَلَيْهِ فَيَشْمَلُ الْغَمُوسَ وَيَصِيرُ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ وَاحِدًا، وَهُوَ نَفْيُ الْكَفَّارَةِ عَنْ اللَّغْوِ وَإِثْبَاتُهَا عَلَى الْمَعْقُودِ وَالْغَمُوسِ وَذَلِكَ لِأَنَّ كَسْبَ الْقَلْبِ مُفَسَّرٌ وَالْعَقْدَ مُجْمَلٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُفَسَّرِ وَيَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ وَرُدَّ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهِ عُدُولًا عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ رَبْطُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ الْمُصْطَلَحِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ رَبْطِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ بِالْآخَرِ بِخِلَافِ عَزْمِ الْقَلْبِ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْعَقْدِ فَسُمِّيَ بِهِ مَجَازًا. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بِمَعْنَى الرَّبْطِ إنَّمَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الْمَعَانِي، فَهُوَ فِي الْآيَةِ مَجَازٌ لَا مَحَالَةَ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْقَلْبِ وَاعْتِقَادَهُ بِمَعْنَى رَبْطِهِ بِالشَّيْءِ وَجَعْلِهِ ثَابِتًا عَلَيْهِ أَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ الْعَقْدِ الْمُصْطَلَحِ فِي الْفِقْهِ، فَإِنَّهُ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ الْفُقَهَاءِ.

الثَّانِي: أَنَّ اقْتِرَانَ الْكَسْبِ بِالْمُؤَاخَذَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمُؤَاخَذَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ إذْ لَا عِبْرَةَ بِالْقَصْدِ وَعَدَمِهِ فِي الْمُؤَاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَرُدَّ بِمَنْعِ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا سِيَّمَا فِي الْحُقُوقِ الدَّائِرَةِ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ.

الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ تَكْرَارٌ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَلَا شَكَّ

ص: 212

اقْتِرَانِهِ بِكَسْبِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ مِنْ الشَّارِعِ أَنْ يَقُولَ: لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِالْقَوْلِ الْخَالِي عَنْ الْفَائِدَةِ الَّذِي يَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ أَعْنِي الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ بَلْ اللَّائِقُ أَنْ يَقُولَ: لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِالسَّهْوِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] وَالْمُرَادُ بِالْمُؤَاخَذَةِ الْمُؤَاخَذَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ وَالْمُؤَاخَذَةِ.

وَقَوْلُهُ: {فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤَاخَذَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَفَّارَةِ السِّتَارَةُ أَيْ الْإِثْمُ الْحَاصِلُ بِالْمُنْعَقِدَةِ يُسْتَرُ بِالْكَفَّارَةِ وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ دَلَّتْ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْيَمِينِ السَّهْوِ وَعَلَى الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْمُنْعَقِدَةِ وَهِيَ سَاكِتَةٌ عَنْ الْغَمُوسِ فَانْدَفَعَ التَّعَارُضُ وَثَبَتَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِنَا، وَهُوَ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ فِي الْغَمُوسِ.

(وَأَمَّا الثَّانِي) وَهُوَ الْمُخَلِّصُ مِنْ قِبَلِ الْمَحَلِّ (فَبِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَغَايُرِ الْمَحَلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ فَبِالتَّخْفِيفِ يُوجِبُ الْحِلَّ بَعْدَ الطُّهْرِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ وَبِالتَّشْدِيدِ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ فَحَمَلْنَا الْمُخَفَّفَ عَلَى

ــ

[التلويح]

أَنَّ الْإِفَادَةَ خَيْرٌ مِنْ الْإِعَادَةِ وَرُدَّ بِأَنَّ سَوْقَ الثَّانِيَةِ لِبَيَانِ الْكَفَّارَةِ، فَلَا تَكْرَارَ.

(قَوْلُهُ: وَأَقُولُ لَا تَعَارُضَ هُنَا) وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي دَفْعِ التَّعَارُضِ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّغْوِ فِي الْآيَتَيْنِ هُوَ الْخَالِي عَنْ الْقَصْدِ وَبِالْمُؤَاخَذَةِ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْآخِرَةِ وَالْغَمُوسُ دَاخِلٌ فِي الْمَكْسُوبَةِ لَا فِي الْمَعْقُودَةِ، وَلَا فِي اللَّغْوِ فَالْآيَةُ الْأُولَى أَوْجَبَتْ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى الْغَمُوسِ وَالثَّانِيَةُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا لَا نَفْيًا، وَلَا إثْبَاتًا، فَلَا تَعَارُضَ لَهَا أَصْلًا، وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ رحمه الله حَيْثُ قَالَ نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ اللَّغْوِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَأَثْبَتَهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْإِثْمُ وَنَفَى الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ اللَّغْوِ وَأَثْبَتَهَا فِي الْمَعْقُودَةِ وَفَسَّرَ الْمُؤَاخَذَةَ هَاهُنَا بِالْكَفَّارَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْمَعْقُودَةِ بِالْكَفَّارَةِ وَفِي الْغَمُوسِ بِالْإِثْمِ، وَفِي اللَّغْوِ لَا مُؤَاخَذَةَ أَصْلًا إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَمَلَ الْمُؤَاخَذَةَ الثَّانِيَةَ أَيْضًا عَلَى الْإِثْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ دَارَ الْمُؤَاخَذَةِ إنَّمَا هِيَ دَارُ الْآخِرَةِ.

فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: {فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] تَفْسِيرٌ لِلْمُؤَاخَذَةِ وَالْمُؤَاخَذَةُ الَّتِي هِيَ الْكَفَّارَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الدُّنْيَا وَالْمُخْتَصُّ بِالْآخِرَةِ إنَّمَا هِيَ الْمُؤَاخَذَةُ الَّتِي هِيَ الْعِقَابُ وَجَزَاءُ الْإِثْمِ أُجِيبَ بِالْمَنْعِ بَلْ هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى طَرِيقِ دَفْعِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ أَيْ إذَا حَصَلَ الْإِثْمُ بِالْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ فَوَجْهُ دَفْعِهِ وَسَتْرِهِ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ إلَى آخِرِهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّائِقَ بِنَظْمِ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِنَا لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِكَذَا وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِكَذَا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مُقَابِلًا لِلْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا فَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى إدْرَاكِ الْغَمُوسِ فِي اللَّغْوِ، أَوْ فِيمَا عَقَّدْتُمْ، وَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ الْكَلَامِ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ خِلْوًا عَنْ التَّعَرُّضِ لِلْغَمُوسِ.

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ عُلِمَ حُكْمُهَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ قُلْنَا، وَكَذَلِكَ اللَّغْوُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ لَيْسَ بِحَسَبِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ

ص: 213

الْعَشَرَةِ وَالْمُشَدَّدَ عَلَى الْأَقَلِّ) وَإِنَّمَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ حَصَلَتْ الطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْعَوْدِ، وَإِذَا طَهُرَتْ لِأَقَلَّ مِنْهَا يُحْتَمَلُ الْعَوْدُ، فَلَمْ تَحْصُلْ الطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ فَاحْتِيجَ إلَى الِاغْتِسَالِ لِتَتَأَكَّدَ الطَّهَارَةُ.

(وَأَمَّا الثَّالِثُ) أَيْ الْمُخَلِّصُ مِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ (فَإِنَّهُ إذَا كَانَ صَرِيحَ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ يَكُونُ الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ فَكَذَا إنْ كَانَ دَلَالَتُهُ كَنَصَّيْنِ أَحَدُهُمَا مُحَرِّمٌ وَالْآخَرُ مُبِيحٌ يُجْعَلُ الْمُحَرِّمُ نَاسِخًا؛ لِأَنَّ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانَ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةَ وَالْمُبِيحُ وَرَدَ لِإِبْقَائِهِ ثُمَّ الْمُحَرِّمُ نَسَخَهُ، وَلَوْ جَعَلْنَا عَلَى الْعَكْسِ يَتَكَرَّرُ النَّسْخُ) أَيْ لَوْ قُلْنَا إنَّ الْمُحَرِّمَ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمُبِيحِ فَالْمُحَرِّمُ كَانَ نَاسِخًا لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ ثُمَّ الْمُبِيحُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْمُحَرِّمِ فَيَتَكَرَّرُ النَّسْخُ، فَلَا يَثْبُتُ التَّكْرَارُ بِالشَّكِّ وَفِيهِ نَظَرٌ (لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ الْأَصْلِيَّةَ لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَلَا تَكُونُ الْحُرْمَةُ بَعْدَهُ نَسْخًا) .

وَبَيَانُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُحَرِّمَ لَوْ كَانَ مُتَقَدِّمًا لَكَانَ نَاسِخًا لِلْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ نَاسِخًا لَهَا إنْ قَدْ وَرَدَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ دَالٌّ عَلَى إبَاحَةِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ كَوْنُ الْمُحَرِّمِ نَاسِخًا لِذَلِكَ الْمُبِيحِ لَكِنْ وَرَدَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ غَيْرَ مُسَلَّمٍ، فَلَا يَكُونُ الْمُحَرِّمُ نَاسِخًا لِذَلِكَ الْمُبِيحِ لِمَا عَرَفْت مِنْ تَعْرِيفِ النَّسْخِ

ــ

[التلويح]

إذْ لَا اخْتِلَافَ فِي الْمَفْهُومِ بَلْ فِي الْأَفْرَادِ بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ فَعِنْدَ الْقَائِلِينَ بِعُمُومِ الْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ يَكُونُ الْمَعْنَى لَا يُؤَاخِذُكُمْ شَيْئًا مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ عُقُوبَةً كَانَتْ، أَوْ كَفَّارَةً فِي اللَّغْوِ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِهِمَا، أَوْ بِأَحَدِهِمَا فِي الْمَكْسُوبَةِ وَالْمَعْقُودَةِ عِنْدَ الْحِنْثِ.

(قَوْلُهُ: فَبِالتَّخْفِيفِ) أَيْ قِرَاءَةُ: {يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِتَخْفِيفِ التَّاءِ وَالْهَاءِ تُوجِبُ حِلَّ الْقُرْبَانِ بَعْدَ حُصُولِ الطُّهْرِ سَوَاءٌ حَصَلَ الِاغْتِسَالُ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ وَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْحِلَّ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى:{حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] قَوْلًا بِمَفْهُومِ الْغَايَةِ، فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْحِلَّ كَانَ ثَابِتًا وَالنَّهْيَ قَدْ انْقَضَى بِالطُّهْرِ فَبَقِيَ الْحِلُّ الثَّابِتُ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ النَّهْيِ إيَّاهُ فَعَبَّرَ عَنْ عَدَمِ رَفْعِ الْآيَةِ الْحِلَّ بِإِيجَابِهَا إيَّاهُ تَجَوُّزًا.

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِقِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ حَقِيقَةَ الطُّهْرِ لَكَانَ الْمُنَاسِبُ " فَإِذَا طَهُرْنَ فَأْتُوهُنَّ " فَاتِّفَاقُ الْقُرَّاءِ عَلَى: {يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] أَيْ اغْتَسَلْنَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: حَتَّى يَطْهُرْنَ يَغْتَسِلْنَ أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ فَحَقِيقَةٌ، وَأَمَّا عَلَى التَّخْفِيفِ فَمَجَازٌ بِإِطْلَاقِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ ضَرُورَةَ لُزُومِ الْغُسْلِ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ فَيَكُونُ حُرْمَةُ الْقُرْبَانِ عِنْدَ الدَّمِ مَعْلُومَةً مِنْ قَوْله تَعَالَى:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] وَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222] . . الْآيَةَ لِبَيَانِ انْتِهَاءِ الْحُرْمَةِ وَعَوْدِ الْحِلِّ بِهِ أُجِيبَ بِأَنْ تَفَعَّلَ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى فَعَّلَ كَتَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ إذْ فِي الِانْقِطَاعِ عَلَى الْعَشَرَةِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ حَقِّ الزَّوْجِ إلَى الِاغْتِسَالِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَوَضَّأْنَ أَيْ صِرْنَ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ.

وَفِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ

ص: 214

وَيُمْكِنُ إتْمَامُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ هَذَا النَّظَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا انْتَفَعَ الْمُكَلَّفُ بِشَيْءٍ قَبْلَ وُرُودِ مَا يُحَرِّمُهُ، أَوْ يُبِيحُهُ فَإِنَّهُ لَا يُعَاقَبُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] فَإِنَّ هَذَا الْإِخْبَارَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إنْ انْتَفَعَ بِمَا فِي الْأَرْضِ قَبْلَ وُرُودِ مُحَرِّمِهِ، أَوْ مُبِيحِهِ لَا يُعَاقَبُ ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ الْمُحَرِّمُ فَقَدْ غَيَّرَ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ، وَهُوَ عَدَمُ الْعِقَابِ عَلَى الِانْتِفَاعِ ثُمَّ إذَا وَرَدَ الْمُبِيحُ فَقَدْ نَسَخَ ذَلِكَ الْمُحَرِّمَ فَيَلْزَمُ مِنَّا تَغْيِيرَانِ وَأَمَّا عَلَى الْعَكْسِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا تَغْيِيرٌ وَاحِدٌ فَانْدَفَعَ الْإِيرَادُ الْمَذْكُورُ بِهَذَا التَّقْرِيرِ فَتَقَرَّرَ الدَّلِيلُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، أَوْ نَقُولُ عَنَيْنَا بِتَكَرُّرِ النَّسْخِ هَذَا الْمَعْنَى لَا النَّسْخَ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ.

وَقَدْ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا أَيْ تَكَرُّرَ النَّسْخِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْإِبَاحَةَ أَصْلًا وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا هَذَا أَيْ كَوْنُ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا بِنَاءً عَلَى زَمَانِ الْفَتْرَةِ قَبْلَ شَرِيعَتِنَا فَإِنَّ الْإِبَاحَةَ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ وَذَلِكَ ثَابِتٌ إلَى أَنْ يُوجَدَ الْمُحَرِّمُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَوُقُوعِ

ــ

[التلويح]

الْآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ صَرْفًا لِلْخِطَابِ إلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ وَانْتِهَاءُ الْحُرْمَةِ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ إنَّمَا يَكُونُ الِاغْتِسَالُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّخْفِيفِ أَيْضًا مَعْنَاهُ يَغْتَسِلْنَ مَجَازًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي الْكُلِّ عُدُولًا عَنْ الظَّاهِرِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ الْأَصْلِيَّةَ لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا) .

فَإِنْ قِيلَ: هِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] قُلْنَا إنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ تَقَدُّمُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى النَّصَّيْنِ الْمَفْرُوضَيْنِ أَعْنِي الْمُحَرِّمَ وَالْمُبِيحَ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ أَيْ الْمُحَرِّمَ إنَّمَا يَكُونُ نَاسِخًا لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ إنْ قَدْ وَرَدَ أَيْ إنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي أَيْ الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى زَمَانِ وُرُودِ النَّصِّ الْمُحَرِّمِ وَالْمُبِيحِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ دَالٌّ عَلَى إبَاحَةِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ لَكِنَّ وُرُودَ هَذَا الدَّلِيلِ مُتَقَدِّمًا عَلَى وُرُودِ النَّصَّيْنِ الْمُبِيحِ وَالْمُحَرِّمِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِي جَمِيعِ الصُّوَرِ بَلْ قَدْ، وَقَدْ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ تَقْرِيرَ الدَّلِيلِ بِوَجْهٍ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّظَرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ بِتَمَامٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِقَابِ عَلَى الِانْتِفَاءِ إنَّمَا يَصِيرُ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَعْدَ وُرُودِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى إبَاحَةِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَتَغْيِيرُهُ بِالنَّصِّ الْمُحَرِّمِ لَا يَكُونُ نَسْخًا بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ إلَّا إذَا تَأَخَّرَ الْمُحَرِّمُ عَنْ دَلِيلِ إبَاحَةِ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَبِالْجُمْلَةِ الْمُعْتَبَرُ فِي النَّسْخِ كَوْنُ الْحُكْمِ شَرْعِيًّا عِنْدَ وُرُودِ النَّاسِخِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا إذَا تَقَدَّمَ دَلِيلُ إبَاحَةِ الْأَشْيَاءِ عَلَى دَلِيلِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ.

(قَوْلُهُ: عَنَيْنَا

ص: 215

التَّحْرِيفَاتِ فِي التَّوْرَاةِ، فَلَمْ يَبْقَ الِاعْتِمَادُ وَالْوُثُوقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ فَظَهَرَتْ الْإِبَاحَةُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَهُوَ عَدَمُ الْعِقَابِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ مَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ مُحَرِّمٌ، وَلَا مُبِيحٌ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يُوجَدُ لَهُ مُحَرِّمٌ، وَلَا مُبِيحٌ فَإِنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ ضَرُورِيًّا كَالتَّنَفُّسِ وَنَحْوِهِ فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا كَأَكْلِ الْفَوَاكِهِ فَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَإِنْ أَرَادُوا بِالْإِبَاحَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِإِبَاحَتِهِ فِي الْأَزَلِ فَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَإِنْ أَرَادُوا عَدَمَ الْعِقَابِ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ فَحَقٌّ.

وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى الْحَظْرِ فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِحَظْرِهِ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ وَإِنْ أَرَادُوا الْعِقَابَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ فَبَاطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] وقَوْله تَعَالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] .

وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ عَلَى الْوَقْفِ فَفَسَّرَ

ــ

[التلويح]

بِتَكَرُّرِ النَّسْخِ هَذَا الْمَعْنَى) أَيْ تَكَرُّرِ التَّغْيِيرِ سَوَاءٌ كَانَ تَغْيِيرَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ لَا، فَإِنَّ تَكْرَارَ التَّغْيِيرِ زِيَادَةٌ عَلَى نَفْسِ التَّغْيِيرِ، فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ

(قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يُوجَدُ لَهُ مُحَرِّمٌ، وَلَا مُبِيحٌ) إشَارَةٌ إلَى مَسْأَلَةِ حُكْمِ الْأَفْعَالِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ.

فَإِنْ قُلْت: مَا لَا يُوجَدُ لَهُ مُحَرِّمٌ، وَلَا مُبِيحٌ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، أَوْ مَنْدُوبًا، أَوْ مَكْرُوهًا.

قُلْت: الْمُرَادُ بِالْمُبِيحِ مَا يُقَابِلُ الْمُحَرِّمَ، فَإِنَّ الْإِبَاحَةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى عَدَمِ الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ لَهُ دَلِيلُ الْمَنْعِ، وَلَا دَلِيلُ عَدَمِهِ أَيْ لَمْ يُعْلَمْ تَعَلُّقُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا هِيَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، فَإِنْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا كَالتَّنَفُّسِ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ إلَّا عِنْدَ مَنْ جَوَّزَ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ وَإِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا كَأَكْلِ الْفَوَاكِهِ فَحُكْمُهُ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ رحمهم الله وَالْحُرْمَةُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيَّةِ وَبَعْضِ الشِّيعَةِ وَالتَّوَقُّفُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ هِيَ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ الَّتِي لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ، وَلَا قُبْحٍ، وَأَمَّا الَّتِي يَقْضِي فِيهَا الْعَقْلُ فَهِيَ عِنْدَهُمْ تَنْقَسِمُ إلَى الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَحْظُورِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَمَلَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى مَفْسَدَةٍ، فَأَمَّا فِعْلُهُ فَحَرَامٌ، أَوْ تَرْكُهُ فَوَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهَا، فَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ، فَأَمَّا فِعْلُهُ فَمَنْدُوبٌ، أَوْ تَرْكُهُ فَمَكْرُوهٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى الْمَصْلَحَةِ أَيْضًا فَمُبَاحٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُورَدُ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ عَلَى التَّنَزُّلِ إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ لِلْعَقْلِ حُكْمًا بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَإِلَّا فَالْفِعْلُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ لَا يُوصَفُ عِنْدَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيُقَالُ: عَلَى الْمُبِيحِ إنْ أَرَدْت بِالْإِبَاحَةِ أَنْ لَا حَرَجَ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَلَا نِزَاعَ، وَإِنْ أَرَدْت خِطَابَ الشَّارِعِ فِي الْأَزَلِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ بَلْ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَا حُكْمَ فِيهِ لِلْعَقْلِ بِحُسْنٍ، وَلَا قُبْحٍ فِي حُكْمِ الشَّارِعِ.

فَإِنْ اُسْتُدِلَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَبْدَ وَمَا يَنْتَفِعُ فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي إبَاحَتَهُ لَهُ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ خَلْقِهِمَا وَإِلَّا لَكَانَ عَبَثًا خَالِيًا عَنْ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ نَقْضٌ فَجَوَابُهُ الْمُعَارَضَةُ بِأَنَّهُ مِلْكُ

ص: 216

الْوَقْفَ تَارَةً بِعَدَمِ الْحُكْمِ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَمْنُوعٌ مِنْ اللَّهِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، أَوْ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ وَالْأَوَّلُ حَظْرٌ وَالثَّانِي إبَاحَةٌ، وَلَا خُرُوجَ عَنْ النَّقِيضَيْنِ.

وَأَجَابَ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُبَاحَ هُوَ الَّذِي أَعْلَمَ الشَّارِعُ فَاعِلَهُ أَوْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ، وَهَذَا الْجَوَابُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي شَيْءٍ لَمْ يُعْلِمْ الشَّارِعُ بِالْحَرَجِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَعَدَمِهِ فَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يُعْلِمْ الشَّارِعُ بِالْحَرَجِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَعَدَمِ الْحَرَجِ لَمْ يُعْلِمْ الشَّارِعُ بِعَدَمِ الْحَرَجِ فِيهِ. وَهَذَا كَلَامٌ حَشْوٌ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا، وَقَدْ فُسِّرَ الْوَقْفُ تَارَةً بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا أَمْ لَا وَإِنْ كَانَ حُكْمٌ، فَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ حَظْرٌ، أَوْ إبَاحَةٌ أَمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ بِأَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا أَمْ لَا فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حُكْمًا لَازِمًا إمَّا بِالْمَنْعِ، أَوْ بِعَدَمِهِ وَأَمَّا أَنَّهُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ حَظْرٌ، أَوْ إبَاحَةٌ فَحَقٌّ فَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْحَظْرُ، أَوْ الْإِبَاحَةُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا عِقَابَ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ: إنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَظْرُ، أَوْ الْإِبَاحَةُ وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ بِالْإِبَاحَةِ إذْ لَا مَعْنَى لِلْإِبَاحَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى الْفِعْلِ

ــ

[التلويح]

الْغَيْرِ فَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَالْحِلُّ بِأَنَّهُ رُبَّمَا خَلَقَهُمَا لِيَشْتَهِيَهُ فَتَصِيرَ عَنْهُ فَيُثَابَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِبَاحَةِ عَبَثٌ وَيُقَالُ: عَلَى الْمُحَرِّمِ إنْ أَرَدْت حُكْمَ الشَّارِعِ بِالْحُرْمَةِ فِي الْأَزَلِ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ إذْ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَا مُحَرِّمَ، وَلَا مُبِيحَ بَلْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرَكْ بِالْعَقْلِ حُسْنُهُ، وَلَا قُبْحُهُ فِي حُكْمِ الشَّارِعِ، وَإِنْ أَرَدْت الْعِقَابَ عَلَى الِانْتِفَاعِ فَبَاطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ التَّعْذِيبِ عَلَى مَا صَدَرَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ.

فَإِنْ قُلْت: الْحُكْمُ بِالْحَظْرِ وَالْعِقَابُ عَلَى الِانْتِفَاعِ مُتَلَازِمَانِ فَكَيْفَ جَزَمَ بِبُطْلَانِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.

قُلْت: الْحُكْمُ بِالْحَظْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِقَابَ لِجَوَازِ الْعَفْوِ، وَقَدْ يُقَالُ: عَلَى الْمُحَرِّمِ إنَّ عَدَمَ الْحُرْمَةِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ بَحْرًا لَا يُنْزَفُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْجُودِ وَأَخْذُ مَمْلُوكِهِ قَطْرَةً مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ تَحْرِيمُهَا، فَإِنْ اُسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَتَحْرُمُ أُجِيبَ بِأَنَّ حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَقْلًا مَمْنُوعَةٌ، فَإِنَّهَا تُبْتَنَى عَلَى السَّمْعِ، وَلَوْ سَلِمَ فَذَلِكَ فِيمَنْ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ مَا بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ وَالْمَالِكُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مُنَزَّهٌ عَنْ الضَّرَرِ.

فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْخِلَافُ فِيمَا لَمْ يُدْرَكْ بِالْعَقْلِ حُسْنُهُ، وَلَا قُبْحُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِحُرْمَتِهِ، أَوْ إبَاحَتِهِ.

قُلْت: الْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ خَالِيًا عَنْ أَمَارَةِ الْمَفْسَدَةِ وَبِالْحُرْمَةِ عَدَمُهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي عَدَمَ إدْرَاكِ الْعَقْلِ فِيهِ بِخُصُوصِهِ صِفَةً مُحَسِّنَةً، أَوْ مُقَبِّحَةً، وَأَمَّا التَّوَقُّفُ، فَقَدْ فُسِّرَ تَارَةً بِعَدَمِ الْحُكْمِ وَتَارَةً بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ أَمَّا بِمَعْنَى نَفْيِ التَّصْدِيقِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ أَيْ لَا يُدْرَكُ أَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا أَمْ لَا، وَأَمَّا بِمَعْنَى نَفْيِ تَصَوُّرِ الْحُكْمِ عَلَى التَّعْيِينِ مَعَ التَّصْدِيقِ

ص: 217

وَالتَّرْكِ، وَهَذَا حَاصِلٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ أَيُّهُمَا وَلِقَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ» الْحَدِيثَ «إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» .

(وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُثْبِتًا وَالْآخَرُ نَافِيًا فَإِنْ كَانَ النَّفْيُ يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ كَانَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ بِهِ بَلْ بِنَاءً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَالْمُثْبِتُ، أَوْلَى لِمَا قُلْنَا فِي الْمُحَرِّمِ وَالْمُبِيحِ وَإِنْ احْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ يُنْظَرُ فِيهِ) أَيْ إنْ احْتَمَلَ النَّفْيُ أَنْ يُعْرَفَ بِدَلِيلٍ وَأَنْ يُعْرَفَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ بِنَاءً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ النَّفْيِ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ يَكُونُ كَالْإِثْبَاتِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بِنَاءً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَالْإِثْبَاتُ أَوْلَى.

(فَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَلَالٌ» مُثْبِتٌ

ــ

[التلويح]

بِثُبُوتِ حُكْمٍ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ لَا يُدْرَكُ أَنَّ الْحُكْمَ حَظْرٌ أَوْ إبَاحَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ التَّوَقُّفُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْحُكْمِ فَبَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ جَزْمٌ بِعَدَمِ الْحُكْمِ لَا تَوَقُّفٌ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُسَمَّى تَوَقُّفًا بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْعَمَلِ بِالْفِعْلِ تَكَلُّفٌ.

وَثَانِيهَا أَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ، فَلَا يُتَصَوَّرُ عَدَمُهُ وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ جَائِزٌ عِنْدَهُ، فَلَا يَتَوَقَّفُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالْفِعْلِ عَلَى الْبَعْثَةِ إذْ لَا مُوجِبَ لِلتَّوَقُّفِ سِوَى التَّحَرُّزِ عَلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَرُدَّ بِأَنَّ تَجْوِيزَ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ يَسْتَلْزِمُ الْقَوْلَ بِوُقُوعِهِ، وَلَوْ سَلِمَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَمْتَنِعَ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَتَجْوِيزُ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْأَشْعَرِيِّ بَلْ هُوَ يُنَافِي مَذْهَبَهُ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، فَلَا يَصْلُحُ إلْزَامًا لَهُ.

وَثَالِثُهَا أَنَّ الْفِعْلَ إمَّا مَمْنُوعٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَحْرُمُ، أَوْ غَيْرُ مَمْنُوعٍ فَيُبَاحُ وَأَجَابَ الْإِمَامُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ الْمَنْعِ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَلْزِمُ الْإِبَاحَةَ، فَإِنَّ الْمُبَاحَ مَا أَذِنَ الشَّارِعُ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ، وَهَذَا مَعْنَى إعْلَامِ الشَّارِعِ نَصًّا، أَوْ دَلَالَةً بِأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى فَاعِلِهِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَعَدَمُ الْمَنْعِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي أَفْعَالِ الْبَهَائِمِ.

وَاعْتِرَاضُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ ظَاهِرٌ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ إلَى أَنَّ لِلْعَقْلِ حُكْمًا فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِبَاحَةِ إذْنُ الشَّارِعِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بَلْ مَعْنَاهَا جَوَازُ الِانْتِفَاعِ خَالِيًا عَنْ أَمَارَةِ الْمَفْسَدَةِ، وَأَمَّا عَدَمُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَمِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ. وَمَنْشَأُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ مَعَ أَنَّهُ كَلَامٌ عَلَى السَّنَدِ عَدَمُ تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَتَحْقِيقِ مُرَادِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ هُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِيهِ حُكْمٌ مِنْ الشَّارِعِ لِعَدَمِ الْبَعْثَةِ، وَلَمْ يُدْرِكْ فِيهِ الْعَقْلُ جِهَةَ حُسْنٍ، وَلَا قُبْحٍ كَأَكْلِ الْفَوَاكِهِ مَثَلًا فَهَلْ لِلْعَقْلِ أَنَّهُ يَحْكُمُ حُكْمًا عَامًّا بِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الشَّارِعِ مَأْذُونٌ فِيهِ، أَوْ مَمْنُوعٌ عَنْهُ وَمُرَادُ الْإِمَامِ أَنَّ مَا لَمْ يُمْنَعْ عَنْهُ أَيْ مَا لَمْ يُدْرِكْ الْعَقْلُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ فِي حُكْمِ الشَّارِعِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَيْ مَأْذُونًا فِيهِ

ص: 218

وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ نَافٍ فَإِنَّهُ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِلِّ الْأَصْلِيِّ وَالْإِحْرَامُ حَالَةٌ مَخْصُوصَةٌ تُدْرَكُ عِيَانًا فَكِلَاهُمَا سَوَاءٌ فَرُجِّحَ بِالرَّاوِي وَرُوِيَ أَنَّهُ الْمُحْرِمُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَلَا يَعْدِلُهُ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ وَنَحْوُهُ) هَذَا نَظِيرُ النَّفْيِ الَّذِي يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ.

اعْلَمْ أَنَّ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ جَائِزٌ عِنْدَنَا تَمَسُّكًا بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَتَمَسَّكَ الْخَصْمُ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام تَزَوَّجَ، وَهُوَ حَلَالٌ» وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِلِّ الْأَصْلِيِّ

ــ

[التلويح]

مِنْ الشَّارِعِ إعْلَامًا بِأَنْ يَرِدَ دَلِيلٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، أَوْ دَلَالَةً بِأَنْ يُرْشِدَ الشَّارِعُ الْعَبْدَ بِعَقْلِهِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يُعْلِمْ الشَّارِعُ بِالْحَرَجِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَعَدَمِ الْحَرَجِلَمْ يُعْلِمْ الشَّارِعُ بِعَدَمِ الْحَرَجِ فِيهِ لِيَكُونَ حَشْوًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ الشَّارِعُ فَاعِلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بِأَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ بِعَقْلِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ التَّوَقُّفُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ حُكْمًا لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ فِعْلٍ حُكْمًا إمَّا بِالْمَنْعِ عَنْهُ، أَوْ بِعَدَمِ الْمَنْعِ وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْمَنْعِ وَالْحُكْمِ بِعَدَمِ الْمَنْعِ حَتَّى يَمْتَنِعَ ارْتِفَاعُهُمَا وَإِنَّمَا التَّنَاقُضُ بَيْنَ الْحُكْمِ وَعَدَمِ الْحُكْمِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْإِبَاحَةَ، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ التَّوَقُّفُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّ حُكْمَهُ الْإِبَاحَةُ أَوْ الْحَظْرُ فَحَقٌّ إذْ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ مِنْ الشَّارِعِ، وَلَا مَجَالَ مِنْ الْعَقْلِ، وَهَذَا يُسَاوِي الْقَوْلَ بِالْإِبَاحَةِ مِنْ جِهَةِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَا عِقَابَ عَلَى الْفِعْلِ، وَلَا عَلَى التَّرْكِ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُتَوَقِّفِ هُوَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ بِالْعِقَابِ وَعَدَمِهِ. وَعَدَمُ الْقَوْلِ بِالْعِقَابِ أَعَمُّ مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْعِقَابِ فَكَيْفَ يَتَسَاوَيَانِ؟ فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا عِقَابَ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْعِقَابِ قَوْلٌ بِالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَاهَا عَلَى مَا فَسَّرَهَا، فَلَا تَوَقُّفَ.

(قَوْلُهُ: وَلِقَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى جَعْلِ الْمُحَرِّمِ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانَ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةَ.

(قَوْلُهُ: فَالْمُثْبِتُ أَوْلَى) إذْ لَوْ جَعَلَ الْبَاقِيَ أَوْلَى يَلْزَمُ تَكَرُّرُ النَّسْخِ بِتَغْيِيرِ الْمُثْبِتِ لِلنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، ثُمَّ النَّافِي لِلْإِثْبَاتِ وَأَيْضًا الْمُثْبِتُ يَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ كَمَا فِي تَعَارُضِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِجَعْلِ الْجَرْحِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْمُثْبِتَ مُؤَسِّسٌ وَالنَّافِيَ مُؤَكِّدٌ وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنْ التَّوْكِيدِ وَعَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ أَنَّ النَّافِيَ كَالْمُثْبِتِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ دَلَّ بَعْضُ الْمَسَائِلِ عَلَى تَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ وَبَعْضُهَا عَلَى تَقْدِيمِ النَّافِي فَلِذَا احْتَاجَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى بَيَانِ ضَابِطٍ فِي تَسَاوِيهِمَا وَتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ أَنَّ النَّفْيَ إنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ وَإِلَّا فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ بِالدَّلِيلِ تَسَاوَيَا، وَإِنْ احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ يُنْظَرُ لِيُتَبَيَّنَ الْأَمْرُ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي بَابِ

ص: 219